«الجيش الأبيض» يواجه الموجة الرابعة مُنهكًا
مع بدء الموجة الرابعة من فيروس كورونا، يقف كثير من الأطباء منهكين، لم يتمكنوا من التقاط الأنفاس، ونسيان أهوال ما عاشوه خلال نوبات الوباء المتكررة خلال الشهور الـ18 الماضية.
«نتألم في صمت، بنشتغل في ظروف ميستحملهاش إنسان، الموت تفصيلة عادية في يومنا، موت زمايلنا أو موت المرضى، الزعل والاكتئاب بالنسبة لنا رفاهية معندناش وقت ليها»، تقول مديرة قسم الطوارئ بمستشفى صدر العباسية، أسماء النمر، لـ«مدى مصر»، والتي أجبرها الوباء على مواصلة العمل بدون إجازة.
تغيرت نظرة الكثير إلى دور الأطباء خلال شهور الوباء الطويلة، لكن هذه التغييرات جاءت شكلية في معظم أوجهها. وعلى الرغم من الاهتمام الرسمي الكبير الذي أحاط بمختلف حلقات منظومة الخدمات الصحية في هذه الفترة، إلا أن حلقة الأطباء لم تحظَ بعناية كافية، رغم كونها أضعف حلقات المنظومة، والتحديات الهائلة التي يواجهونها في عملهم.
من ناحية، واجهت مصر -حتى قبل الوباء- أزمة كبيرة بسبب هروب الأطباء. تشير تقديرات رسمية إلى تسرب 62% من الأطباء الحاصلين على ترخيص بمزاولة المهنة إما عبر السفر للخارج أو الاستقالة من العمل الحكومي أو الحصول على إجازات بدون راتب. وتفاقم هذا خلال الوباء. بحسب تقديرات بحثية، هاجر سبعة آلاف طبيب بعد الموجة الأولى لكورونا خلال العام الماضي فقط.
ومن ناحية أخرى، واجه الأطباء الذين استمروا في عملهم الحكومي ظروف عمل صعبة خلال الوباء. اقتربت وفيات الأطباء بسبب كورونا من 600، وبلغت نسبتها أضعاف المعدلات العالمية.
وفي المقابل، فشلت محاولات الأطباء في تحقيق استجابة لمطالبهم المستمرة منذ سنوات لتحسين بيئة عملهم وزيادة رواتبهم، باستثناء علاوات مالية تدور في فلك الجنيهات، وتكريمات معنوية محدودة.
وسط هذه الظروف، يتساءل بعض الأطباء عن جدوى الاستمرار في العمل الحكومي. يستعرض «مدى مصر» في هذا التقرير تجارب أربعة أطباء يعملون في الصفوف الأولى في مستشفيات العزل والحميات والصدر، وعملوا في ظل كورونا منذ الإعلان رسميًا عن دخوله مصر قبل عامين تقريبًا.

تعودت أسماء منذ بدء عملها في مستشفى صدر العباسية قبل سبع سنوات على التكيف مع ضغط الشغل وزحام المرضى، خصوصًا في مواسم انتشار الأنفلونزا والأمراض الربوية في الشتاء والربيع. لكن العمل في ظل كورونا هو «أسوأ» تجربة مرت بها منذ تخرجها من الجامعة عام 2012، بحسب وصفها.
مع بداية كورونا، كانت الطبيبة الحاصلة على ماجستير الأمراض الصدرية تعمل في قسم العزل الداخلي بالمستشفى. ورغم أنها أم لطفلين أحدهما رضيع، إلا أنها كانت تقضي نصف يومها في المستشفى، خصوصًا في ظل نقص عدد الأطباء بالمستشفى بشكل عام، والأطباء الذكور بشكل خاص، ما ساعد في ترقيتها رغم صغر سنها (32 عامًا) بعد أشهر قليلة من بداية كورونا إلى مديرة لقسم الطوارئ بالمستشفى.
ترقية أسماء لم تساعدها في تخفيف عبء العمل وضغوطه. «كنت بتعامل مع حالات مستقرة نوعًا ما في العزل ولو مريض أكسجينه قل أو حالته اتدهورت بننقله الرعاية». وعلى العكس «في الطوارئ الشغل مرعب».
وجدت أسماء نفسها يوميًا في ما يشبه ساحة حرب. «كم رهيب من المرضى وأسرهم حالات حرجة، وحالات جاية منتهية، وحالات جاية متوفية»، تقول «الناس كانت بتبوس ايدينا عشان نساعد أهاليهم، واللي يقولي بابا توفى من أيام والنبي انقذي أمي، والأم اللي ابنها أو بنتها بيموتوا وزمايلنا الدكاترة اللي كانوا بيموتوا أو بييجولنا مصابين».
تجربة أسماء تكاد تتماثل مع تجربة زميلها بمستشفى حميات العباسية، الذي تحدث لـ«مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه، بعد ترقيته خلال فترة كورونا. «اللي كنا بنشوفه فوق طاقة البشر»، بحسب وصفه، «العيانين في كل مكان في العنابر والطرقات وطوابير أمام المستشفى، ومش قادرين نقدم خدمة طبية كويسة، مفيش سراير فاضية ولا قوة بشرية تكفي، ولكن وقفنا وكملنا وعملنا اللي نقدر عليه ومسبناش ساحة المعركة». طبقًا له، فإن «البلد سابت المستشفيات الحكومية في وش الشعب».
ضغط العمل لم يختلف كثيرًا خارج مستشفيات العاصمة. يشير أحمد عبد الله، أخصائي الأمراض الصدرية بمستشفى صدر دمياط، لـ«مدى مصر»، إلى أن حاجة العمل في الظروف العادية لم تكن تتجاوز طبيب طوارئ واحد وآخر في العناية المركزة في النبطشية. لكن مع انتشار الوباء، تجاوز إقبال المرضى على المستشفى كل طاقة العمل. «عشان نلاحق على المرضى كنا بنبقى ثلاثة في الاستقبال وقصادهم اثنين في الرعاية»، يقول. وأجبر هذا جميع الأطباء على الاستمرار في العمل دون توقف، ومن بينهم أطباء وطبيبات أحيلوا للتقاعد.
في هذه الظروف، لم تكن تخصصات الأطباء تمثل فارقًا. الجميع يعمل لمواجهة الوباء. يقول نشأت الصياد، طبيب عظام بمستشفى السنطة بالغربية، إنه لم يكن لديه خبرة تذكر في مجالات الباطنة والصدر والعناية المركزة، وكان يتواصل مع زملائه ويتبادل معهم المعلومات الخاصة بالوباء وبطرق التعامل مع المرضى، والأخبار الخاصة بوفيات الأطباء.
«كنا مرعوبين جدًا في البداية، كل واحد مننا عنده زمايل دفعة وقرايب ماتوا وهو معرفش يعملهم حاجة»، يقول، «الناس كانت بتترجانا ننقذ أهاليهم، وكنا بنقعد نسأل في مستشفيات المحافظة كلها على سرير عناية فاضي ومنلاقيش».
يتفق الأطباء الأربعة على أن كورونا ساهمت في إلزام الحكومة رفع كفاءة كثير من المستشفيات وخصوصًا الحميات والصدر والعزل، غير أنها لم تفعل الأمر نفسه بالنسبة للأطباء.
توضح الطبيبة بـ«صدر العباسية» أن الوزارة حرصت خلال أزمة كورونا على دعم كفاءة المستشفيات وخصوصًا مستشفيات العزل، وذلك بتوفير احتياجات المريض في مكان واحد. على سبيل المثال، في حال احتياج مريض كورونا إلى غسيل كلوي، يتم توفير وحدة غسيل داخل مستشفى العزل تجنبًا لتنقل المريض بين عدد من المستشفيات. كما دفع الوباء إلى توفير جهاز أشعة مقطعية جديد ووحدة غسيل كلوي تحت الإنشاء للمستشفى، فضلًا عن الانتهاء من مبنى ظل تحت الإنشاء داخل المستشفى سنوات طويلة، وآخر كان متهالك تم تجديده وصيانته وفتحه للمرضى. كما سمحت التبرعات التي كانت تأتي للمستشفى بتوفير عدد من مستلزمات الوقاية والأدوية.
الأمر نفسه تكرر في «حميات العباسية» التي توفر لها عدد من خزانات الأكسجين أحدها بالتبرعات، إلى جانب جهاز تحليل PCR، بحسب طبيب الحميات. كما ارتفعت الطاقة السريرية لها، وتم بناء عدد من العنابر الجديدة بها إلى جانب صيانة القديمة.
الأمر ذاته يحدث مع مستشفيات المحافظات الأخرى، وإن كان بوتيرة أبطأ. بحسب الطبيب أحمد عبد الله، يعاني مستشفى صدر دمياط من نواقص كثيرة، ولكن تم إمداده مؤخرًا بجهاز أشعة مقطعية وخزانات أكسجين جاري تركيبها في الوقت الراهن. الحال نفسه بالنسبة لمستشفى السنطة الذي تم تطوير بعض أقسامه وإمدادها بخزانات أكسجين، لكنه ما زال في حاجة إلى أجهزة أشعة.
وفي المقابل، لم يتلقَ الأطباء جانبًا من هذا التطوير، بحسب رأيهم. يقول طبيب «حميات العباسية» إن أكثر من 60% من القوة البشرية الطبية لا تعمل في مستشفيات وزارة الصحة، وأغلبها تعمل في دول الخليج.
السبب الرئيسي في هذا هو المقابل المادي المنخفض الذي يحصلون عليه. يشير إلى أنه يعمل في مستشفيات وزارة الصحة منذ 11 عامًا، ولكن مرتبه لم يتجاوز 3500 جنيه.
يتفق الصياد موضحًا أن الدولة تعامله ماليًا معاملة موظفي الدرجة الثانية في دواوين الحكومة. لهذا يتقاضى راتب ثلاثة آﻻف جنيه شهريًا، تمامًا كموظف مجلس المدينة أو موظف الحي الذي يُنهي عمله الساعة الثانية ظهرًا رغم أنه يضطر للعمل في نبطشيات تستمر 24 ساعة، وفي الأعياد والإجازات.
إلى جانب راتبها، وقيمته ثلاثة آﻻف جنيه، تحصل مديرة الطوارئ بمستشفى صدر العباسية، كذلك على مكافأة استثنائية قرر الرئيس السيسي صرفها للأطباء والعاملين بمستشفيات الحميات والصدر والعزل خلال مدة الوباء. لكن المكافأة تُحسب وفقًا لساعات عمل وعدد النبطشيات، وتختلف من طبيب لآخر. صحيح أنها «تسند المرتب» لكنها «مؤقتة».
يضطر طبيب «حميات العباسية» للعمل في أكثر من مستشفى خاصة إلى جانب عمله الحكومي. «بشيل شيفت هنا وشيفت هنا عشان أقدر أفتح بيت»، يقول. ويسري هذا على الجميع. تقول طبيبة «صدر العباسية» إن «أي حد معتمد على مرتب الحكومة بيضطر يشتغل برايفت ويشيل شيفت واتنين وثلاثة أو يفتح عيادة ويشتغل عدد ساعات أكبر من طاقته، وفي دكاترة بتموت من الإرهاق وأحيانًا فيه أطباء بيسيبوا الطب».
وبالمقارنة، يشير طبيب «حميات العباسية» إلى أن زميله بنفس الدفعة، والذي يعمل في السعودية، يتقاضى ما قيمته 125 ألف جنيه شهريًا. وبالنظر إلى ظروف العمل غير الآدمية في مصر، واتهام الأطباء باستغلال الوباء عندما يطالبون بأبسط حقوقهم، فإن غالبية الأطباء يتوجهون للخليج أو ينتظرون فرصة للعمل هناك.
تسبب هذا في أزمة حادة في نقص عدد الأطباء. بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، هناك ثمانية أطباء لكل عشرة آلاف مواطن مصري، وهي نسبة تنخفض كثيرًا عما توصي به المنظمة (34 طبيبًا لكل 10 آلاف مواطن).
ظهرت تداعيات هذا النقص خلال شهور الوباء. واجه الأطباء المصريون معدلات وفاة مرتفعة للغاية مقارنة بنظيراتها في مختلف أنحاء العالم. منذ بداية الوباء وحتى 17 أغسطس الماضي، نعت نقابة الأطباء 588 بنسبة 3.5% من إجمالي وفيات كورونا، وهي نسبة مرتفعة للغاية إذا تم مقارنتها بمثيلتها في دول مثل إيطاليا أو بريطانيا على سبيل المثال، وثَّقت منظمة العفو الدولية في مارس الماضي وفاة 407 أطباء في إيطاليا بنسبة 0.4% من إجمالي وفيات كورونا في البلد الأوروبي، في نفس اليوم (99 ألف و271 حالة وفاة)، و931 طبيبًا في بريطانيا بنسبة 0.7% من إجمالي وفياتها (124 ألف و495 حالة وفاة). في المقابل، في نفس التوقيت، وثَّقت نقابة الأطباء في مصر 390 حالة وفاة بين أعضائها من إجمالي 10 آلاف و916 حالة وفاة رسمية في البلاد بنسبة 3.5% (وهو حصر شككت وزيرة الصحة فيه). ولم يتوفر حصر مماثل من النقابات المسؤولة عن باقي العاملين الصحيين من صيادلة وتمريض ومسعفين وفنيين وإداريين.
يحدث هذا بينما امتنعت الدولة عن تخصيص مكان لعلاج الأطباء أسوة بالعاملين في وزارات وقطاعات أخرى في الدولة لجأوا إلى مستشفيات مخصصة لهم تتبع جهات عملهم. «الأطباء بيموتوا من كورونا يوميًا عشان مفيش سرير عناية مركزة فاضي ليهم»، تقول أسماء.
إلى جانب هذا، تستمر الاعتداءات التي يتعرض لها الأطباء أثناء عملهم. في أبريل الماضي، تعرض الصياد أثناء عمله بقسم العزل بمستشفى السنطة للاعتداء بالضرب من أهالي أحد المصابين بفيروس كورونا، ما تسبب في كسور بعدد من أصابع يديه.
تكررت هذه الاعتداءات طوال الأعوام الماضية دون أن تتمكن الدولة من مواجهتها أو التعامل معها. لكن استمرارها أثناء الوباء، وسط الضغط الكبير الذي تعرض له الأطباء، وانخفاض المقابل المادي، وارتفاع المخاطر التي تهدد حياتهم نفسها، يضاعف من مرارتها. اعتبر الصياد هذا دليلًا على عدم تقدير أي من الدولة أو المجتمع لما يواجهونه.
تسببت هذه الضغوط في تخلي بعض الأطباء عن مسؤولياتهم. يشير طبيب «الحميات» إلى أن أحد المديرين السابقين اشتكى في وقت من الأوقات من عدم قدرته على تحمل ضغط العمل فتم استبداله بآخر.
وفي مواجهة الأزمة، اضطرت وزارة الصحة لترقية أطباء وطبيبات حديثي التخرج ممن عملوا بمستشفيات العزل إلى مناصب قيادية، سواء بتولي إدارة تلك المستشفيات، أو تعيينهم كوكلاء لمديرية الشؤون الصحية في المحافظات.
يوضح طبيب «حميات العباسية» الذي بدأ العمل في المستشفى قبل أكثر من عشرة أعوام ووصل إلى أحد مناصبها القيادية بعد أشهر من انتشار الوباء في البلاد أن «كورونا عملت تغييرات جذرية وألزمت الوزارة بالاستعانة بالشباب اللي مهربوش في المناصب القيادية».

في مواجهة مطالب الأطباء وشكاويهم، قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ نهاية الشهر الثاني لظهور فيروس كورونا في البلاد (مارس 2020) منح الأطباء وباقي أعضاء الفريق الطبي، في المستشفيات التابعة لوزارتي الصحة والتعليم العالي، ثلاثة امتيازات مادية: الأول هو زيادة بدل المهن الطبية بنسبة 75% عما هو قائم، ليحصل الأطباء ضمن رواتبهم على 1200 جنيه بدلًا من 700 جنيه فقط قبل كورونا، وهو ما تم بالفعل وصرفه الأطباء ضمن رواتبهم.
والامتياز الثاني يخص العاملين بمستشفيات عزل مرضى كورونا والحميات والصدر والمعامل المركزية على مستوى الجمهورية فقط، وتضمن صرف مكافآت استثنائية لهم، لم يحدد الرئيس قيمتها، من صندوق تحيا مصر.
أما الامتياز الثالث فتمثل في تأسيس صندوق للتعويض عن مخاطر للعاملين بالمهن الطبية، تتكون موارده من استقطاعات من رواتب الأطباء والتمريض والفنيين لتعويض مَن تعرضوا لمخاطر بسبب ممارسة المهنة (الوفاة أو الإصابة بنسبة عجز)، منذ بداية وجود فيروس كورونا في مصر في 13 فبراير 2020. غير أنه بعد عام ونصف من قرار الرئيس، لم يبدأ الصندوق في صرف أي تعويضات للأطباء أو باقي أعضاء الفريق الطبي بعد.
اعتبرت إيمان سلامة، عضوة مجلس نقابة الأطباء، هذه القرارات خطوة إيجابية كبداية يعوَّل عليها، لكنها لا تكفي لعلاج آثار سنوات طويلة من الإهمال.
طالبت نقابة الأطباء، منذ تسجيلها لأول حالة وفاة بين صفوف أعضائها بسبب كورونا في مارس 2020، بإدراج ضحايا كورونا من الفرق الطبية، ومنهم الأطباء، ضمن فئة المستفيدين من صندوق تكريم شهداء ضحايا الجيش والشرطة ومنحهم نفس الامتيازات.
وعلى الرغم من أن الأطباء الأربعة الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» لا يتابعون أنشطة نقابة الأطباء ولا يعولون على أزماتها المتكررة مع وزارة الصحة في حل مشاكلهم، إلا أنهم اتفقوا على عدالة المطالبة بمساواة ضحايا كورونا من الأطباء بشهداء الجيش والشرطة، معتبرين أن الأطباء الذين أصيبوا بعجز كلي أو نصفي أو فقدوا حياتهم بسبب عملهم، لا يوجد مال يعوض تضحياتهم، ولكن حقهم على الدولة هو التكريم ومنح أبنائهم امتيازات تعينهم على الحياة.
يلاحظ استشاري النساء والتوليد، تامر النحاس، أن قضية «شهداء الأطباء» لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه، خصوصًا مع تجاهل أجهزة الدولة وآلتها الإعلامية تسليط الضوء على بطولاتهم بالقدر الكافي.
يظهر هذا، بالنسبة له، في الوصف الذي استخدمته السلطة ووسائل الإعلام للحديث عن الأطباء باعتبارهم «الجيش الأبيض»، وكأن كلمة طبيب ليست كافية. وحتى هذا لم يكن كافيًا للمساواة بين تضحيات جنود «الجيش الأبيض» وتضحيات الجيش الحقيقي في الامتيازات المادية والمعنوية.
لكن، الأمر تجاوز الإهمال الإعلامي ووصل إلى أوامر واضحة بالتوقف عن طلب مساواة تضحيات الأطباء بالجيش والشرطة. بحسب مصدرين من أعضاء مجلس نقابة الأطباء، طلبا عدم ذكر اسميهما، لـ«مدى مصر»، أُجبرت النقابة على التوقف عن ترديد هذا المطلب في مارس الماضي، بعدما طالبت جهات أمنية عددًا من أعضاء النقابة بالتوقف عن ترديد هذا المطلب استجابة لأوامر عليا.
جاء هذا بعد حضور وزيرة الصحة ومستشار الرئيس للشؤون الصحية احتفالية يوم الطبيب داخل النقابة في مارس الماضي. خلال هذه الاحتفالية، شددت الوزيرة على أن القيادة السياسية تقدر بطولات وتضحيات الأطباء في مواجهة فيروس كورونا، لكنها لا تستطيع ضم مصابي وأسر شهداء كورونا من الفرق الطبية إلى صندوق شهداء الجيش والشرطة لوجود صندوق خاص بهم، في إشارة إلى صندوق التعويض عن مخاطر المهن الطبية.
لكن، الفارق بين موارد صندوق المهن الطبية لضحايا كورونا من الأطباء والامتيازات التي يوفرها، مقارنة بصندوق تكريم شهداء الجيش والشرطة، شاسع. تشرح إيمان سلامة أن صندوق المهن الطبية صندوق زمالة، تأتي أغلب موارده من استقطاعات من رواتب الأطباء أو ما يدفعونه من رسوم، ويقتصر دوره على صرف مبلغ تعويض لمرة واحدة سواء أهالي الشهداء أو المصابين بعجز كلي أو جزئي.
يختلف هذا تمامًا عن صندوق تكريم شهداء الجيش والشرطة، والذي يشارك الشعب كله في موارده (من حصيلة خدمات الجهات العامة والقطاع العام وتذاكر الطيران والمباريات الرياضية والحفلات الغنائية وكراسات الشروط للمناقصات والمزايدات وعقود التوريدات وطلبات حجز الأراضي والوحدات السكنية واشتراكات النوادي ورواتب العاملين بالجهات الحكومية إلى جانب مساهمة إجبارية من الطلاب، وغيرها).
ويقدم صندوق الجيش والشرطة الرعاية والدعم في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والصحية والتعليمية للمستفيدين منه، بداية من صرف مبلغ تعويض للمصابين وأسر الشهداء مرورًا بصرف معاش شهري، ومِنح أو دُفعات دورية، إضافة إلى توفير فرص الدراسة في التعليم الحكومي والخاص، والعمل، وإتاحة الخدمات الصحية وتخفيضات في المواصلات العامة بنسبة 50% وتوفير فرص حج وتوفير وحدات سكنية، إلى جانب إطلاق أسماء شهداء الجيش والشرطة على الشوارع والميادين والمدارس تخليدًا لذكراهم.
أحد أعضاء مجلس النقابة فسّر استجابة المجلس لتلك الأوامر بالتحديات الكثيرة التي تواجهها النقابة. أحد هذه التحديات هي الدعوى القضائية التي تنظرها محكمة الأمور المستعجلة لفرض الحراسة القضائية على النقابة. وعلى الرغم من أن تلك القضية رفعها أحد المواطنين، إلا أن وزيرة الصحة لم تتوانَ عن الانضمام لهذا المواطن في الدعوى، واتهام النقابة بإثارة الرأي العام والتحريض ضد الحكومة ووزارة الصحة، مضيفًا أن سيف الحراسة معلق على رقبة مجلس النقابة.
إلى جانب هذا، يضيف المصدر، يخشى الأطباء الزج بهم في السجون وتوجيه اتهامات لهم بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة كما حدث في يونيو 2020 عندما ألقت قوات الأمن القبض على سبعة أطباء بسبب إطلاقهم هاشتاج بعنوان «الأطباء مش متقاعسين يا مدبولي» ردًا على انتقاد رئيس الوزراء للأطباء واتهامهم بالتقصير.
بسبب كل هذا، يعتبر الصياد أن ما حدث مع الأطباء خلال الشهور الماضية يمثل «معجزة». وعلى الرغم من أنه لم يستطع التعافي مما عاشه خلال تجربة كورونا بعد، إلا أنه يعتبر استمراره على قيد الحياة واستمرار الأطباء في تقديم الخدمة الطبية أمرًا إيجابيًا يستحق التقدير.
تقارير ذات صلة
الضريبة على «المشروبات المُحلاة».. بحثًا عن صحة أفضل أم موارد أكثر؟
مصدر: وزارة المالية متحفظة على إقرارها تجنبًا لأية إجراءات قد تغذي صعود التضخم الذي بدأ في التحسن
تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير»
«التصرف السياسي» يحكم مصير إمبراطورية «بلبن»
إمبراطورية «بلبن» من «آسفين عشان جامدين» إلى «لو في غلط متقتلنيش».. فلم يقتلوا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن