تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
التوني وغلافه وألوانه

التوني وغلافه وألوانه

كتابة: هاني المصطفى 5 دقيقة قراءة

هذا النص ضمن العدد #04 من «مُنتهى الأدب»

بمناسبة رحيل حلمي التوني (1934-2024)، قلّبنا أغلفة كتبه. الفنان الذي أتى بمفهوم جديد لتصميم الأغلفة نابع من فهمه لوظيفة الغلاف كمحطة للترحيب بالقارئ. فاختار الألفة والبهجة في الخطوط والألوان والكتل التي يمهّد بها الطريق للدخول إلى عالم الكتاب، كأنه يقف على الغلاف حاملًا في يده بوكيه بهجة وألفة للقارئ. فلا يستطيع هذا القارئ أن يمنع نفسه من الابتسام عندما يمسك بغلاف كتاب من تصميم التوني.

لا يتغيّر الحال بتغيّر محتوى الكتاب، فالتوني يعلم أن قارئه سيذهب لشراء الكتاب في حالة سعادة حتى ولو كان عنوانه المرأة والصراع النفسي، فيقابله بلوحة تحمل طرافة ما في تقاطع سيدتين داخل كتلة واحدة مكوّنة من نصف طائر ونصف امرأة. الخطوط انسيابية والألوان الحمراء الدافئة تأخذ النصيب الأكبر من الصورة ويكتفي بمساحة صغيرة للألوان الباردة في منتصف التكوين، لكن لا يترك الناظر هناك فيرسم له سمانة أنثوية بضة يزينها خلخال أحمر، بينما تشير أصابع القدم إلى اسمه الموقع بخط صغير. 

caption

***

لا يمر القارئ إلى غلاف التوني دون محطة ترحيب، فالفنان ينتمي إلى زمن يحتفي بالزيارات كطقس اجتماعي عام ويعبّر عنها بعبارات ومجاملات فيها مبالغة مثل: خطوة عزيزة.. يا ألف مرحب.. ده إحنا زارنا النبي.. منورين يا جماعة.. أهلًا أهلًا بيكم. من هذه العبارات وما تحملها من شحنات عاطفية تولد ألوان وخطوط وكتل غلاف التوني. حتى عندما يستعير مذهب محي الدين اللباد في تفسير محتوى الكتاب، عندما دُعي إلى تصميم أغلفة روايات نجيب محفوظ في طبعتها التالية لمرحلة هيمنة أسلوب جمال قطب، فإنه يأتي بموتيفات بصرية أو معالجات لما نعرفه عن محتوى هذه الروايات التي أصبحت في وقت تصميمه لأغلفتها أكثر ألفة لدى الجمهور. فقد تحول أغلبها إلى أفلام ومسلسلات.

caption

«دنيا الله» التي تحمل عنوان القصة الأولى من مجموعة محفوظ، تحكي عن موظف حكومي بسيط، يعمل ساعيًا، تدفعه حياته القاسية إلى سرقة أموال الشركة ليستمتع بها مع امرأة جميلة لا يستطيع إغراءها سوى بالأموال، وينفذ خطته بالفعل ويهرب بها إلى إحدى كبائن الإسكندرية دون أي تفكير فيما هو أبعد من ذلك.

 

اغتنام الفرصة وإشباع الرغبة هو كل شيء. اشتهرت المجموعة بغلاف من تصميم جمال قطب في شكل لوحة يشغلها أبطال القصة تعلو وجوههم تعبيرات الرغبة واللهو والحياة القاسية، كما تحولت إلى فيلم سينمائي في الستينيات. لكن عندما يقدم حلمي التوني غلاف «دنيا الله»، يقابل قارئه بما يعرفه عن القصة ولكن في حالة بصرية جديدة خاصة باختيار التوني من ألوان وكتل وأشكال. فالبطيخة شديدة الحُمرة إلى جانب عنقود العنب شديد الزرقة هي لوحة الغلاف وليست المرأة الجميلة والرجل الراغب في إغرائها وامتلاكها كغلاف قطب. استخدام الفاكهة يحمل التوتر الناجم عن الرغبة والاشتهاء والخوف من الإحباط، لكن بخطوط سلسة وحالة كرنفالية تتفق مع علامة حلمي التوني المميزة.

caption

***

تشكل المرأة في أغلفة التوني ملمحًا آخر من علاماته الفنية المميزة. أدعوك عزيزي القارئ لتأمل الأغلفة التالية: ثلاثية غرناطة، أو ترجمة رواية أوي كينزابورو «الصرخة الصامتة» -بورتريهات المرأة المصرية- بورتريهات المرأة الفلسطينية. ستجد موتيفات الثقافة الخاصة لكل امرأة: تمويجة الشعر الإسباني، ضمة الشعر لأعلى والعيون الأصغر حجمًا المستعارة من ثقافة شرق آسيا، الملاية اللف والمنديل واليشمك المصرية، والمفتاح والبرتقال والصبار والألوان الأبيض والأحمر والأخضر والأسود لعلم فلسطين. بين تفاصيل كل ثقافة خاصة تسكن نفس المرأة ذات الوجه الدائري، سحبة العيون، دقة الأنف والفم، والمساحات الواسعة في صفحة الوجه. تلك المرأة ليست فلسطينية أو إسبانية أو يابانية بل هي أنثى عالم التوني.

الحديث عن العلامات المميزة للتوني يدفعني للتقليب في كتاب آخر من تصميمه وإخراجه الفني بل وتقديمه أيضًا وهو كتاب «ترانيم في ظل تمارا» آخر ما كتب محمد عفيفي (1922-1981). من المهم والملفت جدًا النظر في موضعين ذكرهما الفنان في مقدمة هذا الكتاب: «لا شك أن عالم محمد عفيفي الآخر سيكون بمثل بساطة وجمال وصفاء وصدق عالمه الأول، عالمه الأرضي». 

في الكتاب الصادرة طبعته الأولى في 1984، رسم التوني كرسيين من القش أسفل شجرة تمرحنة وضفدع والقطة موني، جميع هذه التفاصيل والطير والحيوانات وألوانها مُستعارة من تفاصيل الفصل الأول المعنون بـ«الفراشة البيضاء». بدا لي كأن التوني قرر رسم عالم عفيفي الأرضي. بينما جسّد غلاف آخر للكتاب بتوقيع بهجت عثمان عالم عفيفي السماوي. 

caption
caption
تصوير: بهجت عثمان- 1996

الوقفة الثانية في مقدمة الكتاب عند المقطع الذي يقول فيه التوني: «إن أجمل ما في هذا الكتاب هو نكران الذات الفني -إذا جاز التعبير، فعفيفي يكتب عن العالم من حوله، وهو في وسط محوره، لكنك لا تشعر لحظة بوجوده هو، أي الكاتب»

أهمية هذه الملاحظة تكمن في أنها تأتي من فنان له حضور فني في جميع أعماله بما فيها غلاف «ترانيم في ظل تمارا» ورسومه الداخلية. فالشجر والعصافير والقطط المرسومة في عالمي عفيفي الأرضي هي شجر وعصافير وقطط حلمي التوني. والبهجة والثراء اللوني هي من صميم عالمه أيضًا، وليس من عالم الكتاب الذي يخفي معاناة مريرة مع الفقد والحزن والحداد والمرض. يقف التوني في العالم الأرضي أمام عفيفي في العالم السماوي، كما وقف جمعة الجنايني أمام بطل الكتاب في الفصل الرابع «فضيحة في عالم الحدائق»:

«ما تزرع الجنينة دي يا بيه بدل ما هي قرعة كده؟»، هكذا قال لي جمعة وهو يعمل في حديقتنا فقلتُ له متهربًا: «ما هي مزروعة آهه»!

ده سجر يا بيه. أنا قصدي تزرعها ورد وزهورات وحاجات فرايحي كده، لجل ما تضحك كده وتبقى حلوة.»، ويبدو أن التوني نفذ ما طلبه جمعة.

تحديث:

صوّبنا بعض المعلومات الخاطئة بالنص، بعد النشر.

عن الكاتب

هاني المصطفى

مصور فوتوغرافي ومخرج أفلام قصيرة. يزور الكتابة أحيانًا كي يصف صورًا مرت عليه دون أن يلتقطها. يسافر في البلاد يُدرس الأطفال ويمشي في الأسواق. يسمي الله ويأكل مما يليه.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن