التقزّم في مصر: ما أفسدته سياسات الإفقار
ننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية. الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير»: شبكة وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الرائدة في الشرق الأوسط: مدى مصر | الجمهورية | معازف | ميغافون | صوت. على مدار عامٍ كاملٍ من القراءة والنقاش والممارسة والعمل في هذه المؤسسات الصحفية، تحاول الأكاديمية تجريب واختبار مساحات جديدة وخلّاقة للسرد والتعبير، والاشتباك مع الكثير من المسلمات في سياقنا العربي، والتدرب على نهج مختلف في طرح الأسئلة والاستقصاء والبحث، ومناقشة علاقة الصحافة بالتاريخ والمكان والتراكمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

في أغسطس الماضي، انضمّت مصر لتحالف التغذية المدرسية خلال قمّة النظم الغذائية التابعة للأمم المتحدّة. لفت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمة ألقاها في الاجتماع أن انضمام مصر للتحالف يأتي في إطار قناعة الدولة بأهمية توفير غذاء صحي للطلاب والطالبات، مشددًا على أن مصر باتت ضمن أكبر الدول المنفذة لبرامج تغذية مدرسية جيدة في المنطقة.
يأتي هذا في نفس الوقت الذي أعلن فيه وزير التربية والتعليم، طارق شوقي، عن فحص 25 مليون طالب مصري، ضمن المبادرة الرئاسية «100 مليون صحة»، وأشار خلال إعلان نتائج الفحص عن أرقام صادمة. وفقًا لأرقام الوزير، هناك ثمانية ملايين طالب مصري مصابون بالأنيميا، فضلًا عن أربعة ملايين مصابون بالسمنة، بالإضافة إلى 1.3 مليون طالب يعانون من التقزّم.
مع بداية العام الدراسي، بدا أن الدولة تشحذ همتها لمكافحة سوء التغذية الذي تعاني منه نسبة كبيرة من الأطفال في مصر، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يتمركز حول الأسباب الهيكلية التي أدت إلى نسب أطفال يعانون من أمراض سوء التغذية آخذة في الارتفاع؟ وهل يمكن أن تنقذ التغذية المدرسية صحة الطلاب؟
نَعِمَ المواطن المصري في العهد الناصري بقائمة غذائية جيدة ومتنوعة تحظى بدعمٍ من الدولة، تُطرح بأسعار مناسبة لمعظم الشرائح الاجتماعية، شملت اللحوم بأنواعها والأسماك والبقوليات والأرز وبعض أنواع الخضر والفواكه، بالإضافة للخبز، دعامة النظام الغذائي المصري حتى اليوم.
تقلصّت هذه القائمة بعد سياسات الانفتاح المتبعة من قبل الرئيس الراحل أنور السادات، حتى بلغت أقل مستوياتها في عهد مبارك، وشملت سلعًا لا تمثل القيمة الغذائية المطلوبة لتحقيق الأمن الغذائي لشعب يرزح أكثر من ثلثه تحت خط الفقر، حتى اقتصرت على السكر والزيت والأرز والشاي.
لعب دعم الدولة للسلع الاستراتيجية دورًا هامًا على صعيد تحقيق الأمن الغذائي لشريحة كبيرة من المواطنين، غير المتمكنين من النفاذ إلى الغذاء الجيد. تُقدّم الدولة حتى اليوم ثلاثة برامج أساسية للدعم: دعم الخبز، دعم السلع التموينية، التغذية المدرسية. على الرغم من ذلك، تفشل هذه البرامج منذ تسعينيات القرن الماضي في التخفيف من أعباء سوء التغذية التي قُدرت تكلفتها بين عامي 2005-2015 بنحو 20 مليار جنيه خلال عقد واحد، بحسب دراسة صقر النور. بل يمكن أن نقول إن الدولة شريك في العبء المزدوج لسوء التغذية، حيث تشمل بدعمها سلعًا قليلة القيمة الغذائية عالية السعرات الحرارية، مثل الزيت والسكر والخبز، وتتغاضى عن دعم البقول والحبوب، ما يمكن أن يخفف كثيرًا من وطأة سوء التغذية على الطبقات الأفقر، حيث يغطي الدعم المذكور ما يصل إلى 85% من السكان.
بالنظر إلى التكاليف الصحية للتقزّم بشكل عام، يشدد تقرير منظمة الصحة العالمية عام 2018، على أن سوء التغذية يُعد أسوأ تهديد للصحة العامة. كما يشير انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2-3% من التكاليف الاقتصادية والصحية والاجتماعية المرتبطة بتقزم الأطفال في مصر، بحسب دراسات مختلفة نُشرت عامي 2016 و2017. تذكر الباحثة ريم نبيل حشّاد، أن معدلات تقزّم الأطفال في سن بين 2-4 أعوام في مصر كان الأعلى عام 1995، حين بلغ 35.6%. بحلول عام 2003، انخفض معدل التقزم بمقدار النصف تقريبًا ليصل إلى 16.7%. لكن لم يستمر هذا التراجع، وعاد للزيادة بالغًا 20.5% في عام 2014.
كذلك، تشير الأرقام بين 1998-2008 إلى أن ثلاثة من كل عشرة أطفال مصريين دون سن الخامسة يعانون من التقزم. من بين هؤلاء الأطفال، يعاني شخص على الأقل من التقزم الشديد، أغلب هذه النسبة ممثلة في محافظات مصر العليا (الصعيد)، وهو ما يحيله الباحث صقر النور إلى صعوبة وصول سكان هذه المناطق إلى الموارد الغذائية اللازمة لصحة أفضل لأبنائهم، أو أنها تصل لكن بأسعار لا تناسب هذه الفئة من الفقراء. لذلك مثلّت عمليات الدعم السلعي لسكان هذه المناطق درع مقاومة من أمراض سوء التغذية. وتعطي الأرقام دلالة واضحة لمصير هؤلاء السكان بلا دعم أو دخل جيد.
تلفت الأرقام المتعلقّة بنسب ومعدلات التقزّم والأمراض الناجمة عن سوء التغذية في مصر أنظار الباحثين، إذا ما قورنت الحالة المصرية مع دول المنطقة التي تتشابه معها في مستوى متوسط دخل الفرد والناتج المحلي الإجمالي، بل إن لمصر ميزة نسبية بين دول المنطقة من حيث تمتعها بثقل حجم الإنتاج الزراعي مقارنة بالمتوسط العام لمجموع بلدان المشرق العربي. على الرغم من النمو الاقتصادي الذي تشهده مصر منذ الألفية الأولى في القرن الحالي، لم يقترن هذا النمو بانخفاض في معدلات الأمراض الناتجة عن سوء التغذية المزمن لدى الأطفال. على صعيد آخر، تشهد مصر ما يعرف بـ«العبء المزدوج للتغذية»، وذلك بسبب الاستهلاك الزائد للسعرات الحرارية، على حساب القيمة الغذائية، ما ينتج عنه إصابة نسبة كبيرة من الأطفال بالتقزّم والسمنة في نفس الوقت. خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، بلغت معدلات الإصابة بالتقزّم بين الأطفال ما بين 5-6 سنوات 31.2%. يعاني 45% من هؤلاء الأطفال من الوزن الزائد، أي أن 14% من إجمالي الأطفال يعانون من التقزّم وزيادة الوزن في نفس الوقت.
في دراسة بعنوان «الحق في الغذاء في العالم العربي»، يستعرض الباحث صقر النور إشكاليات سياسات الأمن الغذائي في مصر، مشددًا على أنها تغفل الصورة الحقيقية لعمليات توزيع وآليات النفاذ للأسر والأفراد للغذاء المطلوب. كما أن الاكتفاء الذاتي الذي تتمتع به مصر في بعض المحاصيل الزراعية الهامة لا يعني جودة الغذاء الذي يتحصّل عليه الأفراد، ولا يحسب التكلفة البيئية والاجتماعية لإنتاجه.
يشير تقرير المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية IFPRI الصادر عام 2016، أن معدل انتشار أمراض سوء التغذية يُلاحظ في مصر بشكل استثنائي مقارنة بالدول النامية الأخرى، كما أن مصر من أعلى معدلات الزيادة في الوزن بين الإناث في العالم.
تشير أستاذ طب الأطفال بجامعة عين شمس، راندا خلف، إلى أنّ أزمات سوء التغذية لدى الأطفال تبدأ مع الأم الحامل التي تعاني بدورها من أزمات صحية على رأسها أزمة السمنة، وهي بالأساس أزمة مرتبطة بسوء التغذية، تنتقل بدورها إلى الطفل، الذي تبدأ أزمته الغذائية منذ أسابيع الحمل الأولى.
تدعم الدولة وجبات مدرسية، تقدّم إلى 12.5 مليون تلميذ، باستثمار حكومي يصل إلى 110 ملايين دولار أمريكي سنويًا. تقدّم التغذية المدرسية كأحد مقومّات شبكة الأمان الاجتماعي، واستثمار في المورد البشري، كما تعد محاولة لتقليل التكلفة الاقتصادية الناجمة عن أمراض سوء التغذية.
وبحسب راندا خلف، رغم أن التغذية تقدم هامشًا من الحماية الاجتماعية، لكن يجب على الدولة التوسع في مثل هذه البرامج، خاصةً لحديثي الولادة، ولا يجب استثناء الأم الحامل، حيث تبدأ مشكلة التقزم والأمراض المتعلقة به منذ الأسابيع الأولى في الحمل. تشير بيانات بحث الدخل والإنفاق الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2011 إلى أن 1.6% من النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 20 و49 عامًا أقصر من 145 سم، كما تعانين من زيادة مفرطة في الوزن كعارض لسوء تغذية لديهن. وهو ما تتحدّث عنه خلف ويمكن أن يكون البداية نحو طفل مصاب بالتقزّم.
يمكن أن توفر التغذية المدرسية هامشًا جيدًا من التغذية، غير أن نمط التغذية في الطفولة المبكرة خاصة أول عامين في عمر الطفل هي المحدد الأساسي للنمو الجسماني و العضلي والعقلي له. وبحسب خلف، فإنّ عدم حصول الطفل على كل ما يحتاجه من الغذاء في هذا الوقت المبكر يمكن أن يتسبب بأضرار جسدية وعقلية يتعذر إصلاحها لاحقًا، لذلك تشدد على وجوب اتخاذ إجراءات سريعة من قبل الدولة لرعاية الأم والطفل حديث الولادة، للحد من الكلفة الكبيرة التي تتكبدها مصر من التضخم.
لا يمكن الفصل بين السياسات الزراعية التي تنتهجها مصر، ومعدلات التقزم والسمنة وغيرها من أمراض سوء التغذية.
يمكن رصد البداية منذ أدخل الرئيس الراحل أنور السادات مصر عهد الانفتاح الاقتصادي، ما خلق تفاوتًا كبيرًا للغاية في السياسات الزراعية بينه وبين سلفه عبد الناصر. بحسب الباحثة الاقتصادية سلمى حسين، فإن الدولة منذ عهد الانفتاح تنتهج سياسات تحابي كبار المزارعين على حساب أصحاب الحيازات الأصغر الذين يمثلون أغلبية العاملين بالزراعة في مصر. لذلك أدت مثل هذه السياسات إلى هجر الزراعة من جهة، ومن جهة أخرى أضرت بالمنتج الزراعي نفسه. تحيل سلمى في حديثها إلى الفصل الذي تمّ بين المزارعين ومنتجاتهم. قديمًا اعتمدَ الفلاحون على الاكتفاء الذاتي، لكن مع دخول أنماط جديدة من الزراعة، وسياسات تضعف من صغار المزارعين، بالإضافة لأنماط غذائية جديدة دخلت المناطق الفقيرة مثل الأغذية المعلبة منخفضة التكلفة، ساهم في تزايد معدلات التقزّم.
التحول الدرامي للنظام الاقتصادي في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي، عمل بمثابة الصدمة العلاجية وفق الوصفة الاقتصادية لصندوق النقد الدولي، لكنه أدى إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي أفضى بدوره إلى انفجارات اجتماعية بدأ أولها في انتفاضة الخبز عام 1977، وليس انتهاءً بثورة يناير 2011. رغم أن دستور مصر بنسخته عام 2014 الذي أقرّ باستفتاء شعبي عام، كفل السيادة الغذائية والحق في غذاء صحي وكافٍ لكل المواطنين وفق المادة 79 من الدستور، على الرغم من ذلك فإنّ هذا الحق يظل ضائعًا لنسبة كبيرة من المصريين لأسباب هيكلية تُسأل عنها الدولة وسياساتها الاقتصادية المتعلقة بالغذاء.
لا يمكن الفصل بين هذه السياسات والعبء الغذائي الذي تتحمله الطبقات الأفقر، فضلًا عن تتبع السياسات الزراعية المنتهجة من قبل الدولة، حيث أجهز الانفتاح الاقتصادي على مكاسب الإصلاح الزراعي في الحقبة الناصرية، وظل السقوط التدريجي حتّى التسعينيات. خلال هذا السقوط، فقد قطاع الزراعة الكثير من الدعم السابق للأسمدة والبذور بدءًا من عام 1987 حين بدأت الحكومة في تحرير السياسة السعرية والتوريد الإجباري لعدد 12 محصول. في هذه المرحلة، تم استثناء القطن والأرز والقصب، أثر هذا القرار على أسعار المحاصيل بشكل كبير، ومهد الطريق لمرحلة التكيّف الهيكلي التي بدأتها مصر مطلع التسعينيات بإيعاز من البنك الدولي.
تتضافر عدّة أسباب وسياسات عامة وخاصة خاطئة لتصنع الشكل النهائي لأزمة التقزّم التي نشهدها في مصر، بينما يكمن الحل في انتهاج الدولة سياسات بديلة تصب في مصلحة الأطفال، وتحسين ظروف معيشتهم، وبالتالي تحسين النمط الغذائي للأسر والأفراد، أولها تحسين مستوى متوسط دخل الفرد، رغم ما تحققه مصر من معدلات نمو مرتفعة في السنوات الأخيرة، غير أن هذا النمو لا يعني بالضرورة تحسن في النمط الغذائي للكثير من الأسر الفقيرة. فضلًا عن ضرورة تحسين الظروف الصحية للأم الحامل، والأطفال حديثي الولادة، تظهر هنا العوامل السلوكية والثقافية التي تتكامل مع الفقر والتهميش حتى وصلت بالتقزّم إلى هذا المعدل.
تقارير ذات صلة
الضريبة على «المشروبات المُحلاة».. بحثًا عن صحة أفضل أم موارد أكثر؟
مصدر: وزارة المالية متحفظة على إقرارها تجنبًا لأية إجراءات قد تغذي صعود التضخم الذي بدأ في التحسن
تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير»
«التصرف السياسي» يحكم مصير إمبراطورية «بلبن»
إمبراطورية «بلبن» من «آسفين عشان جامدين» إلى «لو في غلط متقتلنيش».. فلم يقتلوا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن