تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
التدوير لمتهمي «تهريب المهاجرين» والمنح لمصر

التدوير لمتهمي «تهريب المهاجرين» والمنح لمصر

كتابة: مصطفى حسني 17 دقيقة قراءة

أُخبر المتهمون في معسكر أمن مطروح في يناير 2022، والذين أعيد تدوير كثيرون منهم في عدة قضايا تهريب مهاجرين، صراحةً -بعد شغب قاموا به احتجاجًا على استمرار حبسهم- بأن السبب في استمرار حبسهم يرتبط بمشكلات يثيرها الاتحاد الأوروبي، بحسب اثنين من المتهمين كانا محبوسين وقتها هناك تحدثا إلى «مدى مصر» بشكل منفصل خلال العام الماضي. «استحملوا شوية علشان الاتحاد الأوروبي عامل مشكلات، وهتخرجوا»، هكذا أخبرهم قائد قوات الأمن بالمعسكر وقتها.

أحمد* كان واحدًا من هؤلاء المتهمين. في منتصف ديسمبر 2021، توجه أحمد إلى قسم شرطة الفيوم بعد رسالة من أمين شرطة أن «رئيس المباحث عايز يدردش معاك شوية، خمس دقائق بس وهترجع بيتك». توجه إلى القسم، ليُفاجأ بأنه متهم في قضية تهريب مهاجرين إلى أوروبا ضمن عشرات من المتهمين الآخرين. «اتقال لي حملة كبيرة على ناس بتهرّب خارج مصر، حطوني مع ناس متهمة في تهريب ناس برة البلد، فضلت قاعد 15 يوم، ولا حد قالي [بشكل رسمي] عليك إيه أو متهم في إيه»، يقول أحمد.

بعد مرور أسبوعين على احتجازه، تم ترحيل أحمد من قسم الفيوم إلى نيابة مطروح، ليواجه تهمًا رسمية للمرة الأولى. استغرق التحقيق معه عدة دقائق وجه إليه رئيس النيابة بعدها تهمة «الانضمام إلى عصابة لتهريب البشر للهجرة خارج مصر». «سألته فين طيب الناس اللي بهربهم دول، قالي تحريات الضابط بتقول إنهم جريوا في الصحراء»، يقول. احتُجز أحمد لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق، ليقرر القاضي في محكمة مطروح إخلاء سبيله دون ضمان مالي. استأنفت النيابة ضد القرار لكن القاضي قرر تأكيد إخلاء سبيله، بكفالة عشرة آلاف جنيه.

رغم قرار إخلاء السبيل ودفع الكفالة، حضرت قوة شرطية إلى محبس أحمد، ونقلته إلى معسكر أمن مطروح مع متهمين آخرين. «قعدنا في هنجر كبير موجود فيه آلاف المتهمين، لما شوفت العدد الكبير استريحت، وحسيت إن إحنا كتير، وهنطلع»، يقول أحمد، مضيفًا «فضلنا أسبوع لحد ما عملنا شغب علشان نخرج»، إلى أن حضر قائد قوات الأمن وطلب منهم الانتظار، ووعدهم بالخروج.

لكن هذا الوعد لم يتحقق، ليظل أحمد محتجزًا داخل معسكر قوات أمن مطروح أسبوعين. بعدها نُقل إلى نيابة أسوان متهمًا في قضية جديدة، لكن بنفس التهم: «تهريب مجموعة إلى خارج مصر». وجّه وكيل النيابة تهمة التهريب إلى 17 شخصًا بناءً على تحريات ضابط الأمن الوطني من «مصادره السرية». «وكيل النيابة بلغنا في التحقيق إن إحنا اتمسكنا إمبارح، وهرّبنا 17 شخص ومكتوب أسماء وهمية، وطبعًا اتصدمنا، إمبارح إزاي وإحنا جايين من معسكر قوات أمن مطروح».

تكرر تدوير أحمد عدة مرات. بعد أسوان، واجه قضية جديدة في أسيوط، ثم أخرى في الإسكندرية، ثم أخميم بسوهاج، قبل أن يعود إلى مطروح، ثم كفر الشيخ، تلتها أبو كبير بمحافظة الشرقية، ومنها إلى طنطا بمحافظة الغربية ليتم إخلاء سبيله أخيرًا، بعد تدويره في تسع قضايا بنفس التهم. «تقريبًا خدت سنة كعب داير في محافظات مختلفة منها شهور بشكل قانوني ومنها شهور متخزن في التلاجة، وفي التحقيق اتقال في كذا قضية إني لسه ممسوك أمبارح وأنا كنت قاعد شهور عندهم»، يقول.

يعمل أحمد فني مصاعد. متزوج وله ثلاثة أطفال، ويبلغ إجمالي دخله شهريًا حوالي 4800 جنيه. «مكنتش عارف أدفع الكفالات في كل القضايا بس كنت على أمل أن أرجع بيتي، وعندي تلات أولاد كلهم في حضانة، بعت دهب زوجتي تقريبًا علشان أسدد فلوس الكفالات والزيارات، دفعت تقريبًا 180 ألف»، يقول أحمد.

اتسعت ظاهرة تدوير المتهمين (أي إعادة إدراج المتهمين في قضايا جديدة بنفس التهم التي واجهوها في قضايا سابقة) في قضايا تهريب المهاجرين إلى أوروبا منذ نهاية عام 2021. معظم المتهمين يحصلون على قرار إخلاء سبيل من النيابة، ويدفعون الكفالة ليتم احتجازهم بشكل غير قانوني عدة أيام، قبل اتهامهم في قضية جديدة بنفس التهم. تحدث «مدى مصر» طوال العام الماضي مع عشرات المصادر بين متهمين في القضايا ومحامين وحقوقيين ومسؤولين محليين وأوروبيين لفهم ظاهرة التدوير في قضايا الهجرة. واتفقت المصادر كافة على أن السبب في هذا إرضاء رغبة الأوروبيين في رؤية نتائج ملموسة لجهود مكافحة الهجرة غير النظامية.

تشير قاعدة بيانات جمعها «مدى مصر» من أوراق مئات القضايا وبيانات محامين ومقابلات مع متهمين إلى اتساع ظاهرة تدوير المتهمين. شملت قاعدة البيانات عينة من 303 قضايا من 14 محافظة مختلفة بين أعوام 2022-2024. هذه القضايا تتهم 1368 شخصًا بالتهمة ذاتها «تهريب مهاجرين». لكن التدقيق في هؤلاء المتهمين يكشف أنهم لا يتجاوزون 759 متهمًا. هذا الفارق الكبير يأتي من إعادة تدوير المتهمين، ما يسمح بالحفاظ على عدد هذه القضايا مرتفعًا.

مقارنة عدد المتهمين في الأوراق الرسمية مقابل العدد الفعلي

من بين هؤلاء المتهمين هناك 265 شخصًا تم تدويره في هذه القضايا مرة واحدة على الأقل، أي أكثر من ثلث المتهمين (35% تقريبًا). أحد المتهمين تم تدويره في عشر قضايا مختلفة، وآخر في تسع قضايا. 17 متهمًا تم تدويرهم سبع مرات، و15 متهمًا في خمس قضايا.

نسب تدوير المتهمين: 35% من إجمالي المتهمين تم تدويرهم في قضية واحدة على الأقل

(يمكن تحميل قاعدة البيانات من هنا.

التحقيقات في جميع هذه القضايا تتشابه بشكل لافت، يصل في كثير من الحالات إلى حد التطابق. الاعترافات والشهادات واحدة، والتهم واحدة. على سبيل المثال، اتفق المهاجرون في شهاداتهم أمام النيابة على الأقل في 200 قضية مختلفة أنهم لا يتذكرون شكل المهرب أو رقم هاتفه. حين يُسألون عن هواتفهم، تكون الإجابة دائمًا أنهم فقدوها في الصحراء.

يفسر المحامي المتخصص في قضايا الهجرة، ماهر النقيب، ذلك بأن الضباط في إدارة مكافحة الهجرة غير الشرعية بوزارة الداخلية يضغطون على المهاجرين للإدلاء باعترافات غير حقيقة بأسماء متهمين أمام النيابة، بغرض زيادة أعداد المتهمين بالتهريب، خاصة أن القانون يشترط وجود ثلاثة أشخاص على الأقل ليتم اعتبارهم عصابة تهريب. وبحسب النقيب، يطلب الضباط من المهاجرين التأكيد على فقدان هواتفهم كي لا يطلب وكيل النيابة تفتيشها واكتشاف حقائق قد تتسبب في إفساد القضايا.

تكرار الأسماء لا يقتصر على المتهمين بالتهريب، بحسب كرم صابر، محامي أحد المتهمين الذين شملتهم قاعدة البيانات، والذي يعمل كذلك مديرًا لمركز «الأرض لحقوق الإنسان». لكن حتى الشهود تتكرر أسماؤهم في مختلف القضايا.

يتفق المحامون والحقوقيون العاملون في ملف الهجرة على ارتباط ظاهرة تدوير المتهمين برغبة مصر في إبداء تحقيق إنجازات مستمرة في ما يخص مكافحة الهجرة غير النظامية أمام الاتحاد الأوروبي. يشير المحامي المتخصص في قضايا الهجرة غير النظامية، مصطفى الصادق شوقي، إلى أن الدولة تستفيد ماديًا من دعم الاتحاد الأوروبي لجهود مكافحة الهجرة غير النظامية كلما زاد عدد قضايا تهريب المهاجرين والمتهمين فيها. تُرسل مصر تقارير تتضمن جهودها لمسؤولي الاتحاد الأوروبي، تشمل أعداد القضايا والمتهمين الذين تضبطهم، لتحصل في المقابل على منح الاتحاد الأوروبي.

هذا هو الدافع الأساسي وراء اتساع ممارسة تدوير القضايا في قضايا الهجرة غير النظامية، وهي ممارسة شاعت من قبل في مختلف القضايا السياسية. 

                                                        ــــــــــ

يشير شوقي إلى أن هذه القضايا تستند بشكل أساسي إلى تحريات يجريها ضباط إدارة مكافحة الهجرة غير الشرعية فقط دون أي أدلة أخرى. في معظم الحالات، تتطابق محاضر ضبط هؤلاء المتهمين. «مهزلة قانونية»، بحسب تعبيره. وفي جميع الحالات، حين تسأل النيابة الضباط الذين يحررون المحاضر عن مصادر هذه التحريات، تكون الإجابة موحدة: «المصادر سرية ولا يمكن البوح بها حرصًا على سلامتها وسريتها».

ينقل النقيب عن بعض هؤلاء الضباط أنهم يقومون بتحرير هذه المحاضر «تنفيذًا للتعليمات». طبقًا له، يُبلغ الضباط بأهمية تلك القضايا بسبب استخدامها مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يتطلب تحرير محاضر رسمية تحتوي على شهود واعترافات. كما أن هناك دافعًا آخر لهؤلاء الضباط، لأنهم يحصلون على مكافآت تتناسب مع عدد القضايا التي يحررونها، بحسب النقيب، ولهذا يرغب عدد كبير من ضباط الشرطة في الانتقال للإدارة. جميع القضايا التي شملتها قاعدة البيانات قام بها ستة ضباط فقط.

بحسب قاعدة البيانات، هناك 409 متهمين تشير إليهم الأوراق الرسمية باعتبارهم «هاربون»، على الرغم من أن معظمهم يعيش حياته بشكل طبيعي، ولم يسبق للشرطة محاولة التواصل معهم أو القبض عليهم، بحسب المحامين.

«المتهم هنا بيتفاجئ بالصدفة إنه محطوط في قضية جديدة ومكتوب جنبه إنه هارب، والضابط مبعتش حد يستدعيه، والقاضي للأسف مش بيعلق على الموضوع ده»، يقول محام متخصص في قضايا الهجرة، اشترط عدم نشر اسمه. التوسع خلال عام 2024 في إضافة أسماء متهمين «هاربين» هو ما سمح، إلى جانب التدوير، بالتوسع في قضايا التهريب، طبقًا له. هذا هو السبب في أن عدد القضايا في 2024 يزيد كثيرًا عن العامين السابقين.

ينبه محامو المتهمين في 50 قضية شملتها قاعدة بيانات «مدى مصر» إلى أن هناك تباينًا بين تواريخ الاحتجاز الفعلية وبين ما تحرّره الشرطة في محاضرها. في كثير من حالات التدوير، يظل المتهم قيد الحبس، فيما تسجل محاضر القضايا الجديدة التي يتم تدويرهم فيها إلى أن القبض عليهم جاء بعد إخلاء سبيلهم، خلافًا لما يحدث.

وعلى الرغم من إشادة تقارير دولية بالجهود التي تبذلها مصر لمنع الهجرة غير النظامية مع الالتزام بالأطر القانونية التي تحكم هذه الجهود، إلا أن الواقع العملي يشير إلى غير هذا.

«لو التدوير بيحصل في حالات فردية كنا ممكن نقول إن النيابة العامة ليست على علم به»، يقول المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أحمد عثمان «لكن بيتم احتجاز المتهم في القسم ويتم تدويره، ومن المفترض، بعد تقديم بلاغ أن المتهم [لا يزال محتجزًا] في القسم، النيابة تطلب إذن التفتيش، ولكن النيابة لا تتخذ إجراءات وجميع الأفراد العاملين في النيابة على علم أن هناك نمطًا شائعًا اسمه التدوير».

النقطة ذاتها يؤكد عليها صابر: «حضور المحامين، زي عدمه، ولا إحنا ولا النيابة، ولا المحكمة ليها دور، الأمر كله في يد إدارة مكافحة الهجرة، والأمن الوطني»، مضيفًا أنه حتى عندما يتم الإفراج عن بعض المتهمين، فإن المعايير تكون غير واضحة. «هناك من يحصل على إخلاء سبيل بعد ثلاث قضايا، وهناك قضايا يكون التدوير في خمس مرات وهناك أكثر، وحتى الآن لا نعرف ما هي المعايير على أساسها يتم تدويرهم أو إخلاء سبيلهم»، طبقًا له.

كل هذه القضايا يتم ضمها إلى تقارير ترسلها مصر إلى الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية. يؤكد مصدر مسؤول في اللجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وهي اللجنة الحكومية المسؤولة عن الملف، تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويته، أن اللجنة تنسق مع وزارة الخارجية المصرية باعتبارهما الجهتين المسؤولتين بإبلاغ الجهات الأوروبية والأمم المتحدة بأعداد المتهمين في قضايا التهريب. لكن المصدر أكد على أنهم «غير ملتزمين بإرسالها بصفة دورية»، مشددًا أن هذا يتم «في إطار من الشفافية كنوع من الفخر لنا لمكافحة الهجرة». 

                                                             ــــــ

أصبحت قضية الهجرة أهم ما يشغل الاتحاد الأوروبي بعد تزايد موجات الهجرة غير النظامية الكبيرة إلى أوروبا خلال العقد الماضي، وتبني خطابات سياسية أكثر تشددًا تجاه المهاجرين بعد موجة صعود اليمين. وانعكس هذا على علاقات الاتحاد بالدول المختلفة التي ينفذ منها اللاجئون والمهاجرون غير النظاميين، ومن بينها مصر.

حدد ملف الهجرة شكل العلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة طوال العقد الماضي. مصر، من جانبها، أقرت في 2016 قانونًا لمكافحة الهجرة غير النظامية. واعتمد الاتحاد الأوروبي استراتيجية دفع الأموال لمصر لتمكينها من التحكم في موجات الهجرة التي تنطلق منها.

في أواخر 2018، عقد الاتحاد الأوروبي مع مصر اتفاقيتين بقيمة 135 مليون يورو. إحدى هاتين الاتفاقيتين تمنح مصر 60 مليون يورو لـ«دعم برنامج مكافحة تحديات الهجرة في مصر»، والذي يركز على «مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب الأشخاص والاتجار بالبشر والعمل على إيجاد حلول لمعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية المسببة لهذه الظاهرة، من خلال دعم سبعة مشروعات في 15 محافظة»، بحسب بيان نشرته وزارة الاستثمار والتعاون الدولي وقتها.

هذه الاتفاقيات جاءت في إطار لقاءات جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسي مع مسؤولين أوروبيين. وبحسب ما نقله موقع «الحرة» عن وكالة «أسوشيتد برس»، فإن هدف هذه اللقاءات هو «جعل خفر السواحل المصري يقوم بدوريات في المياه قبالة ليبيا، وهي النقطة الرئيسية للأشخاص الذين يغادرون إلى إيطاليا، ويعيد الأشخاص الذين تم إنقاذهم إلى إفريقيا».

وفي أكتوبر 2022، حصلت مصر على تمويل آخر من الاتحاد الأوروبي بقيمة 80 مليون يورو، بهدف مساعدة حرس السواحل والحدود المصريين على الحد من الهجرة غير النظامية، عن طريق شراء معدات المراقبة مثل سفن البحث والإنقاذ، والكاميرات الحرارية، وأنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية.

قمة هذا الدعم جاءت قبل عام، في مارس 2024، في اتفاق غير مسبوق، حين أعلن الاتحاد الأوروبي توقيع اتفاقات مع مصر يمنحها بموجبها نحو 7.4 مليار يورو لتعزيز قدراتها الاقتصادية للمساعدة في إدارة الحدود وإجراءات مكافحة التهريب والعودة الطوعية.

تضمّن الاتفاق حزمة تمويل بقيمة 7.4 مليار يورو على مدى ثلاثة أعوام، تشمل قروضًا واستثمارات وتعاونًا في ملفي الهجرة ومكافحة الإرهاب، بعد أيام من إبرام التكتل الأوروبي اتفاقات مماثلة مع بلدان في شمال إفريقيا.

وطبقًا لبيان الاتحاد الأوروبي، تشمل حزمة المساعدات تخصيص خمسة مليارات يورو كمساندة مالية للاقتصاد الكلي في صورة دفعات مشروطة، و1.8 مليار يورو استثمارات، و600 مليون يورو كمنح من ضمنها 200 مليون يورو موجهة لمسائل الهجرة.

عضو بالبرلمان الأوروبي، تحدث إلى «مدى مصر» وقتها مشترطًا عدم نشر اسمه، أبدى قلقه مما وصفه بـ«غموض» تفاصيل الاتفاقيات، وضعف رقابة البرلمان الأوروبي عليها، مشيرًا إلى أن الصفقة عُرضت على البرلمان الأوروبي نهاية ديسمبر، قبل أسبوعين من العطلة، دون شرح شروطها بشكل كافٍ للبرلمان، ودون إتاحة وقت كافٍ أمام أعضاء البرلمان الأوروبي لمراجعتها.

بالنسبة له، فإن الطريقة التي أبرمت بها الاتفاقات تجعلها «مفتوحة للتأويل» من الجانبين، حيث يمكن للاتحاد أن يعتبرها اتفاقيات لمكافحة الهجرة، ووسيلة لأعضاء البرلمان الأوروبي لتلبية احتياجات الرأي العام، فيما يمكن للجانب المصري اعتبارها دعمًا اقتصاديًا من أوروبا. مصادر متعددة داخل وزارة الهجرة المصرية أكدت هذا وقتها.

هذا الاتفاق غير المسبوق جاء بعدما فشل الطرفان في إتمامه طوال السنوات الأربع الماضية، حسبما أفاد دبلوماسي رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي، وذلك في تقرير نشره «مدى مصر» في يونيو الماضي. 

الخلاف، بحسب محلل متخصص في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومصر مقيم في أوروبا نقل عنه تقرير «مدى مصر»، كان بسبب رغبة الاتحاد في أن تكون المساعدات الممنوحة في شكل برامج محددة، وهو ما رفضته مصر بشدة، بسبب رغبتها في الحفاظ على قدر من التحكم المالي والسياسي، وهو الأمر الذي لم يكن الاتحاد الأوروبي راغبًا في الانخراط فيه.

ولكن مع اقتراب انتخابات البرلمان الأوروبي التي كانت على الأبواب حينها، والتي لعب فيها ملف الهجرة غير النظامية وطرق مكافحتها دورًا كبيرًا في حسم أصوات الناخبين، ونجاح الصفقة مع تونس في الحد من الهجرة، إلى جانب اندلاع الحرب في السودان وغزة، وتأجج الخطاب المصري حول استضافة اللاجئين كعبء يثقل كاهل الدولة، أسهم كل هذا في تغيير موقف الاتحاد الأوروبي حيال هذا النوع من الدعم، وفقًا للمحلل. 

                                                     ــــــ

استمرار هذه المفاوضات المصرية الأوروبية طوال السنوات الماضية قبل التوصل إلى اتفاق يشير، بحسب باحثين وحقوقيين يعملون على ملف الهجرة غير النظامية، إلى أن استخدام هذا الملف من جانب مصر يمثل استراتيجية مصرية تهدف بالأساس إلى الحصول على أكبر قدر من الأموال، وفي الوقت ذاته تخفيف الضغوط الدبلوماسية على مصر في ما يتعلق بملف حقوق الإنسان.

خلال معظم اللقاءات التي جمعت السيسي بمسؤول في دولة أوروبية، كان الحديث حول حرص مصر على مكافحة الهجرة غير المنظمة عبر المتوسط عنصرًا ثابتًا.

بدأت جهود مصر التعامل مع ملف الهجرة بعد حادثة رشيد في 2016، حين غرق مركب يحمل مئات المهاجرين على بعد 12 كيلومترًا قبالة سواحل مدينة رشيد، ليتسبب في وفاة 204 أشخاص.

هناك شقّان للنظر إلى مسألة الهجرة، الأول يخص كبح شبكات تهريب المهاجرين، والثاني يتعلق بتشجيع من يصل إلى مصر على البقاء فيها بدلًا من مواصلة طريق الهجرة إلى أوروبا.

الخطوة الأهم كانت إصدار قانون «مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين» في نوفمبر 2016. وبعد إقرار القانون، أعيد تشكيل اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية بموجب قرار رئيس من مجلس الوزراء، على أن تتبع رئاسة مجلس الوزراء، ويقع مقرها بوزارة الخارجية.

بحسب القانون، تتشكل اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، برئاسة أحد الخبراء المتخصصين وممثلين عن كل الوزارات، ومنها الخارجية والدفاع والداخلية والشؤون القانونية ومجلس النواب، والعدل والقوى العاملة والتضامن الاجتماعي وغيرها من الوزارات.

أحد أدوار اللجنة التي حددها القانون هو اتفاقيات التعاون القضائي الدولي الثنائية ومتعددة الأطراف لتعقب المهربين من خلال تبادل الزيارات، والخبرات القضائية، والأحكام الجنائية والمنشورات القانونية مع الدول الأخرى ذات الصلة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة، وإبرام مذكرات تفاهم بين النيابة العامة المصرية ونظائرها في الدول الأخرى من أجل تيسير إجراءات التعاون القضائي مع هذه الدول في مجال مكافحة الهجرة، واتفاقيات ثنائية جديدة للتعاون القضائي في مجال مكافحة الهجرة غير المنظمة وتهريب المهاجرين، مع الدول ذات الصلة.

بحسب العديد من المحامين المتخصصين في قضايا الهجرة، تتولى اللجنة مسؤولية إرسال تقارير المتهمين في التهريب وأعدادهم، وتبليغ أعضاء في الاتحاد الأوروبي بها.

يركز القانون الحالي بشكل أساسي، بحسب حقوقيين يعملون في ملف الهجرة، على التجريم والحبس كوسيلة ردع. يحدد القانون عقوبة سماسرة وتجار الهجرة في القانون بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه.

يرى المحامي كرم صابر أن هذا التركيز على الحبس فقط «لن يحل أزمة الهجرة عبر البحر». ورغم هذا، أُدخلت تعديلات على القانون في 2022 تكتفي بتشديد العقوبات. 

                                                        ــــــ

نجحت السياسة المصرية بالفعل في تقليص خروج مراكب الهجرة غير النظامية من الشواطئ المصرية إلى حد كبير خلال الأعوام الماضية. لكن هذا لم يمنع الهجرة، وإنما دفعها للانتقال إلى الشواطئ الليبية، برعاية ممن يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر.

بحسب تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة في 2018، يشارك لواء «سُبل السلام»، التابع لـ«الجيش الوطني الليبي» والمكلف بمكافحة الإتجار بالبشر عبر الحدود، في تهريب المهاجرين.

أصبحت ليبيا مركزًا رئيسيًا لانطلاق هذه القوارب. تُدار معظم هذه الرحلات في المعتاد عبر شبكتين منفصلتين على كل من الجانبين المصري والليبي، حسبما شرح تحقيق نشره «مدى مصر» في 2023. تمتلئ شبكات التواصل الاجتماعي بمقاولين ووسطاء لكل خطوة على الطريق. الأمر أسهل بكثير مما هو متوقع. بمجرد العثور على وسيط، تُخبر بموعد مغادرة الميكروباص إلى ليبيا مقابل مبلغ قد لا يتجاوز ألف جنيه، وفي بعض الأحيان يساعدك على عبور الحدود دون مقابل. يمكنك الدفع لاحقًا، لا مشكلة.

لهذا، وعلى الرغم من انخفاض خروج المراكب من السواحل المصرية، إلا أن أعداد المهاجرين غير النظاميين المصريين زادت بشكل هائل خلال الأعوام الأخيرة. خلال شهرين فقط، بين ديسمبر 2021 ويناير 2022، تم تسجيل 117 ألفًا و156 مهاجرًا مصريًا من ليبيا، بحسب بيانات «المنظمة الدولية للهجرة». وفقًا لوزارة الداخلية الإيطالية، في الفترة من 1 يناير إلى 13 يونيو 2022، وصل 3935 مصريًا إلى إيطاليا (18% من إجمالي عدد المهاجرين الذين وصلوا إيطاليا تلك الفترة)، ولم يتجاوزهم سوى البنجلاديشيين.

أعداد المهاجرين المصريين من ليبيا/ تصميم مدى مصر

أدى ذلك الوضع في يونيو 2023 إلى مقتل المئات كان معظمهم من المصريين بعد غرق مركب يقلهم أثناء محاولتهم الهجرة من شواطئ ليبيا إلى أوروبا. بعض المؤسسات الدولية المعنية بالهجرة وصفت الحادثة كأسوأ المآسي في البحر المتوسط على مدى العقد الماضي.

إلى جانب محاولات منع حركة المهاجرين إلى أوروبا، تشمل استراتيجية التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية استضافة مصر للاجئين والمهاجرين الذين يصلون إلى مصر لأسباب مختلفة. تميل الحكومة المصرية إلى التهويل في أعداد المهاجرين واللاجئين لزيادة الحصول على المنح. في مناسبات مختلفة، أعلن مسؤولون مصريون عن أن مصر تستضيف تسعة ملايين لاجئ. لكن بحسب مسؤول سابق في مفوضية شؤون اللاجئين لـ«مدى مصر»، فإن هذا الرقم غير دقيق على الإطلاق.

يعتبر رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، وديع الأسمر، أن النظام المصري وأنظمة جنوب المتوسط تستخدم قضية الهجرة لابتزاز للاتحاد الأوروبي، الذي يحاول من جانبه حماية حدوده عبر تفويض الدولة المصرية أو التونسية أو الميليشيات الليبية للقيام بإجراءات لا يمكن للاتحاد القيام بها داخل حدوده، لأن بعضها قد يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان.

لهذا، وبحسب الأسمر، يرفض الاتحاد الأوروبي مطالب الحقوقيين في ما يتعلق بالشفافية حول هذه المنح وأوجه إنفاقها.

من جانبها، لم تتوقف الدبلوماسية المصرية عن استخدام ملف الهجرة لتحقيق مكاسب مادية ودبلوماسية. تشير مسؤولة شؤون المناصرة الدولية لدى الاتحاد الأوروبي في «مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، ليزلي بيكيمال، إلى أن الدبلوماسيين المصريين بدأوا منذ عام 2016 في التحدث كثيرًا مع المسؤولين الأوروبيين من أجل زيادة المنح التي تحصل عليها مصر، معتبرين أن مصر تستحق الحصول على مبالغ مماثلة لما حصلت عليها تركيا بعد اتفاقية مكافحة هجرة مع أوروبا. مبرر الدبلوماسيين المصريين، طبقًا لها، أن مصر كذلك لديها «أعداد كبيرة سواء مهاجرين أو لاجئين، والمفترض أن نحصل على نفس الأموال التي تحصل عليها تركيا».

«خلال نقاشاتي مع موظفين في الاتحاد الأوروبي بالنسبة للتعاون مع النظام والمنح التي تحصل مصر عليها للحد من الهجرة إليهم، كان ردهم أن هناك العديد من المهاجرين المصريين واللاجئين يخرجون من مصر، ونحن غير قادرين على استقبال تلك الأعداد من مصر، ويجب أن نغلق هذا الطريق»، تقول بيكال. الحجة التي تمسك بها مسؤولو الاتحاد الأوروبي هو أن الدعم الذي تحصل عليه مصر يركز على التعامل مع قضية الهجرة إلى أوروبا ومنع غرق المهاجرين، موضحة أن «المنح لا تسهم في انتهاك حقوق الإنسان، [وإنما] تدعم الاقتصاد والخدمات الاجتماعية في المناطق التي يخرج منها الناس للهجرة».

ومع بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، وبدء موجة واسعة من التغيرات الجيوسياسية الإقليمية لم تتوقف حتى الآن، انصب التركيز الأوروبي الأساسي على استقرار مصر، حسبما تشير بيكال. «[في أوروبا] أصبح هناك خطاب سياسي سائد غير أخلاقي»، تقول، وتراجعت الأصوات التي ترفض السياسات اليمينية الصاعدة في التعامل مع المهاجرين أو أزمات حقوق الإنسان.

هذا ما أكدته مصادر دبلوماسية تحدثت لـ«مدى مصر» في يونيو الماضي. المقصد العام وراء المساعدة المالية هو الاستثمار في استقرار مصر، الذي أصبح أكثر إلحاحًا مع استمرار الحروب في غزة والسودان والوضع السياسي الهش في ليبيا. 

على هذه الخلفية، اتفقت مختلف الأطراف على تجاهل ما يتعلق بسلامة الإجراءات القانونية التي يخضع لها المهاجرون أو المتهمون بإدارة شبكات الهجرة، لينتهي المطاف إلى حصول مصر على مساعدة مالية ضخمة من الاتحاد الأوروبي، الأكبر في تاريخ الاتحاد، بقيمة 7.4 مليار يورو. استمرار هذه التركيبة المعقدة من مختلف المصالح الأوروبية والمصرية يتطلب تدوير آلاف المتهمين في آلة حبس لا يُنتظر توقفها قريبًا.

* اسم مستعار، كذلك حُذفت بياناته الحقيقية من قاعدة البيانات لضمان سرية هويته 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن