البكاء على اللبن المفقود
على مدار العام الماضي، توالت صيحات الاستغاثة من قطاعات صناعية وغذائية متعددة، تشكو تأثرها من احتجاز مستلزمات الإنتاج في الموانئ المصرية، في أعقاب احتدام أزمة الاستيراد التي بلغت ذروتها في أكتوبر الماضي، إثر نقص العملة الأجنبية اللازمة للإفراج عنها.
تدريجيًا، انتقل صدى صيحات المنتجين إلى المستهلكين، بعد زيادة أسعار أغلب المنتجات في السوق المصري، الذي كشفت أزمة الاستيراد عن اختلال أساساته.
اضطرت مصانع لإيقاف معداتها وإطفاء أنوارها، انتظارًا لعودة مستلزمات الإنتاج مرة أخرى. لكن، قطاع إنتاج الألبان لم يتمكن من فعل الشيء نفسه. الماشية لا يمكن تعطيلها مؤقتًا، ولا تتوقف عن طلب طعامها؛ فإما العلف أو النفوق. وفي غياب العلف تارة، وارتفاع أسعاره تارة أخرى، حاول بعض المنتجين الصمود، فرفعوا أسعار منتجاتهم من الألبان بنسبة وصلت إلى 63%، مقارنة بعام 2021، وفقًا لأسعار مزارع اطلع عليها «مدى مصر». لكن عشرات المزارع الأخرى لم تستطع الصمود بعدما تكبدت خسائر بالملايين.
«صحيح احنا عندنا مشكلة خارجية، بس لو القطاع واقف على عمدان صلبة هيقدر يمتص الصدمة ويتحملها لوقت أطول»، يقول الأمين العام لجمعية منتجي الألبان، أشرف سرور، لـ«مدى مصر».
أزمة الاستيراد ليست المتهم الوحيد وراء معاناة قطاع الألبان، وإنما فقط كشفت مدى هشاشة قطاع وثيق الصلة بملايين المصريين وأمنهم الغذائي.
تنتج مصر حوالي سبعة مليارات لتر سنويًا من اللبن. وتعتمد في ذلك على صغار المربين الذين يشكلون ما بين 80 و85% من إجمالي إنتاج الألبان. أما النسبة الأصغر التي لا تتجاوز 20%، فتنتجها حوالي 250 مزرعة كبيرة ونظامية باستخدام تكنولوجيا حديثة، بحسب تقديرات سرور.
تبدأ رحلة إنتاج الألبان من الماشية، التي يصل إجمالي ما تملكه مصر منها 2.8 مليون بقرة، و1.4 مليون جاموسة، وفقًا لآخر تقديرات جهاز التعبئة والإحصاء لعام 2019، الصادرة العام الماضي.
تورّد المزارع الصغيرة اللبن الخام إلى نقاط تجميع منتشرة في القرى والمراكز الصغيرة، ثم إلى مراكز تجميع إقليمية، ثم توزع على مراحل التصنيع، اعتمادًا على درجة جودة اللبن، التي تنقسم إلى ثلاث درجات: الأفضل، ويستخدم في إنتاج الحليب الطازج أو المُعلب، والدرجة الثانية، يذهب لصناعة الزبادي والأجبان والسمن وغيرها، والأقل جودة وسعر، يذهب إلى معامل الأجبان «البلدي» في الأرياف والمدن الصغيرة، حسبما يوضح مدير قطاع الإنتاج بواحدة من أكبر شركات إنتاج الجبن في مصر، أمجد حسن*.
بشكل عام، للألبان قيمة غذائية عالية تقترب من كونها نموذجًا للغذاء الكامل، لاحتوائها على العديد من البروتينات والفيتامينات. ومن جهة أخرى، فهي غذاء اقتصادي لأغلب الأسر المصرية، إذ لا يحتاج إلى وقت للتحضير أو الطبخ، بينما يوفر للأسر الأفقر احتياجاتهم من البروتينات الحيوانية بشكل خاص بأسعار أقل بكثير من مصادرها الأخرى، كاللحوم الحمراء والدواجن.

ولإطعام ملايين الماشية الحلابة (المخصصة لإدرار اللبن)، يعتمد المنتجون على أعلاف تُصنّع وفقًا لمعادلة غذائية تختلف باختلاف السلالة والعمر. لكن بشكل عام، يجب أن تحتوي الوجبات على عنصري الذرة الصفراء وكسب الصويا بما يعادل 60% من الغذاء. أما نسبة 40% الباقية، فتعتمد على غذاء ثانوي، مثل البرسيم، ومصادر البروتين الأخرى كبقايا الخبز وكسر الأرز والسيلاج، وغيرها. وبالطبع، كلما قلت مصادر البروتين كالذرة والصويا، انخفضت الإنتاجية، حسبما يوضح استشاري التغذية الحيوانية، محمد الشريف، لـ«مدى مصر».
ما يعنيه هذا، هو ارتباط وثيق بين استيراد مكونات الأعلاف وقطاع الألبان. ليس هذا فقط، فمصانع منتجات الألبان تستورد أيضًا الزيوت النباتية المستخدمة في تصنيع الأجبان، واللبن المجفف، والأدوية البيطرية، وحتى أوراق تغليف المنتجات، فضلًا عن قطع غيار الآلات، لترتفع نسبة مدخلات الإنتاج المستوردة اللازمة لقطاع الألبان إلى ما يتجاوز 80%.
ومع توقف الواردات وارتفاع أسعارها منذ بداية العام الماضي، أخذت تكلفة الإنتاج في الارتفاع، وقفزت تكلفة الأعلاف وحدها في عملية إنتاج كيلو اللبن من 60% إلى 90%، بحسب سرور.
بعض المنتجين حاول المناورة باللجوء إلى استخدام مكملات غذائية غير اعتيادية للحصول على البروتين وتقليل معدل استهلاك الذرة والصويا، مثل بقايا الخبز الجاف أو كسر الفول أو قش الأرز والبرسيم. ومؤخرًا، بدأ المزارعون في إطعام الماشية أرز وقمح، اللذين توافرا لدى صغار المنتجين بشكل خاص إثر الأزمات الأخيرة التي ألمت بالمحصولين، ورفض الفلاحين توريدهما إلى الحكومة. هذه المحاولات وصفها مصدر بقطاع التغذية الحيوانية، فضل عدم ذكر اسمه، بالتغذية المالئة (إشباع الماشية فقط) لكنها ليست التغذية الكافية لإنتاج معدلات اللبن المعتادة، ما أثر على كميات الألبان المتوافرة في الأسواق.
وتحت هذا الضغط، بدأت جمعية منتجي الألبان، نهاية العام الماضي، في تسعير اللبن بشكل استثنائي كل شهرين، بدلًا من كل عام كما جرت العادة، بسبب اضطراب أسعار مستلزمات الإنتاج، وفقًا لحسن.
تسعير الألبان يتم من خلال التعاون بين الجمعية وشركة جهينة بشكل أساسي، باعتبارها تحصل على أكبر حصة من المزارع والفلاحين، بناءً على معادلة سعرية تضم تكاليف التغذية والإنتاج ومعدلات التضخم، بحسب سرور. ساهم ذلك في ثبات السعر لفترات طويلة واستقراره ضمن نطاقات محددة رغم اختلاف منتجيه.
بسرعة، نقل المنتجون ارتفاع أسعار تكاليفهم للمستهلكين، فزادت أسعار الألبان ومنتجاتها، ووصل سعر لتر اللبن غير المعبأ في الأسواق إلى ما بين 20 و23 جنيهًا، مقارنة بـ14 و16 جنيهًا عام 2021، فيما ارتفع سعر اللبن المعبأ بنحو عشرة جنيهات ليصبح 28 جنيهًا.
لكن، حتى تمرير تلك الزيادة للمستهلكين، لم يكفِ لتعويض خسائر المنتجين. ومنذ بداية أزمة الاستيراد، العام الماضي، بدأت عشرات المزارع الصغيرة في تصفية أعمالها أو تقليص أعداد قطعان الماشية لديها. أما المزارع الأكبر، ذات القدرة الأقوى على الصمود أمام تقلبات السوق، فأُغلق منها حتى الآن، بحسب سرور، نحو عشر مزارع من أصل 250 مزرعة.
«كل يوم مزارع بتقفل. مزارع تانية بتتخلص من بعض المواشي بالبيع أو الذبح، أو بتسرح العمالة، لأنهم مش قادرين على تحمل الأجور في ظل الخسائر اليومية»، يقول سرور.
أما المزارعون الصغار، الذين يمثلون غالبية المنتجين، فيحتفظون بجزء من إنتاجهم لاستهلاك أسرهم، لكن كلما زادت معدلات التضخم ارتفعت الكمية التي يحتفظون بها، لمقاومة ارتفاع الأسعار، وهو ما يُخفّض بدوره المعروض في الأسواق، وفقًا لدراسة منشورة بالمجلة المصرية للاقتصاد الزراعي.
وتحت وطأة أزمة توافر الأعلاف واستمرارها لشهور طويلة، بدأت الحكومة في التدخل، إذ أفرجت خلال الأربع أشهر الماضية عن مليوني طن من مكونات الأعلاف التي تستورد مصر 90% منها، من أصل أكثر من ثلاثة ملايين طن علقت في الموانئ في ظل ضعف الإتاحات الدولارية من البنوك للإفراج عن الشحنات، ما صعد بأسعار الأعلاف إلى مستويات قياسية لم تُسجَل من قبل. فقد قفز سعر الذرة الصفراء من خمسة آلاف جنيه للطن عام 2021، إلى ما يتجاوز 15 ألف جنيه، في ديسمبر الماضي، فيما وصل سعر فول الصويا إلى 40 ألف جنيه، مقارنة بـ11 ألف جنيه.
لكن، تدخل الحكومة جاء متأخرًا، واقتصر على تسهيل نفاذ مكونات الأعلاف للسوق المحلي، فيما كان السوق يعاني من مشاكل متأصلة.

بخلاف الأعلاف، عنصر التعبئة هو الأعلى تكلفة في عملية التصنيع، نظرًا لاعتماد معظم الشركات على تكنولوجيا حديثة تحفظ اللبن دون تلف حتى ستة أشهر، لتجنب إضافة مواد حافظة تقلل من القيمة الغذائية للألبان.
ووفقًا لتقديرات اتحاد الصناعات عام 2021، سيطرت الألبان المعبأة على 55% من استهلاك المصريين من اللبن.
تكنولوجيا التغليف «تتراباك» هي عبارة عن ورق غير نافذ، خفيف، سهل الفتح، مكون من ثماني طبقات مدمجة، مصنوعة من مواد مختلفة مثل بولي ايثيلين، وألومنيوم، وفويل مضغوط، وطبقات كرتون. وتعتمد الشركات على استيراد هذه التكنولوجيا بالكامل، يوضح حسن*.
يُباع اللبن الخام، حاليًا، من المربين بسعر 15 جنيهًا للتر بعد النقل، وفقًا لسرور. «لو جبت علبة لتر بخمسة جنيه، يبقى اللتر كلّف 20 جنيه من غير أي عملية صناعة. هنزود عليها تكاليف كهرباء، وعمالة، يبقى علبة اللبن اتكلفت صناعتها 26 جنيه. طبيعي تتباع بـ30 جنيه»، يقول حسن*.
وبحسب حسن*، حاولت الشركة السويدية «تتراباك» الاستثمار في مصر سابقًا، لكنها تراجعت بسبب ما أسماه بالبيروقراطية أو«التطفيش». وبدلًا من مصر، استثمرت الشركة في المملكة العربية السعودية، التي يعتمد قطاع الألبان فيها أصلًا على استيراد غذاء الماشية من مصر، بجانب مصانع للشركة في اليمن ولبنان ودبي والأردن والكويت. في المقابل، استمرت الشركات المصرية في دفع عملة صعبة لاستيراد منتجات الشركة لتعبئة منتجاتهم من الألبان.
بالإضافة لذلك، يعتمد المربون على استيراد الأدوية واللقاحات البيطرية، التي شهدت هي الأخرى نقصًا حادًا في الفترة الأخيرة، ما يهدد بإضعاف قدرة صغار المربين، بشكل خاص، على مواجهة الأمراض التي تصيب قطعانهم الصغيرة وتؤدي لنفوق الكثير منها، في وقت انخفضت فيه أعداد الماشية بشكل لافت ومتكرر خلال السنوات الماضية.
انخفضت أعداد رؤوس الماشية في مصر بنسبة 54.7% عام 2019، لتصبح 7.4 مليون، بدلًا من 16.3 مليون عام 2018، وفقًا لآخر إحصاء صادر عن جهاز التعبئة والإحصاء حول الثروة الحيوانية.
كان هذا الانخفاض الحاد مفاجئًا، إذ كانت الدولة تعمل بالفعل قبل ذلك بسنوات لرفع الإنتاج المحلي من الثروة الحيوانية والألبان وزيادة الاستثمارات فيه من خلال جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع لوزارة الدفاع. الحكومة تُدرك تمامًا أهمية الألبان للمصريين منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي ارتفعت فيها واردات مصر من الألبان لتصل إلى نحو 60% من حجم الإنتاج المحلي، أي أن المصريين في تلك الفترة اعتمدوا على استيراد أكثر من ثلث احتياجاتهم من الألبان، بحسب دراسة أعدها معهد التخطيط القومي في ذلك الوقت.

في 2014، رسمت الحكومة خطة تحت اسم «مشروع المليون ونصف رأس» وهي خطة من شقين: التوسع الأفقي في أعداد مزارع الماشية ومصانع إنتاج الألبان، والتوسع الرأسي من خلال رفع إنتاجية المزارع القائمة بالفعل وزيادة كفاءتها.
بالفعل، في نهاية 2019، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مجمعًا ضخمًا للإنتاج الحيواني بمدينة يوسف الصديق بالفيوم، على مساحة 458 فدانًا. تقدم السيسي ورجال بالزي العسكري الصفوف، وفي الصف الأخير وقف وزير الزراعة مع آخرين، يستمعون جميعًا إلى شرح توضيحي لإمكانات المجمع الذي يضم ثلاث مزارع لتربية وتسمين الماشية بطاقة استيعابية 18 ألف رأس، ومجزر آلي، ومركز للأبحاث البيطرية، ومنافذ بيع. كل ذلك كان من تنفيذ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، بناء على توجيهات الرئيس.
لم يتوقف طموح الرئيس عند هذا الحد. قبل أن يثمر بناء المجمع الحيواني عن نتائج يمكن دراستها والتعلم منها، كانت الخطة تجري على قدم وساق لتنفيذ تسعة مشروعات مُشابهة، ومصنعين للألبان بحلول 2020 ضمن المرحلة الأولى فقط من مشروع «المليون ونصف مليون رأس»، نُفذ منها بالفعل «مجمع الإنتاج الحيواني رقم 8 قبلي قارون» بالفيوم أيضًا، ومجمع آخر في النوبارية، وأخيرًا مجمع في مدينة السادات بالمنوفية.
هدف المشروعات، بحسب تصريحات مدير جهاز الخدمة الوطنية الأسبق، مصطفى أمين، «تحقيق المساهمة مع أجهزة الدولة في تقليل الفجوة الغذائية في مجال البروتين الحيواني، وخفض استيراد المنتجات الحيوانية».
لكن، بعد أقل من ثلاث سنوات، أُغلق مجمع يوسف الصديق في منتصف العام الماضي، دون صدور أي تصريحات رسمية، بحسب ثلاثة مصادر مختلفة بقطاع الإنتاج الحيواني، ومواطنين من مدينة يوسف الصديق، فضلوا عدم ذكر أسمائهم.
أحد المواطنين يعيش بالقرب من المجمع قال لـ«مدى مصر» إن جزءًا من المجمع لا يزال يعمل، «لكن في تغليف بسكويت المدارس».
مجمع قارون أيضًا أُغلق مؤخرًا. أما مجمعا السادات والنوبارية لا يزالان يعملان، لكن بطاقة إنتاجية أقل بكثير، وذلك بعد خسائر فادحة تكبدتها المجمعات الأربعة، بحسب المصادر الثلاثة.
«قطاع الإنتاج الحيواني بيحتاج خبرة تراكمية، يعني العامل والدكتور بيحتاجوا سنوات عشان يقدروا يعتنوا بمجمع إنتاج حيواني. لما أجيب ظابط يدير مجمع بالضخامة دي، ومجند هيخلص مدته ويمشي بعد كام شهر، عشان ينفذ، غير لما تجيب فني وعنده خبرة ودي شغلانته»، يقول مصدر بقطاع الإنتاج الحيواني، مشترطًا عدم ذكر اسمه.

بالتوازي مع ذلك، اتجهت الحكومة لزيادة إنتاجية الماشية من الألبان، من خلال مشروع اقترحه السيسي أيضًا، وواظب على ذكره في أكثر من مناسبة.
المقترح يبدو بسيطًا للغاية. رؤوس الماشية المحلية تنتج ما بين ثلاثة وخمسة كيلو لبن يوميًا، فيما تنتج السلالات المستوردة متوسط 30 كيلو، وقد تنتج بعض السلالات 60 كيلو. فلماذا لا تتطور صناعة الألبان المحلية وتعتمد على تربية ماشية مستوردة تنتج لبنًا أكثر، لتعويض الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في الألبان؛ والبالغة ثلاثة ملايين طن تقريبًا، وفقًا لتقديرات سرور، لماذا لا نذهب إلى هذا الحل السحري؟
ذكر الرئيس مقترحه عدة مرات، وأعلن عن تبني الدولة لذلك المشروع، كما طلب من المؤسسات الخيرية أن توفر أبقارًا مستوردة كمساعدات للأسر الفقيرة. «عاوز تطلع دعم وزكاة مال وصدقة أي حاجة، انت تأكلني ولا تديني رأس زي دي؟ هتديني الراس دي مرة ومش هتأكلني تاني خلاص»، قال السيسي خلال لقاء جمعه بمدير جمعية الأورمان.
ولكن الحل المقترح من الرئيس ليس بالسهولة التي يبدو عليها.
تحتاج البقرة المستوردة إلى نظام غذائي مُحكم يكلف في المتوسط يوميًا أكثر من 400 جنيه للبقرة الواحدة، بينما تكلف المحلية التي تتغذى بشكل جيد 150 جنيهًا، بحسب تقديرات عاملين بقطاع الألبان، وهو ما يناقض المعلومات التي أكدها السيسي خلال طرحه لفكرة المشروع، إذ قال إن الماشية المستوردة والمحلية تتساوى في الاحتياجات الغذائية.
بخلاف ذلك، تُصاب الماشية المستوردة بأمراض تملك نظيرتها المحلية مناعة منها، مثل الحمى القلاعية. وفي حالة توفير الطعام والدواء للأبقار المستوردة، بتكاليفها الباهظة، ستظل تعاني من ارتفاع درجات حرارة الجو في مصر، والتي تتزايد مؤخرًا، وهو ما يزيد من فرص إصابتها بالإجهاد الحراري، ويُخفّض إنتاجيتها، ما يحتم ضرورة وجود نظام تبريد، وهو ما يعني تحميل تكلفة إضافية على صغار المربين، الذين يمثلون النسبة الأعظم من السوق، بحسب استشاري التغذية الحيوانية.
وإذا توافرت كل تلك العوامل للماشية المستوردة، ستحتاج إلى التزاوج لإنتاج المزيد من الماشية لتعويض التي تنفق على الأقل، وللحفاظ على نقاء السلالات المستوردة، لضمان الحصول على نفس معدلات الإنتاج من اللبن.
هنا ستظهر الحاجة إلى الاستيراد مجددًا؛ إما أبقار ذكور بأموال طائلة للتزاوج مع قطعان إناث الأبقار، أو استيراد نُطف الذكور وتلقيح الإناث صناعيًا. وفي الحالتين يستلزم وجود إشراف طبي.
«النطفة الواحدة بتعدي 120 دولار، وممكن تنجح وممكن لأ. غالبًا بنجرب أكتر من مرة لحد ما التلقيح يحصل» يقول مصدر قطاع الإنتاج الحيواني.
وبحسب استشاري التغذية والمصدر بقطاع الإنتاج الحيواني، فإن الحل الأجدر بالتنفيذ هو الاستثمار في تحسين السلالات المحلية عوضًا عن هدر أموال في مشاريع كفيلة بالقضاء على الثروة الحيوانية في مصر.
«إزاي المنتجين اللي هم معظمهم صغار مربين هيقدروا يتعاملوا مع كل ده ويتحملوا تكاليفه؟ الفلاح لو الجو حر بيرش للبقرة البلدي شوية ماية، ويشربها زيادة. ولو مش معاه يجيب علف، هيأكلها برسيم وشوية حاجات من بيته وتمشي الدنيا. لكن المستورد لا يتحمل النظام ده. المحلي قدرته أكبر على استحمال ظروف طقسنا»، يقول استشاري التغذية.
المسؤولون كذلك لا يتفقون مع توجه الرئيس. وزير الزراعة، السيد القصير، الذي ظهر في أكثر من مناسبة يهز رأسه موافقًا على كلام الرئيس، قال في جلسة مع عاملين بالقطاع «أن فكرة هذا المشروع خاطئة»، بحسب مصدر حضر الاجتماع وتحدث مع «مدى مصر».
وفي كل مرة طرح فيها الرئيس الموضوع من جديد، كان يقابل بأسئلة من المختصين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حول جدوى استيراد ماشية تصل تكلفة الرأس الواحدة إلى ثلاثة آلاف دولار، في مقابل المصرية التي لا يتجاوز سعرها 900 دولار.

وفي مقابل مشروعات الرئيس، التي لم تسفر عن شيء تقريبًا، كانت التضييقات جارية على المزارع القائمة.
«الحكومة بتطالب المنتجين بتخفيض الأسعار وعشان ده يحصل لازم يكون في وفرة في الإنتاج. إزاي ده يتم وفيه تضييق على توسع المزارع القديمة وعلى بناء مزارع جديدة من 2017؟»، يتساءل سرور.
تشمل تلك التضيقات الرفض الحكومي المتكرر لطلبات المزارع القائمة بالتوسع أو إنشاء مزارع جديد، بحسب مصدر بقطاع الألبان تحدث مع «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه.
وبحسب المصدر، أصبحت محاولة تجديد أي مزرعة، مؤخرًا، تحتاج موافقات كثيرة وأموالًا طائلة، خاصة بعد إصدار قرار 615 لعام 2016، الذي اشترط حصول مزارع الإنتاج الحيواني على موافقة وزارة الزراعة وجهة الولاية على الأرض، سواء المحافظة أو هيئة التنمية العمرانية أو هيئة الإصلاح الزراعي.
لكن تلك الموافقات ليست مجانية، بل تطلب هذه الجهات مبالغ كبيرة لترخيص أي مبنى جديد في المزرعة أو هدم مبنى لتجديده، أو حتى تجديد مبنى قائم. «المحافظة تيجي تقولي هات 800 ألف جنيه عشان أديك ترخيص تجديد مبنى. بس أنا واخد الأرض أصلًا بـ200 ألف جنيه. أكيد الأسهل لي إني أقف خالص وأتحمل خسارة تمن الأرض»، يقول المصدر.
الأزمة ليست أزمة خسائر للمزارعين والمستثمرين والسيدات اللاتي يعتمدن على بيع منتجاتهن في الأسواق لشراء الطعام لأسرهن فحسب، فنقص الألبان يهدد برفع أسعار منتجات البروتين الرخيصة، كالأجبان؛ ما سيقلل من قدرة المصريين على شرائها، أو يدفعهم لشراء الأنواع الأرخص منها، والتي تعتمد على استخدام الزيوت النباتية والألبان المجففة، لانخفاض أسعارها إلى النصف تقريبًا مقارنة بالأجبان الطبيعية، خاصة بعدما تجاوز سعر كيلو الجبن الأبيض الطبيعي 100 جنيه في الأسواق، وسعر كيلو الجبن القريش 85 جنيهًا، فيما بلغت أسعار الأجبان الصفراء؛ 200 جنيه للجبن الرومي، و450 جنيهًا للجبن الفلمنك و300 جنيه للشيدر.
يقول حسن*: «اللبن الخام سعره غالي، وعشان ننتج ألبان بيحصل فاقد كتير جدًا لإنتاج المادة الصلبة، فبنستورد لبن بودرة منزوع الدسم لأنه بيوفر، وبيتعوض الدسم بتاع اللبن بدهون نباتية زي زيوت النخيل وغيرها».
يضيف حسن أن بعض معامل الأجبان بدأت في استعمال الزيوت النباتية في الجبن الرومي، وهو شيء جديد تمامًا.
استبدال المنتج غالي الثمن بآخر رخيص، له أضراره. أخصائية التغذية، أميرة محمود، تؤكد لـ«مدى مصر»، أن الدراسات قد اختلفت حول تأثير الزيوت النباتية على الصحة، لكن الزيوت المهدرجة، في كل الحالات، لها دور في السمنة وتراكم الدهون في الجسم، موضحة أن السمنة مرتبطة بمعظم الأمراض، خصوصًا إذا تم الاعتماد على هذا النوع من التغذية بشكل مستمر. تضيف محمود أن مبيضات القهوة، مثلًا، لها دور كبير في أمراض القلب والشرايين.

لحل الأزمة، طرحت جمعية منتجي الألبان على الحكومة عدة حلول في أكتوبر الماضي؛ مثل تسهيل الحصول على التراخيص الجديدة، وخفض أسعار الطاقة، وتشجيع الاستثمار في صناعة تجفيف الحبوب للاعتماد على الذرة المحلية، وهو ما لم ترد عليه الحكومة حتى الآن، بحسب مصدر بالقطاع. بالإضافة لذلك، رفضت وزارة المالية طلبًا قدمته الجمعية بضم أنشطة الثروة الحيوانية، مثل مزارع الألبان، إلى قائمة الأنشطة الاقتصادية الواردة بالقرار رقم 61 لسنة 2022، لإعفائها من الضريبة العقارية لمدة ثلاثة سنوات، لمحاولة خفض التكاليف.
«أزمة قطاعات الأغذية في مصر إنها هشة، مش مبنية على أساس قوي، وطبيعي تكون النتيجة إنه أي هزة في السوق زي أزمة الاستيراد تهدد بانهيار القطاع»، يقول سرور.
لذلك، يشير حسن وغيره من المصادر إلى أهمية الاستثمار في تطوير الأصناف المحلية من الذرة لنستعيض بها عن الاستيراد، وتشجيع المزارعين ودعمهم لزراعته. لكن أيضًا، لا جدوى من التوسع في زراعة الذرة دون وجود استثمارات في مجففات الحبوب، والتي تحتاجها الذرة بشكل خاص بسبب نسبة الرطوبة العالية بها، والتي تؤدي إلى إصابتها بالفطريات وتعفنها بشكل سريع.
«المشكلة إن دواير الإنتاج مترابطة. الاستيراد عِطل، فالثروة الحيوانية كلها وقفت. البلد محتاجة تنهض زراعيًا وصناعيًا قبل ما نرمي المشكلة على الحرب الروسية الأوكرانية»، يقول حسن*.
* اسم مستعار
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن