البطل حيوان| رواية «النورس جوناثان ليفنجستون»: اللانهائية وما بعدها
الحلقة الثانية من كوكبة «البطل حيوان»
احتلت الحيوانات مكانة مهمة في الأدب منذ آلاف السنين. قبل اختراع الكتابة، صورت الشعوب القديمة قصص الحيوانات من خلال رسم قصص رمزية على جدران الكهوف. كما لعبت الحيوانات، عند المصريين القدماء، أدوارًا مهمة في حضارتهم، سواء كمعبودات وأساطير أو مساعدين في الزراعة أو في الكتابة الهيروغليفية أو غير ذلك. وقدمت اليهودية والمسيحية قصصًا في كلا العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس لشخصيات حيوانات رمزية تُمثِّل مختلف السمات البشرية والإلهية، كالأفعى والخنازير والحِملان. وبالمثل، استخدمت الثقافات الهندية قصصًا من الحيوانات للمساعدة في شرح أسرار الحياة والكون.
يكمن سر نجاح وعالمية هذا النوع من الترميز، في العودة إلى فكرة الأنماط الأولية archetypes. فرؤية حيوان أو صورة أو رمز ما تثير بداخلنا شعور ما، في الغالب يجتمع عليه البشر، كأن نقول «قوي كالثور»، «سريع كالفهد»، «ماكر كالثعلب». لا زالت هذه التقنية مستخدمة في الأدب إلى الآن، وتحتفظ بتأثيرها وجاذبيتها على الكاتب والقارئ رغم اختلاف الثقافات والأزمنة. لذا سأشير في هذا البرنامج من سلسلة كوكبة لبعض الروايات التي حاولت إرسال رسائل معينة بشفرات الرمزية، وقرر كُتّابها جعل أبطالها حيوانات.
في الحلقة الأولى قدمنا رواية «مزرعة الحيوان» (1945) لجورج أورويل. لقراءتها مع مقدمة السلسلة اضغط هنا.
توفي الطيار جون ليفنجستون إثر أزمة قلبية في السابعة والسبعين من عمره، عقب اختباره لطائرة من طراز بيتس سبيشيال. كانت حياته مصدر إلهامٍ للكاتب ريتشارد باخ (1936)، الذي اختار اسمه لبطل روايته «النورس جوناثان ليفنجستون»، المنشورة عام 1970 عن دار نشر ماكميلان بنيويورك. عمل ليفنجستون (1897-1974) ميكانيكي سيارات حتى استطاع تصنيع طائرة عام 1920، بدأ بعدها العمل كطيار، وفاز بالمركز الأول في 80 سباق جوي أمريكي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. أعتقد أن إعجاب الشاب ريتشارد باخ، ذي السبعة عشر عامًا، بالطيار ليفنجستون وبطولاته، هو ما حفزه على ممارسة الطيران كهواية في ذلك العمر.
كل الوظائف التي عمل بها باخ تتعلق بالطيران بشكل أو بآخر؛ إذ خدم في احتياطي القوات الجوية الأمريكية، وعمل كطيار مقاتل ضمن مقاتلي الحرس الوطني في نيو جيرسي، وكاتب تقني في شركة دوجلاس للطيران، ومحرر في مجلة فلاينج، وكتب العديد من المقالات لمجلة Avian. وخلال صيف عام 1970، شارك في فيلم ڨون ريتهوفن وبراون للمخرج روجر كورمان، بقيادة طائرة ضمن مجموعة من طائرات الحرب العالمية الأولى. كما شارك في عروض «السيرك الطائر» التي كانت تقام لاستعراض مهارات الطيارين وإقناع الناس بقوة الطائرات الأمريكية.

انعكس حُب باخ للطيران في كتاباته، سواء بكتابته عن الطائرات أو عن سيرته الذاتية كطيار، فتحوّل الطيران في معظم كتبه إلى وسيلة لتمرير فلسفته؛ وهي التحرر من القيود، وأن أجسامنا هي مجرد مظهر خارجي لا يمنعنا من السمو بأرواحنا بعيدًا عن صخب الحياة. يقول في لقائه مع جيفري ميشلوف: «أعتقد أننا مخلوقات تعبر عن الحياة، تعبر عن الروح، ولسنا مقيدين بالجاذبية والجدران وحدود أجسادنا».
في رواية «النورس جوناثان ليفنجستون»، يؤكد الكاتب فكرته؛ حيث يحكي عن النورس جوناثان الذي لم يكن يريد قضاء أيامه في التسكع على الشاطئ لاختطاف الأسماك مثل بقية أفراد سربه، بل استحوذ عليه شغفه بالطيران وأسراره، فيُطرد من سربه بتهمة مخالفة التقاليد بممارسة الطيران ومحاولة تحريض غيره. اعتمد الكاتب على نظرية الكمالية الأخلاقية التي تهتم بفكرة الحياة الجيدة للبشر، وتوجه كل إنسان إلى تطوير نفسه قدر الإمكان، والاهتمام بكمال الآخرين؛ حيث إن مصلحة الآخرين قد تصب في صالح الفرد، والعكس صحيح. فعندما اكتشف جوناثان ذاته ومهاراته في الطيران، لم يبخل على سربه بكشف أسرار إنجازه.

يواصل جوناثان تعلم المزيد من أسرار الطيران في منفاه. ولأنه تخلى عن الضجر والخوف والغضب، التي هي أسباب قِصر عمر النوارس، عاش حياة مديدة. وذات يوم، يقابله نورسان سماويان ويخبراه أنه اجتاز مرحلة تعليمية ما، وأن عليه الارتقاء إلى مرتبة أعلى ليتعلم المزيد. ندرك أنه تحرر من جسده، وصعد معهما إلى الجنة. وفي ذلك المكان الجديد، تتبدل هيئته الخارجية، لكن تظل روحه الطموحة كما هي. يختبر سرعته ومهاراته في الطيران فيكتشف أنها تتضاعف مع القليل من المجهود. يتولى تدريبه النورس سوليفان الذي يشرح له أن باقي النوارس استغرقت آلاف الحيوات حتى استوعبت أن هدف حيواتهم هو الوصول إلى الكمال وإرشاد الآخرين إلى السعي من أجله.
يواجه جوناثان المعلم العجوز تشيانج بقوله «هذا العالم، ليس هو الجنة»، فيؤكد تشيانج كلامه، ويجيبه «لا وجود لمثل هذا المكان، فالفردوس ليس مكانًا أو زمانًا، بل هو حالة الكمال». ويخبره أنه سيلامس الجنة في الوقت الذي سيصل فيه إلى السرعة المثالية، فيكشف له أسرار الطيران؛ مثل الاختفاء والظهور في مكانٍ آخر بمجرد التفكير، والانتقال عبر الزمن. وفي اليوم المقرر لاختفائه، يوصي النوارس بعدم التوقف عن التدرب، ويوصي جوناثان بمواصلة تعلم المحبة.
تعتبر الحرية الفردية من أهم محاور فكر هيجل الفلسفي وتأملاته النظرية في التاريخ، فيرى أن التقدم العقلاني في التاريخ يحدث بمقدار وعي روح العالم بالحرية، وأن الشخصيات التاريخية الاستثنائية التي تتمتع بحدس داخلي خارق على عكس بقية البشر، هي القادرة على قيادتهم، إذ تستشعر ما يطمح إليه وعيهم وتحققه لهم. وانطلاقًا من مفهومه، قد رأى ذلك في نابليون على سبيل المثال؛ حيث وصفه في رسالةٍ كتبها لصديقه نيتامِر عام 1806 «رأيت الإمبراطور، روح العالم، على حصان»، عندما رآه يمتطي جواده مزهوًا بنصره على مدينة «ينا» الألمانية. كان في نظره ممثلًا لروح الثورة الفرنسية التي ستحرر الشعوب من القيود الفكرية والاجتماعية والسياسية.
كذلك يمثل النورس ليفنجستون روح العالم في هذه الرواية؛ حيث التمرد على السائد والرغبة في الحرية. وكأي نبي كذَّبه قومه، يبحث عن أرضٍ جديدة لدعوته، فينتقل إلى زمنٍ آخر كما علمه تشاينج، ليتخذ بعض النوارس المنبوذين من سربهم كتلاميذ له. كان أهمهم النورس «فليتشر». ظل يغرس فيهم فكرة حب الحرية وأنهم صورة للنورس العظيم، وأن إتقان الطيران هو خطوة لتحقيق الكمال المطلق. وفي يومٍ ما، يخبرهم أنه حان وقت العودة إلى السرب، لنقل خبرتهم في الطيران إليهم.
يلتف عدد من النوارس حول جوناثان وتلاميذه بعد شهورٍ من التردد، يساعدهم على تجاوز معتقداتهم وقوانينهم، فيطلقون عليه اسم «ابن النورس العظيم»، لكنهم يحاولون قتله - في يومٍ ما- بعد أن نعتوه بـ«الشيطان»، لأنه أعاد فليتشر من الموت. يسامحهم ويقرر مغادرة السرب وتنصيب فليتشر قائدًا بدلًا عنه، ويوصيه بالمحبة وعدم التقيد بالحدود. هنا تنتهي أحداث الرواية ذات الثلاثة فصول، لتتركنا مع نهايةٍ مفتوحة، تبعث على الأمل وترقُب المزيد من المؤمنين بتعاليم النورس المُلهم جوناثان ليفنجسنون.
ورابعها الشعائر والطقوس
في 31 أغسطس 2012، اقترب ريتشارد باخ من موتٍ محقق، بعدما اصطدمت طائرته البرمائية ببعض خطوط الكهرباء وتحطمت. استيقظ في مستشفى هاربرفيو مصابًا بجروح بالغة في الدماغ والصدر والعمود الفقري. هذا الحادث ألهمه إتمام ومراجعة الجزء الرابع من الرواية ونشره في طبعةٍ جديدة، أكتوبر 2014. لم ينشره في الطبعة الأولى لأنه كان يرى أن قصته قد اكتملت بأجزائها الثلاثة. يقول في رسالته المرافقة للنسخة الجديدة «ظللت أقرأ الجزء الرابع المرة تلو الأخرى، في ذلك الحين. لم يبدُ لي صادقًا أو حقيقيًا بالمرة. فهل يمكن للنوارس التي اتبعت تعاليم جوناثان أن تقتل روح الطيران بالطقوس والشعائر؟ قال الفصل إنه أمر ممكن، لكنني لم أصدقه».
في الجزء الرابع، يتحول جوناثان إلى أيقونة مقدسة بعد رحيله بسنوات، تقام له شعائر وطقوس لا تمُت لتعاليمه بصِلة، ويصبح الطيران خرافة قديمة، ومعجزة لا يقوم بها إلا نورس أسطوري مثله، حتى تمرد بعض النوارس، من بينهم نورس صغير يُدعى «أنطوني»، يرفض قداسة جوناثان وتبجيله، يحاول البحث عن غرض أسمى لوجوده بعيدًا عن الخرافات، فيُجرِّب ممارسة الطيران. يشعر بالاغتراب بين سربه وبعدم جدوى أي مقاومة، ويصل لقناعة أن الحياة لا معنى لها، فيقرر الانتحار. في منتصف طريق اصطدامه بالأرض من ارتفاعٍ شاهق، يظهر له نورس نوراني يطير بمهارة، يخبره أن اسمه «جون».
ما وراء الانتشار
تُرجمت الرواية إلى أكثر من 40 لغة، وباعت أكثر من مليون نسخة خلال عامين من صدورها. التقطت الصحف ووسائل الإعلام جاذبية هذه القصة البسيطة، فأصبحت ظاهرة ثقافية في السبعينيات، وبحلول عام 1992 تخطت مبيعاتها حاجز الثلاثين مليون نسخة. وفي عام 1973، أُنتِج فيلم مأخوذ عن الرواية ويحمل نفس الاسم.

توالى إنتاج الأفلام والأغاني التي ألهمتها الرواية، وتردد اسم «جوناثان ليفنجستون» في العديد من الكتب والأغاني والحلقات التليفزيونية. وقد أشارت إليه، حلقة «رحلة هوميروس الغامضة» ضمن حلقات المسلسل الأمريكي الشهير «سيمسون»؛ حيث صرخ قبطان البحر «هوراشيو» في نهاية الحلقة: «النورس جوناثان ليفنجستون! نحن في مسار تصادم!». وفي مهرجان منترو للچاز عام 1976، غنت المغنية الأمريكية «نينا سيمون» أغنيتها «أتمنى أن أعرف كيف سيكون الشعور بالحرية»، ولكنها في منتصف الأغنية ارتجلت بعض الكلمات: «حصلت على أخبار جديدة لك، أنا أعلم بالفعل.. أن النورس جوناثان ليفنجستون لم يحصل على أي شيء». ثم صرخت بكلمة «حُر»أربع مرات متتالية.
استفادت الرواية من توقيت صدورها؛ حيث كان المجتمع مهيئًا لأسلوب جوناثان وفكرته عن التمرد والكمال. شهد العقد الذي سبق شعبية جوناثان تغييرات كبيرة مثل حركة الحقوق المدنية، وتحرير المرأة، والثورات الجنسية، وظهور موسيقى الروك أند رول، والهيبيز. كل ما أفرزه هذا العصر، ساهم في الاستقبال الحافل من الجمهور.
كان رفض بطل باخ للتوافق مع مجتمعه معادلًا موضوعيًا لرفض الشباب لوصاية الكبار. كما تشابه نمط الحياة الرتيب في سرب جوناثان إلى حدٍ كبير مع نمط الحياة الذي انتشر في خمسينيات القرن العشرين. في الستينيات، رفضت النساء حصرهن في المنزل والمطبخ واتباع الصورة النمطية لجيل أمهاتهن. ومن خلال حركة الحقوق المدنية، قاوم الأمريكيون من أصول أفريقية الحدود التي فرضتها عليهم التقاليد العنصرية القديمة.
كانت تصريحات جوناثان مثل «القانون الحقيقي الوحيد هو المؤدي إلى الحرية» و«يمكننا أن نخرج أنفسنا من الجهل، وأن نكون أحرارًا»، بمثابة حكمة هذه الحركات، التي تعتبر ردود أفعال على القواعد التي أعاقت النساء وأصحاب البشرة السمراء عن الحصول على الحرية. تركيز جوناثان على الانفصال عن حدوده والسعي نحو الحرية والامتياز، جذب الناس في مجتمع السبعينيات، الذين كانوا متعاطفين مع هذه الحركات.
وعلى جانبٍ آخر، اعتبر بعض النقاد أن الرواية لا تتعدى كونها نوع من التنمية البشرية الساذجة، أو قصة ساذجة تصلح للأطفال. بل ووصف الناقد السينمائي الأمريكي «روجر إيبرت» الفيلم المأخوذ عن الرواية، بأنه نوع من الثقافة الزائفة. نتفق مع هؤلاء النقاد في بساطة الفكرة وسرد الحكاية، لكن ربما هذا هو ما أكسبها عمقًا وأسكنها في قلوب القراء حول العالم.
الطيران إلى اللانهائية وما بعدها
يقول جوته: «الكمال معيار السماء، أما السعي نحو الكمال معيار الإنسان. كان سعي جوناثان الدائم نحو خلق هدف أسمى لحياة النوارس لينتزعهم من التخلف إلى الحرية، أي سعي إلى مكانةٍ اجتماعية لنفسه وسربه بين الطيور الأخرى. لكنه بدأ يتبنى فكرة الكمال الروحي عندما تخطى مرحلة الحياة المادية المغلفة بالمظاهر؛ فسعيّ الأرض كان -رغم جموحه- له حدود، أما سعي السماء كان نحو الكمال المطلق. ولا يعتقد الساعي للكمال -بالضرورة- أن بإمكانه الحصول على حياة مثالية، لكنه دائم المثابرة للوصول إلى أفضل حياة ممكنة. كما النورس ليفنجستون، لم يتوقف عن مكافحة ذاته قبل سربه حتى في منفاه، لكي يطور قدرته على الطيران، حتى أخبرته النوارس النورانية أنه أنجز القليل وما زال أمامه المزيد لبلوغ الكمال».
كتب السياسي الفرنسي ألفريد ناكيت، في كتابه الفوضى والجماعية «إن الدور الحقيقي للبقاء الجماعي هو التعلم والاستكشاف والمعرفة. ويمكن وصف الأكل والشرب والنوم والحياة على أنها مجرد كماليات. المعرفة هي الهدف. وإذا كنت مجبرًا على الاختيار بين أن أكون إنسانًا سعيدًا متخمًا على طريقة قطيع من الماشية، وبين أن أكون إنسانًا يعيش في بؤس، ولكن تنبعث منه الحكمة والحرية، فإنني سأختار الحالة الثانية». هذا ما تبناه أيضًا بطل الرواية؛ حيث كان من الممكن أن يتوسل إلى كبير نوارس سربه للعفو عنه وعدم نفيه، وأن يعدهم بالإقلاع عن أفكاره والعيش مثلهم للطعام وفقط، لكنه فضَّل الإصرار على هدفه حتى لو كان النبذ والطرد هما الضريبة. كما أنه كان يفضل الطيران على الطعام في أغلب الأحوال، ويمر عليه وقت طويل دون أكل في سبيل إتقان حركة جديدة.
طرحت الديانات المختلفة فكرة الكمال الإنساني منذ آلاف السنين، وكانت تهدف إلى الكمال الروحي، لكن نيتشه كان يرى أن للفرد طاقة غريزية خلاقة تحركها الإرادة، ولأنها تخاف من التعبير عن ذاتها وعن خصوصيتها، تختار الشكل العام والمقبول تحت مظلة العديد من الإيديولوجية والمسلمات، التي يكبح المجتمع جماحها بها، ما يخلق صراع بين الفرد والمجتمع حول النظرة التقليدية في التربية التي تستمد قواها من الدين والتقاليد والمقومات التاريخية الداعمة لها، والنظرة الإنسانية التي ترى الفرد هو «صاحب الحق» في التحكم في شخصه واحتياجاته، والتي تناقض عمومًا توقعات المجتمع.
فسَّر الكثيرون مفهوم «قوة التسامي»، الذي كان أحد دعائم فلسفة نيتشه، بأنه تعالي الإنسان على غرائزه، وارتقائه فوق مسلمات الإيديولوجيات المقيدة لقدرته على الخلق والإبداع، ولنزعته الطبيعية للتطور. في الرواية، عندما يعود جوناثان وتلاميذه إلى السرب يتخطى معتقداتهم ويخرق قانونهم الذي يقضي بعدم عودة المنبوذين مرة أخرى، في سبيل نشر أفكاره التي سترتقي بالسرب.
اعتمد باخ في روايته على لغتين؛ لغة التنمية الذاتية التي برزت في الفصول الثلاثة الأولى أثناء رحلة صعود جوناثان، واللغة الطقوسية، تحديدًا في الفصل الرابع، فاستخدم ألفاظ ومفاهيم مثل (ترانيم، الأب المقدس، تبشير، شعائر، مزارات مقدسة، كهنة، معجزات وكرامات). وبنى الجُمل بتراكيب بسيطة وسلسة، ربما لنقتنع بإمكانية أن يرد هذا الكلام على لسان طيور، كما أتاح ذلك الفرصة للتركيز على مغزى القصة.
ربما كان من الأفضل عدم إضافة الفصل الرابع وترك مساحة لخيال القارئ لإتمام القصة، لكن لا يمكن إنكار أن ما ورد فيه يقارب الحقيقة في العديد من الثقافات والديانات. ورغم ذلك، ترك الكاتب في النهاية خيطًا رفيعًا للأمل، وخرج من يهدم أصنام الخرافة ولو بالطيران، كما خرج جوناثان أول مرة ليواجه مجتمعه، أعزلًا دون سلاح إلا حريته. كانت قضيتهما واحدة، رغم اختلاف زمانهما؛ فجمود الفكر أفعى تبدّل جلدها، لكن جوهرها يظل كما هو. لكن من بين الغيم يأتي الخير ويعود دفء الشمس مرةً أخرى. يخبرنا باخ كما أخبرنا الأبنودي بأنه سيزور زنزانة العتمة «أجيال.. وأكيد فيه جيل أوصافه غير نفس الأوصاف/ إن شاف يوعى.. وإن وِعي ما يخاف».
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن