تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
البطل الأوليمبي ومشروعه

البطل الأوليمبي ومشروعه

كتابة: مصطفى حسني 16 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

بعد أعوام من مشروع «البطل الأوليمبي»، الذي أطلقته الدولة قبل خمس سنوات، لم تتجاوز حصيلة مصر من الميداليات ثلاث في دورة باريس الذي انتهت الأسبوع الماضي، تمثل نصف ما حصلت عليه في الدورة السابقة.

بدأ المشروع في يوليو 2018، حين عقد الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتماعًا مع وزير الشباب والرياضة، أشرف صبحي، ناقشا فيه الاستعدادات لأولمبياد طوكيو، وذلك بعد استقباله للبعثة المصرية في بطولة البحر المتوسط، والتي حققت إنجازات كبيرة. انطلق «المشروع القومى للموهبة والبطل الأوليمبى»، الذي يعتبر «من أهم المشروعات القومية التى تتبناها وزارة الشباب والرياضة للنهوض بالرياضة المصرية وتطويرها لاكتشاف أجيال موهوبة رياضيًا ورعايتهم بطرق علمية حديثة وفق مراكز تخصصية لألعاب المشروع والأعمار السنية للموهوبين»، بحسب تصريحات سابقة للوزير.

طبقًا له، كان هذا «مشروع مستقبل وأمل مصر» فى أولمبياد 2024 المنتهية، وكذلك في 2028 القادم. استمر الوزير في زيارة مقر المشروع ولقاء اللاعبين. في أبريل الماضي، اعتبرت الوزارة المشروع أحد إنجازاتها خلال السنوات العشر الماضية.

حصلت مصر في الدورة السابقة التي أقيمت في طوكيو على ست ميداليات، مثلت الإنجاز الأكبر في مشاركاتها الأوليمبية، وبدا أن مصر تتقدم أخيرًا في المنافسات الرياضية المختلفة.

لكن هذا الأمل تحطم في دورة باريس، حيث حققت البعثة المصرية للدورة، والتي تعد الأكبر في تاريخها، ثلاث ميداليات فقط، أي نصف ما حققته في «طوكيو»، على الرغم من أن تكلفة البعثة باريس تجاوزت المليار جنيه، بزيادة قدرها 777 مليون جنيه عن البعثة السابقة.

تصميم مهرة شرارة

ليست التكلفة المادية فقط ما أثار الجدل حول البعثة، فقد غرقت في سلسلة من الفضائح، حتى قبل سفرها إلى باريس، بدأت من الجدل حول مشاركة اللاعبة شهد سعيد بفريق الدراجات، ثم انتهت بالقبض على محمد إبراهيم «كيشو»، لاعب المصارعة الذي حصل على ميدالية في «طوكيو»، لكنه فشل في تحقيق أي نجاح في «باريس»، بتهمة «التحرش الجنسي بعد سكره»، وهي التُهمة التي أُسقطت لاحقًا.

بعد كل هذه الأموال والاحتفاء لم ننجح في العثور على البطل الأوليمبي المنشود، والسبب في ذلك أن بنية الرياضة المصرية والاتحادات القائمة على الرياضات المختلفة لا تسمح بهذا. وبالتالي أي نجاح تسعى إليه مصر يعتمد على فهم هذه الأسباب الهيكلية وعلاجها بشكل جديّ.

يتشكل المشروع من 135 لجنة تتكون من خبراء في جميع ألعاب القوى المختلفة، تتجول في محافظات مصر، وتنظم اختبارات داخل مراكز الشباب وبعض الأندية الشعبية، لتستقر في النهاية على اختيار 20 طفلًا في كل لعبة لتبدأ بهم مرحلة البراعم. تبلغ ميزانية المشروع 33 مليون جنيه سنويًا، يتم الإنفاق منها على رواتب ثلاثة آلاف لاعب ومدرب داخل المشروع.

بحسب المشروع، تمر عملية صناعة البطل الأوليمبي بأربع مراحل: تبدأ من «البرعم»، ويتم اختيارهم من 5-6 سنوات، ثم مرحلة الناشئين، وبعدها مرحلة الصفوة، وأخيرًا مرحلة البطل الأوليمبي، والذي يُرسل إلى اتحاد اللعبة التي ينتمي لها لتمثيل مصر في البطولات الدولية.

كشف وزير الشباب والرياضة، أنه اعتمد موازنة قدرها 1.1 مليار جنيه للإعداد لأولمبياد باريس من 2021 حتى 2024، فضلًا عن دعم الوزارة للبعثات الرياضية، مشيرًا إلى أن عام 2022 شهد مشاركة 900 بعثة رياضية خارجيًا، في ظل وجود دعم للبرامج التخطيطية وموازنات الاتحادات وفقًا لتنسيقاتها مع اللجنة العلمية والإدارات المعنية بالوزارة.

تمنح «الشباب والرياضة» مكافأة مالية قيمتها مليون جنيه للفائز بميدالية ذهبية في الأولمبياد، و750 ألف جنيه للحاصل على ميدالية فضية، تقل إلى 250 ألف للحاصل على ميدالية برونزية.

كما يحصل اللاعب الحاصل على ميدالية على راتب شهري مدى الحياة قيمته 3500 جنيه لصاحب الميدالية الذهبية، و2500 جنيه للميدالية الفضية، و2000 جنيه للبرونزية، وهي لائحة معمول بها منذ أوليمبياد سيدني 2000. هذه الرواتب لا يتم توريثها، ويمكن أن يستفيد البطل الأوليمبي أو البارالمبي بمجموع رواتب شهرية بحد أقصى ثلاث ميداليات أولمبية، لكن المكافآت الخاصة بكل ميدالية هذا شأن آخر، يحصل على المكافأة دون حد أقصى للميداليات.

ورحب صبحي بكل مؤسسة خاصة تشارك فى الرعاية أو المسؤولية المجتمعية للرياضيين، مؤكدًا اتخاذ إجراءات بالفعل من خلال تنسيق الوزارة مع الاتحادات الرياضية، وهو ما عبر عنه بالقول: «لدينا مؤسسات ساهمت في برامج رعاية الأبطال، فضلًا عن شركات أنشأناها من خلال القطاع الخاص لإدارة اللاعبين الأبطال بشكل محترف».

لكن هذه الرعاية، بشهادة مختلف اللاعبين في رياضات متنوعة، تنكسر على صخرة الاتحادات المختلفة. كثير من اللاعبين الكبار في رياضاتهم خرجوا عن صمتهم وقرروا الحديث عما يواجهونه. عمر عصر، أحد أهم لاعبي تنس الطاولة، والذي شارك في الأولمبياد، كتب على صفحته على فيسبوك هجومًا على الاتحاد ورئيسه وألمح فيه إلى شبهات فساد. واستدعى الأمر بيانًا من الوزارة للتعليق على بيان اللاعب أوضحت فيه أنها بصدد فحص جميع الاتحادات الرياضية. بطلة السباحة، فريدة عثمان، نشرت هي الأخرى فيديو طالبت فيه بمحاسبة الاتحادات الرياضية على النتائج المخيبة للبعثة الأوليمبية وليس اللاعبين.

هذه الاتحادات تديرها مجالس إدارة تنتخب من أعضاء الجمعية العمومية، وهي الأندية المشاركة في اللعبة ولها الحق التصويت في انتخاب رؤساء وأعضاء الاتحادات الرياضية. وبحسب قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، «اتحاد اللعبة الرياضية هيئة رياضية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، يتكون من الأندية والهيئات الرياضية والشبابية التي لها نشاط فى لعبة ما بقصد تنظيم هذا النشاط وتنسيقه بينها، والعمل على نشر اللعبة ورفع مستواها الفني».

يجتمع الاتحاد مع أعضاء الجمعية العمومية لتحديد موعد الانتخابات، لكن رئيس الاتحاد هو من يتولى مسؤولية تنظيم الانتخابات. بحسب إجماع المصادر، هذا هو السبب الرئيسي وراء فساد اتحادات الرياضة. «رئيس الاتحاد هو من يتفق مع أعضاء مجالس إدارة الأندية بضرورة انتخابه هو ومجموعة من الأعضاء، حتى يحصلون على مجموعة من الامتيازات»، يقول عضو بالجهاز الفني السابق للدرجات،  مضيفًا: «تمثيل منتخب مصر من اللاعبين غالبًا يكون من الأندية الموالية لرئيس الاتحاد أو موالية للمدير الفني».

يقول محمد توبة، نائب رئيس اتحاد الملاكمة السابق، إنه كان هناك اقتراح لتنفيذ بند ثماني سنوات، بمعنى لا يجدد لرئيس الاتحاد أكثر من دورتين، ولكنه لم ينفذ حتى الآن. «لذلك هناك رؤساء اتحادات مستمرة في منصبها منذ أكثر من 20 عامًا، وبالتالي من السهل عليهم السيطرة على الانتخابات»، يضيف.

الاتحاد المصري للدراجات أحد هذه الاتحادات، يتولى رئيسها منصبه منذ 20 سنة، وكذلك هو أحد الاتحادات التي وجدت نفسها في قلب موضوع أثار الرأي العام قبل الأولمبياد.

قبل أيام من سفر البعثة، تداول المستخدمون عبر شبكات التواصل الاجتماعي فيديو يظهر فيه اصطدام اللاعبة شهد سعيد بزميلتها جنة عليوة خلال بطولة الجمهورية قبل ثلاثة أشهر، لتنتزع منها المركز الثالث.

تسبب الحادث في إصابة عليوة بكسور مختلفة وارتجاج في المخ. اتهم العديد سعيد بتعمد الاصطدام، وتصاعد الجدل حتى اضطرت وزارة الشباب والرياضة للتدخل، وأعلنت أنها خاطبت اللجنة الأوليمبية لإعادة دراسة الحادث.

لكن أزمة سعيد أكبر من الحادث، وتتعلق بعدم وضوح معايير اختيار اللاعبين لتمثيل منتخب مصر. يقول مصدر مسؤول سابق في الجهاز الفني لمنتخب مصر في فريق الدراجات المشارك في بطولة أولمبياد باريس لـ«مدى مصر» إن مدرب المنتخب ورئيس الاتحاد «ضحيا بها في أزمتها الأخيرة»، معتبرًا أن الأزمة الحقيقية في انضمام شهد للمنتخب منذ البداية، والذي اعتبره «أمر غريب للغاية» بسبب عدم حصولها على بطولة جمهورية.

تلعب سعيد في فريق نادي المؤسسة العسكرية الرياضية بالسويس. يشير عدد من اللاعبين والمدربين إلى أن معظم لاعبي المنتخب من هذا الفريق، بسبب أن مدرب النادي هو أيضًا مدرب المنتخب. يقول المصدر بالجهاز الفني لمنتخب مصر إنه «كانت هناك لاعبات موهوبات للغاية يتم التعامل معهن بشكل سيئ للغاية بسبب أنهن في نادٍ آخر، وهناك لاعبة موهوبة للغاية في نادي أكتوبر تم التعامل معها بشكل سيئ لأنها في نادٍ مختلف عن النادي الذي يدربه مدرب المنتخب، وبالتالي هناك الكثير من اللاعبات واللاعبين هربوا خارج البلاد بسبب التعامل معهم بشكل مهين للغاية، ومنهم أحمد خالد سعد، أحد أكثر اللاعبين الموهوبين. كان يلعب درجة أولى وراتبه يصل إلى ألف جنيه فقط لدرجة أنه قرر أن يهرب إلى إنجلترا، وهناك لاعبون هربوا وأقنعهم المدير الفني بالرجوع وتم التعامل معهم بشكل سيئ بعد عودتهم واعتزلوا اللعبة بعد ذلك».

يقول والد اللاعب أحمد إن ابنه هرب إلى إنجلترا بعد عودته من بعثة تصفيات كأس العالم بعدما تعرض للشتيمة والإهانة من أحد مسؤولي الاتحاد عندما حاول الحصول على راتب. «نجلي معروف أنه أكثر موهبة في جيله في الدراجات، وعدد البطولات التي حصل عليها كثيرة للغاية»، يقول الأب، مضيفًا أن مدرب المنتخب «أتحايل عليه عشان يرجع أكتر من مرة وابني رفض».

يقول الوالد إن ابنه كان يحصل على مكافأة من الاتحاد تصل إلى 500 جنيه كل ستة أشهر، «حتى مكافآت البطولات اللي حصل عليها مخدش منها حاجة وأنا متأكد أنهم قسموها على بعض لدرجة أنه تواصل معايا في بطولة كأس العالم طلب فلوس مني علشان عايز ياكل بالرغم أن كان في عزومات لمسؤولين في المعسكر ده»، يحكي الوالد.

يضيف مدير فني لأحد أندية فرق الدراجات أنه على الرغم من أن رياضة الدراجات يندرج تحتها أقسام مختلفة (الطريق والمزمار والجبلية والفري ستايل وكرة القدم بدراجة وذوي الاحتياجات الخاصة)، لذلك فالطبيعي هو وجود جهاز فني منفصل لكل من هذه الأنواع، إلا أن الاتحاد عين مدربًا واحدًا لكل هذه الفرق، مدرب فريق نادي المؤسسة العسكرية بالسويس. هذا هو السبب وراء أن جميع لاعبي المنتخب من هذا النادي فقط.

طوال السنوات الماضية، عاش اتحاد الدراجات أزمات مختلفة. يعتبر المدير الفني أن مستوى اللعبة تراجع تمامًا بعد وفاة لاعب منتخب الشباب، إسلام ناصر، خلال مشاركته في سباق دولي بجنوب إفريقيا في 2017 بسبب خلل في وظائف القلب. «أمر طبيعي ومتوقع أن تشهد اللعبة فشلًا كبيرًا في أولمبياد باريس»، يقول لـ«مدى مصر»، موضحًا أن بطولات سباقات الطريق توقفت بين 2017-2022 منذ وفاته، وبالتالي انهار مستوى اللاعبين تمامًا. «لم يحاسب أحد على وفاة اللاعب إسلام وتمت التضحية باللعبة بالكامل»، بحسب تعبيره.

قبل الحادث بأشهر قليلة، أثناء وجود المنتخب بمعسكر في سويسرا، تعرض ناصر للإغماء. بحسب المصدر، أشار التقرير الطبي لفحصه إلى أنه «ميلعبش دراجات تاني وكان باللغة الفرنسية»، إلا أن رئيس الاتحاد لم يهتم بذلك التقرير. لهذا أخبر المصدر مدرب المنتخب وقتها خلال معسكر التحضير لبطولة جنوب إفريقيا، والذي كان ناصر مشاركًا فيه، أن اللاعب غير مؤهل عضليًا ولا بدنيًا للمشاركة في البطولة، طبقًا لروايته، «لكن المدرب لم يأخذ حديثي على محمل الجد ورجع إسلام ميت من البطولة».

هذه الدرجة من الاستهتار تمثل سمة عامة في إدارة الاتحاد بحسب المصدرين. حصل الاتحاد المصري على دعم من الاتحاد الدولي لشراء دراجات جديدة للاعبين، يقول المصدران. «لكن الدراجات بعد وصولها اتخزنت بطريقة سيئة في كونتر حديد والعجل كربون»، يقول المصدر الأول، مضيفًا: «ما حصل أن جميع الدراجات تعرض للتلف، واللاعيبة تدربت بالدراجات القديمة المتهالكة». 

يقول المدير الفني إن شراء الدراجات يُفترض أن يكون قانونيًا وذلك عن طريق شرائها بالمناقصات، خصوصًا أن الدراجات سعرها مرتفع للغاية قد يصل إلى 450 ألف جنيه، وبالتالي تكون هناك شفافية في الشراء. ولكن ما يحدث أن الاتحاد المصري يحصل على منحة من الاتحاد الدولي ويكتب فواتير كأنه اشترى دراجات من إحدى الشركات. «أمر معروف أن الدراجات التي يلعب بها المنتخب في الأولمبياد حاليًا هي منحة من الاتحاد المصري [...] اشتراها من إحدى الشركات ولكن هذا غير صحيح» يقول المصدر، موضحًا أن جزءًا منها حصل عليها من الاتحاد الدولي إلى جانب جزء آخر من الشركات.

يؤكد مصدر مسؤول آخر في اتحاد الدراجات الحالي واقعة الاستهتار في تخزين الدراجات بطريقة سيئة مما عرضها للتلف. «اتخزنت في كونتر درجة حرارته أكثر من 70 درجة». ويضيف أن الاتحاد استورد شحنة دراجات بمقابل مادي كبير في 2022 أكثر من 200 ألف دولار تفاجئنا أنها غير مطابقة للمواصفات وغير مطابقة لمقاسات اللاعبين، لافتًا إلى أن «الغريب أن الدراجات لما وصلت كانت ناقصة ورق الفواتير ومحدش عارف الورق راح فين ولا الفلوس راحت فين وذلك يعتبر من أهم المخالفات المالية الحالية في الاتحاد، وعندما استفسر عن طلب شراء اللي بعته الاتحاد لشراء الدراجات لم يرد علينا أي مسؤول لتوضيح ذلك».

يحصل الاتحاد على ملايين من وزارة الشباب والرياضة على سبيل الدعم. بحسب المدير الفني السابق، حصل الاتحاد على 44 مليون جنيه دعمًا للمشاركة في الأولمبياد، رغم هذا، وبحسب المصدر المسؤول بالجهاز الفني لفريق الدراجات، فإن معظم لاعبي الدراجات يعانون من قلة دعم الاتحاد في المعسكرات قبل البطولات الهامة. على سبيل المثال، خلال بطولة العالم في عام 2021 التي عُقدت في مصر، شاركت 46 فرقة من جميع أنحاء العالم. أقامت جميع الفرق والوفود في فنادق 4-5 نجوم، بحسب المصدر، باستثناء الفريق المصري الذي أقام في معسكر إعداد القادة. «الغرفة فيها 8 أفراد والفندق إمكانياته رديئة للغاية» يقول المصدر، مضيفًا: «كان هناك لاعبون مكانوش بياكلوا في المعسكر ده».

تتفق المصادر على أن هذه الظروف لا تسمح بإفراز منتخب يمكنه المنافسة دوليًا بأي حال.

قبل اختيار البعثة الأولمبية، تحدد اللجنة الأولمبية الدولية عددًا معينًا من اللاعبين من خمس قارات مختلفة للمشاركة في الأولمبياد، ويحدد مدرب المنتخب عناصر المنتخب التي تحظى بالفرص الأكبر لتحقيق ميداليات. «لكن ما يحدث عكس ذلك»، يقول لاعب الملاكمة بنادي الشرقية للدخان، متولي أحمد لـ«مدى مصر»، «في رياضة الملاكمة، على سبيل المثال، معظم اللاعبين في المنتخب تخرج من نادي المؤسسة العسكرية، بالرغم أن مصر مليئة بالمواهب، ولو لاعب وصل لنهائي بطولة الجمهورية عامل مشكلة مع مدرب المنتخب أو رئيس الاتحاد ممكن يخسر عادي جدًا بفعل فاعل علشان ميدخلش المنتخب، على سبيل المثال هناك العديد من اللاعبين الموهوبين تعرضوا للإيقاف بحجة المنشطات وبالقطع جميعنا نعلم أن تلك مجرد حجة بسبب خلافات شخصية بين اللاعب والمدرب أو رئيس الأتحاد».

إلى جانب هذا، تظل النقطة الأهم هي أن هذه الاتحادات لا تُنفق بشكل جدي على اللاعبين. ومع  غياب دور القطاع الخاص في الرياضة (باستثناء الرياضات الشهيرة، وحتى هذه تقتصر فيها على الفرق الكبرى). هذا هو ما يدفع اللاعبين المصريين للهروب إلى بلاد أخرى. على سبيل المثال، بعد ساعات من تتويجه بالميدالية الفضية في بطولة إفريقيا المقامة في تونس، اختفى أحمد فؤاد بغدودة، لاعب منتخب مصر للمصارعة، في 20 مايو 2023، من معسكر المنتخب بشكل مفاجئ. وعلمت البعثة المصرية لاحقًا أنه سافر إلى فرنسا. أحمد بغدودة كان يتم إعداده ضمن المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي. لكن والد بغدودة القى باللوم على اتحاد المصارعة في مسألة سفر ابنه إلى فرنسا، بسبب عدم الرعاية والاهتمام به، مؤكدًا تعرضه لسوء معاملة «وضغوط ميتحملهاش بشر».

اتحاد المصارعة تحديدًا يمتلك سجلًا حافلًا من هذه الوقائع. في أغسطس 2022، ترك لاعب المصارعة محمد عصام بعثة المنتخب في إيطاليا. وفي 2019، اختفى اللاعب حسام حسن من معسكر المنتخب في فنلندا، ليلحق بأخيه أحمد الذي اختفى عام 2017 من معسكر المنتخب في فنلندا أيضًا. وفي 2017 أيضًا، ترك طارق عبد السلام المنتخب المصري للمصارعة لينضم إلى المنتخب البلغاري وحصد معه الميدالية الذهبية في بطولة أوروبا. وفي أولمبياد باريس، آدم أصيل، لاعب الجمباز والذي يمثل منتخب تركيا [...]، آدم كان «عبد الرحمن الزمزمي» أو «عبد الرحمن مجدي»، لاعب منتخب مصر للجمباز، لكنه سافر فجأة إلى تركيا. وعلى ما يبدو، فوجئ رئيس اتحاد الجمباز، إيهاب أمين، من قرار عبد الرحمن، وقال وقتها في تصريحات إن «اللاعب حظي باهتمام من الدولة لم يحظَ به لاعب مثله»، موضحًا أنه تواصل معه أكثر من مرة لإقناعه بالعودة، لكنه رفض ثم تجاهل الرد، وفقًا لأمين.

يقول مدير فني سابق لمنتخب مصر للمصارعة، تحدث لـ«مدى مصر» مشترطًا عدم كشف هويته بسبب خوفه من العواقب، إن الاتحاد المصري للمصارعة حذره من هروب اللاعب «كيشو» قبل بطولة في بلغاريا في 2019.  ويضيف: «اتقالي خلي بالك من جواز سفره علشان هيهرب»، موضحًا: «كشيو في ذلك الوقت لم يكن لديه شركة راعية، ولا يحصل على مقابل مادي من الاتحاد، وبالتالي كانت حالته النفسية سيئة للغاية».

بعد حصوله على ميدالية في أولمبياد طوكيو، حصل «كيشو» على رعاية من إحدى الشركات. لكن الأزمات لم تتوقف. يضيف المدرب السابق أن «كيشو» دخل في صدام مع مدربه و مسؤولين في الاتحاد قبل أولمبياد باريس، موضحًا أنه كان يتدرب مع مدرب مصري بين 2019-2021، حيث حصل معه على أول عالم وميدالية في أولمبياد طوكيو. لكن بعد خلاف اللاعب ومدربه، استُبعد «كيشو» من الرعاية لمدة أكثر من عام، وكانت النتيجة أنه استعان بمدرب اجنبي، وبدأ مستواه يتراجع ليقرر الاستعانة مرة أخرى بالمدرب المصري، بحسب المدرب، الذي يضيف أن الاتحاد لا ينفق على اللاعبين الكبار، وإنما تقوم الشركات باختيار عدد من اللاعبين الحاصلين على ميداليات في الأولمبياد أو بطولة العالم لرعايتهم.

يثير ملف الرياضة هذا دائمًا الكثير من الجدل بسبب استمرار فضائحه، والاهتمام الجماهيري الواسع بها. كل مرة تفشل فيها مصر في سباق رياضي ما، أو تنتشر أخبار متعلقة فيها أزمة تثير جدلًا، تنتفض المؤسسات الرسمية والإعلامية ويبرز الحديث عن إعادة تشكيل المنظومة الرياضية والتخلص من الفساد فيها.

حدث هذا مثلًا وقت «صفر المونديال»، وهو العنوان الذي شاع استخدامه لفضيحة فشل مصر في 2004 في الحصول على أي صوت داعم لملفها لاستضافة كأس العالم في 2010، والذي فازت به جنوب إفريقيا. وحدث كذلك الشهر الماضي بعد وفاة لاعب كرة القدم أحمد رفعت، واتهامات الفساد التي طالت عددًا من كبار مسؤولي إدارة المنظومة الكروية في مصر وإعلامييها، وتسببت في النهاية بتحرك النيابة العامة للتحقيق في الأزمة.

ويحدث كذلك مع كل فشل في تحقيق مستهدفات الأولمبياد. «في أعقاب أغلب الدورات الأولمبية، تتعرض الأجهزة المسؤولة عن الرياضة في مصر للنقد وأحيانًا الاتهام بالإهمال وعدم الجدية من جانب وسائل الإعلام ومن أعضاء لجنة الشباب والرياضة في البرلمان»، كما كتب علي الدين هلال، وزير الشباب والرياضة في عهد الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك.

تعرّض الجهاز الحكومي المسؤول عن الإشراف على الرياضة في مصر لتغييرات متواصلة وغير مبررة من الناحية الموضوعية في نصف القرن الفائت، ما بين وجود وزارة للشباب والرياضة، ومجلس أعلى للشباب والرياضة، ومجلسين أحدهما للشباب والآخر للرياضة. وأثر ذلك على استقرار السياسات الرياضية والنظم واللوائح المُنظمة لها.

كما أن الوزارة ليست لها ولاية على الأنشطة الرياضية في المدارس والجامعات، ما يتطلب التنسيق بين الوزراء المعنيين، وهو أمر حكمته العلاقات الشخصية بين من تولوا تلك الوزارات، بحسب هلال. ووفقًا لسياسة اللامركزية التي اتبعتها الدولة، فإن الخدمات الشبابية والرياضية انتقلت تبعيتها الإدارية من الوزارة إلى المُحافظات في 2017، واقتصرت مسؤولية الوزارة على تصميم البرامج الشبابية والرياضية من الناحية الفنية وتمويلها.

مع عودتها في 1999، تبنت وزارة الشباب والرياضة برنامجًا باسم «مشروع إعداد البطل الأوليمبي» الذي ركز على الألعاب الفردية، وأشرف على تنفيذه عدد من اللجان العلمية والفنية، كما يوضح هلال. واستمرت بالمشروع حتى إلغاء وزارة الشباب والرياضة مرة أخرى وحلول المجلس القومي للشباب والمجلس القومي للرياضة محلّها في 2007.

تتبنى الوزارة الآن، ومنذ خمس سنوات، «المشروع القومي للموهبة والبطل الأوليمبي» الذي يُركز على تسع ألعاب، سبع منها فردية وهي: الملاكمة، والمصارعة، ورفع الأثقال، والجودو، والتايكوندو، وألعاب القوى، وتنس الطاولة، واثنتان من الألعاب الجماعية هُما كرة السلة وكرة اليد، بحسب هلال.

هذه الرياضات تحتاج إلى بنية تحتية وإنفاق ملائم كي تتمكن من تحقيق أي نتائج مرغوبة. لكن على العكس من هذا، وبما يتماشى مع مختلف الأنشطة التي تشهد انسحاب الدولة منها، تراجع دعم الدولة إلى الرياضة بشكل عام خلال السنوات الماضية.

انخفض عدد الأندية التابعة للوزارات والهيئات الحكومية لنحو النصف، وكذلك عدد الأندية التابعة لشركات القطاع العام والأعمال العام بنسبة 15% بين عامي 2012-2021، بحسب بيانات رسمية.

أدى نقص الاستثمار الحكومي في البنية التحتية الرياضية لتراجع أعداد اللاعبين في الأندية الحكومية بنسبة 33%، وفي مراكز الشباب بنسبة 51% بين عامي 2013-2021. بحسب مركز سياسات الحلول البديلة.

بالمقابل، كان البديل الذي تطرحه الحكومة هو تشجيع أكبر لمبادرات التمويل الذاتي ورعاية البنوك والشركات الخاصة، واستغلال المساحات الرياضية في مراكز الشباب وغيرها لتحقيق مكاسب اقتصادية. نفذت الحكومة 1141 مشروعًا استثماريًا بين 2018-2023، تتمثل في ملاعب وحمامات سباحة وقاعات مناسبات ومحلات تجارية وصالات رياضية، وبلغت عائداتها نحو تسعة مليارات جنيه، لكنها لا تفيد المجتمعات المحلية التي تعاني سوء أوضاع مراكزها الشبابية وعجزًا ماليًا، بحسب ورقة نشرها مركز «حلول للسياسات البديلة».

تقلص الإنفاق أدى بدوره لانخفاض جودة الخدمات الرياضية التي تقدمها المدارس ومراكز الشباب، مما تسبب في اقتصار ممارسة الرياضة تقريبا على الأسر المقتدرة ماديًا والتي اتجهت إلى الأندية الخاصة، والتي شهدت زيادة في إجمالي اللاعبين بها 22% خلال الفترة من 2013-2021، بحسب البيانات الرسمية.

لا تقتصر أزمة الرياضة في مصر على التمييز ضد محدودي الدخل، وإنما كذلك تباطؤ تمكين النساء. يتجلّى التمييز ضد المرأة في ضآلة نسب مساهمة الرياضة في شَغل أوقات الشابات، بحسب دراسة مشتركة بين الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء و«يونيسيف». على سبيل المثال، لا تتجاوز نسب المشاركة النسائية في الريف 10%. وبعض المحافظات لا يوجد بها فرق سيدات أو لاعبات بشكل كامل مثل البحيرة والوادي الجديد وقرى البحر الأحمر.

لم تنجح مبادرات تمكين القطاع الخاص من النهوض بالرياضة في مصر، لأن تمكين القطاع الخاص يحتاج تغيير القوانين والهيكل الإداري الحاكم للأندية الرياضية في مصر، كما يتطلب تنويع مصادر الدخل لدعم ميزانيات الأندية، من تذاكر المباريات، والبث التليفزيوني، وزيادة مستوى الحضور الجماهيري، وغيرها من المجالات ومصادر الدخل التي يمكن استغلالها لتوفير العائد المالي المناسب الذي يمكن أن يجذب الاستثمارات، بحسب تصريحات سابقة لخبير اللوائح الرياضية، طلال عبد اللطيف لـ«مدى مصر».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن