البحر مُغلق: مضيق هرمز يترقب التصعيد
توقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الواقع بين إيران وعمان، والذي يمر عبره خُمس إنتاج البترول والغاز المنقول بحرًا، من منطقة الخليج الغنية بالنفط للعالم، وذلك بعد الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران صباح أمس.
وفقًا لوكالتي رويتز وبلومبرج، فإنه مع بداية العملية العسكرية ضد إيران، حصلت الشاحنات المارة بالمضيق، صباح أمس، على إشارة من الحرس الثوري الإيراني تفيد بأنه «ليس مسموحًا لأي شاحنة المرور عبر مضيق هرمز»، كذلك تكدست ناقلات النفط خارج المضيق، وفقا لـ«بلومبرج».
كما أعلنت «ميرسك»، أحد أكبر شركات شحن الناقلات، اليوم، تعليق مرور سفنها من مضيق باب المندب وقناة السويس، وإعادة توجيه السفن لرأس الرجاء الصالح.
كذلك، قالت مصادر عُمانية إنه تم استهداف ناقلة «سكايلايت» للنفط التي تحمل علم «بالاو» في أول حادث استهداف سفينة مارة بالمضيق، دون توضيح من استهدف السفينة التي أُصيب أربعة من أفراد طاقمها. السفينة، الخاضعة للعقوبات الأمريكية منذ 2025، كانت قد اتُهمت بتهريب النفط الإيراني إلى دول الخليج.
ماذا يمر من المضيق؟
بحسابات بيانات وكالة معلومات الطاقة الأمريكية EIA، بلغ متوسط النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية، التي عبرت المضيق في عام 2024 نحو 21 مليون برميل يوميًا، ما يمثل نحو 20% من إجمالي الاستهلاك العالمي للنفط ومشتقاته، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.

ويُعد المضيق مسارًا أساسيًا لمرور النسبة الأكبر لصادرات دول الخليج من النفط، وتصدرت كل من السعودية والإمارات والعراق والكويت وكذلك إيران هذه الصادرات في 2025.

نسبة 83% من نفط المنطقة الذي يمر بالمضيق يوميًا تستقبله دول شرق آسيا، وتصدرت ثلاثة منها، هي الصين والهند وكوريا الجنوبية دول العالم في استيراد النفط في 2025.

بجانب النفط، بلغ حجم الغاز المُسال المنقول عبر المضيق في الربع الأول من 2025 نحو 11.5 مليار قدم مكعب يوميًا، ما يمثل 20% من حجم تجارة الغاز المُسال عالميًا. تصدّر قطر وحدها 10.7 مليار قدم مكعب يوميًا، ما يمثل 93% من حجم الغاز المار عبر المضيق، ثم الإمارات بنحو 7%.
ويذهب نحو 23% من الغاز المُسال إلى الصين، وحوالي 19% إلى الهند، بجانب 10% إلى تايوان و9% إلى كوريا الجنوبية، و8% إلى باكستان، فيما يذهب 17% من الغاز إلى باقي دول آسيا.
في المقابل، تستورد إيطاليا وحدها 6% من الغاز المُسال الذي يمر بالمضيق، وتستورد باقي دول أوروبا حوالي 7%.
متى وكيف تم استخدام المضيق سياسيًا من قبل؟
لم يشهد مضيق هرمز إغلاقًا بشكلٍ رسمي، إلا أنه عُطّل جزئيًا خلال حرب الناقلات العراقية الإيرانية، أثناء حرب الخليج الأولى بين عامي 1980 و1988، فقد طالت الضربات الإيرانية السفن التجارية المتجهة من وإلى مواني الكويت والسعودية، ما دفع دول مجلس التعاون إلى توجيه رسالة احتجاج للأمم المتحدة، نتج عنها قرار الأمم المتحدة رقم 552 لسنة 1984، والذي أدان الاعتداءات الإيرانية، وطالب الدول المتحاربة باحترام حرية الملاحة في المضيق.
مع ذلك، استمرت محاولات تعطيل الملاحة باستهداف الناقلات والبنية التحتية، ما أدى إلى تدخل الولايات المتحدة بعملية «إرنست ويل» في يوليو 1987، والتي رافقت خلالها الناقلات الكويتية، وأعقبها استيلاء القوات الأمريكية على سفينة إيرانية خلال محاولتها لزرع ألغام، ثم قصفت القوات الأمريكية منصات نفطية. واختتمت هذه المرحلة في أبريل 1988، حينما هاجمت الولايات المتحدة عدة منصات نفطية إيرانية ردًا على هجوم إيراني بلغم ألحق أضرارًا بالغة بفرقاطة أمريكية، كما اشتبكت مع القوات البحرية الإيرانية.
ومنذ ذلك الحين، لم يُغلق أو يعطل المضيق رغم التراشق السياسي بين الولايات المتحدة وإيران، الذي اشتدت حدته في عدة محطات، كان أبرزها بين عامي 2011 و2012، بعدما وسّعت الولايات المتحدة من العقوبات، التي فرضتها عقب اقتحام السفارة الأمريكية هناك بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، لتشمل البنك المركزي الإيراني وصادرات النفط، تخوفًا من تنامي قدرات إيران النووية، وجاء رد المسؤولين الإيرانيين على تلك الخطوات بالتهديد بإغلاق المضيق، ولكنه لم يحدث.
وظلت العقوبات الأمريكية التي فُرضت على إيران تتصاعد بعد عام 2011، وتوسعت بخروج واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران عام 2019، عقب وصول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، واتباعه سياسة ممارسة الضغط الأقصى، وهو ما استمر مع إدارة الرئيس، جو بايدن، جراء دعم إيران لتنظيمات مسلحة في عدة دول بالمنطقة، وتهديدها للملاحة الدولية. ومع عودة ترامب مجددًا إلى البيت الأبيض، أصدر أمرًا تنفيذيًا بممارسة سياسة أقصى ضغط في 4 فبراير من العام الماضي، وقفزت أعداد قرارات العقوبات إلى مستوى تاريخي بعدها لتبلغ 37 أمرًا تنفيذيًا بعقوبات على إيران والمرتبطين بعلاقاتٍ معها لأسبابٍ مختلفة.
ما المتوقع الآن؟
يقول مصدر خليجي مقرب من دوائر الحكم هناك لـ«مدى مصر» إن تعطيل الحرس الثوري الإيراني الملاحة عبر مضيق هرمز لن يكون له مفعول قوي لأنه يتم عبر إغلاق منافذ المضيق بواسطة مراكب حربية صغيرة، وبالتالي يمكن للبحرية الأميركية التصدي لها.
من جانبها، تقول إلهام فخرو، الباحثة في مبادرة الشرق الأوسط بكلية كينيدي بجامعة هارفارد، ومؤلفة كتاب «اتفاقيات إبراهام»، إن استراتيجية إيران تهدف الى إبراز ثمن الضربات الأمريكية على أقرب حلفاء الأخيرة من الخليج. ولذلك، فقد حرصت دول الخليج على إدانة الصواريخ الإيرانية التي طالت أراضيها، ولكنهم «حريصون أيضًا على أن لا يحبسون أنفسهم في مواقف قد تستدعي انتقامًا أكبر. يبدو أنه في الوضع الحالي، التريث هو الخيار الأفضل».
التريث هو أيضًا ما وصفت به لالي خليلي، أستاذة سياسات الخليج في جامعة إكستر، رد الفعل الإيراني على الهجمات الأمريكية.
ومع ذلك، تقول خليلي، التي نشرت كتابًا في 2024 عن الملاحة البحرية، إن إيران تعرف جيدًا كيف تعرقل التجارة العالمية عن طريق المياه وقد اكتسبت خبرتها من حرب الناقلات في الثمانينيات. ما فعلته إيران وقتها هو نموذج لما تقوم به الآن.
ويفيد تحليل لمنصة «ديمسوم ديلي» من هونج كونج، أن الأسواق قد أمضت عقودًا تتكهن حول إمكانية إغلاق مضيق هرمز «قانونًا» و«جغرافيًا» بشكل رسمي، بينما ما يحدث الآن يدلل على أن المضيق لا يحتاج لحصار رسمي حتى يصبح من المستحيل استخدامه وتأمين السفن المارة به.
وفقا لجريدة الفاينانشيال تايمز، قد ألغت شركات التأمين اتفاقياتها لتأمين الشاحنات التي كانت ستمر بالمضيق مع بداية الحرب، ومن المنتظر أن ترفع أسعارها إلى ما يقرب من 50%.
ولكن يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن لإيران أن تستمر في هذه العرقلة؟
تقول خليلي إنه في نهاية المطاف، نختبر نحن، المواطنين، نتيجة هذه العرقلة من خلال حركات التضخم غير المسبوقة، وهو الأمر الذي بات مكررًا منذ الحرب الروسية الأوكرانية، والتي عرقلت بالأساس حركة الغاز والحبوب، ثم الإبادة الإسرائيلية على غزة وما تبعها من هجمات الحوثيين على الشاحنات المارة بالبحر الأحمر، مما أدى إلى انخفاض حركة السفن عبر قناة السويس بنسبة 60% والتحرك عبر رأس الرجاء الصالح، وهو المسار الذي يتطلب أكثر من أسبوعين إضافيين.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن