تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو».. صورة شخصية لرجل خفي

«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو».. صورة شخصية لرجل خفي

كتابة: رحمة الحداد 7 دقيقة قراءة

يُعرض حاليًا في دور العرض المصرية فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» بعد جولة في المهرجانات العالمية والعربية بداية من مهرجان فينيسيا في قسم «آفاق» مرورًا بمهرجاني البحر الأحمر وأيام قرطاج.

يحتل الفيلم مساحة غير معتادة في طبيعة عرض الأفلام المصرية، حيث تنفصل الأفلام «التجارية» عن «الفنية» في أماكن التوزيع ودور العرض. في حالة «رامبو» تنصهر تلك الاختلافات، في طبيعة عرض الفيلم في دور العرض العامة وليست الفنية وكذلك في طبيعة الفيلم نفسه الشكلية والسردية، فهو لا يغرّب الجمهور العام بجماليات بالغة التجريد الفني، لكنه لا يغفل الشكل الأكثر فنية الذي يساعد على قبوله في المهرجانات العالمية الكبرى كفيلم قادم من خلفية ثقافية وجغرافية عربية /إفريقية. يمشي «رامبو» ذلك الخط بحرص صانعًا بورتريه مكثف لرجل خفي في مدينة بالغة القسوة، مستعينًا بجماليات محلية وعالمية، تتراوح بين الميل للواقعية والتعبير البصري المصنوع بحرص، ينتج عنها مزيج بين خلق الصراعات التقليدية بين الخير والشر، القوة والاستضعاف وبين تبني الجماليات الفنية السينمائية التجريدية.

 صورة لرجل خفي

تدور أحداث «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» حول شخصية محورية وهي حسن (عصام عمر)، شاب يعمل كفرد أمن في منطقة قاهرية راقية ويسكن منطقة شعبية غير مسماة مع والدته (سماء إبراهيم) وصديقه المقرب، كلبه رامبو. 

مع المشاهد الأولى يرسخ الفيلم لحميمية علاقة حسن ورامبو، كأخين متفاهمين، يتحدث حسن مع رامبو وكأنه يفهمه أو يعلم أنه على مستوى ما أعمق من المنطق يفهمه فعلًا، وفي المقابل يمد رامبو حسن بالصحبة والحب غير المشروط، يخلق الفيلم رابطًا تعززه الكيمياء التي تنشأ بين حسن ورامبو (الكلبان التوأم رامبو)، تشي سلاسة حركتهما على الشاشة بقضائهما ساعات من الوقت معًا، مما يترجم بشكل أوتوماتيكي في صلة يسهل تصديقها وبالتبعية يسهل التأثر بها. 

مع تأسيس الصداقة الرئيسية ومحرك الفيلم الأساسي يقدم الفيلم الصراع بين حسن وفتوة الحارة، الأسطى كارم (أحمد بهاء)، وهو ميكانيكي ومالك الشقة التي يسكنها حسن ووالدته. يهدد كارم الأم وابنها بطردهما من بيتهما بالقوة أو بالتفاهم مقابل مبلغ من المال لا يكفي لإسكانهما في مكان جديد بأي شكل. تصارع الأم مع حسن رجلًا يهابه الجميع، ويعقد العلاقة أكثر رفض حسن للرضوخ حتى لمجرد إلقاء السلام أو إظهار خوفه العلني من الأسطى. تؤدي تلك المقاومة الصامتة إلى خلاف جسدي بين الأسطى وحسن ينتهي بهجوم رامبو على كارم ويتسبب له بإصابة لن يسامح فيها أبدًا، فيصبح رامبو وصديقه هاربان على الطريق خوفًا من انتقام محتوم.

مشهد من فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو

يتعامل الفيلم بشكل رئيسي مع علاقة حسن بكلبه، وبنفسه وبمدينته، يظهر حسن كرجل خفي أو على وشك الاختفاء. يلعب عصام عمر مشاعر الاختفاء تلك برقة وهشاشة شديديتن، في طرح لشكل ذكورة بديلة ومهمشة، حتى عندما يعرض الفيلم جسد حسن/عصام عمر على الشاشة، فإن تلك المشاهد لا تستعرض قوة رجولية أو سلطوية بل انكشاف للضعف وقابلية الكسر، وتعزز بصريات الفيلم من ذلك التصور بخلق مجموعة من الصور والتكوينات الحريصة للتعبير عن ذلك التهميش، يمتلئ الشريط البصري بصور لمرايا مهشمة ينظر بها حسن ليرى نفسه منقسمًا متداعيًا أو على وشك أن يكون. تتطور تلك التعبيرات البصرية الرمزية بوضوح وقصدية إلى دمج صورة حسن مع رامبو عن طريق المرآة كذلك، ليصبح كلا منهما امتدادًا للآخر، ففي تلك السردية لا يوجد فارق كبير بين كلب مطارد وإنسان مطارد، كلاهما على القدر نفسه من الهشاشة والغضب.

يحد الميل الحريص على التصميم البصري من إمكانيات أو ميل الفيلم للواقعية كما وُصِف بشكل متكرر كامتداد لأفلام الواقعية المصرية الجديدة، فهو لا ينتهج شكلًا سائلًا من التصوير أو السرد البصري بل صيغة بالغة الحرص والوضوح، رموز في مباشَرة نظرة حسن لصرصور كافكاوي منقلب على ظهره غير قادر على التحكم في حياته. لكن حتى مع خيارات الفيلم لجمود التصميم عوضًا عن سيولته فإنه يكرس لوعي اجتماعي وطبقي مرتبط بموجات الواقعية الاجتماعية بتركيزه على التهميش السردي والوظيفي.

بين الفني والجماهيري

ينضم «رامبو» بخياراته البصرية والمزاجية/ Tonal لشكل محدد جدًا من الأفلام المستقلة/الفنية المصرية، أو التي لا تخضع للإطار العام للإنتاج (الفيلم من إنتاج فيلم كلينيك كمنتج رئيسي) التي تجعل أبطالها المهمشين وكأنهم سكان مدينتهم الوحيدين، تحتجزهم في عوالم مصمتة ومظلمة وبالغة السكون، تمتد من «الخروج للنهار» لهالة لطفي مرورًا بـ«آخر أيام المدينة» لتامر السعيد و«ريش» لعمر الزهيري. تتبنى تلك الأفلام أو الموجة، إذا صح تسميتها كذلك، شكلًا من التمهل ودقة تصميم المشاهد، كما تعتمد شكلًا لغويًا وتواصليًا غير صاخب فيصعب تسميته بأنه واقعي مصري نظرًا لصخب المجال الصوتي المصري في حقيقته الواقعية.

في تلك الأفلام ميل لاحتواء الحوار ودفعه إلى الخلفية مع تصدير السرد البصري كأداة رئيسية، يصبح الحوار اختزالي ورمزي، يُستخدم فقط لتوضيح النقاط الرئيسية، وهو ما يبعد عن الإرث الحواري السينمائي والتليفزيوني المصري ويفتح مساحة إلى هجين بين الواقعي والتجريدي. يُدخِل «رامبو» على تلك التقاليد الفنية البديلة جماليات عالمية تنتمي إلى نوع النيون نوار/ Neon Noir، الذي انبثق من النيو نوار المنبثق بدوره من النوار. يطمس الفيلم بأجواء تصويره تحت قيادة مدير التصوير، أحمد طارق بيومي، القاهرة بأضواء خضراء نيونية متوهجة، أضواء صناعية يستحيل معها رؤية الشخصيات في ضوء النهار، مما يعزز من قرب اختفائهم وتهميشهم، فهي شخصيات تظهر على أطراف المدينة وكذلك على أطراف الزمن.

طيلة الفيلم نرى حسن إما في الساعات الأخيرة من الليل في مساحات مظلمة تضيئها لمبات النيون أو في أطراف النهار التي لا تكاد تضيئها شمس ما قبل الغسق. في ساعات اليوم الأولى تظهر الشخصيات في شوارع خالية من البشر ومن الازدحام والزخم النهاري القاهري، يتجول حسن ورامبو على دراجة بخارية بمقعد مستقل لرامبو في شوارع يمكن للساكن في القاهرة تعريفها، بجانب سور مجرى العيون وعلى طرق سريعة يستحيل رؤيتها بذلك القدر من الخواء في ساعات العمل والحياة التقليدية. يموضع بذلك الشخصيات على الهامش حتى في ما يخص ساعات اليوم الحية، مما يعزز عزلتها عن المتن، يذهب الفيلم لمسافات بعيدة لكي يضع حسن ورامبو في قلب الإضاءة الصناعية القاسية بمدلولاتها الرأسمالية، فيدخلهما في مشهد الذروة داخل حفل لطبقة اجتماعية عليا، في مساحة بيضاء تنعكس على جدرانها صور متحركة تومض بالأخضر والأحمر، وتلعب خلفهما موسيقى إلكترونية راقصة، في تصميم بصري/سمعي غير عابئ بالمأساة الهامشية.

مشهد من فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو/ مهرجان فينيسيا

بجانب ذلك الميل للتأكيد على قصدية وفنية وسائل التعبير البصري والصوتي فإن «رامبو» فيلم ذو سردية مصرية تقليدية بسيطة كثر رؤيتها في السينما التجارية العامة، صراع بين قوى الشر المهيمنة وأطراف المعادلة المستضعفة. يكثف الفيلم أحداثه حتى يصل لمواجهة بين حسن وكارم، بين الفتوة والمستضعف الذي يسعى ألا يكون كذلك، ومن خلالهما يكثف قضايا اجتماعية وسياسية بخفوت شديد كنص تحتي وجانبي، يبدو حسن وكارم وكأنهما طرفان لصراع في مدينة/عالم بلا سلطة مؤسسية وبلا أمن نظامي، لا يلجأ أحد للشرطة أو للقضاء، كل شيء يحل بشكل عرفي داخل الحارة المجهلة التي يحكمها كبارها وينسحق داخلها صغارها. 

يتسلل خلف الصراع الرئيسي نظرة على الدخول المحدودة والوظائف الساكنة وهشاشة السكن وأزمات الإيجار، يظهر ذلك بشكل جلي في علاقة حسن بأسماء (ركين سعد) حبيبة سابقة وصديقة حالية، يتخطى الفيلم التقاليد المعتادة في لوم الشخصية النسائية على حال البطل أو الشخصية الرئيسية بل يكن لها تعاطف واضح مساوي للتعاطف الذي نرى حسن من خلاله، قبلت أسماء خطبة رجل ذو إمكانيات مادية أعلى من حسن، فيما تعمل هي في مقهى في منطقة الزمالك مما يوازي وظيفة حسن كفرد أمن في المنطقة نفسها، في لقاءاتهما القصيرة يظهر تفهم صامت بينهما على طبيعة وحتمية خياراتهما.

 يضع فيلم «رامبو» بطله حسن وقتاله من أجل صديقه رامبو في سياق يجمعه بشخصيات عالمية تمت أيقنتها مع الزمن مثل ترافيس بيكل في سائق التاكسي «Taxi Driver» أو السائق في «Drive»، لكنه لم يتركه يصل إلى ذروة الانتقام أو العنف، لم يجعله ضد بطل، بل اعتمد بشكل رئيسي على سردية هزيمته، الرجولية والاجتماعية والاقتصادية، حتى مع استجماعه الشجاعة الكافية للقيام بفعل انتقامي مشهدي فإنه لا يصل إلى القتل، بل يصبح فعلًا رمزيًا لمحاولات المقاومة والدفع ضد تيار القهر، دون أن يفقد الفيلم أو الشخصية التحكم الذي قد يجعله أكثر إثارة للاهتمام، لكن قد يفقده تعاطف وتوحد الجمهور العام. 

يؤطر الفيلم المقاومة الصامتة في تصميمه الصوتي، بتكرار مقطع «كل شيء بينسرق مني» من أغنية «شجر اللمون»، يصنع تكرارها توازي مباشر مع حالة حسن، الذي يفقد مصادر دعمه الشخصي والعاطفي والمؤسسي واحد تلو الآخر، فيتحول من شخصية سينمائية إلى رمز للمعاناة الطبقية والسياسية المصرية، رمز الرجل المهزوم المتروك من الرمز الأبوي دون حماية ودون سند، وحيدًا على أطراف المدينة والزمن والحياة. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن