تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
البحث عن ملك الليل

البحث عن ملك الليل

جيوب المدينة #3

كتابة: محمود حمدي 9 دقيقة قراءة

#جو عام

نركب مع محمود حمدي موج العريش، وهو يحكي عن شاليه اعتاد صاحبه توفير كل ما يُمكن طلبه كما يليق بـ«ملك ليل» حقيقي يتوج في «جيوب المدينة»، السلسلة التي تعدّها مي المغربي وياسر عبد اللطيف وتتجول في المكان بحثًا عن الأوكار والخبايا، والتي تنسجم مع أخرى شقيقة، حيث تغوص «أليف ووحشي» وتعمل على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي، ابقوا معنا ولا تتركوا حبلي السلسلتين.

#جيوب المدينة

هناك أشياء لا تحيا بعد العاصفة، هناك زهور لن تنمو من جديد، تمر العواصف جارفةً كل ما يمكنها اقتلاعه، وتبقي على هياكل ما مضى. عدتُ إلى العريش بعد انقطاع، في ذلك الانقطاع تم الإفراج عن المدينة، اختفت معظم الكمائن ونقاط الحراسة، انتهى حظر التجول وعادت شبكات الاتصال والإنترنت كأي مدينة حقيقية تتيح التواصل والانتقال كشرط أساسي، انتعشت قليلًا الحياة هناك، في قلب المدينة مطاعم وكافيهات تم افتتاحها، فنادق حذرة لاستضافة الزوار، ووفرة نسبية لما كان شحيحًا في فترتي الماضية، وفي ذلك الانقطاع ذهبت لأسكن في القاهرة، ولأربع سنوات منذ وصولي الأول، لم أشعر بأنني سكنت القاهرة فعلًا. على عكس هذا المكان الذي شعرت فيه بسرعةٍ أن بحره لي وأننا نجيد التواصل. 

حين كنت موجة في بحر العريش في بداية 2017، وفي محاولاتي لإيصال الإنترنت إلى سكني الجديد، سألتُ السمسار ليخبرني بأن عليّ التواصل مع أبو زيد «راجل محترم وهيساعدك»، لم أكن حتى تلك اللحظة أعرف مَن هو، سألتُه عن مكانه ليقول لي بأنه من الأفضل أن أتصل به ليخبرني ما المطلوب، وعندما قلتُ للسمسار بأن الشبكة غائبة معظم الوقت، نظر لي وضحك قائلًا: «وعايز إنترنت؟ المهم حاول تكلمه يقولك تعمل إيه عشان مش هتحب تروحله، وهو مش هيحب إن حد يروحله أصلًا». وعندما ألححتُ عليه بدافع أنني لن أجد شيئًا أفعله حتى يصل الإنترنت وصف لي المكان بشكل ضبابي، «القهوة في الصف الأول ناحية البحر هتلاقيه منور بالليل، بس خد شمال من عند الشاليه الأحمر مش يمين، اليمين بيودي للجامع»، حينها ذهبتُ.

في القرية الساحلية شبه المهجورة كنت كلما اقتربتُ من البحر ازدادت ظلمة المساكن من حوله، لذلك لم أجد أبو زيد بسهولة. كانت الصدفة حليفتي في هذا الاكتشاف، ضوءٌ خافت من بعيد ينير مربعًا عرفت عندما اقتربت أنه تراس شاليه تراكمت الرمال عليه حتى أصبحت أرضًا ممتدة من حوله. أضاء المصباح بارتعاشةٍ وضعف تشبهان رجلًا عجوزًا، فوق طاولةٍ بلياردو مكتملةِ الكرات خاليةً من اللاعبين، وعلى ناصية الطاولة زجاجة ماءٍ مفتوحة وكوب شاي بارد، وضوضاء تأتي من بابٍ موارب. 

لففت من حول الشاليه خارجًا إلى البحر، بفضولٍ منبعه الملل حاولت الاقتراب من النوافذ المُطلة على البحر لأجدها مُغلقة، بضوضاءٍ أعلى من الناحية الأخرى، على الكورنيش الذي يقع بين الشاليه والبحر رُصت كراسٍ بلاستيكية حول طاولاتٍ بلاستيكية تحركها الرياح قليلًا، على إحدى الطاولات كوب شاي مقلوب وما فيه مسكوب على الرمال التي غطت بلاط الرصيف، بدا لي أن مَن كان هناك غادر فجأةً، المكان به قلقٌ ما، كأن الرمال تخفي من تحتها الدماء. أكملتُ مسيري نحو البحر لأجلس أمامه مُفكرًا فيما سيأتي من حياتي. نظرتُ ورائي، صفوف من الشاليهات المظلمة يقابلها بحرٌ مظلم، ومصباح مرتعش يميز نفسه عن كل شيء من حوله. كان هناك ظل يظهر أمام البحر على يميني، جسد بشري هزيل أمام البحر، يجر قدميه إلى الشاطئ ويعوي، يكسر الصمت ثم يلتهمه الصمت من جديد. هذا المكان، لا يدري به أحد. هكذا كانت سيناء بالنسبة لي، مبانٍ خالية مظلمة، بحر يزأر ليلًا مع الرياح، ورمال تتسلل ببطء لتغطي كل ثابتٍ لا يتحرك. 

لطالما كان لكل خسارةٍ فادحة فتات من المكاسب يتغذى عليها سكان الظلال. فيما مضى، كانت هذه القرية السياحية منزلًا لذوي المناصب، مرحبًا بكم في قريتنا. شاليهات بدورين بينها وبين البحر فركة كعب، تحدد موقعه بأذنك وتسير نحوه لتجده في لحظات، اخترتها لهذا السبب تحديدًا. هُجرت تلك الشاليهات من أصحابها لتصبح مساكن لطلبة الجامعة القريبة من مدخل المدينة، كحال أغلب القرى السكنية التي تجاورها. قبل أن أجد أبو زيد، لم أكن أعرف أي مكانٍ أقضي فيه وقتي عندما يفيض بي الملل من الغرفة والنافذة والشارع الذي لا ينتهي.

لسوء حظي أو -لحسنه إن كان الملل حتميًا- كانت نافذة الغرفة التي استأجرتُها تطل على الشارع العمومي بعيدة بخطوات عن البحر. مشهدي اليومي المعتاد هو مراقبة الأسفلت وأرصفته المتهدمة في الشارع الذي يصل بين جامعتي وحي المساعيد في العريش. محتويات الطريق محدودة، سيارات تاكسي تعمل على إيصال الطلبة من الجامعة وإليها، ميكروباصات مرتحلة من موقف العريش الكائن بأقصى المدينة مارةً بهذا الطريق إلى خارج المدينة، وسرية للجيش تتكون من مدرعات متنقلة من مكانٍ عسكري ما إلى مكانٍ عسكري آخر بصحبة عربة تشويش على شبكات الاتصال تنهكها أكثر وأكثر.

كان الملل يستبد بي، الصمت يملأ كل شيء، يكسره نباح الكلاب عندما يمر مارٌ، أو عندما يبلغ الصمت مُنتهاه يأتي صوت الأمواج في الخلفية، كنت قد وصلت حديثًا بلا إنترنت أو شبكةِ اتصالٍ تحتمل مكالمة، هذه قوانين المكان الجديد.  

في الصباح حاولت العودة إلى المكان نفسه، في البداية كان من الصعب عليّ أن أميز الشاليه عن غيره لتشابهها، ولاختفاء طاولة البلياردو، كان المكان أشبه بوكرٍ في صحراء، أو غارٍ في جبل. لكن سرعان ما ميزت المكان بتحوله صباحًا إلى ميني ماركت متواضع، كراتين مغبرة من الشيبسي وثلاجة بها زجاجات من الكولا وقوارير ماء كبيرة. وجدتُ رجلًا يجلس على كرسي بلاستيكي يمسك بكوب شاي وفي يده سيجارة يبدو أنه قد أشعلها لتوه، بلحيةٍ بيضاء وجلدٍ برونزي وعينين شبه مغلقتين، يربط حول عنقه شالًا أحمر داكن كدمٍ متخثر، سألته عندما اقتربت «أبو زيد هنا؟» فتح عينه وقال: «عايزه في إيه؟»، أخبرته عن الإنترنت وأنني جئتُ بالأمس لكنني لم أجد أحدًا، أخبرني بأنه أبو زيد وقد عاد لتوه من السنترال وأن كل صناديق الإنترنت في القرية ما زالت معطلة «اتحرقت». عرفتُ فيما بعد أنها كانت هوايته المفضلة تقريبًا، الذهاب للسنترال والشخط والشكوى في الموظفين قليلي الحيلة، وفي كل مرة يسكتونه بـ«هنبعتلك المهندس»، سألتُه ما العمل فقال لي أن آتي ليلًا. نظرت إلى الباب الذي كان مواربًا بالأمس فوجدت بداخله صالة كبيرة بها ثلاجات مشاريب فارغة، الطاولات والكراسي البلاستيكية التي كانت على الشاطئ بالأمس. سرحت قليلًا وشعرت بأن الطاولات تتحرك، يركض تحتها جسد صغير، خبط أبو زيد بيده على فخذه لأنتبه له.

كان أبو زيد صاحب قهوة وسوبرماركت، كل سكان القرية السياحية من زواره. تفنن في توفير كل شيء لهم. كانت كراسيه تحتل الكورنيش صباحًا ومساءً، ويعمل طاقمه 24 ساعة في اليوم، حتى حدث ما حدث. توقف الناس عن الذهاب إلى المحافظة لأسبابٍ أمنية وتوقف أبو زيد عن استضافة جماعة السياح والمصطافين، انكمش طاقمه، منهم مَن غادر بلا عودة ومنهم مَن انفصل عنه ليفتح قهوة في شوارع الحي خارج القرية المسورة، أحدهم هو السمسار الذي استأجرت منه الشاليه. حكى لي أن أبو زيد كان ملكَ المنطقة. «بتليفون يجيبلك خروف مشوي لو عايز، وحاجات تانية لو عايز، كان يقولنا: أنا ملك الليل هنا، كل اللي أنت عايزه هنا هتطلبه مني، بس بالليل» لأنه في الصباح أستاذ أبو زيد، موظف ليس أكثر، ومساءً هو ملك الليل.

توالت زياراتي لأبو زيد، لم يقدر على مساعدتي في إيصال الإنترنت، فالخطوط الموصلة إلى بوكسة الإنترنت كما يقول أو قيل له قد حرقت، بل «شاطت» كما قال، أتذكر أنه فيما بعد واجهتني مشكلات متعلقة بأن الهواء هناك يفسد المعادن، كم موتور مياه أصلحتُ بسبب أن الهواء قَرَضَها ولا أجدعها فار. عرض عليّ أبو زيد أن آتي لأنتهي من مشاغلي بالإنترنت الذي لديه بمقابلٍ بسيط، كان لديه لاقط ينادي على الإنترنت من القرى المجاورة، شبكة هزيلة تفتح صفحات الجامعة بطلوع الروح، لكن اليد قصيرة. لم أفهم ديناميكية عمله أو إن كان بيشتغلني، لكنه اكتفى بقول «ناس حبايبي زبطوهولي» ورغم أن بجانبي في أول القرية ميني ماركت ينافس أبو زيد في توفير خشاش الأرض، أصناف غريبة من البسكوت والشاي، والشيبسي المكيس في أغلفةٍ رديئة وأطعم أردأ، فإنني كنت أغامر دومًا بدخول تلك الأحراش لسببٍ ما، كان تكوين كل شيء هناك يشبهني، وكأن ذلك المكان بكل تفاصيله كان في داخلي أولًا. 

كان من المعتاد أن أرى قلة جلوس على كراسي الكورنيش، ولم أفهم لماذا في زيارتي الأولى لم يكن هناك أحد، تجرأت على الدخول بعد ذلك، كان التصميم الداخلي للشاليه قد عدّله ليصلح لاستضافة أكبر عدد ممكن من الزوار، بنوافذ في كل حائط، شعرت حين دخلت أنني في نسخة مختلفة من مسكني، شيء ما كان يتحرك في داخل هذه الجدران، كنت أرى غرفتي -أو ما كانت لتكون غرفتي بالمقارنة- وفيها أربعة أغرابٍ يتبادلون لفافة مشتعلة، وفي الصالة عامل هزيل يجر قدميه ويسمع الشتائم من أبو زيد الكائن على كرسيه البلاستيكي في زاوية الصالة، ليتجرأ ويتحاملَ الجلاس عليه، أقف بجانبه لأطلب منه كأسًا من الماء وكوبًا من الشاي لآخذهم وأجلس على الشاطئ قال في غضب: «الراجل ده مفكر أنه لو كان طبيعي الناس تقول عليه متخلف، بس لما يبرشم يقولوله الله عليك يا محترم»، كانت الكلاب تنبح، خرج ليسكتهم. رأيته أمام البحر بجسده الهزيل، رفع رأسه للسماء، ونبحت الكلاب أكثر. 

شماليون منسيون، يغلون بصمت. تشتد الرياح في أيام لتنثر الرمال على كل شيء، أكواب الشاي، منافذ اللابتوب، الشعر والملابس. في هذا المكان عليك دائمًا أن تكون بالداخل، يباغتنا حظر التجول فنستقر في أماكننا إن تأخرنا عن بيوتنا، أو تخفت إنارة الشوارع فتصبح مساحة لاحتمالاتٍ مُقلقة، وتعوي الرياح في الفراغ المقيت الذي هو الشارع الشاغر. في ذلك المكان أتقنت التحديق. أنظر خلال النافذة فأتخيل المصيف الذي كان عليه، أنظر إلى التراس فأرى المصطافين بملابس خفيفة وشمسٍ تمسد أجسادهم، أنظر إلى البحر فأرى مكانًا آخر غير مكاني. ما علينا هذا البحر لي. 

في إحدى الليالي، اضطررت للجلوس متأخرًا باللابتوب في الداخل مع أبو زيد وجلاسه، اتخذت ركنًا قصيًا في المساحة العجيبة التي تتحول في كل زيارةٍ، لم أجلس في المكان نفسه مرتين في زياراتي لأبو زيد، على عكس رغبتي في الاستقرار والانغماس في الروتين. كنت قد أحضرت معي قهوتي لأن القهوة نفدت عنده ولم يكن عنده سوى الشاي، تعالت أصوات ضحكاتهم من الناحية الأخرى تفصلني عما انغمست فيه، تلك المساحة الضيقة تمزج كل الحضور بعضهم ببعض، كانت السيجارة الملفوفة المتبادلة بين الجلوس هي محور النظرات، كان أبو زيد في طرف الغرفة يتوهج، ابيض جلده البرونزي وازداد بريق توهجه مع تعالي ضحكه، غرق في اللون الأبيض، أشحت بنظري بعيدًا عنه وعن مجلسه، على يميني نافذة مطلة على الشاطئ، وعلى يساري غرفة مظلمة.

حدقت في الفراغ على يساري لأجد فأرًا يظهر من ظلام الغرفة، ولسبب ما، كان ينظر لي، كان ذيله أحمر كأنما لُطخ بالدماء، وشعر جسده يتلون بلونٍ مختلف في كل ثانية، تبادلنا النظرات، وقعت كأس على الأرض فانكسرت ومعها انكسرت نظراتي مع الفأر، ذابت الكراسي، والقعدة وأبو زيد نفسه، سمعت صراخًا، والفأر الذي أصبح بحجم كلبٍ ركض ناحية الباب ليفتحه ويخرج بلا عودة. نظرت أمامي لأجد أبو زيد ظهر فجأةً بجلدٍ متلون يمد لي يده ويقول: صباح الفل.

***

الآن وبعد سبع سنوات، يهَفَني الشوق للبحث عن ملك الليل، ووكره المختفي في غابات الشاليهات، طال بي الطريق أكثر مما كانت قدماي تحفظ، وأدركت أنني انعطفت يمينًا بدلًا من اليسار، صححت مساري وفي هذه المرة كنت متأكدًا من صحة الطريق، عدت إلى الشاليه الأحمر كنقطةِ مرجعية وانعطفت يسارًا فطال بي الطريق أيضًا، للحظة شعرت بأنني في المكان الخطأ، نفضت عني هذا الإحساس وقررت أنني سأخرج إلى الكورنيش وأعثر على وكره من هناك، تخللت الممرات بين البيوت والتي تخرج من فيها من البحر وإليه. وقفت موليًا للشاطئ ظهري، الليل على وصول، والرياح التي تركض دون مبانٍ عالية تحد من سطوتها بدأت في الإحماء، ولا أثر لشاليه أبو زيد، انتظرت أن يحل الليل فيضيء المصباح الخافت الذي ميز لي شاليه ملك الليل عن غيره كما كان يحدث فيما مضى، لكن لم يحدث من ذلك شيء، هل اختفى؟ هل هناك أماكن تموت إن لم تزرها؟

وسلام.

عن الكاتب

محمود حمدي

كاتب ومصور وطبيب أسنان، يتلألأ في هامش كل شيء. يحن إلى بيوتٍ كثيرة، ويبحث عن مكان يؤوي إليه في آخر الليل، عادة ما يكون مكانًا خياليًا. يعمل كل يوم حتى…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن