لمدة أسبوعين، كان مكاني المفضل في القاهرة هو أحد شوارع جزيرة الزمالك، وتحديدًا شارع كمال الطويل، المُطِل على النيل. هذا الشارع، بإضاءته الخافتة، هو نقيض شارع أبو الفدا الموازي له، والذي يضج بأبواق السيارات وأصوات مرتادي مقاهيه الكثيرة.
الرصيف الطويل لشارع كمال الطويل يتيح لزواره نافذة بلا منغصات على النيل المُزيّن بأنوار المراكب النيلية الملونة، وفي الخلف يستقر كوبري إمبابة كبرواز كبير للمشهد الخلاب.
كان هذا الشارع اكتشافًا مذهلًا بالنسبة لي، إلا أن الذهول سرعان ما تحول إلى خيبة أمل.
في أحد الأيام وأثناء جلوسي مع أحد الأصدقاء داخل سيارتي في شارع كمال الطويل، التفتُ فجأة لأجد رأس ضابط شرطة داخل السيارة. لم يطرق الضابط، الذي كان يرتدي ملابس مدنية، زجاج السيارة أو يسترق نظرة من الخارج، بل انحنى وأدخل رأسه كاملة داخل السيارة.
لحسن الحظ أزالت البيتزا الموضوعة بيني وبين صديقي أي شكوك لدى الضابط حول سوء سلوكنا، فسحب رأسه من السيارة واستكمل سيره بدون توضيح تصرفه ولو بكلمة واحدة.
متسللاً بنفس الخفة، اتجه الضابط لمفاجأة بعض الشباب المتكىء على سور الكورنيش، التقط السجائر من بين أصابعهم، شمها مرة واحدة بأنف خبير ثم سحبهم من ملابسهم نحو سيارة ميكروباص بيضاء تحمل شعار شركة سياحة، وليس لها لوحات أرقام.
بعد هذين المشهدين رحلنا، بعدما فقد الشارع إمتاعه كاملًا.
عرفت بعد ذلك أن سبب زيارات الشرطة المتكررة للشارع، فضلًا عن نظرات الأصدقاء المرتابة كلما ذكرت زياراتي لـ"كمال الطويل"، هو سمعته كبقعة لتعاطي المخدرات أو للمحبين الباحثين عن مكان ليختلوا ببعض.
رغم ذلك، استمررت في محاولات الاستمتاع بالشارع، إلا أن المشاكل استمرت.
في يوم آخر تم طردي أنا وأصدقائي من قطعة الأرض الصغيرة التي تفصل بين رصيف الشارع وبين النيل. جاء أحد الأشخاص وطلب منا الرحيل غاضبًا، زاعمًا أن الأرض ملك له يستخدمها في الزراعة. في زيارة سابقة، سمح مالك آخر ـ أقل حدة ـ لي ولأصدقائي بالمكوث في قطعة الأرض التي تخصه لمدة ٢٠ دقيقة، مما أتاح لنا واحدة من أجمل النزهات التي قمت بها في مصر، ولكن لن أستطيع تكرارها.
بعد تكرار المشاكل في شارع كمال الطويل، بدأت في البحث عن موقع جديد، مكان عام أستطيع أن أجلس فيه. القاهرة ما هى إلا شوارع وميادين وكباري والنيل، قد يوحي ذلك بسهولة المهمة. إلا أن الحقيقة عكس ذلك.
لم أجد المكان العام المثالي للاستمتاع بالقاهرة، ولكني توصلت للتحديات الأساسية التي تواجه الراغبين في استخدام المساحات العامة بالمدينة.
الشرطة في كل مكان
ستشعر دائماً بإنك مراقب، لن تكون البقعة التي اخترتها للجلوس فيها هي ملكيتك المؤقتة كما قد تتوقع.
مع الاتجاه العام من الدولة لزيادة دور الذراع الأمني وإعلان هدفها باستعادة هيبة الشرطة بعد سقوطها في ٢٠١١، ازداد التواجد الشرطي في الشارع بشكل ملحوظ وازدادت مساحة حرية أفراد الشرطة لزيادة صلاحياتهم.
في حوادث مختلفة، وأثناء جلوس أصدقائي في مكان عام اقترب منهم أفراد شرطة يسألون عن سبب تواجدهم في ذلك المكان أو يطلبون منهم مغادرته بلا تفسير.
أصبحت شوارع وسط البلد مرصعة بقوات الأمن، بدءًا من الدبابات العسكرية وصولًا للمخبرين، مما أضفى جوًا من التوتر في مكان كان من أجمل المناطق لنزهة ليلية بالقاهرة.
وهم هنا للحفاظ على الأخلاق
الدولة المصرية دائمًا ما تعطي لنفسها صلاحية الحفاظ على الأخلاق، مستخدمة، من ضمن أساليب أخرى كثيرة، قوانين تُجرِّم "خدش الحياء العام" و"الفعل الفاضح في الطريق العام" وغيرهما. قانون المرور الجديد الذي تم إصداره مؤخرًا يفرض غرامة ٣٠٠ جنيه للـ"فعل الفاضح" داخل السيارة.
يقع تنفيذ هذا الدور على أفراد الشرطة الذين أصبح المواطن معتادًا على إقترابهم منه للتحقق من أي شك في تصرف غير لائق أو حتى لبحث روتيني.
مؤخرًا تعرض صديق للضرب من قبل أفراد شرطة يرتدون الملابس المدنية في منطقة وسط البلد بعد أن تم تفتيش سيارته في أعقاب حادث صغير وتم اكتشاف زجاجة ويسكي. بالرغم من أن القانون يسمح ببيع الكحول في مصر، إلا أن أفراد الشرطة كثيرًا ما يستخدمون صلاحياتهم لفرض قناعاتهم الأخلاقية الخاصة.
تم مؤخرًا تداول صورة لشاب وفتاة على كورنيش النيل تحاوطهم قوة شرطية، غالبًا بعد أن حكموا على تصرفاتهم بأنها "غير لائقة".
المواطن المراقب
ليست عين الشرطة فقط هي التي تحكم على أخلاقية التصرفات بالشارع، فعامة الشعب يأخذون على عاتقهم القيام بهذا الدور أيضًا. وقع هذا الأمر أصعب على النساء بسبب العنف العام من المجتمع تجاههم.
في أغلب الأيام التي أذهب فيها لقضاء الوقت على أحد أرصفة الزمالك، أكون الفتاة الوحيدة الموجودة هناك بمفردها. في أفضل الأحوال، ينحصر تدخل المارة في خلوتي على نظرات استغراب، وأحيانًا إنزعاج، من اقتحامي للمساحة المتعارف على اقتصارها على الرجال أو على الأقل الأزواج. في أوقات أخرى تطيح المعاكسات اللفظية المتكررة بكل السلام المرجو من الزيارة وتدفعني للرحيل.
والبعض يدعي ملكية المساحة العامة
الكثير من الأماكن العامة تعرضت للتخصيص غير الرسمي. الكثير من الحدائق العامة محاطة بأسوار مغلقة بلا تفسير، كما أن الكثير من أجمل البقع تم الاستحواذ عليها من قبل بائعين استطاعوا أن يجدوا طريقة للاستفادة منها في ظل امتناع الدولة عن استغلالها.
يمتلىء كوبري قصر النيل، الذي يعتبر من أجمل الأماكن للتمشية على النيل، بالكراسي المملوكة لبائعي الشاي. الجلوس على الكرسي يكلف ٥ جنيهات، كوب من الشاي يكلف ٥ جنيهات أخرى.
والحدائق العامة تتهالك
بعض الحدائق المملوكة للدولة ذات تذاكر الدخول الرخيصة قد تمثل بديل للمساحة العامة المفقودة، إلا أن الإهمال الذي جعل أغلب هذه الحدائق أقرب للخرابات يجعلها غير مرغوبة.
باستثناء حديقة الأزهر، التي يتم الحفاظ عليها من خلال شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وبعض الأمثلة القليلة الأخرى. معظم هذه الحدائق تعاني من التهالك الشديد. حالة هذه الحدائق بمثابة إثبات حي على أن توفير مساحات للمواطن لم يعد من أولويات الحكومة منذ عقود.
حديقة الأورمان بالجيزة وحديقة الأسماك بالزمالك واحدتان من عدة مشروعات حدائق طموحة تدهورت وأصبحت حطاما.
زرت حديقة الأورمان مؤخرًا على سبيل التجربة. بعد دفع رسم الدخول، وهو جنيه واحد، تقابلك حدائق واسعة حشائشها طويلة وغير مهذبة، تحيطها مقاعد مكسورة. من الممكن توفير رسم الدخول بالمرور عبر الفتحة الواسعة الموجودة في منتصف بوابة الدخول. البعض أيضًا يدخل عبر تسلق الجدار الذي يحيط بالحديقة.
عندما رآني حارس الحديقة بالداخل بعد غلق البوابة، مع اقتراب موعد إغلاقها في الرابعة، بدا من عصبيته أنه قد أُرهق من مهمته المستحيلة في تنظيم دخول حديقة بوابتها بها فتحة وتحيطها حوائط سهلة التسلق.
"إنتى دخلتي منين.. من البوابة ولا من الفتحة؟" سألني الحارس. فأجبته سريعًا: "من الفتحة"، ليسألني: "واللي يدخل من فتحة في بوابة مقفولة يبقى إيه؟"، جاوبت على التساؤل، المقصود به النهر، باقتراح إصلاح البوابة أو وضع حارس عليها لينظم الدخول، ولكن الحارس رأى أن إدارة الحديقة لا تملك الميزانية لأيّ من الاقتراحين.
هناك أمل؟
في الأوقات التي تشهد تضييقًا سياسيًا كوقتنا الحالي، يعطي الفشل في العثور على مكان للاستمتاع بشوارع القاهرة إحساسًا بنوع إضافي من الظلم.
ولكن هناك بعض الأمل المتبقي مع بقاء بعض الأماكن مفتوحة للعامة وفي حالة معقولة تتيح الجلوس بها. بعض الأمثلة تتضمن كورنيش النيل بمنطقة جاردن سيتي والذي يحتوي على مقاعد لم تتحطم بعد، وميدان مصطفى كامل بالمعادي الذي تم تجديده مؤخراً، وعدة أماكن في القاهرة القديمة. توجد أيضًا الحدائق العامة التي تحيط بشوارع العاصمة والتي توفر مكانًا مفتوحًا للجميع، بالرغم من تواضع حالتها وانعدام أي تجهيزات بها. هناك أيضًا بقع متفرقة في أنحاء العاصمة يمكن استخدامها للاستمتاع بالمجال العام.
مكاني المفضل حاليًا هو الرصيف المقابل لفندق أم كلثوم الشهير بالزمالك. بالرغم من رائحة القمامة التي يتم وضعها في المكان كل يوم، إلا أنه ما زال مكانًا ممتعًا لجلسة قراءة بإطلالة مباشرة على النيل.
والبحث مستمر.
تقارير ذات صلة
بين النيابة العامة والقانون.. لماذا يستمر التعذيب في مقار الاحتجاز؟
«ما حدش بيتحاسب إلا لو المسجون مات»
أول بيان رسمي عن «مقتل الراوي».. النيابة العامة: أصدرنا إذنًا بضبطه و«أُخطِرنا» أنه حاول مقاومة السلطات
نفذت الأجهزة الأمنية، مساء أمس، قرار النيابة العامة بإخلاء سبيل الصحفية بسمة مصطفى
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن