البحث عن كتب السيد طرابلسي
#92 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
هذا العدد من ديتوكس لا يشجع على مغادرة البيوت في الحرّ الشديد، بل يطرح دعوة يمكن تلبيتها في الويك إند أو بعده خلال أيام معرض الكتاب المستمرة حتى 15 يوليو الجاري. يكتب أحمد وائل عن القراءة، والعلاقة بالكتب التي لم تُقرأ، والأخرى الجديدة التي يزيد تداول أغلفتها كلما حلّ المعرض. قد تشجع القراءة أحدًا على خوض المغامرة، رغم طول الرحلة وحرارة الجو ووساوس كورونا، أو يضع آخر خطة ويلتزم بها، حتى لا تحدث أزمة في أول الشهر، أو يؤمن غيرهما بأن لكل كتاب أوَان.
#دليل #قراءة
بعد سنوات من الانقطاع، قررتُ خطف جولة في معرض الكتاب.
لم يكن انقطاعي عن زيارة المعرض إلا بسبب التعويم. وبشكل أدق، تقلّصت علاقتي بالكُتب مع صِغر قدرة المال على الشراء، دون أن يزيد مقداره.. لذا صار عليّ التقشف والذي تضمن تقليل عدد الكُتب المُشتراة شهريًا، مع الاعتماد على استعارات من الأصدقاء، لأن الواحد منّا نادرًا ما يعيد قراءة كتاب أصلًا، والمكتبة يجب ألا تمتد في كل البيت. وفي ظل هذا، تكندلت قراءاتي، نسبة إلى الكِندل، لكن قلة المعروض بالعربية قادتني إلى العودة إلى المطبوع، مع ترشيد الشراء والامتناع عن زيارة المعرض سنويًا، فهي تورط المرء في شراء ما لم يخطر على باله، ويدفع مقابلها مالًا ما كان يدفعه لو لم يخرج من داره، وليس كل ما يُشترى يُقرأ. والقراءة، سواء كانت أدبًا أو خلافه، تحتمل الانتظار. الأدب مثلًا بطيء، يسير على مهله، والقارئ عليه محاذاة خطو ما يحب، فإن كان قارئ الأدب مستكشفًا، فعليه أن يكون بطيئًا. لا توجد خسارة، فلكل كتاب أوَان.
وحتى لا يتبع الندم رحلة المعرض، قررت وضع خطة، ولضمان جودتها، يجب على المرء أن يعرف نفسه، وهذا ليس مطلبًا وجوديًا، بل الأمر أبسط من ذلك: أنا رجل بطيء، أقرأ في روقان، ولا أتحمس لترشيحات الكُتب، لأن الكتب التي نحب هي تلك التي نعجز عن ترشيحها، لا يعرف المرء التعبير عما يحب. يكتفي فقط بشعور الحب / السعادة / الإعجاب. في ظني أن كاتب مراجعة الكتب الصادق عليه الاكتفاء بتعليقات نحو «هذا الكتاب أسعدني» أو «فشيخ» أو «لا يمل». وأثر القراءة لا ينعكس في المراجعات أو عدد نجوم جود ريدز، لأننا في الأصل نقرأ بحثًا عن ذوقنا أو حتى نكتب، وليس لتحديد من أشطر كاتب في الكون.
خططت للبحث عما لا أجده في أغلب مكتبات القاهرة. طول المشوار، وضربات الشمس المحتملة، لأن المعرض يُقام لأول مرة في الصيف، بعد تأجيله في يناير الماضي بسبب الإغلاق الكورونيّ، وحرّ هذه الأيام خطير، ولكن يهون كل ذلك من أجل البحث عن كتب فواز طرابلسي.
المسألة لا تخص الكتب الصادرة عن دور النشر اللبنانية، بل هو وضع يحول دون تملكي لأي نسخة من أعمال هذا الكاتب اللبناني. كلما بحثت عنها لا أجدها، وهو عَرض لا أجد له تفسيرًا. الأمر سابق على الكورونا، بل قائم قبل اندلاع انتفاضة لبنان، ولا أجد سببًا إلا أن هذا هو حظي، أو للدقة سوء حظي. تعرّفت على أفكار طرابلسي متأخرًا، كأي قارئ بطيء، حين أعارني صديق نسخة من «حرير وحديد». وجدتني أمام كنز ممتع مخبوء وراء غلاف لا يحمل إلا نقيضين، ما علاقة الحرير بالحديد؟
العنوان الشارح ليس هو الموضوع، بل هو خط زمني أو مجرد تصنيف لكتابة طرابلسي الدقيقة الذكية. هو مؤرخ يسرد التاريخ، ويجعل القارئ يعايش الأحداث والشخصيات كأنه معاصر لها ولهم. يعتمد على المصادر الدقيقة، وعلى الخيال أيضًا، فيشرح في أول الكتاب أن «التخييل» لعب دوره «في ثلاث تأليفات فقط» ثم يحددها. أما الحرير والحديد فمصدرهما تعبير الأمير عبد القادر الجزائري عن الإنسان، أنه خُلق من حرير وحديد.
وهذا الأمير أكبر من غموض وجمال تلك العبارة، فهو صاحب مسيرة عجيبة، مقاتل حارب الغزاة الفرنسيين ودوخهم، وبعد انتصارات عديدة استسلم، وانشغل بحلم تأسيس مملكة عربية، وامتد خيط هذا الحلم في كتاب آخر مُعار هو «سايكس بيكو بلفور.. ما وراء الخرائط».. هكذا صرت مهووسًا بأسلوب طرابلسي، وجدية مواضيعه، ورؤاه التي توسع المعرفة، وتجعل التأريخ انحيازًا، والبحث أدبًا.
لكن مع تعذر العثور على أي نسخة بالمكتبات، منيتُ نفسي أن لكل كتاب أوَان، دون تكبير للموضوع.
ثم خلال قراءة «البدايات والنهايات: أعوام نجيب محفوظ»، شدتني ملاحظات نقلها مؤلفه محمد شعير عن إدوارد سعيد، ووجدت أن أصلها ترجمة طرابلسي لآخر كتب سعيد. وكالعادة لم أجد «الأسلوب الأخير» في المكتبات، ثم وسعت دوائر بحثي، فوجدتُه مُتاحًا للبيع على أحد المنصات. طلبته وأكدت المنصة قبول طلبي. وبعد طول انتظار جاءت رسالة اعتذار: «مع الأسف يا أحمد، طلبك غير مُتوفر».
عندي خطة، وعليّ حجز تذكرة المعرض مجانًا عبر هذه المنصة، وهي الطريقة المُعتمدة لضمان عدم تجاوز عدد الزوار المائة ألف يوميًا، وهو رقم كبير ولا يُعد إجراءً إحترازيًا، لكني قررت مقاومة وساوس الكورونا. ثم خضتُ الطريق الطويلة من غرب الجيزة إلى شرق القاهرة، مستسلمًا لبطء حركة السير على الدائري بسبب الإصلاحات والتوسعات. ولم تخل الطريق من سحلات أضافها الجي بي إس، فتهتُ نحو نصف ساعة داخل التجمع، حتى ردني إلى الدائري صاعدًا بي هضبة المقطم، نزولًا إلى مسار آخر يؤدي إلى محور شينزو آبي، وفي الطريق عبرت نفقًا يُدعى «الوطنية»، ثم وصلت إلى محور المشير.
بعد كل هذا التوهان، وصلت المعرض. عرضت تذكرتي على البوابة، ودخلت عازمًا على تنفيذ الخطة. أمام قاعة رقم 3، وجدت لافتة تحدد أسماء العارضين، وجدت اسم رياض الريس ناشر أغلب كتب طرابلسي، وعند مدخلها شاشة تعرض حصرًا بعدد الزوار في كل قاعة وعددهم الإجمالي. الرقم على الشاشة كبير، لكنه لم يقترب من الرقم الذي بشرتنا الجهة المنظمة بأنه أمان.. هكذا خدعتني الأرقام، وشجعتني على تجاهل الوساوس. وجدت الكمامات تغطي الوجوه من حولي، طمئنتُ نفسي، ربنا يلطف.
بحثت عن كتب الخطة، لكني لم أجد ركنًا يخص إصدارات رياض الريس. وبعد تجوال وسؤال، تبيّن وجودها في جناح يديره «همزات»، وهو متجر إلكتروني للإصدارات العربية، وخلال البحث عن هذا الجناح، ورقمه A 44، التقطت كتابًا من «منشورات المتوسط»، تمام.. أي خطة يجب أن تكون مرنة. ثم نفذت الخطة حاملًا ما أردت من كتب طرابلسي، مؤجلًا شراء ترجمته لسعيد، لأنها مُتاحة بخصم جيد في فرع «تنمية» بوسط البلد.. هكذا عوضت الكتاب الزائد بآخر مؤجل مع وعد بالخصم، الخطة لم تفشل.
خرجتُ من القاعة. الشاشة تخبرني بزيادة الزوار. دخول قاعة أخرى لن يضر الخطة، عليّ أن أكون واثقًا من إرادتي كرجل يحترم خطته، ويؤمن بأن لكل كتاب أوَان. غلبتني الإغراءات، وتورطتُ في المزيد.
ذكرت نفسي بأن القراءة يجب أن تكون بطيئة، وحصيلتي التي زادت عن كتب الخطة، يمكن أن تُقرأ ببطء، وليس بسرعة زيادة عدد الزوار على شاشات قاعات المعرض، أو صرف الأموال داخلها، وهذه الرحلة لا بد أن تنتهي.
وفي طريق العودة، فكرتُ أنيّ لو كنتُ عرفت طريق «همزات»، سابقًا، ما كنتُ خضت هذه المغامرة بحثًا عن كتب السيد طرابلسي. لكن الرحلة مهمة مثل الحصيلة. وإن جاءت زائدة، بسيطة.. عليّ التقشف حتى آخر الشهر.
#وسلام
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن