الاحتلال يراقب ولكن الحياة بدها تكمل
ننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية. الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير»: شبكة وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الرائدة في الشرق الأوسط: مدى مصر | الجمهورية | معازف | ميغافون | صوت. على مدار عامٍ كاملٍ من القراءة والنقاش والممارسة والعمل في هذه المؤسسات الصحافية، تحاول الأكاديمية تجريب واختبار مساحات جديدة وخلّاقة للسرد والتعبير، والاشتباك مع الكثير من المسلمات في سياقنا العربي، والتدرب على نهج مختلف في طرح الأسئلة والاستقصاء والبحث، ومناقشة علاقة الصحافة بالتاريخ والمكان والتراكمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

خلال السنوات القليلة الماضية، تزايد اهتمام الحكومات باستخدام كاميرات المراقبة في المساحات العامة حول العالم بالتزامن مع تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تسعى لتحديد هوية الأفراد ومراقبة حركتهم/ن. تُربَطُ هذه التقنيات عادةً بما كان مجرد خيال علمي حتى ماضٍ قريب، ومخاوف من احتمال هيمنةٍ سريعةٍ للآلة على كافة أوجه حياتنا. ترسم شركات التكنولوجيا لنا خطًا يفصل ما قبل الذكاء الاصطناعي عما بعده، وتدفع حكومات بتلك الصورة للإيحاء بامتلاكها قدراتٍ لا يمكن تجاوزها. يصعبُ تخيّل مساحة خغرافيّة يتقابل فيها واقع هذه التكنولوجيات والسرديّات المتعلّقة بها أكثر من الضفة الغربية، حيث تمَّ الكشف، في نوفمبر الماضي، عن استعمال قوات الاحتلال الإسرائيلي الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي للتعرّف على الوجه (facial recognition) وربطها مع قاعدة للـ«بيانات الضخمة» التي تم جمعها عن السكان المحلييّن الفلسطينييّن. كشفت التسريبات التي نُشرت في «واشنطن بوست» عن كثافة جمع البيانات عبر تطبيقات هاتفيّة يسعى الجنود الإسرائيليون عبرها إلى تخزين صور السكان الفلسطينيين بعد أخذها دون إذنهم/ن، ليتم ربطها لاحقًا بمعلومات شخصيّة تم جمعها عن أصحابها. بالتزامن، توسّعت رقعة انتشار كاميرات المراقبة في الأراضي المحتلة خلال الأعوام القليلة الماضية. في الخليل مثلًا، تم الكشف عن «مدينة الخليل الذكيّة» التي تعتمد على شبكة كاميرات مراقبة حيّة داخل المدينة وخارجها.
لكن هل هذه الكاميرات ذكيّة فعلاً؟
التكنولوجيا كـ«سحر من خارج هذا العالم»
ليس الاستعمال الإسرائيلي المتعدّد الأوجه للتكنولوجيا جديدًا. لتبرير إنشاء الكيان الإسرائيلي، روّجت الحركة الصهيونية له كمدخل لإلحاق فلسطين وجوارها في منظومة التجارة العالمية بواسطة تقنيات اعتُبرت حينها حديثةً على المنطقة، وتوافق هذا التصوّر مع الرغبات البريطانية بجمع الثروات من المناطق التي سيطرت عليها بعد الحرب العالمية الأولى. في مطلع عشرينيات القرن الماضي مثلًا، بدأت الحركة مشروعًا لإنشاء شبكة كهرباء في فلسطين استمر لعقدين. رسمت أسلاك الشبكة حدود الكيان الإسرائيلي الذي أُسِّسَ في 1948، واعتُبرت مثالًا على ما يمكن للمستوطنين فعله بسياق تلك الرغبات الاستعمارية. في الفترة نفسها، أنشأت الحركة الصهيونية ما يُمكن تسميته بقاعدة بيانات ضخمة بمعايير تلك الفترة. خلال الأربعينيات، جمع عناصر «الهاجانا» معلومات مفصّلة عن الأفراد والعائلات في القرى الفلسطينية، ميولهم/ن السياسية، والمهن التي عملوا/ن فيها تمهيدًا لعمليات التطهير العرقي التي مارستها خلال النكبة. تضاعفت وتيرة جمع المعلومات مع تزايد القدرات التكنولوجية حتى أخذت شكل قاعدة البيانات التي تم الكشف عنها منذ أشهر، وأخذت شبكة الكاميرات الحالية مكان شبكة الكهرباء برسمها للحدود. تتوزع الكاميرات في الضفة الغربية على الطرقات الخارجية التي تفصل مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، وأحيانًا داخل المدن كما في القدس والخليل حيث يعيش السكان الفلسطينيون المحليون ومستوطنون. يزداد عدد الكاميرات، تراقِب، توجّه عدساتها وكأنّها تشير للمناطق التي تحتل بالَ المستوطِن. تغيرت التكنولوجيات ببطء منذ النكبة، وبقي الترويج لها على أنها «سحر من خارج هذا العالم»، سحرٌ مهيمنٌ عصيٌّ على المقاومة. لكن ثمّة من أهل الضفة من له/ا رأي آخر.
«عنّا نكتة إنه لمّا يروح حدا ع القدس، لازم يضل مبتسم من كتر الكاميرات لتطلع صورته حلوة»، تخبرنا سارة (اسم مستعار)، وهي باحثة فلسطينية من نابلس، بسخرية عن تكنولوجيات الهيمنة الإسرائيلية. تروي لنا كيف ابتكر السكان المحليّون بعض الطرق للالتفاف على هذه التكنولوجيات خلال الليل. يستفيق السكان على شعارات جرافيتي ظهرت فجأةً مثلًا، أو تجري تحركات ليلية ضد الاحتلال أحيانًا. لا تقلّل سارة من تأثير التجسّس على الحياة اليومية لسكان الضفة، وتصف كيف بات عدد منهم انتقائيًا بطريقة نشرهم المحتوى على الإنترنت أو نوع الهاتف الذي يستعملنه/ونه. الهاتف الذكي، أو «الجاسوس الصغير» كما يصفه بعض السكان، لم يعدُّ الخيار الأنسب للجميع، وباتت الهواتف الأقدم نسبيًا أكثر خصوصيةً بعد توسيع الاحتلال لإجراءات جمع المعلومات الشخصيّة.
يصف لنا إسلام، أحد سكان مدينة الخليل، كيف توسعت هذه الإجراءات بالتزامن مع التكثيف النسبي لكاميرات المراقبة في المدينة خلال السنوات الأخيرة. منذ عامين تقريبًا، بات جنود الاحتلال يحتفظون بأرقام سيارات العابرين/ات عبر بعض الحواجز ونسخٍ مصوّرة عن بطاقات هويّاتهم/ن. قبلها تزايد عدد الكاميرات التي تركّبها شركات إسرائيلية ربحيّة متعاقدة مع جيش الإحتلال داخل المدينة -التي يحتل مستوطنون أجزاءً منها- على أسطح مبانٍ يسكنها فلسطينيون. يتعامل كثرٌ من السكان مع هذه الكاميرات بنوع من التجاهل، وذلك لأن العيش مع الاعتداءات الإسرائيلية على الخصوصية ليس بالأمر الجديد. بعد إخبارنا عن ارتداء المتظاهرين المعتاد لأقنعة خلال التظاهرات للتغلّب على عدسات الكاميرات، وتحطيم آخرين لكاميرات مراقبة، يختم إسلام حديثه بالقول: «بالآخر إنت عايش مع محتلّ، بس الحياة بدها تكمِّل»
قانونيًا، تشغل تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تسعى إلى التعرّف على الوجوه مساحةً واسعةً من الجدل حول العالم. ثمّة منافسة أخرى بين أجهزة حكومية وشركات تقنيّة في الصين والولايات المتحدة الأمريكية، إنما على جمع أكبر قدر ممكن من البيانات وانتهاك خصوصية الأفراد في البلدين هذه المرة. تصاعدت الانتقادات خلال الأعوام الأربعة الأخيرة ضد شركات متعاقدة مع الحكومة الصينية لاستعمالها هذه التقنيات للتمييز ضد أقليّة الإيغور مثلًا، وأصدرت ولاية كاليفورنيا قرارًا يمنع استعمالها في كاميرات الشرطة. في ولاية تالاغانا الهندية، تنظر إحدى المحاكم في دعوى ضد استخدام التقنية لعدم دستوريتها، بينما تبسط الحكومة واحدة من أوسع شبكات المراقبة على طول البلاد. حتى في الأمم المتحدة، التي لم يبخل مجلسها لحقوق الإنسان بالتعليق على مخاطر تقنيات التعرف على الوجوه، تعمل منظمة الاتصالات الدولية لإصدار معايير متعلقةً باستعمالها حول العالم. في الضفة المحتلّة، يصبح الحديث عن القوانين شكليًا بعد أن همّشها عنف الأجهزة الإسرائيلية وانتهاكها المتكرر لها. لا تستخدم القوات الإسرائيلية التقنيات بالمدى والطريقة نفسها حيال مَن يحملون جنسيتها، وتستهدف المجتمعات الفلسطينية، دون مساءلةٍ تُذكر، كحقول تجارب لهذه التقنيّة.
ليس الذكاء الاصطناعي قدرًا
تدفع تيارات غير قليلةٍ، تقف غالبًا خلف الاستعمالات العلميّة أو التجارية أو السياسية لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بتصورات مضخّمةٍ عن تأثير الخوارزميات، وتصف الأخيرة بحتميّة مُفترَضة. بهذا، تسعى هذه التيارات لترسيخ دورها هي في رسم حدود حياة البشر، وتدعو للتسليم لها بهذا الدور. لو افترضنا أنّ الخوارزميات محايدة، وهي ليست كذلك، وأنّ تأثيرها متشابه على كل البشر، وهو ليس كذلك أيضًا، فإن تلك التصورات تفتقد الدقة لتجاهلها هشاشة هذه الخوارزميات أولًا.
تحتاج الخوارزميات التي تتدرب على التوقّع بياناتٍ مُعَرَّفَةٍ تحاول عبرها ربط الأنماط بمحتوى الصور. قد تجد الخوارزميّة مثلًا رابطًا بين الأشعة الشمسية في صور ما وفصل الصيف، أو، فلنقُل، تعتمد على أشكال معينة لتمييز مركبةٍ آلية عن أخرى. تربط الخوارزميات بين الأنماط الموجودة في الصور دون أن تعرف معناها أو العلاقات بينها كما يعرّفها البشر، ويعتمد هذا الربط على الصور التي تم تدريب الخوارزميّة عليها حصرًا. لذا، قد تجد خوازميّة مدرّبةٌ صعوبةً بالتأقلم للتعرّف على الأنماط نفسها في صور جديدة. عند محاولتها توقّع محتوى صورة جديدة لسيارة بيضاء مثلًا، قد تُخطأ الخوارزميّة لو تدرّبت على صور سياراتٍ حمراء فقط.
خلال السنوات القليلة الماضية، وعلى عكس التصور الذي تروّج له وسائل إعلام ربحيّة، تزايد الجدل في الأوساط العلميّة حول محدوديّة قدرات الذكاء الاصطناعي، سواء تجاه البحث عن الأنماط داخل البيانات الضخمة أو التأقلم مع المتغيرات في هذه البيانات. بتغييرات بسيطة لا تُرى بالعين المجردة، استطاعت باحثات وباحثون إيهام بعض الخوارزميات وإفقادها قدرتها على التعرف على محتوى الصور. مجموعات أخرى تقاطعت أفكارها مع أهل الضفة لتبتكر أقنعة بسيطة نسبيًا تُحرِّر مَن يلبسها من عين الـfacial recognition، أو نظارات تشوش على الكاميرات عبر أشعة محدودة ما تحت حمراء. يحدث هذا كلّه مع مجرد بدء الحديث عن احتمال هيمنة الذكاء الاصطناعي على حياتنا. بمعنى آخر، يبدو الالتفاف على الخوارزميات سهلاً نسبيًا و«المعركة» معها لم تبدأ بعد. كيف إذا بدأت حقًا؟
على العموم، لن تحصل مثل هذه المعركة المفترضة، وعلى ما قال لنا إسلام من الضفّة، الحياة بدها تكمِّل.
تقارير ذات صلة
القانون في خدمة القتل: الكنيست يصمم عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين فقط
فشلت إسرائيل سابقًا في إقرار هذا القانون لـ3 عقود
بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
ضجيج بلا طحين
دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
إعادة فتح وشيك للمعبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن