“الإصلاح الزراعي” تقر بتمكين فلاحي “سرسو” من أرضهم
أصدرت لجنة التضامن الفلاحي- مصر، بيانًا صباح اليوم، أعلنت فيه عن صدور قرار من هيئة اﻹصلاح الزراعي، يوم الخميس الماضي، بتنفيذ الحكم القضائي بتمكين فلاحي قرية "سرسو" من أراضيهم بعد سنوات طويلة من النزاع الدائر بشأنها.
سرسو، القرية التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية، والتي اكتسبت اسمها من رجل أرميني من لبنان يدعى سرسك إسكندر، أصبحت عبر سنوات محل أنظار المراقبين لقضايا الفلاحين في مصر، والمهتمين بحقوق اﻹنسان عبر محطات درامية متعددة مرت بها المعركة التي يبدو أنها تشهد فصولها اﻷخيرة.
يحكي بشير صقر- الناشط والباحث في شؤون الفلاحين في مصر- أن بداية القصة تعود إلى الستينيات. بعد عودة مجموعة من الجنود المصريين من حرب اليمن، عرضت عليهم الدولة وقتها إما التعيين في وظيفة حكومية أو الحصول على قطعة أرض زراعية، فقرر 23 من هؤلاء الفلاحين الحصول على أراض زراعية بدلًا عن الوظيفة الحكومية.
اﻷراضي التي حصل عليها الفلاحون كانت مملوكة قبلها ﻷحد اﻹقطاعيين واسمه فريد المصري، وتمت مصادرتها منه بموجب قانون الإصلاح الزراعى رقم 127 لسنة 1961، والذي منع الملكية الفردية للأراضي ﻷكثر من مائة فدان. لكن فريد المصري قام بالطعن على قرار مصادرة اﻷراضي منه بدعوى أنه قد قام ببيعها ﻷبنائه عام 1959 بعقد عرفي، أي قبل صدور القانون بسنتين. وأصبح هذا العقد العرفي هو محور النزاع الذي استمر عبر أكثر من ثلاثين عامًا.
طبقًا لمحمد رفعت- محامي الفلاحين وأمين لجنة الحقوق والحريات بنقابة المحامين بالمنصورة- فإن الفلاحين قاموا بسداد اﻷقساط المستحقة على اﻷرض، وهو ما يجعلهم- باﻹضافة إلى وضع اليد الطويل المُكسب للملكية- أصحاب حق أصيل في اﻷرض.
رأي محامي الفلاحين أيدته محكمة القضاء اﻹداري في حكمها اﻷول الذي أصدرته في نزاع فلاحي سرسو، في القضية رقم 2143 لسنة 29 القضائية، والتي قضت فيها بعدم صحة العقد العرفي المزعوم وتزوير التوقيع، وبالتالي تمكين الفلاحين من أراضيهم.
لم يكن ذلك الحكم نهاية النزاع. فبعد الحكم بتسعة أعوام، أصدر يوسف والي- وزير الزراعة وقتها- قرارًا بإنشاء لجنة تصالح جديدة للنظر في نزاعات ملكية اﻷرض في جميع أنحاء الجمهورية.
يشير صقر إلى أنه بسبب الفساد المتغلغل في الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، قررت اللجنة مخالفة الحكم القضائي ومنح ملكية اﻷرض إلى عبد العزيز المصري، ابن فريد المصري ووريثه. وفي 25 يناير 1996، قام المصري ورجاله بتنفيذ قرار اللجنة وطردوا الفلاحين من أراضيهم.
"كان يوم أسود في حياتي"، هكذا أخبرت الحاجة سنية- زوجة محمد إبراهيم أحد الفلاحين أطراف النزاع- «مدى مصر» في مقابلة سابقة أجريت معها في تحقيق نشر الشهر الماضي عن قضيتهم. تضيف أيضًا أنه "طول 13 سنة، من 1996 إلى 2011، عشنا في البيت ده قصاد الأرض على الناحية التانية من الطريق، ومع ذلك مش قادرين نقرب من أرضنا".
ومع استمرار الفلاحين في نضالهم القانوني نحو استعادة حقوقهم، حكمت محكمة القضاء اﻹداري، في سنة 2007، ببطلان قرار لجنة المصالحة التي أنشأها يوسف والي، وعدم جواز المساس بتوزيعات اﻷراضي، وبالتالي عودة اﻷراضي إلى الفلاحين.
لكن- طبقًا لرفعت- فإن أحدًا لم يقم بتنفيذ الحكم، واستمر الوضع القائم دون أن يتدخل أي طرف من اﻷطراف الرسمية حتى قيام ثورة يناير 2011.
يحكي صقر أنه في 31 يناير 2011، قام الفلاحون بتنفيذ الحكم القضائي بأنفسهم، واستولوا على أراضيهم. وفي يوليو 2014، طبقًا لرفعت، أيدت المحكمة اﻹدارية العليا حكم محكمة القضاء اﻹداري الصادر في 2007 لصالح الفلاحين.
وعلى الرغم من الحكم القضائي، فقد أصدر المحامي العام قرارًا في فبراير الماضي، بتمكين عبد العزيز المصري من اﻷراضي بالمخالفة للأحكام القضائية، وقامت قوة من اﻷمن المركزي بطرد الفلاحين مرة أخرى والقبض على عدد منهم.
يشير رفعت إلى أنه قد قام بصفته محاميًا عن الفلاحين بتقديم طعن جديد في قرار المحامي العام أمام محكمة القضاء اﻹداري، في قضية محجوزة للحكم في 28 يوليو الجاري. كما قام بإرسال شكاوى لمجلس الوزراء، وهي الشكاوى التي تلقى ردًا فيها بوعد لمراجعة القضية ضمن مراجعة شاملة تجريها الحكومة لمشكلات أراضي اﻹصلاح الزراعي المتنازع عليها، وهو ما تأكد فعلًا بالقرار الصادر يوم الخميس الماضي من هيئة اﻹصلاح الزراعي بإعادة اﻷراضي إلى الفلاحين.
في سياق أعم، يوضح رفعت أن كل ملاك اﻷراضي اﻹقطاعيين قد نالوا تعويضات عن أراضيهم مرتين على اﻷقل، مرة وقت نزع ملكيتها بموجب قانون اﻹصلاح الزراعي الصادر في الستينيات، ومرة أخرى بعد أن حكمت المحكمة الدستورية العليا سنة 1981 بعدم دستورية المادة 5 من قانون اﻹصلاح الزراعي الخاصة بتحديد ثمن اﻷراضي المنزوعة.
يصف صقر قرار هيئة الإصلاح الزراعي الأخير بأنه يشكل "سابقة مهمة" في هذا النوع من النزاعات، وهو ما يؤكده رفعت، الذي رأى أن القرار قد يبعث اﻷمل ﻷماكن أخرى تشهد نزاعات مماثلة كعزبة حماد وبهوت ودكرنس.. وغيرها.
تقارير ذات صلة
بين النيابة العامة والقانون.. لماذا يستمر التعذيب في مقار الاحتجاز؟
«ما حدش بيتحاسب إلا لو المسجون مات»
أول بيان رسمي عن «مقتل الراوي».. النيابة العامة: أصدرنا إذنًا بضبطه و«أُخطِرنا» أنه حاول مقاومة السلطات
نفذت الأجهزة الأمنية، مساء أمس، قرار النيابة العامة بإخلاء سبيل الصحفية بسمة مصطفى
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن