«الإبادة الجماعية لم تقع»: كيف صور خطاب الإعلام الغربي الحرب على غزة؟
«تشن إسرائيل حرب إبادة جماعية على غزة».
هذه الجملة التي رأيناها جميعًا كحقيقة واضحة، ونُقلت لنا صوتًا وصورة، وأكدتها إسرائيل نفسها في تهديداتها وتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، لم تُعلنها صراحة كبرى المنصات الإعلامية ووكالات الأخبار «الغربية» حتى الآن.
منذ السابع من أكتوبر، عقب عملية «طوفان الأقصى»، ونحن أمام خطاب إعلامي يُبدي انحيازه الواضح لدولة الاحتلال، وتفهمه الكامل للحق الإسرائيلي في الرد العسكري على النحو الذي يراه مناسبًا، واستلزم هذا الانحياز ترويج الخطاب لسردية بعينها، وفق منطلقات محددة، وعدة تصورات عن طبيعة «الصراع الإسرائيلي الفلسطيني» على حد تسميتهم.
واستمرت المغالطات، وروجت الأكاذيب حتى توجت وكالة مثل «بي بي سي» مسعاها المخزي بجريمة قصف المستشفى المعمداني في خان يونس بقطاع غزة، أحد الملاذات القليلة للناجين والنازحين من أطفال ونساء، وراح ضحية القصف ما يزيد على 500 قتيل.
قدمت «بي بي سي» غطاءً وتمهيدًا للقصف قبل ساعات من تنفيذه، بطرحها أسئلة عن إمكانية وجود أنفاق خاصة بحركة حماس أسفل المستشفيات والمدارس.

إذن، كيف تناول الإعلام الغربي الحرب على غزة؟ وما سمات الخطاب الذي قدمته تلك المنظمات، في تحولها عن وظيفتها المُفترضة، كهيئات إخبارية ومدافعة عن الحق في المعرفة وتداول الحقائق، إلى أذرع استراتيجة للآلة العسكرية الإسرائيلية؟
هل حدثت جريمة الإبادة الجماعية بالفعل؟
يُحيل هذا السؤال إلى آخر عنون به الفيلسوف الفرنسي، جان بودريار، مقالاته المنشورة في جريدة «ليبراسيون» عن حرب الخليج: «هل وقعت حرب الخليج حقًا؟»، كما نُشرت المقالات في كتاب بعنوان «حرب الخليج لم تقع».
تتركز فكرة بودريار في أن منفذنا الوحيد إلى حقيقة الحرب هو «الإعلام»، لذلك «فإنه ليس لمشاعرنا وتأكيداتنا بشأن الحرب أي أساس في الواقع يتعدى الأساس الذي لأي وجه آخر من أوجه الحياة»، فالحرب، كما يرى، مثل كل شيء آخر، «هي قطعة من بلاغة الإعلام تُنقع فيها حياتنا اليومية».
لا يشير بودريار هنا إلى أن الإعلام يشوه الحقيقة -وهو يشوهها بالفعل في الحالة الفلسطينية- لأنه «ليس ثمة أي حقيقة تقبع وراء مظاهر الصورة» في رأيه، وإنما يعيد الإعلام إنتاج «واقع مفرط».
في مواجهة الإفراط في الصور والإشارات داخل الواقع الفائق/ المصطنع، بتعبير بودريار، لم يعد هناك «واقعي» مستقل عما تبنيه وسائل الميديا المتنوعة، فالمشهد أو الصورة لم تعد مقيدة إلى شيء ثابت في العالم الواقعي. يصطدم تمثيل الموضوع بواقعيته، وينزعان استقرار أي تصور ثابت للواقع.
تبدو أفكار بودريار بعيدة تمامًا عن الصواب وقريبة منه رغم كذلك، ففي الحرب على غزة، خلق جيش الاحتلال الإسرائيلي من الحرب جحيمًا واقعيًا قائمًا بوحشية لا يمكن إغفالها، لكن الخطاب الإعلامي الغربي نقع الحرب في بلاغته الخاصة، وصبغها بأسلوبه.
كانت صور الدمار والخراب الناجمة عن القصف الإسرائيلي على غزة أضخم من أن يتم تجاهلها، إلا أنه من الممكن أن تصبغ تلك الصور بألوان من التلاعب والتضليل.
في 11 أكتوبر، قدم برنامج إخباري عنوانه «السياق/The context»، أحد برامج قناة «بي بي سي» الإخبارية، عددًا من التقارير المصورة واللقاءات مع المراسلين والخبراء، واختتم البرنامج تقاريره بلقاء مع جون كيربي، أحد مستشاري الرئيس الأمريكي جو بايدن.
بدأت المذيعة باستعراض صور دمار الأبنية والمنشآت في غزة مع ثالث أيام القصف الإسرائيلي، ونقلت تحذيرات أحد مسؤولي الإغاثة بالأمم المتحدة عن العواقب الوخيمة للحصار الإسرائيلي على المنطقة، كما ذكرت تصريحات مسؤولين فلسطينيين بأن «أكثر من 800 شخص قُتلوا جراء القصف».
انتقلت المذيعة بعدها إلى الحديث عن معاناة عائلات أكثر من مئة رهينة إسرائيلية في أيدي «حماس»، وعن تصريح الجيش الإسرائيلي بتواصله مع عائلات الجنود الخمسين الأسرى، وقالت إن عدد القتلى الإسرائيليين وصل إلى الألف على أقل التقديرات.
وبعدها، ننتقل مع المذيعة إلى محرر الشؤون الدولية جيرمي بوين، ليراسلنا من داخل مستوطنة «كفار عزة» في جنوب إسرائيل، حيث يجمع جنود جيش الاحتلال جثث الإسرائيليين الذين قتلوا عندما اخترقت «حماس» السياج الحدودي من غزة في وقت مبكر من صباح يوم السبت، 7 أكتوبر.
يقول بوين إن ما حدث في «كفار عزة» عينة من التروما الإسرائيلية الحالية، ومؤشر على ما سيحدث لاحقًا، كما يتحدث بوين عن جنود جيش الاحتلال الذين تعرض الشاشة انتشارهم وتجهيزاتهم، ويقول إنهم مقاتلون أصحاب خبرة.
يلتقي بوين بواحد من الجنود، بعد المعركة «الشرسة» التي تمكن بعدها الإسرائيليون من استعادة المستوطنة، ويسأله:
- ما مدى صعوبة القتال؟
= لا يمكنك أن تتخيل.
- هل سبق لك أن فعلت شيئًا كهذا من قبل كجندي؟
= ليس كذلك.
- ماذا سيحدث بعد ذلك؟
= لا أعرف، أفعل ما يطلبون مني أن أفعله. أتمنى أن ندخل إلى الداخل».
- إلى غزة؟ سيكون ذلك قتالًا صعبًا.
= نعم. نحن مستعدون لذلك.

يؤكد بوين أن الهجوم على «كفار عزة» وباقي هجمات حماس على المناطق الأخرى كان مفاجأة صاعقة، وأن حراس الكيبوتس، وهم سكان ذوو خبرة عسكرية يقومون بدوريات، قتلوا وهم يقاتلون المهاجمين، مضيفًا «حماس اخترقت الداخل، أحرقت البيوت وقتلت الأسر، حسب شهادات الجنود».
يؤكد بوين أن مقتل مئات المدنيين على يد مهاجمي حماس يُعتبر بلا شك جريمة حرب، لكنه يتساءل: «وماذا عن المدنيين الفلسطينيين الذين تقتلهم إسرائيل في هجومها على حماس؟».
يوجه بوين سؤاله للميجور جنرال إيتاي فيروف حول قدرة الجيش على الالتزام بحماية أرواح المدنيين وفق القوانين الدولية مع هذا الكم من الهجمات الجوية.
رد فيروف قائلًا: «أنا متأكد من أننا نقاتل من أجل قيمنا وثقافتنا، سنكون عدوانيين وأقوياء للغاية، لكننا نحافظ على قيمنا الأخلاقية. نحن إسرائيليون، نحن يهود»، نافيًا بشدة أن يكونوا قد علقوا التزاماتهم بموجب قوانين الحرب.
يستدرك بوين قائلًا إن إسرائيل خلفت دمارًا شديدًا في غزة خلال يومين أو أكثر، مئات الفلسطينيين قد قُتلوا، وقطعت إسرائيل إمدادات الطعام والمياه والكهرباء عن القطاع، ويضيف «إسرائيل واجهت من قبل اتهامات بخرقها قوانين الحرب، ومن المؤكد أنه مع مقتل المزيد من المدنيين الفلسطينيين، ستواجه إسرائيل انتقادات أقوى وأقوى».
نعود إلى المذيعة التي تنتقل إلى بث حي من غزة، ونرى لقطة بعيدة لسماء غزة التي يغطيها الدخان الأسود المتصاعد من الأرض بعد القصف الجوي، وتقول المذيعة إن عدد القتلى في غزة وصل إلى 900 ضحية، من ضمنهم 260 طفلًا و230 امرأةً، حسب تصريح وزارة الصحة الفلسطينية.
لكنها تتطرق سريعًا إلى خبر عاجل عن سفر وزير الخارجية الأمريكي، أنطوني بلينكن، إلى إسرائيل في الأيام القادمة، ولا تلبث أن تعود إلى محرر الشؤون الدولية جيرمي بوين لتسأله عن تقريره السابق، وعن تصريح الجيش الإسرائيلي بأن «حماس» ارتكبت مذبحة، حيث قتلت النساء والأطفال والرضع.
للقناة مراسل وحيد داخل قطاع غزة، تنوه المذيعة بضرورة تفهمنا أنه نظرًا لخطورة الوضع لن «يتمكن المراسل من التواصل معنا عبر بث مباشر هذا المساء، لكنه أرسل لنا آخر التطورات في وقت سابق من اليوم».
يشير المراسل إلى البنايات والمحلات المدمرة، ويستعرض سريعًا حجم الخراب في أحد شوارع غزة المعروف بأنه مركز للاقتصاد والتجارة، قبل أن يخبر الشاشة بضرورة الرحيل الآن لأن المنطقة سوف تتعرض لقصف جوي في اللحظات القادمة، وفق التحذيرات الإسرائيلية.
تبدو تقارير البرنامج محايدة مقارنة بغيرها من التقارير، كما سنبين لاحقًا، وربما لهذا هي الأصلح لتناول الخطاب الإعلامي من خلالها، إذ تكمن وراء محاولات سرد قصة الحرب من الجانبين ثنائية مُسلمٌ بصحتها، وأقصد ثنائية «الأفراد والأرقام» إن جاز التعبير. القتلى الإسرائيليون أفراد، كل فرد له عائلة تبكي فراقه، ويحكي الناجون قصصهم.
يتحدث بوين عن جثة امرأة إسرائيلية داخل غطاء بلاستيكي أزرق، ويقول إن الجندي أخبره أن «حماس» قطعت رأس هذه الضحية، مؤكدًا أنه لم يرفع الغطاء لينظر إلى المرأة، لكنها كانت ميتة بالتأكيد، يتحدث المراسل مع الجنود، ويحاول رسم صورة لمشاعرهم وما يعتمل داخلهم قبل الاجتياح البري المحتمل.
في تقارير سابقة، تُعرض صور الرهائن، ولمحات من حياتهم الماضية، كما تُعرض لقاءات مع أهل الأسرى، فنرى معاناتهم وألمهم.
في المقابل، فإن قطاع غزة يُقدم كبطل للقصة الموازية، القطاع نفسه لا الناس أو الأفراد، نرى الدمار ممثلًا في الأطلال، والتي هي في النهاية حجارة وردم وركام، الضحايا الفلسطينيون إحصائيات مرشحة للزيادة دومًا، وتصير التقارير التي تتناول الأوضاع داخل القطاع مجرد قراءة لمؤشر عداد القتل ونفاد المؤن والوقود.
المفارقة الأهم هي أن البرنامج المعنون «السياق» يغفل السياق الحقيقي لعملية السابع من أكتوبر، فلا يوجد تاريخ قبله في معظم التغطيات الإعلامية الغربية، هو بداية التقويم الجديد للحرب الإسرائيلية وحصارها الكامل للقطاع، وأي خطاب يتجاهل حقيقة أن إسرائيل دولة احتلال وفصل عنصري لن يتمكن من تقديم «الحقيقة» مهما حاول ذلك.
الاحتلال هو المسكوت عنه في الخطاب الإعلامي، الحقيقة الغائبة، أو التي جرى تغييبها، فيجري التعامل مع الحصار المضروب على غزة منذ 17 عامًا كأنه أمر طبيعي، لهذا تبدأ كل اللقاءات والحوارات المصورة بسؤال واحد: هل تُدين ما فعلته حماس في 7 أكتوبر؟
مفارقة أخرى، وهي أن البرنامج كان عنوانه الرئيسي في ذلك المساء «حرب إسرائيل - غزة: لا يوجد مكان آمن في غزة مع تكثيف الضربات الإسرائيلية». عنوان يناقض المحتوى الذي وضع جيش الاحتلال وجنوده في بؤرة الاهتمام.

في الثالث عشر من أكتوبر، تقدم «بي بي سي» تقريرًا مدته تقل عن خمس دقائق عن «الأزمة الإنسانية» في غزة، ويعرض التقرير صور جثامين الضحايا وينقل الأوضاع المتردية من داخل المستشفيات، والدفن الجماعي للموتى.
وللمرة الأولى، وبعد أسبوع من القصف الوحشي، تركز الصورة على أفراد بعينهم: طفلة يغطيها التراب والدماء وتبكي أسرتها التي فقدتها بالكامل، وامرأة تجلس بجوار جثامين أسرتها وتقول إن البناية التي تقطنها دُمرت بالكامل، ولم يكن بها أي عنصر من عناصر «حماس».
كان عنوان التقرير: 1400 ميت في الغارات الجوية على غزة.. المأساة الإنسانية. 1400 dead in Gaza airstrikes: the humanitarian crisis
إذا تأملنا اللغة المستخدمة، سنلاحظ استخدام كلمة dead بدلًا من killed المستخدمة دومًا في حالة القتلى الإسرائيليين من قبل حماس، ولا تذكر في حالة الفلسطينيين إلا داخل التقرير نفسه، وهو ما يتناسب مع مصطلح «الأزمة الإنسانية - the humanitarian crises» المستخدم في حالات الكوارث الطبيعية من زلازل وسيول وفيضانات.
لقد مات الفلسطينيون، وإنها لأزمة إنسانية. لم يُقتلوا وهذه ليست جريمة حرب بالتأكيد.
تأتي هذه الخيارات اللغوية في عصر «الصوابية السياسية»، أي ما يُفترض أن يخلق نوعًا من التصحيح اللغوي تتبناه أغلب أجهزة الإعلام الغربية والكليات والمؤسسات الجامعية، ويركز على إعادة النظر في صيغ التعبير عن الآخَر، كنوع من اللباقة اللفظية وحُسن اختيار المصطلح والعبارات التي تتتحاشى جرح شعور الآخرين، ما يثبت استعمال القناة الواعي لهذه المفردات، لا مجرد غفلة أو سوء تقدير غير متعمد.
وليس المقصود أن اللغة الصحيحة يمكنها أن تخفف شيئًا من الألم والدمار والدماء، وإنما يمكن لعدم تسمية الأفعال والأشياء بمسمياتها الصحيحة أن يشكل غطاءً وتبريرًا وترويجًا للجرائم.
تبدو شبكة «سي إن إن» أكثر التزامًا بتصوير الإسرائيليين كأفراد في مقابل تناول الجانب الفلسطيني كإحصائية، فمنذ بداية الحرب تنوعت التقارير التي تقدم حكايات لأفراد ناجين من هجوم «حماس» على الحفل الموسيقي، ولقاءات مع أقارب الرهائن، وعرض ريبورتاجات عن الضحايا والأسرى.
لكن الأهم أن «سي إن إن» تعاملت مع تصريحات المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين دون أي نقد أو تمحيص، من ضمنها ترويج مزاعم بايدن والجيش الإسرائيلي عن «العثور على جثث مقطوعة الرأس لرضع وأطفال في كفر عزة»، قبل أن يصدر البيت الأبيض بيانًا يوضح أن بايدن والمسؤولين الأمريكيين «لم يروا صورًا، أو يتحققوا بشكل مستقل من أن حماس قطعت رؤوس أطفال»، لافتًا في هذا الصدد إلى أن بايدن «بنى تعليقاته على مزاعم متحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتقارير إعلامية من إسرائيل».
يظهر أيضًا انحيازها الواضح في نوعية الخبراء والمحللين الذين تستضيفهم القناة.
يبدو الشعار الذي رفعته «سي إن إن»، مع غيرها من القنوات بعد 7 أكتوبر، دالًا على طبيعة الخطاب ومنطلقاته: «إسرائيل في حرب Israel at War».
إن هذا هو كل ما يهم، فلا يشير العنوان إلى طرف آخر، لا بسبب عدم وجود طرف آخر، أو جيش آخر يحاربه جيش الاحتلال، وإنما لأنه لا يهم من ستحارب إسرائيل. «إسرائيل في حرب» تعني أيضًا أننا كلنا إسرائيل، ونقف معها وورائها.
يكشف هذا الشعار أن تلك القنوات والشبكات الإعلامية -غير الإسرائيلية- لا ترى نفسها طرفًا ثالثًا خارج الصراع. نحن، إسرائيل، في حرب، ضد «العدو» بالطبع.
في واحد من تقاريرها الأخيرة، تلقي «سي إن إن» نظرة عبر مراسلتها داخل مستشفيات غزة التي «على حافة الانهيار»، وترصد القناة عبور 20 شاحنة من الإسعافات والمساعدات الطبية من معبر رفح، وتوضح المراسلة أن «رقمًا مثل 20 شاحنة يمثل نقطة في بحر» مما يحتاجه القطاع، ففي الأيام العادية، قبل الحرب، تعبر إلى غزة أكثر من 400 شاحنة يوميًا من أجل توفير متطلبات الغذاء الأساسية للسكان تحت الحصار.
هذا الوضع المأساوي يُقدم دون إدانة واضحة من المراسلة أو المذيعين في الاستوديو، لا أحد يصف منع دخول الطعام والماء والمساعدات الطبية للجرحى والمصابين بأنه «جريمة حرب».
تكشف علاقة وسائل الإعلام الغربية بمنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، حقيقة مهمة، وهي أن تلك المحطات والقنوات اعتبرت نفسها في حالة حرب، ولا يمكن لأي صوت أن يعلو فوق معارك إسرائيل «الانتقامية».
رغم التظاهرات الحاشدة في لندن أمام مبنى «بي بي سي»، حيث لطخ المتظاهرون مبنى القناة بالأحمر، اعتراضًا على انحياز القناة ضد الفلسطينيين، فإن القناة بدأت بعدها التحقيق مع ستة صحفيين وصحفيات عرب بسبب تغريدات عن فلسطين، متجاهلةً كل الانتقادات الموجهة إليها حول انحيازها للسردية الإسرائيلية.
كما أوقفت قناة «MSNBC» ثلاثة مذيعين مسلمين عن تقديم برامجهم بسبب رفضهم جرائم إسرائيل في حربها على غزة، قبل أن تتراجع عن قرارها نتيجة انتقادات واسعة.
يشير تقرير أكسفورد المنشور عام 2019 عن مستقبل الصحافة العالمية إلى أن صحافة الديجيتال خلقت مصادر أخبار أكثر تنوعًا، وأننا انتقلنا من عالم كانت فيه المنظمات الإعلامية «حراس البوابات»، إلى عالم ما زالت فيه وسائل الإعلام تخلق «أجندة الأخبار»، لكن المنصات المختلفة هي التي «تتحكم في الوصول إلى الجمهور».
ربما لهذا كان التحالف شديد الوضوح، بين وسائل الإعلام (المهنية والمحترفة) ومنصات السوشيال ميديا المختلفة، فثمة رقابة متصاعدة حول المنشورات والتغريدات المنددة بإسرائيل، دفعت رواد السوشيال ميديا إلى محاولة التحايل على خوارزميات فيسبوك حتى لا تُحذف المنشورات أو تُحظر حساباتهم.
في الوقت نفسه، كانت صفحات وحسابات بعض القنوات على السوشيال ميديا دليلًا على التحريض والتضليل.
تتساءل قناة «NBC News» الأمريكية عن مفهوم «جريمة الحرب»، من خلال بعض الأفعال التي حدثت منذ السابع من أكتوبر، لكنها عبر حسابها على منصة إكس «تويتر سابقًا» تنتزع منشوراتها الإجابات من سياقها وترجح رأي أحد الخبراء على الآخر، وحول ما إذا كان قطع إسرائيل للطعام والماء والوقود عن غزة جريمة حرب، تجيب على لسان خبير لم تذكر اسمه أن الحصار قانوني، لكنهم -الإسرائيليون- يجب أن يأخذوا في الاعتبار تأثير ذلك على السكان المدنيين، ويضيف الخبير المجهول أن ذلك مقبولًا كـ«تكتيك قصير المدى»، لكن «يجب بكل وضوح ألا يستمر طويلًا».

أما قناة «بي بي سي» فيكفيها أنها كللت مساعي بقية وسائل الإعلام بتساؤلاتها حول بناء «حماس» للأنفاق أسفل مستشفيات ومدارس القطاع. التساؤل الذي لا تهم إجابتك عليه لأن وظيفته الأساسية خلق تغطية وتمهيد لما سيُرتكب لاحقًا، وتهيئة الرأي العام له.
وهناك بعض القنوات لم تكتف بالدعم المطلق للسردية الإسرائيلية، وإنما خصصت برامجها للهجوم على مؤسسات جامعية وثقافية ظهرت بداخلها أصوات تدافع عن الحق الفلسطيني في المقاومة وإنهاء الاحتلال.
في الثاني عشر من أكتوبر، كان المفكر الأمريكي البارز، كورنل ويست، ضيفًا على أحد برامج قناة فوكس نيوز. بدأ مقدم البرنامج بالتحسر على ما آلت إليه جامعة هارفرد والحياة الأكاديمية، وذلك على خلفية مناصرة مجموعات من طلبة هارفرد للقضية الفلسطينية وتصريحهم بأن إسرائيل مسؤولة عن هجمات «حماس» عليها في 7 أكتوبر.
يشير المذيع إلى أن ويست، أحد أساتذة هارفرد المرموقين، يوافقهم على ما يقولونه، ويسمح بتلك الأفعال في الحرم الجامعي، ويسأله مستنكرًا كيف صارت تلك القمة الأكاديمية وعنوان التفوق والنبوغ إلى طريق معاداة السامية ولوم الضحية.
يتخذ الحوار شكل الاستجواب، حيث يقوم المذيع ومعه الضيف الآخر، وهو أيضًا أستاذ بجامعة هارفرد، بمقاطعة ويست ومحاصرته، ويروج المذيع شائعة الأطفال الرضع مقطوعي الرؤوس، بينما يقول أستاذ القانون إن «حماس» هي المسؤولة عن موت المدنيين الفلسطينيين لأنها تتخذ من الأطفال والنساء دروعًا بشرية، وتتبع «استراتيجية سي إن إن» على حد تعبيره، وهي اتخاذ الأطفال دروعًا ثم إظهار الجثامين وتشييعها أمام الكاميرات حتى يراها من منهم مثل كورنل ويست ويبكون بدموع التماسيح.
بينما يستمر ويست في تأكيده على أن كل ما يطلبه هو التعامل مع الضحايا بقدر من المساواة والنزاهة، والاعتراف أن دماء الطفل الفلسطيني مساوية لدماء الطفل الإسرائيلي، والتوصل إلى حل لإنهاء الاستيطان والفصل العنصري.
ويشير تقرير آخر لقناة «NBC» إلى تصاعد الوقفات الاحتجاجية بين طلبة الجامعات الأمريكية واحتمالية الصدام بين مناصري القضية الفلسطينية والداعمين لإسرائيل.
في الوقت نفسه، يصدر الأساتذة ورؤساء الجامعات بيانات تدين «إرهاب حماس»، بينما يجتمع مجلس جامعة نيويورك من أجل فصل أحد الأعضاء لتصريحه بأن إسرائيل مسؤولة عن هجمات حماس، وأصدرت رئيسة جامعة هارفرد بيانًا يدين «حماس»، ويؤكد أن طلبة الجامعة لهم الحق في التعبير عن أنفسهم، لكن لا أحد يتحدث نيابة عن الجامعة وقياداتها.
لكن، من نقصد بالغرب؟
يكشف الصحفي البريطاني، جوناثان كوك، في مقاله بالغ الأهمية، الأسباب وراء دعم بريطانيا والغرب جرائم إسرائيل، فيتطرق إلى الأسباب السياسية والاقتصادية والعسكرية التي وضعتنا اليوم في مواجهة جريمة إبادة جماعية أمام مرأى العالم «تُقابَل بالتبني والدعم الصريح والعلَني والواضح من الغالبية الساحقة من دول الغرب».
من هذه الأسباب تحويل إسرائيل غزّة إلى مزيج من مختبر مفتوح لشتّى أنواع التجارب من جهة ونافذة متجرٍ لبيع التكنولوجيا والسلاح تتبضع منه دول العالم. تستخدم إسرائيل، غزة، لتطوير جميع أنواع التقنيات والاستراتيجيات الجديدة المرتبطة بصناعات الأمن الداخلي المزدهرة جدًا في الغرب، في وقتٍ يتزايد فيه قلق المسؤولين في هذه الدول من الاضطرابات الداخلية الخاصة بكل منها.
الفائدة الثانية التي يراها الغرب في حصار غزة تكمن في بحث كيفية تجاوز قيود القانون الدولي، أي مجموعة القوانين التي كُرِّست في أعقاب الحرب العالمية الثانية. تُعيد إسرائيل تعريف قواعد الحرب، فالقانون الدولي «يتطور من خلال الانتهاكات»، ما يسمح لبقية الدول بهامش تجاوزات أكبر في قادم الأيام، «فالفعل المحظور يصير مباحًا إذا فعله عدد كاف من البلدان»، وإسرائيل هي رأس الحربة في تلك الإباحة المطلوبة.
يوضح كوك أننا تجاوزنا مستوى «العقاب الجماعي» لنصل إلى حيز «الإبادة» (جينوسيد)، «بلاغيًا وواقعيًا»، «ورغم ذلك، لا شيء في الغرب إلا الهتاف لإسرائيل»، وأقصى ما قيل كان كلمات من قبيل «ضبط النفس» و«التناسب في الرد»، وهي «المصطلحات المراوغة التي يستخدمونها عادة لإخفاء دعمهم لخرق القانون».
ويذكر كوك أمثلة على المساندة البريطانية المطلقة، من زعيم المعارضة العمالية البريطانية، كير ستارمر، إلى وزراء الدفاع والداخلية، إلى رئيس وزراء المملكة المتحدة ريشي سوناك، الذي رفع العلم الإسرائيلي على واجهة مقر إقامته الرسمي، وفي سائر أوروبا، رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ووزير العدل الفرنسي، وبالطبع الدعم المطلق من الولايات المتحدة الأمريكية والتصديق على كل ما تقترفه إسرائيل.
أصوات مناوئة
لا يعني كل ما سبق شيطنة الغرب بمجمله، ففي رأيي يجب التفرقة بين الساسة والحكومات والمؤسسات من جهة، والأفراد والمواطنين من جهة أخرى، لأنه دون ذلك لا يوجد داع لمحاججة ممثلي الخطاب الداعم للصهيونية، وسنلجأ إلى تقسيم العالم إلى معسكرين: خير وشر.
أظهرت الأيام الماضية وجود العديد من المثقفين والكتاب والنشطاء والفنانين الداعمين للقضية الفلسطينية، إلى جانب عدد من النواب والساسة الأوروبيين، لذلك، يجب التواصل مع الآخر المناصر، لا مجرد لعن العالم الصامت والعزلة الشعورية عنه، أو كما قال النائب الأيرلندي ريتشارد بويد باريت، يجب بناء حركة منظمة عابرة للدول، غايتها إنهاء الاستيطان والفصل العنصري وتحرير فلسطين.
إضافة إلى كورنل ويست، توجد العديد من الأصوات الأوروبية المناوئة للخطاب الإعلامي الغربي المهيمن، وأظهرت في الأيام الماضية رفضها لمزاعمه ومنطلقاته، منها الاقتصادي والكاتب ووزير مالية اليونان الأسبق، يانيس فاروفاكيس، والنائبة الأيرلندية في البرلمان الأوروبي، كلير دالي، والطبيب والكاتب المعروف، غابور ماتي، والسيناتور الأمريكي، بيرني ساندرز، والكاتب الحائز على البوليتزر، فيت تان نيجوين، الذي ألغت منظمة يهودية إحدى فعاليات قراءة أعماله في مانهاتن، بسبب إعلانه توقيع رسالة مفتوحة تندد بالعنف الإسرائيلي على غزة، وأنه يؤيد بشدة «حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» التي تدعو إلى ممارسة ضغط اقتصادي على إسرائيل لإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية.
إضافة إلى عدد من الكتاب والفنانين الأمريكيين اليهود الذي وقعوا عريضةً وخطابًا مفتوحًا إلى الرئيس الأمريكي بايدن من أجل وقف إطلاق النار، وفي مقدمتهم الفيلسوفة والمفكرة جوديث بتلر.
وفي سياق الحرب الإعلامية، استدعت السردية الإسرائيلية المتبناة، أشباح النازية والهولوكست وداعش، وحاولت خلعها على هجوم «حماس» في 7 أكتوبر، وعلى فكرة المقاومة بشكل عام، لكن هناك بعض الأصوات الإسرائيلية المناهضة للصهيونية التي واجهت تلك الفزاعات، من أبرزها المؤرخ الإسرائيلي، إيلان بابه، صاحب كتاب «التطهير العرقي في فلسطين»، والكاتب والصحفي البارز، جدعون ليفي، والصحفية أميرة هاس.
وعلى قناة «الديمقراطية الآن Democracy Now»، وهي قناة مستقلة أدعو الكل إلى متابعتها، أكد الباحث الإسرائيلي وأستاذ «دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في العصر الحديث» في جامعة ستوكتون، راز سيجال، أن ما تقوم به إسرائيل هو بلا شك «إبادة جماعية كما يقول الكتاب»، واختار الجملة الأخيرة عنوانًا لمقاله الأخير.
يوضح سيجال أن الحصار الكامل والرغبة المستعرة في التدمير والقتل والعقاب الجماعي، تُعتبر كلها دلائل على حالة نموذجية من «الإبادة الجماعية»، وصرح أيضًا أن الغرض من وصف الفلسطينيين بالنازيين، واستحضار الهولوكوست هو تبرير الجرائم الإسرائيلية وإضفاء المنطق عليها.
في تناوله لآليات التلاعب والتضليل التي تنتهجها وسائل الإعلام والميديا الحديثة، يوضح المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو، أن عالم الصورة تهيمن عليه الكلمات، فالصورة لا تعني شيئًا دون التفسير، أو مفتاح التفسير legendum، وذلك يعني أن هناك مفسرين يقومون برؤية أي شيء، وإملاء كيفية المشاهدة.
ويستخدم بورديو مصطلح «فن حجب المعلومات أو لعبة المنع بواسطة العرض»، وتقوم على تناقض واضح، إذ تعرض الشاشة ما يجب عرضه، لكن بطريقة يصبح من خلالها غير ذي مغزى، أو كما يكشف، بودريار، عن الطبيعة التقنية للميديا والكيفية التي تشكل بها بنيتنا الإدراكية، وكيف يحدد المشهد أو الصورة بنية المجتمع، إنه العمل لتخريب النظرة السوية إلى الواقع بقوة الميديا، فيكون «الواقع في الميديا لا الحدث»1.
إلا أن الصور والفيديوهات التي وصلت إلينا من داخل جحيم غزة، ورأيناها على شاشات الموبايل، لم تكن بحاجة إلى كلمات لتفسرها، فالمُراسل هو نفسه الضحية، ولم نعد بحاجة إلى إعلام (مستقل ومحترف) يمدنا بالتأويلات والتفسيرات2.
فالضحية حين تحتل الشاشة، يمكنها أن تفسر كل شيء بلا كلمات. رسمت الكارثة ملامح الأفراد المغدورة. فاستطعنا بعد رحيلهم أن نراهم فردًا فردًا، كأن أرواحهم قد تحررت من أنقاض الدمار وسجن الإحصائيات، مرة واحدة، وإلى الأبد.
هوامش
1 من مقدمة كتاب «المصطنع والاصطناع»، جان بودريار، ترجمة جوزيف عبدالله، المنظمة العربية للترجمة.
2 تشير ورقة أكسفورد البحثية، السابق ذكرها، إلى أن غياب التقارير المحترفة المستقلة التي «تزودنا بالمعلومات الدقيقة والتفسيرات والتأويلات المعتمدة»، نتيجة صعود الميديا وتغير نمط التمويل، ستجعل الجمهور منغمسًا في اهتماماته الشخصية، أو عرضة للشائعات. لكن حرب غزة جعلتنا نرى التمكين الذي خلقه الفضاء الافتراضي للأفراد، ونقلهم للحقيقة رغم الرقابة والحظر.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
«إذا غادرنا دمرت قرانا».. سكان قرى في جنوب لبنان بين الخيارات الصعبة
قرى تحت الحصار في جنوب لبنان
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن