الأُذن: خريطة السَمع والعصيان
عودة «الأذن الوسطى» مُستمرة، والتي لن تكتمل إلا بقراءة ما فيه، والتي ستحدث على مهل بتقديم نص كل سبت حتى نسمع ونصغي إلى صوته بتمعن، وهذه المرة نقرأ صوت محمد عبد النبي، والذي كان أول تعامل بين مؤلفه ومحررين في عملية تحرير أدبي، بل يعتبره أول كتابه عن موضوع ذاتي وليس إبداعًا (قصة أو رواية). لكن يبدو أن المؤلف حاول الاختباء وراء حماية الأدب، حيث يحكي أنه وقتها شُغل بقصة عن سيدة فقدت القدرة على السمع دون سبب مرضي، وأتت رغبته في كتابتها في مسودة النص. «كنت بقطع تسلسل الموضوع كل شوية عشان أحكي اللي عايز أعمله فيها»، لكن المحرر اقترح على المؤلف استبعاد الكلام عن القصة، وقد كان، وظلت هذه القصة غير مكتوبة حتى الآن.
للتعرف على باقي حكاية «الأذن الوسطى»، يمكن العودة إلى حوار مها مأمون وهيثم الورداني هنا.
- كان علينا، في طفولتنا، أن نسمع الكلام، أي أن ننصاع لما يُقال لنا دون تفكير أو جدال أو تذمر. السمع مرتبط هنا بتجريدنا من الإرادة الحرة، سواءً كنا أطفالًا أو كبارًا. في فعل السمع نفسه سمة لا إرادية، على عكس العين مثلًا، بحركة هينة وسريعة للغاية نغمضها، فلا نرى ما لا نحب. الأذن أكثر عنادًا، حارس حقيقي من انهيارات محتملة أو حيوانات مفترسة قد تداهمنا من أي اتجاه. حارس لا يميز الزوار، يسمح للجميع بالدخول، وبالداخل تتم عملية الفرز والغربلة والتمييز والتأويل، وأخيرًا الاستجابة المناسبة، كل هذا في زمن خرافي. نحن لا نطيع الآخرين، بقدر ما نطيع آذاننا نفسها، لا نستطيع أن نضع أصابعنا فيها فنضل ونضيع ويسخرون منا دون علمنا.
- الأذن خريطة، لا نرى منها غير حوافها الخارجية الظاهرة، بقية المتاهة تنطوي على نفسها بالداخل. ممرات ودهاليز لا تهدأ فيها الحركة، نمنا أم صحونا، انتبهنا أم شردنا. خريطة لا تؤدي إلى أي مكان، لأن الصوت لا مكان له، لا مكان واحد ومحدد له. لا يسكن، كأنه الهواء، كأنه الروح، ومثل الروح لا يضيع أو يتبدد بالمرة.
بما أن الصوت لا يتبدد ولا يضيع، بل يظل ساريًا في الأثير الكوني اللانهائي يتحدث البعض عن استعادة أصوات الماضي، باختراع وسيلة تكنولوجية ذات يوم في المستقبل. سوف نتمكن حينها من سماع أصوات الأسلاف، وهم يخترعون اللغة نفسها بهمهمات لا معنى لها، وهم ينشدون أناشيد عبادة الحجر والشجر والأنثى والبقرة. سوف نتلصص على الأنبياء والقديسين والأباطرة وأينشتاين وأبي نواس وبيكاسو. والقائمة تطول. في لحظة ما سوف تتسع الأذن الإنسانية لتحيط بتاريخ الأصوات كله، وعندئذ هل سنجد الحل النهائي للُغز الوجود الإنساني؟ هل يصل القرد إلى الموزة أو يلتهم الفأر قطعة الجبن الرومي، أم تنفتح أمامنا متاهة أخرى حدودها حدود الوجود الإنساني بأكمله؟
- لكننا نتعلم، مع الوقت، كيف نتحايل على ثنائية السمع والطاعة، نتعلم كيف نصنع أذنًا من طين وأخرى من عجين. أتساءل، صغيرًا، أيهما الطين وأيهما العجين؟ هل يمكن أن أفرك إحدى أذني فتسيل في يدي صلصالًا مرنًا أو عجينًا لزجًا. ساعتها لن أسمع شيئًا ولن أطيع أحدًا.
المتحدث سُلطة على سامعيه، يملك آذانهم. أتذكر تعبيرًا لأحدهم بأنَّ بعض الشعراء يبحثون طوال الوقت عن «آذان» ويقصد ضحايا لإسماعهم قصائدهم. نحن -في العمق- نتصارع دائمًا على آذان تُوجَّه إلينا، سواء كنا نبحث عن طبيب نفسي جيد أو نتلو القرآن بصوتٍ مرتفع في مترو الأنفاق، أو نمسك بمايكروفون في مظاهرة أو لبيع الروبابيكيا في الحواري الفقيرة. بمقدار ما نكسب من آذان تكون سلطتنا، عدد التذاكر المباعة في حفلة أحد المطربين، عدد المنضوين تحت بلاغة أحد القادة السياسيين أو الروحيين. كل أُذن معركة، إما أن نكسبها فنقطعها من مكانها ونعلقها على صدورنا بجوار بقية الأوسمة من المعجبين والتابعين والموالين، وإمَّا أن نخسرها فلا يعيرنا أحدًا أذنًا مُصغية، وهنا نؤذن في مالطة أو ربما نكلم أنفسنا أو نبوح بشجوننا لحيون أليف مثل حوذي تشيخوف الشهير.
الأُذن الميتة أذن حُرَّة. تسمع صوتها الخاص من داخلها، وتحاول أن تتخيل بقية الأصوات، على هواها. الأذن الميتة متاهة مغلقة الطرفين، بلا مدخل ولا مخرج. الأشخاص الخُرس بحكم المولد لا يتكلمون بطبيعة الحال، وخصوصًا إن أُهمِلت إعاقتهم. رأيتُ مرة شخصًا أخرس يقف بين المصلين في مسجد صغير، وسرت رعدةٌ في بدني، وما زلت أتساءل عن طبيعة «الحوار» الخاص بينه وبين الله. إنتاج المعرفة، والمعنى، والكلام مرهون باستهلاك مبدئي، لا بد أن نسمع حتى يسمحون لنا بالكلام. «افهم الأول وبعدين تعال اتكلم معايا» هذه مرحلة تالية على مرحلة «اسمع الكلام».
أصابني الضيق حين سمعتُ صوتي الخاص لأول مرة، وكان على شريط مسجل سوف يرسل لأحد الأقارب في العراق، منتصف الثمانينيات تقريبًا. نسيت الموضوع بالطبع فيما بعد، حتى اكتشفت تدريجيًا أن الصوت الذي نسمعه لأنفسنا، ونحن نتحدث أو نغني أو نصيح أو نبكي، ليس هو نفسه الصوت الذي يصل للآخرين. مختلفان تمامًا. وأتضايق حين أسمع صوتي من مصدر خارجي، ربما في هذا شيء من النفور الطبيعي الذي ينتاب المرء أمام صورة منفصلة خارجية له، في مرآة أو على شاشة الكمبيوتر. ليس أنا، ولكن إذا كنا نقطع في حالة الصورة بأن هذا هو أنا، ولو «منذ سنين»، ولو «كنتُ منفعلاً في الصورة»، ولو «الضوء لم يكن كافيًا». هي صورتنا وخلاص. مع الصوت يزداد القلق، لأننا طوال الوقت نسمع أصواتنا من الداخل ومن الخارج معًا. أستغرب صوتي مسموعًا من الخارج فقط، فلا هو صوت بالغ ولا صوت طفل ولا هو صوت ناعم ولا صوت خشن، كأنَّ مَن ينطق به دائمًا على وشك البكاء، حتى وهو يلقي بالنكات. ليس لنا صوتٌ واحدٌ إذن، لنا أصوات، ولعلها تختلف باختلاف الآذان، ولكن من أي مصدر غامض نستمع إلى أصواتنا بينما نتحدث، يقول نوفاليس: «مستقر الروح هو هناك، حيث يتلاقى العالمان، الداخلي والخارجي»، على هذا فإنَّ صوتي الذي أسمعه لحظة الكلام نفسها هو مستقر الروح، روحي التي لا تخص أُذنا سوى أذني أنا.
- كتبتُ ذات مرة: «في الصمت الحي يموت كل نداءٍ باطل»، ولم أدرك معناها جيدًا إلا حينما بدأت أحاول ممارسة بعض تمارين التأمل، التي تعتمد في الأساس على أن يُنحي المرء جانبًا كل فكرة تخطر له لتجذب عقله خارج حالة الصفاء التام والتركيز على نقطة بعينها؛ صورة أو عبارة يتم ترديدها. العقل يوسوسُ لنا طول الوقت، ثرثار كبير، محاولة منعه من الحديث محكوم عليها بالفشل، مع كل الإجلال لكبار البوذيين والواصلين. أصعب وأقسى أشكال هذا التركيز والتأمل هو محاولة إيقاف العقل عن الحديث، بينما تنصت للآخرين. نحاول أن ننحي جانبًا أفكارنا -وأحكامنا- على كلامهم وعليهم بينما ما زالوا يتكلمون. نمنع أنفسنا بالقوة عن مقاطعتهم وتقديم الحلول والاقتراحات أو حتى الرفض والسب واللعن لهم ولآرائهم. نحاول أن نطرح جانبًا نزوات نتخيلها ونكات نطلقها عليهم. نرجئ الحكم ونكبت العبارة حتى يأتي دورنا في الحديث. الأذن تمارس دورها على مضض، لأنَّ اللسان يتلهف على الحركة واللعب والهيمنة.
- صوت السُلطة كلي وشامل، أقرب تمثيل له بالنسبة لي هو صوت الإذاعة الداخلية في محطات مترو الأنفاق بالقاهرة. «عزيزي الراكب حرصًا منا على وقتك وسلامتك…» ولا يملك أحد أن يعترض، الصوت يصدر عن آلة، عن تسجيل، يتكرر كل خمس دقائق تقريبًا، لا يمكن منعه ولا يمكن كذلك تجاهله. سواء انبعث هذا الصوت من مكبرات الصوت في المترو أو من الإذاعة والتليفزيون فهو واحد، كريه وغاصب وآلي ومزيف. والأذن تسأم، الأذن تكره النغمة الواحدة المتكررة. أتكلم عن أُذن مرهفة، أذن حية تتغذى على الصوت والصمت، وما بينهما من علاقات. نضجر من الإيديولوجيا أكثر مما نرفضها، وخصوصًا أن لم تكن علاقتنا بها علاقة إيمان، علاقة «سمعًا وطاعة يا مولاي»، لأن علاقة الإيمان تتجدد بالتكرار وتنتعش بالطقس الدوري المنتظم كأنها صلاة. لا يحيل هذا إلى أمور من قبيل ضرورة تجديد الخطاب الديني أو مساءلة السرديات الكبرى أو مراجعة الماركسية. لكي لا نخلط بين الضجر المتولِّد أساسًا عن طبيعة استهلاكية توغلت في خلايانا، وبين استجابة أي خطاب لتغيرات اللحظة، واستعداده للتنازل والرجوع إلى ذاته، واختبار نغمته، وامتحان اللحن القديم في سياق توزيعات جديدة. أخطر الإيديولوجيات قد تتسرب إلينا من خلال أشكال ثقافية مرحة وخفيفة، كالإعلانات التجارية التليفزيونية مثلًا. الشكل يجذب، الصوت الجديد له رنين، والصوت الحلو يعيش ولو لبعض الوقت، وسوف نضجر منه لزمنٍ ما إلى أن نجرِّب استعادة طعمه الذي نسيناه.
- كأنَّ الصوت للصورة هو الروح للجسد، مستقر الروح على رأي نوفاليس. غير ملموس، هارب دومًا، لا يفنى بمجرد أن يوجد، أفكر الآن بصوت أم كلثوم في مقابل صورتها. بالنسبة لي كان صوت عمار الشريعي في برنامجه الإذاعي «غواص في بحر النغم»، وأنا صغير، محرضًا لتخيل رجل من نوع خاص، كامل الرجولة أولًا، ووسيم طبعًا، والأهم أنه مبصر، بل قوي الإبصار.
- بعيدًا عن متعة الاستماع إلى صوت الحبيب، ولو من وراء حجاب، فإن الأذن لها وزنٌ خاص في التجربة الجنسية. عند البعض أكثر من الآخرين، تتمتع الأذن بالأولوية في التجربة كلها. هؤلاء يمكن لمكالمة تليفونية أن ترضيهم كل الرضا، ويمكن لضحكة يسمعونها بالمصادفة أن تشعل خيالهم لأيام. هؤلاء هم الزبائن الأساسيون لشركات ترويج المكالمات الجنسية عبر الهاتف، الأذن نفسها -بمعزل عن حاسة السمع- عضو (هل نقول: كائن؟) شديد الحساسية للمداعبة، من أهم نقاط اللذة في جسم الإنسان. تستجيب ببساطة وبلا حياء للعض واللعق والفرك والمَس الخفيف، ونتائج ذلك مجربة للعارفين، بل إن بعض المنتديات الإلكترونية الخاصة بالعلاقات الزوجية تنصح بلعق وعض شحمة أذن المرأة، وهو الطرف المتدلي الذي يتم ثقبه لتركيب الحلق لدى الإناث، وهن رضيعات في المهد أحيانًا، سواء لتعليق أقراط ذهبية أو ماسية فيها أو لمجرد تمرير خيط رخيص ملون، يميز المولودة الأنثى عن الذكر، وليس الذكر كالأنثى. أشعر وكأن ثَقب أذن الأنثى مجرد علامة، رمز، إشارة لعملية (ربما عمليات) ثَقب أخرى ستجرى لهذه الطفلة نفسها، في المستقبل القريب والبعيد.
- الاستماع للصمت، كما في تمارين التأمل، الاستماع للقمر كما في آخر أفلام فيلليني، الاستماع لأسرار الوجود التي تتهامس بها النجوم التي فنت من ملايين السنين، كما يطمح المتصوفة الشاطحون. طموح الأذن الذي حدود له، أن تتجاوز قدراتها المبدئية والنفعية السخيفة، وتكتشف المتاهة الحقيقية داخلها وخارجها.
أكتوبر 2010
تقارير ذات صلة
عن الأحلام واستمرار المحاولة
ثلاثة لقاءات جاءت في إطار برنامج «نوبة أخرى من الأحلام»، تناولت البدايات والأحلام والمآلات
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن