الأفلام الميلانكولية في الأزمنة الكئيبة.. بلوز الشفاء؟
في ظل الإجهاد اللامتناهي للزمن الوبائي الذي نختبره ونعيشه، وحالة اللايقين واللاطمأنينة المعمّمين بسبب تراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية، فضلًا عمّا تسوقه الحياة في بلاد مثل بلادنا من مكابدات ومراودات ومآزق؛ يغدو الانغماس في الهروب أو إيجاد ملاذ مريح أملًا صعبًا. البعض يغرق في حالة إنكار للواقع، فيما البعض الآخر يصرّف الوقت ويشتّت الانتباه بقراءات خفيفة، وهناك آخرون يختارون السينما مهربًا فعّالًا من حالة الخوف والارتياب الشائعين في الفضاء العام حال وجودهم خارج منطقتهم المريحة والآمنة.
بالطبع، في حال كهذه تتمتع الأعمال الكوميدية الخفيفة، كما أفلام «الويسترن» و«جيمس بوند» القديمة، بشعبية متجددة، ككلاسيكيات من حقبة أخرى أقل ارتيابًا وأكثر خِفّة؛ فيما تبدو مشاهدة الأفلام السوداوية المعاصرة فكرة مستغربة تمامًا بالنسبة لمعظمنا اليوم. لكن لماذا يشيع هذا التصوّر أصلًا؟ القول إن الأفلام الميلانكولية/السوداوية هي آخر ما نحتاجه في الأوقات الصعبة، غير صحيح.
تفتح الميلانكوليا مساحات جديدة من الخيال، وتتيح لنا تجاوز الحدود، فطالما أن عسف الحياة أمر واقع وملازم لتجربة الوجود الإنساني على الأرض، يغدو إنكاره وتعميته مذهبًا سخيفًا، في أفضل التوصيفات، وربما يكون الخيار الأنسب في مثل حالتنا وواقعنا المأزوم أن نواجه كآبة وضبابية حاضرنا ووجودنا على الأرض، بغية استبصار سبيل واضح للقادم من حياتنا. من ناحية، يلعب هذا المسلك دورًا تنفيسيًا حين مواجهتنا، على الشاشة وفي القصص السينمائية، سيناريوهات وشخوص تنتمي لأبعد تصوّراتنا الذاتية عمّا نريده لأنفسنا ومساراتنا. ومن ناحية أخرى، ترشدنا تلك الأفلام الميلانكولية أو الكئيبة، إن أردت، إلى مواضع واعدة وجوانب تمكين ذاتية قد تخفى عنّا أو نهملها في خضم سعينا اليومي لبلوغ عتبة صباح يوم جديد، في الأغلب لا يحمل أي جديد أو إمكان تغيير.
بحثًا عن الإلهام
مثلًا، تخبرنا جميع أفلام جيم جارموش بشكل أساسي أن الميلانكوليا تحديدًا هي ما يمكنها إلهام الإبداع الإنساني، أيًا كان موقعك أو هويتك أو جنسك. في فيلمه «باترسون» (2016)، نلتقي سائق حافلة (آدم درايفر) ومنهجه الرقيق في تصريف الوقت والهروب من روتين الحياة اليومية، الذي يجده في كتابة الشعر. إذا حضرت الميلانكوليا في هذا الفيلم الرشيق مقترنة بالفطنة والسخرية، فإن فيلمه السابق «وحدهم العشّاق بقوا أحياء» (2013) يُشهدنا على جرعة ميلانكولية أقوى بكثير.
بعدما سئم مصّاص الدماء آدم (توم هيدلستون) من الحداثة الاغترابية ووحدته في خلوده المقيم، يبحث عن العزاء في موسيقى سايكدليَّة/ psychedelic، فيما زوجته البعيدة، إيف (تيلدا سوينتون)، الأبدية مثله أيضًا، تجد تصريفًا لوقتها في قراءة الأدب. كلاهما سجينا الأبدية. لا يمكنهما الموت، وينبغي عليهما المثابرة في وجودٍ يكاد لا يغري بالتجديد.
«فامبيرز» جارموش مخلوقات ثقافية، غير متوافقين مع زمنهما كما مع ضوء النهار. يعيشان حياة ليلية ساكنة، ويعتمدان في طعامهما من دماء طازجة تبقيهما حيان، ويحييان في/وعلى ذاكرتهما حصرًا. هما ميّتان تقريبًا، لأن لا مكان يناسبهما في الوقت الحاضر. مفارقتهما الأكثر وضوحًا هي حاجتهما المُلزمة للتفاعل مع عالم غريب عنهما. آدم وحواء غارقان في الحب منذ قرون -رغم افتراض وجود فترات انفصال بينهما- أحدهما يعيش في ديترويت، والآخر في طنجة. بدافع شعورهما بالملل من حياتيهما ومطاردتهما اليومية للدماء، يتفقان على اللقاء في ديترويت، مدينة عدن الصناعة الأمريكية في القرن العشرين، والتي تبدو في الفيلم أطلالًا حزينة لزمن قديم زاهر.

في جانب منه، يمثل «وحدهم العشاق» فيلمًا عن ماذا نقول وماذا نفعل حين يكون كلّ شيء حول الطرف الآخر قد اُكتشف وعُرف بالمعاشرة المديدة وطول الارتباط. تلك النقطة في العلاقات العاطفية والإنسانية نادرًا ما تُمثَّل في الأفلام. الفامبيرية ليست مركز اهتمام الفيلم، بل منطلقه في استكشاف رفاقة رقيقة ومصونة على مدار سنين طويلة، وباختياره لقصة العاشقين الأبديين، يأخذ تلك الفكرة إلى نقطتها الأقصى.
من ناحية، يوضّح جارموش القوة الفنية المحفّزة للحزن والميلانكوليا المولّدة له، سواء في رصد العلاقة «الأكبر من الحياة» بين آدم وحواء واستكشاف الفضاء الذي يخلقه الإنسان في الحب، أو في معاينة نسخة غير مألوفة من نهايات العالم كما عرفناه وخبرناه. ومن ناحية أخرى، فإن البلوز أو الأجواء الآندرغراوند -حيث يعيش العاشقان- وما يصحبها من طقوس احتفالية، توفّر تشخيصًا للأزمان والأوقات التي عاشها مصّاصا الدماء المُخلَّدان. فقدَ العصر الحديث، المشبع بإفراطه ووفرته، روحَ تفاؤله ورؤيته المستقبلية. كل شيء يداخله مللٌ ضجر، ولامبالاة مزاجية، وافتقار إلى المعنى.
وهنا يأتي سؤال أساسي آخر: ما الذي نعيش من أجله؟ إجابة الفيلم تكمن في إظهاره تلك العلاقة بين آدم وحواء اللذين صمدا معًا خلال عملية الهجرة (الزمانية والمكانية) التي خاضاها في الفيلم وعبر السنوات الطويلة. ديناميكية الفيلم تأتي من تلك المقابلة البسيطة والجذرية: نحن vs. هم، العاشقان vs. العالم كلّه. أما جرعة الرومانسية الأكثر من المعتاد في أفلام جارموش ذات النبرة العبثية والساخرة، فتأتي كنتيجة طبيعية لتبنّي تلك الفكرة المثالية تحديدًا. هذا السعي من أجل تمرير الحياة جنبًا إلى جانب بقية العائشين (أو «الزومبي» كما يسمّيان البشر في الفيلم)، هو مصدر وجودية الفيلم، وإنما جوهر كوميديته وميلانكوليته كذلك.

برلين - القاهرة وبينهما بيروت
غالبًا ما تُفهم الميلانكوليا كمؤشر على المناخ المتصوَّر لعصرٍ/زمنٍ ما. هذا هو الحال في فيلم «قهوة في برلين» (2012) للمخرج الألماني يان أولي جريستر، و«البحر أمامكم» (2021) للّبناني إيلي داغر.
الأول يذكّر بأفلام جيم جارموش المبكرة، ويقدّم سينوغرافيا لمشهد المدينة المعاصرة (تمثّلها هنا برلين)، مؤنسة بقدر حزنها. في نسيجٍ يمزج بين نوستالجيا الأبيض والأسود وصورة كاريكاتيرية للمدينة الكبيرة، يروي الفيلم انعدام الرؤية لدى جيل الألفية.
في مركزه، الحالم المفلس رقيق القلب، نيكو (توم شيلينج)، غير القادر على أي نوع من الالتزام مثلما على تطوير ذاته، رغم وفرة الفرص وتنوعها وامتيازاته العديدة. ما يميّز البطل هو «رغبته في النزول إلى الأعماق […]. يبدو الصمت كينونته؛ هواء روحي يسمح له بالتنفس [...].هروبه المستمر إلى العزلة يُعبَّر عنه في كامل هيكل وجوده. إنه وجود مليء بالزخرفة والأقنعة»، كما يقول رومانو جوارديني في دراسته الرائدة «حول معنى الميلانكوليا» (1928).
في الفيلم، فيما يستمرّ أصدقاء نيكو في سحبه إلى المجتمع ومخالطة الناس، حيث يواجه ممثلين غريبي الأطوار، أو فنانين محتملين، أو والده المتكبّر؛ يلاحظ المتفرج ماهية هذا الشاب كتجسيد مثالي لنموذج الشخص الرومانسي الواعد المنذور للاشيء، معطوفًا على هشاشته وقلقه وانعدام شعوره بالأمان، ليظهر في النهاية أنه الشخصية الوحيدة الحقيقية والصادقة وسط المسرح البشري الكوزموبوليتاني الذي تمثّله برلين.
من برلين إلى بيروت، نواجه حياة أخرى معطّلة وعالقة في وقتها. جنى (منال عيسى)، بطلة «البحر أمامكم» التي تقارب البطل الألماني عمرًا، تعود إلى بيروت بعد تجربة هجرة إلى فرنسا لم يُكتب لها النجاح لأسباب لا يكشف عنها الفيلم كاملة. العودة ليست سهلة أبدًا، مع إلحاح الأهل لمعرفة الأسباب وصعوبة التأقلم مع الوضع الجديد. يبدو انزعاج جنى وقلقها، أو ربما اكتئابها، من النوع الميتافيزيقي الوجودي: لا يمكن فهمه، إذا جاز التعبير، إنما بالنسبة لها حقيقي ومحسوس جدًا.
على مدار ساعتين تقريبًا، نتابع جنى لدى عودتها، تفاجأها بالتغيّرات الطارئة بمدينتها، وكيف غطّت البنايات المزيد والمزيد من البحر الذي بالكاد يمكنها رؤيته من نافذة شقة أسرتها. هذا المجاز، البحر المأمول رؤيته من وراء البنايات الكثيفة، ربما هو نفسه المستقبل الرابض هناك خلف غيوم وأحجبة، لا سبيل لعبورها في زمنٍ لبناني صعب ووافر الرداءة. مثل نيكو، تقوم جنى بأقل القليل في حياتها. في المنزل بالكاد تأكل، بالكاد تتحدث أو تبتسم، وتنام كثيرًا. حالة قريبة جدًا من الاكتئاب. أو هكذا يبدو. يحاول والداها الحصول على تفسير منها، أو سؤالها عن فرنسا، أو محاولة جعلها تنضم إلى الأشياء التي يفعلها كل منهما. تستجيب الفتاة، لكن كما لو كانت روبوتًا. وجهها لا يفصح عن انزعاج ولا يعبّر عن أي اندهاش.

ومثل نيكو أيضًا، يحمل حزن جنى دوامًا ورسوخًا لا ينبغي الاستهانة بهما، كأنها تجد الصفاء والسكينة في الانسحاب والاعتزال، بعدما فقد العالم معناه. يكتسب البطل الضد -الذي يمثّله هنا كل من جنى ونيكو- وجودًا مقتصدًا، فهو يعبّأ متعلقاته القليلة في عدد ضئيل من الصناديق المتنقلة قبل مغادرة شقته نادرة الأثاث أصلًا، فيما هي تنسحب إلى حياة موازية تُعيد فيها الاتصال بحبيبها اللبناني القديم (من زمن ما قبل هجرتها وتحوّلها إلى ما صارت إليه). في انسحاب جنى وهروبها اللاحق إلى ماضيها، يتكشّف شيء من الانفصال العاطفي أقرب لتيهٍ حرّ غير معلوم الوجهة، يغذّيه شعور مسيطر بعدم القدرة على الاستمتاع بأي شيء، وأن كل شيء ليس على ما يرام. عدم قدرة المرء على امتلاك زمام أموره واضطراره للعيش واستكمال الحياة في بلدٍ لا يساعده على تجاوز مآزقة الشخصية والحياتية، ليس شيئًا يُنتظر منه نهاية سعيدة. إنها لعنة البلد على أهله.
الميلانكوليا تعني أيضًا الرضا بالقليل، وبالتالي التمرّن على الزهد، الأمر الذي يضعنا أمام إحساس متنامٍ بقدرتنا على قبض جوهر ذلك الإنسان «المينيمالي». في هذه العزلة، يمكن للميلانكولي إدراك الأساس الإنساني في صورة نقية، والذي، كما في حالة بطلنا وبطلتنا الفاشلين باستمرار، يُعبَّر عنه ويحدّد في المقام الأول عبر الوقوف على العيوب والنواقص. «أن نخطئ [...] هو ما يجعلنا بشرًا. أن تقضي على الخطأ والغلط يعني إقصاء الإنسان من العالم [...] المرء يمكنه الخطأ فقط عندما تكون هناك حرية في التفكير والقيام بأشياء مختلفة.»، يؤكد أرنولد ريتزر في دراسته «مزاج سيء: مجادلة ضد التفكير الإيجابي» (2012).
وبالرغم من أن الميلانكولي يميل غالبًا نحو الركود، إلا أنه من المحتمل أن يكون قادرًا على تسخير تلك الحرية ذاتها. واحدة من فضائل الميلانكوليا العظيمة تكمن في حقيقة أن التأمُّل الدائم -واليائس أحيانًا- لحالة الوجود الأرضي يجلب معه إمكانية تجاوز الحدود. حتى الشقّ الصغير في الباب، الذي يسقط من خلاله القليل من الضوء، يمكن أن يغدو في عين حزيّنٍ مفجوعٍ سببًا وبدايةً للاحتفال بالحياة.
في «آخر أيام المدينة» (2016، تامر السعيد)، يواجهنا بورتريه حزين ومُقبض للقاهرة في سنوات مبارك الأخيرة، يسرد تفاصيل الحياة في مدينة هزّتها زلازل سياسية واجتماعية، بعيون بطله المخرج الوثائقي (خالد عبد الله) وزملائه وأصدقائه وأفراد عائلته. يعاني خالد من «متلازمة الصفحة الفارغة» أثناء العمل على فيلم جديد، وانفصل عن صديقته قبل فترة، وهو الآن مع والدته المريضة في المستشفى وعلى وشك مغادرة الشقة التي استأجرها. تتراكم صور الشوارع والمباني والملصقات والمقابلات في مئات الملفات على «لاب توب»ـه، دون رغبة في ترتيبها. تفتح زيارة ثلاثة من أصدقائه، وجميعهم من صنّاع الأفلام المستقلين، المجال للفيلم للدخول في الأحياز السياسية والاجتماعية الحزينة والمعقّدة للشرق الأوسط: اثنان منهم من أصل عراقي، والثالث من لبنان، وبعد بضع جولات من البيرة تتحوَّل الدردشة الودّية إلى مناقشة حول المنفى والهوية والبقاء والعنف والموت والولادة الجديدة المحتملة.

موضوعات ثقيلة وتفاصيلها مربكة، تدور أحداثها قبل أشهر قليلة من انتفاضات «الربيع العربي»، معاينتها بعد عواقبه ليست تجربة محبّذة، غير أنها تمتلك خصائص شافية، إن جاز التعبير. مرأى هذا المزيج اليائس والكئيب من أوضاع قائمة لا تُحتمل واستحالة تغييرها تقريبًا، يغدو تمرينًا سينمائيًا على التطبيع مع اليأس، لا لقبوله ورعايته، بل لإيجاد مخرج بديل يجعلنا أقدر على مواجهة العالم أثناء انهياره من حولنا. وهذه إحدى خصائص الميلانكوليا الأساسية: القدرة على النظر في عين الكارثة، والتعامل معها كأمر واقع.
كما في الفيلمين السابقين، تتغيّر هنا أيضًا معالم المدن تحت وطأة مروحة من العوامل المتنافرة (الجنترة، الحروب، المآسي المتراكمة، التغيّر المناخي)، ويغدو البطل مطالبًا بالإجابة على السؤال المعلَّق الخالد: ما العمل؟ مثقلًا بأزماته العاطفية والمهنية، يحاول خالد المحافظة على ثباته وعقلانيته في مواجهة جنون وفظاظة يوميْين. يختار الفرجة على العالم، لا الانخراط فيه، في ترجمة مثالية لحيرة الفنان الرافض التماهي مع السرديات المهيمنة. في الأثناء، يتحوّل الفيلم مرآة انعكاسية للمدن -مختصرة في القاهرة بشكل كبير- وتأثيراتها على ناسها، والعكس، مطبوعًا بالألوان القاتمة والغبار والأوقات الميّتة.
لا جمال هنا إلا في لحظات صمت مسروقة من وسط الصخب والضجيج، مثل قبلة مخطوفة وسط شارع مزدحم. هذه الاستعارة الأخيرة تحديدًا كانت سببًا لاستنكار حبيبة البطل (ليلى سامي)، في ظل عدم قدرتها على اختبار هذا الشعور في القاهرة.
ديونيزية وميلودراما
يبدأ فيلم «من أغنية إلى أغنية» (2017، تيرانس مالك) بهذه اللقطة: نسمع صوت البطلة فاي (روني مارا) وهي تقول، «مررت بمرحلة كان يجب أن يكون فيها الجنس وحشيًا. أردت حقًا الشعور بشيء حقيقي. لم أشعر بأي شيء حقيقي. كنت أتوق للهواء». شظايا الذاكرة الانتقائية، المُنبئة بعلاقات حميمية متعددة للبطلة، تتخلّلها أصوات سايكدليَّة غريبة، حتى ينتقل المشهد إلى مهرجان لموسيقى الروك، راقص وصاخب. في فيلمٍ يتابع مثلثي حبّ مترابطين، في إطار بيئة المشهد الموسيقي في تكساس، وما يتخّللهما من هوس وخيانة وشوق؛ تراود البطلة نشوتها وهاويتها أثناء بحثها عن المعنى والحب المستقبلي والحقيقي، وتتأرجح بشكل رئيسي بين رجلين (رايان جوسلينج ومايكل فاسبندر).

يوضّح مالك في فيلمه أن الميلانكوليا دائمًا ما تمتلك طبيعة ديونيزية متأصّلة (نسبة إلى ديونيزوس، إله الخمر والموسيقى عند الإغريق)، تتمثّل في الرغبة الهائلة في الانفصال عن كل شيء ثقيل. من المحتمل أن تفسير ذلك الانغماس في الثمالة والتحرّر -أو الانحلال الأخلاقي في نظر البعض- يكمن في جانب بعيدًا من التاريخ الثقافي، عندما شاع وضع التقلُّب المزاجي في سياق ما سُمّى قديمًا بمرض هستيريا النساء، والذي تشمل أعراضه مروحة واسعة تتضمّن العصبية، والرغبة الجنسية، والأرق، وفقدان الشهية للطعام أو الجنس، و«الميل إلى التسبب في المشاكل».
إذًا، ارتبط الدافع الجنسي المتهوّر وغير المُرضي، والشغف بالاعتراف والتقدير، بالفكرة الغريبة القائلة إن الحزن المزمن مرتبط بالتقلبات العاطفية الأنثوية على وجه التحديد، وظلّ هذا شائعًا حتى المرحلة المبكرة من التحليل النفسي.

إذا تجاهلنا هذه الحالة المَرضية للميلانكوليا، نجد أن الأفلام تسعى دائمًا للحصول على تأثير جمالي من الميلانكوليا كذلك، بغرض وضع الجمهور في حالة أسف وتعاطف، كما هو موثّق، مثلًا، في أعمال المخرج الأمريكي تود هاينز. ساعد هاينز، المعروف بميلودرامياته، في نهضة هذا النوع الفيلمي، الذي كان يشتبه منذ فترة طويلة في كونه مجرد كيتش أو فنّ هابط. فيلمه الرقيق والمؤثر «كارول» (2015) يجذب جمهوره إلى دوامة حقيقية من المشاعر.
بعد أن وقعت السيدة الراقية (كيت بلانشيت) في حبّ البائعة الشابة (روني مارا)، نشهد الانحدار الرهيب لزواج الأولى التي يحمل الفيلم اسمها. يعرف المخرج كيف يلتقط أصغر المشاعر والنظرات، ويخلق أناقة رقيقة وهشّة في صوره، مغمورة في دموع بطلتيه الضائعتين في نيويورك الخمسينيات الأضيق من تعبيرهما عن حبّهما. عبر مشاركتنا حماسة وسعادة بدايات الحب المثلي الناشئ الذي لم يكن مسموحًا به حينها، ثم تفكّكه وتحطّمه على صخرة الواقع والتعقيدات الاجتماعية؛ يحرّرنا تود هاينز من هاوياتنا الداخلية، من شكوكنا ومخاوفنا التي نتركها وراءنا قبل الدخول في عالم الفيلم ومنطقه، الذي يمزج الرومانسية الحالمة مع الميلانكوليا وأحزانها الضرورية في ترجمة أنيقة لتعقيدات الرغبة البشرية، ليخلص بمشاهديه إلى حالة تشبه الرغبة في البكاء دون قدرة على الشروع فيه.
نهايات سعيدة نادرة
لا تنحصر الميلانكوليا في كونها جانبًا سلبيًا من التجربة والخبرة الإنسانية فحسب، فهي تملك إمكانات لتوسيع الرؤية والمنظور، وربما تقدم ثراءً للخيال أيضًا، كما يخبرنا الفنان الألماني ألبريشت دورر في نقشه النحاسي الشهير «Melencolia I» عام 1514.

في مركز النقش شخصية مجنّحة غامضة وقاتمة يعتقد أنها إلهة الميلانكوليا، تمسك بيدها رأسها -المتوّج بإكليل غار- وتحدّق في ما وراء المشهد المزدحم من أمامها، كأنما إلى عالم آخر غير العالم المرئي. يُعتبر إكليل الغار علامة على امتلاك مهارات الكتابة والإبداع، وفقًا للميثيولوجيا الإغريقية، بعدما هربت دافني من إله الشعر أبولو، وتحوّلت إلى شجرة غار. في الوقت ذاته، يزدحم النقش برموز وأدوات مرتبطة بالحرف اليدوية والنجارة، بما في ذلك ساعة رملية، وميزان، وطائرة يدوية، ومطرقة، ومنشار. ترتبط الكائنات الأخرى بالكيمياء أو الهندسة أو علم الأعداد. خلف الإلهة يوجد هيكل به مربع سحري مدمج، وسلّم يقود إلى ما وراء الإطار. تحتوي السماء على قوس قزح، ومذنَّب أو كوكب، ومخلوق يشبه الخفافيش يحمل النصّ الذي أصبح عنوان النقش. تكشف الدائرة ومربع الأرقام في خلفية الإلهة عن الرغبة في السيطرة على فوضى العالم، وتحويله إلى كتلة منتظمة من الجمال.
وهذا تحديدًا ما يحاول المخرج الصيني وونج كار واي القيام به في فيلمه الرومانسي «ليالي التوت البرّي» 2007.
تأتي ميلانكولية هذا العمل الفريد من التصميم المثالي للصورة والصوت والمونتاج. التقارب بين مالك المقهى جيريمي (جود لو) وإليزابيث (نورا جونز)، الممتد لعدة سنوات والذي تبرزه أغنية كات باور «The Greatest»، ينعكس في مشهدية خلّابة ودافئة من الألوان الحمراء والصفراء والزرقاء، تترجم علاقة انغماسية منوّمة بطليها غريبين أوقعهما القدر في نقطة تقاطع ذات ليلة. الطريقة التي يبحث بها البطلين عن بعضهما البعض، في البعد والافتراق، وتعبيرهما عن حبّهما واشتياقهما، ورحلة البحث عن الذات التي تخوضها البطلة؛ تذكّرنا بأسلوب أفلام «الموجة الفرنسية الجديدة». تتكشّف الميلانكوليا الهادئة جمالًا هشّا ووديعًا، وتلذّذًا بحزنٍ خفيف يولّده تذكّر سعادة ماضية أو معاودة أحلام لا تتحقق، وقوة سحرية بإمكانها جمع المتنافرات معًا، وتبدو في النهاية فعّالة لدرجة أنها تحشد كل عوامل الجذب لدى العاشقين، في قبلة ختامية تغدو مُحفّزًا وأملًا وأثرًا باقيًا.

إنها فقط نهاية العالم يا حبيبي
لكن مثل هذه النهاية السعيدة نادرة في الأفلام الميلانكولية. أولئك التائقون إلى نهاية سريعة، إلى انفجار تعويضي أخير، قد يستمتعون بملحمة نهاية الزمان «ميلانكوليا» (2011، لارس فون ترير)، إحدى الكلاسيكيات المعاصرة غامقة المزاج.
بينما تجري على قدم وساق استعدادت وترتيبات حفل زفاف جوستين (كيرستن دونست)، تتوقع العروس المكتئبة في منامها زوال الأرض قريبًا، بعدما تصطدم بكويكب يعطي اسمه عنوانًا للفيلم. تمتلك جوستين ما أسماه الفيلسوف الألماني فيلهلم شميد في كتابه «مرتفع على منخفض: تسخير قوة التعاسة» (2012) «حساسية» خاصة بالميلانكوليين. «في وقت أبكر بكثير من السعداء، يلاحظ التعيس خطرًا وانحرافًا وظلمًا وغبنًا.».
في كتابه يتخذ شميد موقفًا نقديًا بشأن النقاش حول السعادة ووجوبها في ظل السعي الإنساني الدائم نحو بلوغها، والذي ساهم فيه عام 2007 بكتابه الأكثر مبيعًا «السعادة: كل ما تحتاج معرفته عنها ولماذا ليست أهم شيء في الحياة»، موضّحًا الطرق التي يمكن من خلالها إدارة التعاسة بشكل أفضل، ومشجّعًا على منح التعاسة مساحتها والاستفادة منها.
مستعينًا بالتيمة الموسيقية لأوبرا «تريستان وإيزولده» لريتشارد فاجنر، يخلق فون ترير مزيجًا منوّمًا ولافتًا من الدراما العائلية والتأمّل الفلسفي. يضمّن المخرج الدنماركي عروسه السوداوية في عدد وافر من الصور التي تمرّ بنا بالحركة البطيئة. تكاد جوستين أن تذوب في المشهد قبل اندلاع ومضات كهربائية من أصابعها إلى السماء بعد ذلك بقليل. ما الذي يتبع نهاية العالم هذه؟ جحيم أم خلاص؟ الشيء الوحيد المؤكد هو أن النهاية سبقها ثراء مذهل من الصور، لا تحضر فيها استعارة نهاية العالم لذاتها، إنما لبيان كيف يمكن للنكبات والفواجع المقدَّرة والتي لا راد لقضائها أن تقطع وجودنا وتسوّد عيشتنا.

ما يجمع كل هذه الأفلام هو التترات الختامية: شاشة مظلمة وفارغة تختزن في فراغها الأسود ذاك كل ما يمكن التفكير فيه أو الانشغال بشأنه. لوهلة، يبدو القطع المونتاجي الأخير إشارة عَدمٍ وخواء. لكنه، وعلى عكس ما يُنظر إليه غالبًا كعلوق في الوقت والمكان، يحمل دائمًا بداية جديدة، واحتمال انطلاق إلى أماكن بعيدة مجهولة. بداية جديدة، رحيل إلى أراض بعيدة مجهولة، هو الوعد الحقيقي للميلانكوليا.
رغم أن الشخص السوداوي يميل عادة إلى مراوحة مكانه، فمن المحتمل أن يستخدم هذه الحرية وهذا الترف دون غيره من أجل الوصول إلى مكان جديد أو تغيير أحواله. في رأيي، لا تميل الميلانكوليا بأي حال من الأحوال إلى الثبات أو تكريس نفسها في زمن ميّت. لا تتعلّق الميلانكوليا بفقدان الذات أو الإقرار بضرورة الاستقالة من الحياة، بل بإعادة الاتصال؛ كمزاج/موود موجَّه داخليًا، تنطلق من أعماق كيان المرء وزمنه، إنما دون فقدان إدراكه بالحاضر. وسيلتها التوق المستمر والغامض، لكن ليس إلى «العالم»، بل إلى وطنٍ/ بيتٍ داخلي. هذا التوق، كقوة ديناميكية، يقود فعليًا إلى الداخل، ولكن قليلًا فقط، وهنا يرتبط التوق بشكل أكبر بشعور غير مُحدَّد يغلبه الحزن.
فهم الميلانكوليا على أنها الجانب السلبي للجمال ليس إلا قصر نظر. لأن الميلانكوليا ليست جانبًا سلبيًا حصرًا، بل هي أحد جوانب هذا الجمال. وتظهير الميلانكوليا في الفن -في السينما مثلًا- ليس ممكنًا بدون قدر معيّن على الأقل من البراعة الفنية (في ما يتعلق بعمل الكاميرا، والإضاءة، والتمثيل، وغيرها). الأفلام المديوكر ومقطوعة الصلة بعالمنا هي التي تخلو من أي قدر من الميلانكوليا، وبهذا المعنى تغدو الميلانكوليا شرطًا أساسيًا لقوة أي فيلم أو عمل فنّي.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن