تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
اكتشاف ماكينة اللغة

اكتشاف ماكينة اللغة

#90 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: تامر فتحي 12 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

في #90 من ديتوكس، يصحبنا تامر فتحي، الشاعر والمترجم، في رحلة طويلة نسبيًا تخص اللغة، ورغم طبيعة اللغة كمجال نظري، إلا أن تلك الرحلة لا تخلو من جوانب تطبيقية سواء في الكتابة أو الترجمة أو تدريس العربية لغير ناطقيها. خلال هذه الرحلة نقرأ دليلًا يشرح كاتبه كيف استطاع ضبط العبارة. كما يرشدنا إلى السكة التي اكتشفها لإعادة فهم لغتنا الأم.. لذا نرجو أن يتحمّس مَن يقرأ هذا الديتوكس لمشي هذه السكة، أو يشق سكته الخاصة.

#دليل 

لم أتخيل أبدًا أن رحلتي لترجمة السيرة الشعبية للحلاج إلى اللغة الإنجليزية ستقودني لهذا الإدراك الشعوري حيال لغتي الأم. ساعتها كان كل ما أرغب به هو تعلّم الكتابة الإبداعية باللغة الإنجليزية، وتصوّرتُ أن ترجمة نص من اللغة العربية إلى الإنجليزية قد يساعد في ذلك. اخترتُ النص لغرائبيته التي تذكّر بألف ليلة وليلة، ولأن حياة الحلاج تتماس وحياة المسيح، وكذلك موتهما، وهو ما يجعله أكثر ألفة عند المتلقي الغربي. ثم بدأت الترجمة مع نفسي.. وهكذا أخذت تتزايد رقعة النص المترجم على صفحات الـ word مع تراكمات العمل شبه اليومية. ثم عند حد معين توقفتُ حين صار عندي مقتطع ينفع أن يكون مدخلًا لعالم السيرة.

في أثناء ذلك، سافرتُ إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 2012، في رحلة امتدت لستة أشهر وكانت فرصة للتقدّم لدراسة الكتابة الإبداعية هناك. كنت مقيمًا في بيت أخي، وكان عليَّ الانتظار لحين فتح باب التقديم. وبيت أخي في أمريكا مصري تمامًا، ففي الصبح على المائدة فول وفلافل وجبنة رومي وأحيانًا جبنة قريش وشاي بحليب، لا مساحة حتى لافتقاد الطعام. والكل يتكلم العربية، والبرامج التلفزيونية عربية، إنه امتداد لبيتنا في الإسكندرية، وكأن كل ساعات السفر هذه لم تفصل البيت هُنا عن الآخر كثيرًا، كأنه انتقال من غرفة النوم إلى الصالة مثلًا، الفارق الوحيد هو أن خارج هذا البيت أمريكا.

بالنسبة لشخص مثلي يرغب في التعمق في اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية، كان الوسط المُحيط بي يفتقر لمدخولات لغوية جديدة اللهم إلا ما تصيبه من محادثات عابرة في الخارج بالسوبر ماركت والمولات. هذا بالإضافة إلى أن نورث فرجينيا حيث يقيم أخي تحتاج لسيارة طيلة الوقت، بالمواصلات العامة الأمر ليس بالإتاحة والتنوع كما في مدن كنيويورك أو الدي سي أو لوس أنجلوس، ولا أماكن للترفيه إلا المولات. تخيّل/ي نفسك في التجمع!

قرّرتُ كسر هذا الانعزال اللغوي المُقيم. توجهت إلى المكتبة العامة المجاورة ومحلات «بارنر آند نوبل» في أي مول نتوقف فيه. وذات مرة، وعند عبوري من أمام أحد الكنائس وجدت إعلانًا عن دروس للغة الإنجليزية. لم أكن في احتياج لدروس بقدر احتياجي لبيئة لغوية طبيعية يمكنني ممارسة اللغة فيها.

في أول حصة هناك كان في استقبالنا ثلاثة مدرسين، وكلعبة للتعارف طلب منّا المدرسون قول ثلاث معلومات عن أنفسنا من بينها معلومة غير صحيحة. حين جاء دوري قلت لهم إني أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وعندي ابنة، ولدي جَمل في بيتي. لكن أحدًا لم يخمّن أن لا جمل عندي. لعنة الله على الصور النمطية!

وعندما تحدثت عن رغبتي في تعلّم الكتابة الإبداعية، وترجمتي لسيرة الحلاج كتمرين على  الكتابة، تحمّست جلينا، وهي أكبر المدرسين سنًا، لقراءة الترجمة، قالت إنها قرأت من قبل ترجمات من إيران وأعجبتها. أعطتني ايميلها فأرسلت لها ما ترجمته. في اليوم التالي جاءتني رسالة منها:

«صباح الخير،

مرفق القصة وقد ظلّلت بعض الكلمات غير واضحة المعنى أو التي من الأفضل تغييرها بكلمات أخرى. أتطلع حقًا إلى مقابلتك لمناقشتها. إنها قصة مثيرة للاهتمام تمامًا.

تحياتي،

جلينا».

في اليوم التالي قابلتها في ستاربكس، كانت قد طبعت الترجمة، وجلسنا لنراجعها. توقفنا عند ترجمة «ولي الله»، هو ليس قديسًا Saint، ولا رجلًا مقدسًا Holy man، قالت جلينا إنه God’s Agent. ثم أمدّتني بمفردات دينية بحكم خدمتها في الكنيسة، ترجمنا الوجد بـ ecstasy وهكذا. تكررت جلساتنا، ودفعتني الترجمة إلى قراءة ترجمات الرومي إلى الإنجليزية، وكذلك ترجمات القرآن، وأفضلها الترجمة التي أنجزها العراقي اليهودي نسيم يوسف داود، ونشرتها دار «بنجوين» في منتصف الخمسينات. ومازالت تُطبع حتى الآن.

واصلتُ الترجمة، وتواصلت مقابلاتنا، أنا وجلينا، كلما أنجزت جزءًا راجعتُه معها. اتسعت حصيلتي اللغوية، بحثتُ على موقع meetup عن مجموعات تلتقي بحسب اهتمامها: أدب، سينما، طبخ، وغيرها، حتى عثرت على مجموعة من كُتّاب وشعراء يلتقون بشكل دوري، فاشتركتُ بتلك المجموعة، وحضرت في موعدها التالي. قدمتُ نفسي وقرأت معهم من أشعاري ومما ترجمته من سيرة الحلاج. وعند الفقرة التي يرمي فيها الحلاج منديله لأعلى قائلًا له «يا منديل خذني معك» ليأخذه المنديل ويطير بعيدًا، وهنا -يمكن أن تتخيل/ي إدوار سعيد مبتسمًا- استشعرتُ اشتعال استشراقيتهم في اتساع عيونهم وهم يستمعون لغرائبية الأحداث الشبيهة بإرث ألف ليلة وليلة.

وجدتُ أيضًا على meetup مجموعة من المتصوفين تقودهم سيدة اسمها الشيخة فريحة، فسجلتُ بها وذهبت. أردتُ أن أتعرّف على الوسط اللغوي الفعلي المحيط بالمتصوفين، كان مكان اللقاء أحد كنائس السيانتولوجيا أو الكنيسة العلموية. والشيخة فريحة امرأة أمريكية صارت متصوفة ومريدة لأحد مشايخ المتصوفة الأتراك، والمكان به رجال ونساء دون فصل، وأغلبهم من الأمريكيين، وأعمارهم متفاوتة، والسيدات محجبات وغير محجبات، أما الشيخة فريحة فتضع شالًا على رأسها بما يخالف شكل الحجاب المُتعارف عليه. والشيخة هي مركز الحلقة، والمتحدثة، وقائدة الذِكر حيث أخذ الجميع يدورون في دائرة كبيرة، ووسطهم رجل يبدو عليه أنه شرق أوسطي يدق على الدف ورائحة العنبر تفوح في المكان بينما تذكر فريحة بصوتها العميق الموحي أسماء الله التسعة وتسعين باللغة الإنجليزية. ولك أن تتخيل/ تتخيلي حلقة ذكر في كنيسة سيناتولوجي داخل أمريكا!

زادت ممارساتي اللغوية في سياقات متعددة ومختلفة، صرتُ أتحدث بطلاقة أكثر عن ذي قبل، بل وجدت نفسي أفكر بالإنجليزية، بل أحلم بها. كان هذا على مستوى الإنجليزية، أمّا على مستوى لغتي الأم فقد جعلني قربي من نص تراثي قديم أمامها وجهًا لوجه. ليس باعتبارها أداة للكتابة بل أداة للمعنى عليَّ تفكيكها وترجمتها.

منذ سن صغير وأنا أحب اللغة العربية والتعبير بها، أحبها بالسليقة وأشكّلها وفق فطرتي اللغوية، لكنني أبدًا لم أحب النحو. كنتُ أكرهه وأستشعره قديمًا ميتًا مُحدِّدًا للاسترسال العفوي للتعبير، ثمة قاعدة لا بد أن تكون حاضرة أمام عينيك، ولا بد من ذهن متقد لإدراك مواضع الرفع والنصب والجر، والممنوع من الصرف والمعتل والاسم المنقوص وكتابة الهمزة.

في أثناء الترجمة أحسست أن اللغة كالماء، كلما أمسكتها وجدتُ يدي فارغة، إلى أن بدأت تتشكّل عندي رؤية حول إعادة فهم النحو من منظور فيزيائي قائم على تتبع أثر حركة «الفعل»، وبيان المتسبب فيها، وهو الفاعل، ولأنه بذل جهدًا لحدوث الفعل، يصدر عنه صوتٌ يشي ببذل الجهد وهو «ووه»، صوت الضمة. ولو وقع أثر الفعل على شيء أو أحدٍ ما، وهو المفعول، فيصدر عنه صوت التأثّر «آآ»، صوت الفتحة. وإن جرّ الجار مجرورًا فإن ذلك يتسبّب في حدوث صوت احتكاك «ييي» وهو صوت الكسرة.

وفي الجملة الاسمية اعتمدتُ على الإسناد لفهم آلية عملها. فالمبتدأ هو عماد الجملة، «المسند إليه» الذي تتكئ عليه التوابع من «مسندات»؛ خبر وصفة وبدل وتوكيد وعطف. ولأنه المسند إليه فهو يبذل جهدًا لأن الجميع يستند عليه في الجملة، ما يجعله يُصدر هو الآخر صوت بذل الجهد «اوه»، تمامًا كما الفاعل. والفاعل والمبتدأ اسمان، واللغة العربية سيدة الأسماء. يمكنك أن تكتب جملة طويلة عريضة من دون فعل واحد. ساعدتني هذه الرؤية في ضبط العبارة وبداية لرحلتي بعد ذلك لامتلاك أدواتي اللغوية.

فُتح باب التقديم إلى الجامعة، قدّمت واجتزتُ بنجاح اختبار اللغة الإنجليزية للقبول في الدراسة بنجاح، وبدأت في تقديم أوراقي. لكن الموظفة في شؤون الطلبة لم تنتبه لتوجيهي أن هناك ورقة أو استمارة كان لا بد أن تقدّم لقسم الطلبة الأجانب لتغيير تأشيرتي من زائر إلى طالب، وهو ما أدى إلى تأخير طلبي مع اقتراب نهاية إقامتي؛ ما يستلزم العودة إلى مصر والتقديم من جديد في السفارة، وهذا بالطبع سيعقّد الإجراءات أكثر. ولك أن تتخيل/ي محاولات أخي التي لم تفلح في تهدئتي وأنا أهتف في وجه الموظفة: «مدام أنتِ هنا من المفترض لمساعدتي. لكنكِ للأسف لم تفعلي!».

بعد أن هدأتُ، سألت نفسي لماذا لم أفكر في دراسة اللغة العربية من قبل؟ لماذا اتجهتُ من البداية إلى الإنجليزية؟ ثم الرغبة في دراسة الكتابة الإبداعية؟ هل لأتمكن من التعبير عن نفسي في لغة أخرى أكثر حداثة ومعاصَرة، لغة العلوم والإنترنت لأن لغتي -حتى وإن كنتُ أحبها- جامدة وقديمة وغير مواكبة للتغيرات المحيطة بي، وهل هذا صحيح تمامًا؟ أم أنني استسلمت لقناعة جاهزة، وهل كان عليَّ أن أذهب إلى هذا الحد في الإنجليزية لأعيد اكتشاف العربية؟

عدتُ للقاهرة وقد أكملتُ ترجمة السيرة، ولدي قناعة تامة بضرورة دراسة اللغة العربية من جديد. ذهبت للجامعة الأمريكية، وقابلت مدير النشر وقتها، نيل هويسن، وعرضت عليه بداية السيرة. ألقى نظرة وأبدى استعدادًا للنشر، ثم سألني عن حجمها فقلت إنها بحجم نوفيلا صغيرة حوالي 12 ألف كلمة، قال إن حجمها أصغر من أن تنشرها الجامعة، بل تحتاج إلى سيرتين أخريين مع مقدمة لتكون كتابًا جيدًا. ونصحني باستكمال الترجمة. قررت مواصلة البحث في النصوص التراثية القديمة عن سير أخرى والتحقت بكلية دار علوم.

ومع دخولي الكلية عرفت لماذا يجب أن نكره ألفية ابن مالك، بمتنها المصمت، الذي يكرس لجمود العقل وغياب الاجتهاد. أحببتُ سيبويه وكتابه «الكتاب»، وما يفتحه من آفاق للتفكير. لم نكن ندرس «الكتاب»، ولكنه ظل معي طيلة سنوات الدراسة أقرأ فيه كلما سمح الوقت، ومنه تعلّمت أشياء كثيرة منها أن الفعل المضارع لا يعني الآنية / الزمن الحاضر بل أكثر من ذلك.

كما استمتعت بسجالات البصريين والكوفيين، وانحزتُ لهؤلاء في مسائل ولهؤلاء في أخرى، واعتقدتُ كما يرى البصريون أن الفعل مشتّق من المصدر، على أساس أن الفكرة تسبق الفعل. ففكرة الخروج تسبق الفعل «خرج».

ولاحظتُ أن التنوين تنبيه كأنه الجرس، أو صوت الصرف (العملات المعدنية) كما في الممنوع من الصرف أي المحروم من إحداث الرنّة، يرن للتذكير بالحال كما ly في الـ adverb، أو لبيان الظرفية، أو المقصد كما في المفعول لأجله، أو التوكيد كما في المفعول المطلق، وأيضًا للتنكير، تمامًا كما في الفرنسية un ،une، والإيطالية una ،un والإنجليزية a ،an غير أننا نضع أداة التنكير، في مؤخرة الكلمة وليس في المقدمة كما في اللغات الغربية. une fille. (اوون فِيّ). فتاةٌ. فتاتـ(ووون).

وعرفت أن ضبط أواخر الكلمات ليس حكرًا على العربية، بل هي خصيصة في اللغات القديمة كما في اللغة الأكادية، إحدى اللغات السامية الأم التي اشتُقت منها العربية، وكذلك اللاتينية، فمثلًا Servus تعني خادمٌ أي في حالة الرفع، أما Servum فتعني «خادمًا» في حالة النصب، وServi «خادمٍ» في حالة الجر.

واكتشفتُ أن لغتنا بها أفعال مساعدة مثل Verb to be، ورجاءً لا تتصور/ي أنني أقصد يكون وتكون وأكون، إنما أقصد الضمائر، فهي تحدد هوية المبتدأ بإشارتها إلى خبره. كما في قولنا: السبب في المشكلة هو عدم التحرك السريع. أنا هو مَن تتحدثون عنه. هذه هي الحقيقة. وهؤلاء هم الجناة. إنها أسماء جامدة قد تظهر وقد تستتر، ولكنها تعمل عمل الأفعال المساعدة ليس للدلالة على الكينونة بل الهُوّية.

caption
تصوير: عمر مصطفى

ثم تعرّفت عن كثب على الجهاز اللغوي المتطور الذي تملكه اللغة العربية وهو الميزان الصرفي. إنه أشبه بماكينة الباستا أو ماكينة البسكويت التي نغيّر شفراتها للحصول على شكل جديد للعجينة، والعجينة هنا هي الجذر، والشرائح المعدنية هي أوزان الأفعال وأسماء الفواعل والمفاعيل والصفات والمصادر بدلالاتها المتنوعة. بوسعنا إن كان لدينا خ/ ر/ ج أن ندخلها في ماكينة الميزان الصرفي لتنتج العديد من المفردات: خرج، خرّج، تخرّج، استخرج وهكذا.

أتساءل لماذا لا ننتج مخرجات جديدة مثل: انخرج، ينخرج، انخراجًا كأن نقول: انخرجت تفاصيله من حياتها مع مرور الوقت، باعتبار أن الأمر حدث طواعية بفعل الزمن ودون إرادتها أو رغبة حقيقية منها، هل يمكن قول ذلك؟ أو أن نقول اخترج، يخترج، اختراجًا وهو مخترج، كأن نقول مثلًا: اخترج الكلمة بصعوبة من حلقه، أي بالغ بقصد في خروج الكلمة، هل من الممكن قول ذلك؟ هناك مساحات جديدة ومخرجات جديدة يمكن صكّها، لكن الجهاز المتطور متوقف من زمن بعيد ولم يعمل من ساعتها.

قبل نهاية الترم الأخير من السنة الثانية، في 2017، كنتُ قد التحقتُ مدرسًا متدربًا في مدرسة «أهلًا» لتدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها في حي الجمالية، لكن قبل انتهاء الأسبوع الثالث من العمل، أخبرتني الإدارة أن مستواي يؤهلني لأن أكون مدرسًا محترفًا، بعد ذلك أُتيح لي العمل في المعهد الفرنسي بالمنيرة، ثم  في جامعة سيانس بو بفرنسا.

كان تدريسي للغة العربية حقلًا لاختبار اكتشافاتي ومدى نجاعتها مع الطلبة. كانوا يضحكون في أول الأمر وأنا أشرح لهم التصور الفيزيائي لحركة الفعل وصوت بذل الجهد والتأثر وصوت الجرّ ثم سرعان ما يعلق في أذهانهم. جربت مع اثنين من الطلبة المبتدئين هذه الطريقة وصارا يقرآنِ مع ضبط الشكل على نحو أشادت به مدّرسة كانت قد درّست لهما قبلي.

اللغة العربية ليست طلاسم، دائمًا ما أقول ذلك للطلبة عند أول كل درس، بل هي فيزياء وموسيقى. إنها ماكينة عتيدة تحتاج لنفض التراب من عليها وإعادة تشحيمها وتزييتها من خلال إعادة النظر في قواعدها وتخيّل طبيعة جديدة لآلية عملها بعيدًا عن جمود اللغة الاصطلاحية.

ويمكن تلخيص ما اكتشفته مع ماكينة اللغة في الخطوات التالية:

 
عند ضبط جملة فعلية يفضّل:
 
- أن تحدّد/ي الفعل أولًا.
 
- اسأل/ي هل هو مضارع متحرك أم مبني على صوت ثابت (ماضي أو أمر)؟
 
- اعلم/ي أن كلمة مضارع لا تعني الزمن الحاضر، بل جاءت من ضارع يضارع فهو مضارع أي مُشابه مثلما نقول «لا يضارعه شيءٌ»، أي أن هذا الفعل من بين أنواع الفعل الثلاثة في العربية هو المشابه للاسم. لدرجة أنه على مستوى المعنى يمكن استبداله باسم، الرجل يذهب لبيته، الرجل ذاهب لبيته. كما أنه متحرك كالاسم. يذهبُ، يذهبَ، يذهبْ، تمامًا كما نقول البنتُ البنتَ البنتِ. والمضارع ليس مبنيًا كالماضي على الفتح، والأمر على السكون. لذا يقول سيبويه إن الكسرة علامة الاسم والسكون علامة الفعل. وإذا نظرنا لزمن الفعل نجد أن المضارع لا يدل على الزمن الحاضر فقط، كما في يذهبُ الرجل، بل يدل أيضًا على نفي المستقبل كما في «لن يذهبَ»، ونفي الماضي في «لم يذهبْ»، هذا فضلًا عن المصدر المؤول في «أن يذهب». وأن اللام الناصبة للمضارع في «ليذهبَ» تخفي في طياتها «أن»، ولولاها ما دخل الحرف على الفعل.
 
- تبيّن/ي مَن المتسبب في الفعل، فإن وجدتَّه أعطيه صوت بذل الجهد حسب نوعه وعدده، فإن كان مجهولًا اجعل من المفعول نائبًا للفاعل وأعطيه هو الآخر صوت بذل الجهد.
 
- صوت بذل الجهد هو الضمة «وه» عند المفرد وجمع التكسير والمؤنث السالم المعرّفِينَ،، والتنوين بالضمة «اُون» إذا كان نكرة، سواء مفرد أو جمع تكسير غير ممنوع من الصرف وجمع المؤنت السالم، و«تـ/انِ» عند التثنية، و«ون» عند الجمع المذكر السالم.
 
- تتبّع/ي أثر الفعل، فلكل فعل أثرٌ قد يقع وقد لايقع على أحد أو شيء ما، وهو المفعول به. فإن وقع الأثر صدر عن الواقع عليه صوت التأثر عند الإصابة وهو صوت الفتحة «آآه». أحب الولدُ البنتَ. أحبت البنتُ الولدَ. البنتـ(و) البنتـ(آ)، في الأولى محبَّة وفي الثانية محبوبة. عند التثنية أعطيه «تـ/ َينِ»، "«ينَ» عند جمع المذكر السالم.
 
- فإن استعان الفعل بحرف من حروف الجر لتحديد جهة أو ماهية أو هوية المفعول. فاعتبر/ي هذه الحروف الضئيلة قاطرات جر صغيرة تقطر الأسماء الأكبر منها التي تليها لتجرها جرًا ما يجعل الأسماء تصدر صوت الاحتكاك الناجم عن الجر وهو الكسرة «ييي». في البيتِ. البيتـ(يي).
 
- المضاف عند اتّكائه على المضاف إليه إذ تنجم عن ذلك إزاحة في محل المضاف إليه مما ينتج عنه صوتٌ يشبه الاحتكاك الناجم عن الجر. ستُّ البيتِ. البيتـ(يي).
 
 
عند ضبط الجملة الاسمية استرشد/ي بما يلي:
 
- اعتمد/ي على الإسناد لفهم آلية عملها.
 
- فتش/ي عن المبتدأ، واعلم أنه المسند إليه الذي يستند إليه الخبر والصفات وباقي التوابع، وهو بذلك يبذل جهدًا وأن الخبر معلومة المبتدأ، ويمكن أن نسند إلى المبتدأ عددًا لا نهائيًا من المعلومات.
 
- يصدر عن المبتدأ صوت بذل الجهد فتقلّده توابعه بنفس صوت، وفقًا للنوع والعدد، تمامًا كما حدث مع الفاعل.. وهكذا.

#وسلام.

عن الكاتب

تامر فتحي

صحفي ومترجم وكاتب سيناريو أفلام وثائقية وشاعر مصري. كتب مع مواقع مختلفة منها: «مراسلون»، و«مدى مصر»، و«المدن»، وجريدة «الاتحاد» اللبنانية وغيرها. له ديوان «بالأمس فقدت زرًا، قصة الملابس» الصادر في…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن