تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
استكشاف النمط الفريد| # 7

استكشاف النمط الفريد| # 7

#117 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: أحمد الفخراني 12 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

هذا الويك إند يتخلى أحمد الفخراني عن دليله المُفضل الذي استرشد به ست مرات سابقًا، ليدلنا على معنى قصة نجيب محفوظ «ممر البستان». وبذلك يكون استكشف أنماط سبع قصص للمخزنجي ومحفوظ وإدريس وأصلان، في رحلة حول القراءة والكتابة تحاكي محاضرات جورج سوندرز عن قصص تشيكوف وتولستوي وجوجول وتورجينييف السبع. ولنرى كيف يفسر الفخراني المعنى بلا سوندرز.

#قراءة #استكشاف النمط الفريد

«في القراءة، خذها عني، ينبغي أن تبقى غافلًا، وفي أقصى درجات التأهب معًا، كما لو أنني شارد الذهن لكني مرهف السمع»

إيتالو كالفينو

«لو أن مسافرًا في ليلة شتاء»

الأدب القصصي، هو إبراز شيء من أجل إخفاء شيء. لكل قصة حكايتان، واحدة ظاهرة وأخرى مضمرة، دون المخفي لا المطلسم، تلك القصص لا شيء، ذلك الشيء المُخفّى هو ما يمنح القصة المحكية عبر الأدب قوتها أو ضعفها، بل قابليتها للخلود لأنه ما يجعلنا نعود إليها مرارًا ومرارًا، فليكن العجوز عجوزًا والبحر بحرًا كما قال إرنست هيمنجواي عن روايته «العجوز والبحر»، فليقل ما شاء، دون الدلالات التي أنتجتها عناصر نصه تصير حكايته برمتها لا شيء.

لذا دعنا نلعب في تلك الحلقة من «استكشاف النمط الفريد» لعبة البحث عن المعنى ومضاعفته.

سنمارس تلك اللعبة معًا عبر قصة نجيب محفوظ «ممر البستان» (التنظيم السري، 1984)، كقصة غامضة سنحاول اكتشاف معناها.

كي نفهم القصة، دعنا نتحدث أولًا عن عالم محفوظ القصصي.

أستعين هنا بكلمة الشاعر صلاح عبد الصبور، في تحليله لمجموعة نجيب القصصية «دنيا الله»: «فن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ لا أستاذ لها إلا نجيب نفسه، ما يهمه فيها هو البحث عن العلة لا المعلول، السبب وراء الظاهرة، لا الظاهرة نفسها.»

منذ «دنيا الله»، وحتى آخر مجموعاته التي بلغت العشرين إذا ما احتسبنا مجموعته الأولى «همس الجنون» (1938)، يحفر محفوظ عالمًا لا يقل شساعة عن رواياته، بل لا أبالغ إن قلت إن كانت الرواية هي خريطة عالمه الإجمالية والتي انتخب فيها بعض أفكاره وأسئلته، فإن عالم قصصه القصيرة هو الخريطة المُفصلة لمعجم لا ينتهي من الأفكار وأسئلة الوجود القلقة والشائكة، والتي لا يمكن إلا لمكر الفن وقوته أن يطرحها، وربما لم يجرؤ كاتب عربي على أن يغوص فيها قبله، والأهم أن ما يحركها قلق حقيقي وأصيل يشتعل بروحه.

 إنجاز على مستوى الكم والكيف لم يقابله كاتب عربي آخر رغم ذلك يخبرنا البعض أنه «قاص أقل مما هو عليه كروائي».

قصص نجيب هي معجم شبه كامل لأسئلة الكتابة: الله، الحياة، الموت، السعادة، الفناء، العزلة، العمل الذي يحرم من الحياة، اللذة التي تحرم من الإنجاز، الروتين، السقوط، الوحدة، الخطيئة، القدر، عبثية السعي، ضرورته، البحث عن الذات، الجنس، رجل الدين، السلطة.. فلنترك القوس مفتوحًا، ربما لا تخلو أي قصة مكتوبة من أسئلته، فهي أسئلتنا جميعًا في النهاية.

خارطة حفرها بدأب، أسئلة بحجم جِمال هائجة مسعورة، مررها من سَم الخياط، بمهارة الفن ومكره، أمام أعين مجتمع موتور غاضب، يهوى الجُمل البراقة.

ما أدخله محفوظ إلى عالم القصة العربية، ما كانت تفتقده: الرمز، التجريد، ثم قفز في مجموعته «تحت المظلة» إلى اللامعقول، حتى صفت خارطته التفصيلية، وتجمعت كبلورات مكثفة في «أصداء السيرة الذاتية». هو أمر لا يقل خطورة عن الأمثلة الروائية التي ابتدع لنا طرقها.

أغلب القصص القصيرة تأتي للذهن عبر حكاية، رآها الكاتب أو سمعها أو اختلقها، لكن ما استوقفه أمامها هو فرصة إيجاد طبقات ثرية للمعنى من خلالها. إيحاء يخبره أن ثمة شيئًا هُنا ليُروي، لأنه في النهاية سيكشف جزءًا من صدع الحقيقة داخل ذاته أولًا، ومن ثم ذوات قرائه، لكن هذا الشيء، يصير فقط مهمًا وحيًا وقابلًا للخلود، إذا ما تجاوز الشرارة التي ألهمت كاتبه.

يفعل نجيب محفوظ العكس، سرد من خلال عينين مقلوبتين في الأساس إلى الداخل، تغويه فكرة وسؤال قار بداخله أولًا، ثم يوجد معادلًا إنسانيًا لفكرته من مفردات الحياة الدنيوية، روتين الترقي الوظيفي للموظف، الحارة، التكية، المرأة، فيكسو الفكرة لحمًا إنسانيًا وينسج حولها عالمًا فينزع التجريد عن السؤال حول الوجود، ويطلقها من فكرة محضة في الذهن إلى الوجود لكن على هيئة حكاية.

لا تُكتب كل القصص على غرار قصة ممر البستان أو قصص محفوظ الرمزية، حيث يكون المُضمر فيها هو كل شيء، ستبدو القصة الرمزية عادية جدًا إذا ما اكتفينا بظاهرها، دعنا نفكر مثلًا في «زعبلاوي»، دون فهم المضمر فيها، ستتحول القصة إلى الآتي: 

رجل يبحث عن شخص سمع عنه في طفولته بأماكن مختلفة، لن يجده. إنها ليست نكتة حتى، كل ما نراه في الظاهر رجل أحمق يبدد طاقته في رحلة عبثية، لن نفهم حتى ما سبب حزنه وحيرته عندما لم يعثر عليه، لكن ما أن نتتبع إشارات محفوظ وقاموس عالمه الذي يحيل الظاهر فيه إلى شيء مخفي، عبر إنصات اليقظ والحالم: تتحول إلى قصة مهمة عن رجل يتلمس معنى الوجود، يبحث عن ذاته، عن الله، أو أي دلالة تتفجر في ذهن قارئها.

 لذا هي مثال جيد على شرح لعبة الظاهر والمضمر في القصة.

الحكاية الظاهرية لممر البستان تُروى هكذا:

«رجل على أعتاب آخر العمر، يذهب إلى بيت امرأة ذات نفوذ لدى الرجال، كي يطلب منها أن تتوسط له لدى رجل عظيم الشأن، من أجل أن يحصل على الأمان فيما تبقى له من العمر، تخبره السيدة أن لا نفوذ لها على هذا الرجل بالذات، وتعرض عليه أن يدعوه إلى بيتها كي تملكه ومن ثم تساعده على تلبية حاجته، أي أن يصير قوادًا، يرفض في البداية، ثم يقبل. يدعو الرجل مهيب الشأن أربع مرات إلى بيت المرأة، وفي كل مرة يرفض ويهينه مذكرًا إياه بانحطاطه.

يعود بعد فترة طويلة إلى بيت المرأة، لكن خادمتها تخبره ألا يجئ إلا عندما يُطلب منه، يعيش موزعًا بين مشاعر شتى، الأمل، الصبر، عذاب الانتظار»

يمكن فهم القصة أن الإنسان قد يفعل أي شيء بحثًا عن أمان العيش في نهاية حياته، ولو بالتردي في فعل منحط كالقوادة، وهو معنى قد يرضيني من القراءة الأولى، لكن هل هذا هو كل شيء؟

لمَ كانت المرأة أشبه بعرافة تستطلع الغيب؟ لمَ طلبت منه بعد فشل محاولاته ألا يعود إلا عندما يُطلب منه؟ لمَ يصير هذا الطلب أصلًا شيئًا هامًا؟

ولمَ اكتست الشخوص والأماكن بأجواء أسطورية تظلل حضورها؟ الظلام والروائح؟ لماذا تُدعى الحانة بـ«القمر»، والممر بـ«البستان»، والعطفة بـ«السنبلة»، لماذا يتحرك الرجل العملاق والمهيب في «انضباط فلكي»، ألهذا سُميت بـ«حانة القمر» كي يربطها بالأفلاك وعلم الغيب؟

لمَ خفق قلب بطل القصة وتهاوى من عليائه عندما قابله؟ ففي النهاية هو إنسان عادي، حتى لو كان مهيبًا؟

من هو الرجل مهيب الشأن؟ الحوار بينهما في المحاولات الأربع لإغوائه وكذلك ردود الأفعال لم يكن مفهومًا، هو أكثر ما استوقفني.

ما الذي يميز المحاولات الأربع عن بعضها؟ وفق فكرة النمط المتكرر التي ناقشناها في #4 من استكشاف النمط الفريد فإن تعديلًا طفيفًا كان يحدث في كل مرة، رغم تكرار النتيجة، وبسببه ينشأ تصعيد، يتمثل على هيئة الطريقة التي يدعو بها بطل القصة الرجل المهيب إلى بيت المرأة.

المرة الأولى:

«وانتظرت في تصميم وحيرة معًا حتى أقبل الرجل نحوي في طريقه إلى الميدان. واقتربت منه وأنا أهمس:

ـ لدي كأس ونديم جميل وبيت آمن!

والتفت نحوي التفاتة سريعة. كان الظلام يفصل بيننا، ولكنه أحاط ولا شك بهيئتي.

وسرعان ما أشاح عني بوجهه وقال وهو يمضي بنبرة غاضبة:

ـ عليك اللعنة»

تخبره المرأة، أن سبب رفضه أنه قابله بهيئته العادية، فيعود وقد ارتدى جلبابًا وطاقية وحذاء باليًا.

الثانية:

«ولما أزفت الساعة أقبل بقامته المديدة فتوثبت للعمل حتى حاذاني فدنوت منه وأنا أقول:

ـ عندي ما يسر العين وتشتهيه النفس.

فلوح بعصاه حتى تقهقرتُ مذعورًا وقال بامتعاض وسخرية:

ـ ماذا قلت يا صاحب السمو؟!»

تخبره المرأة أنه خاطبه كما يخاطب مرؤوسيه، فيعود إليه ويحدثه بصوت الذلة والانكسار.

الثالثة:

«ولما حانت اللحظة المرتقبة تقدمتُ بخفة وحنيت رأسي بذل وقلت بانكسار، ولكن بمرارة لم أستطع التخلص منها:

ـ عندي شيء طيب، في مكان محترم وآمن.

فمضى دون اكتراث بي، ولما هممت بإسماعه صوتي من جديد نهرني قائلًا:

ـ الأجدر أن تدعو الناس إلى المآتم!»

تلك المرة يفطن بنفسه إلى زلته.

 وبعد يأس من تكرار المحاولة، تخبره المرأة:

«إنك متوهم أنك صبرت بما فيه الكفاية، ولكن ما قيمة الصبر بغير الرضا؟ وقد أبديت إصرارًا لا بأس به إذ مَن كان يتصور أنك تقدم على ما أقدمت عليه؟ ولا تنس في النهاية أنك تسعى إلى اصطياد رجل ولا كل الرجال»

الرابعة:

فالتزمت موقفي حتى مر. ثم تبعته بخشوع وأنا أهمس:

ـ لا تدع فرصة العمر تفوتك!

فلم يلتفت نحوي ومضى. فتبعته بعناد وأنا أهمس:

ـ بيت آمن ويليق بجنابك..

وإذا به يسألني فجأة:

ـ أين؟

فقلت بسرور لم أجربه من قبل في حياتي كلها:

ـ عطفة السنبلة، البيت الثالث إلى يمين الداخل.

وكنا اقتربنا من الميدان فنادى سائق سيارته، ولما جاء مهرولًا، صاح به آمرًا:

ـ اقبض على هذا الرجل وناد الشرطي!

فوضعت راحتى على فم السائق باستماتة وقلت وأنا أنتفض كالمصعوق:

ـ كلا.. انتظر.. لست منهم.. أنا رجل محترم..

فأمره بإشارة أن يدعني وشأني وتساءل متهكما:

ـ محترم؟

فقلت وما زلت أنتفض كالمصعوق:

ـ إليك بطاقتي..

وتناولها وراح ينظر فيها ثم تساءل:

ـ كأنك محتال.

فاندفعت أقص عليه قصتي بصراحة كاملة مذ اجتاحني نشدان الأمان فأزاح بقية مطالب الحياة عن كاهلي. وصمت مليًا وهو يتفحصني على ضوء الشعاع الهابط من مصباح في الميدان، ثم قال ببرود:

ـ إياك أن تريني وجهك مرة أخرى!»

اسأل لمَ توقف الرجل المهيب تلك المرة، ليستفهم عن العرض رغم أن بطل القصة لم يقل سوى ما قاله في المرات السابقة؟ ولماذا طالبته المرأة أن يجمع في رجائه بين الصبر والرضا.

أفكر في الحكاية المضمرة للقصة كالتالي:

رجل على أعتاب المرحلة الأخيرة من عمره، يتوسل الأمان من الغيب وتقلباته بعد أن لم يعد يملك من القوة ولا الغرور أو القدرة أن يواجه ذلك وحده، مَن يملك إذن أن يعطيه هذا الأمان النهائي بلا حول منه ولا قوة، إلا صانع الغيب نفسه.

لذا قُدمت المرأة في أجواء أسطورية، كعرافة في يديها أوراق لعب، وسبق الوصول إليها مفردات كأمواج الظلام، ضوء الذاكرة الخفي، الغوص في العطفة، ولم يذكر لها اسمًا، إلا أننا نفهم أن بينها وبين بطل القصة ماض مشترك ومستمر، تصف سعيه في حياته كمَن يُساق بسوط محملة أطرافه بالرصاص.

لأن الله ومصير الإنسان وقدره أمور تشغل نجيب محفوظ، وتشغلني مثله، لأن وضع الأفكار السطحية عن التدين في مواجهة الفلسفة تشغله وتشغلني كذلك، لذا أتخيل ما يحدث كالآتي أن بطل القصة لا يعرض حقًا على الرجل العملاق كأسًا ونديمًا وبيتًا آمنًا، بل يعرض عليه ما حققه في مشواره كي يُجاب طلبه بالأمان، لكن في كل مرة يكون رده هو الحط مما حققه.

إذا كان لدى بطل القصة من الدنيا كأس ونديم جميل وبيت آمن، أي شهوة ولذات، سيكون الرد المنطقي من الرجل المهيب إذا ما كان يعني به الله هو أن يلعنه. عندما يعود إليه متخلصًا من الحلة الغالية، كخطوة في التضرع نحوه: جلباب وطاقية وحذاء بال، ثم يخبره أن لديه ما يسر العين وتشتهيه النفس؟  لذا يكون الرد المنطقي الممزوج بالامتعاض والسخرية: ماذا تقول يا صاحب السمو؟ في عين الله، أشياء الدنيا مجرد حطام يتناقض مع السمو الروحي الذي يطالب به الإنسان، والمكانة التي يريدها له.

يستقيم الحوار في مخيلتي شيئًا فشيئًا، لأني أفهمه كمزيج من تضرع إلى الله يحدث ببطء، من الثقة الكاملة كمَن يخاطب مرؤوسًا له إلى صوت منكسر متذلل، وعندما يقول له: «عندي شيء طيب، في مكان محترم وآمن». يكون أيضًا من المنطقي، أن يذكره بالموت: «من الأفضل أن تدعو الناس إلى مأتم».

كل ما يملكه ليس فقط غير كاف، لكن ربما غير ضروري للحصول على طلبه، المرة الوحيدة التي يستجيب له الرجل المهيب ليستفهم عن العرض، عندما لا يستخدم في مخاطبته، كلمات مثل لدي أو عندي، بل يقول له مباشرة: «بيت آمن، يليق بجنابك.» لا سرور ولا كأس ولا شهوات، بل بيت أُعد له قد يكون القلب أو الجامع أو التخلي عن المنجزات التافهة والتي لا يراها بطل القصة إلا أشياءً عظيمة والتي بسببها كان على استعداد أن يفعل شيئين: أن يعمل قوادًا، وأن ينكسر دون إيمان حقيقي.

لماذا يخبره بطل القصة الذي ربما أكون أعدت تخييله لتوي، أن ذلك البيت هو عند المرأة عند عطفة السنبلة، أي أن الهدف النهائي أيضًا ليس الله، بل الدنيا، يقيم حكمه النهائي بتسليمه للدنيا.

حسنًا.. إنها عملية صلاة ودعاء، أضع هذا في حسباني. لكن لما وصف عمله هذا بالقوادة؟

لأنه لم يسلم بالتخلي عن إرادة، ولا إيمان حقيقي، ما يحدث كشأن أي إيمان سطحي، أو علاقة الإنسان الانتهازية بما يعبده، هو في صلبه عملية إغواء وتسخير لقدرات المعبود السحرية من أجل رد الخوف وتحقيق مطالب دنيوية؟

لا ذلك الأمان أمانًا، لأنه غرب الإنسان عن ذاته كما يناجي بطل القصة نفسه، الذي انطلق يطارد الأشياء الغريبة عن ذاته، ولا ذلك الإيمان إيمانًا أيضًا. 

هل الأدب لغز ونحن محققون نتبع الخيط والعلامات من أجل أن نضبط القاتل أو المعنى المقصود بالضبط في ذهن الكاتب؟ لا.

يقصد كل كاتب معنىً بعينه أثناء الكتابة، وإلا لكان نصه محض فوضى، ينتج الحشو في أحوال كثيرة من أن الكاتب فقد خيط ما أراد قوله، فصار يتحدث عن أشياء عدة، أي لا شيء.

القراءة، الإحالات، أمزجتنا، مدى ثقافتنا، حالتنا النفسية تشاركه اللعبة بالقدر نفسه، لذا لا يقرأ شخص مثل آخر. قصة لا تفضي إلا لمعنى واحد لكل القراء هي قصة ضعيفة في الأغلب، حكاية قوية مكتوبة بإخلاص لقواعد الفن، تنتج ألف معنى. نحن شركاء بالقراءة، نتبادل حوارًا ليس فقط مع الكاتب، بل مع ما أيقظته الكتابة فينا من مخيلة.

أفضل القراءات أحيانًا ما كانت مغرضة، لا تعمل فقط على اكتشاف المعنى، بل توسيعه ومضاعفته (هل أقول تشويهه؟). في أوقات يصير ما تتطلبه منّا القراءة هو تمام الانتباه، وأحيانا غفلة حالم، إنصات دون أحكام، لا يهم اكتشاف المعنى القار في ذهن كاتبه، أحيانًا ما يتسرب إلى حدسنا، ويبقى غافيًا، حتى يطفو وحده.

***

هل كان يقصد نجيب محفوظ كل هذا؟ لا أعرف، ولا يهم. 

في الكلمات يكمن ما هو أكبر منا جميعًا، طريق إلى كينونة البشرية المشتركة، شديدة الاختلاف في المظاهر والسبل وردود الأفعال، شديدة الشبه في وعيها الجمعي وما تتعرض له من أسئلة أساسية لا تتبدل بتبدل العصور، بل تتجدد.

هل يهم ذلك السؤال حقًا أمام ما أيقظته الكتابة بمخيلتي، ما أوحت به من أسئلة ستواصل رحلتها الشائكة والمثمرة داخل عقلي كقارئ وكاتب وإنسان؟

ما نرثه من الأسلاف هو الأسئلة، ما نعيد اكتشافه كل مرة بشكل غامض زوايا جديدة لتلك الأسئلة.

لا أقترح طريقة القراءة تلك كسبيل وحيد للتعاطي مع القراءة، لأن لا طريقة مُثلى لشيء، التعريف الوحيد الذي أثق به عن القراءة أن عليها أن تشعر قارئها أي كان طريقة تواصله معها بالسعادة والتي ليست نقيضًا لدفعه للقلق والتفكير. ما أعرضه هنا هو طريقتي الخاصة في السعادة، حيث للنصوص الأدبية حياة تتجاوز موضوعها.

في السياق نفسه عندما لا تثير أعمال صعبة شيئًا داخلي لا أبذل معها أي جهد، أو عندما تدعي الغموض لأنها لا تملك شيئًا لتخفيه سوى خوائها وارتباك كاتبها، لا أسمح لها أن تخدعني، وكذلك أفعل مع الأعمال التي ليست إلا كلًا ظاهرًا لأن ليس لدى كاتبها شيئًا ليقوله أو أنه لا يثق في ذكائي كقارئ. لا أسمح له أن يهينني.

و#سلام. 

الحلقات السابقة من السلسلة:

استكشاف النمط الفريد #1

استكشاف النمط الفريد #2

استكشاف النمط الفريد #3

استكشاف النمط الفريد #4

استكشاف النمط الفريد #5

استكشاف النمط الفريد #6

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن