تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
استكشاف النمط الفريد | #6

استكشاف النمط الفريد | #6

#115 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: أحمد الفخراني 11 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

أثر الأدب بطيء، يأتي على مهله. والقارئ لا ينبغي له أن يكون متلهفًا، بل عليه القراءة والتأمل، أن يمنح النص وقتًا، أكثر من قراءة، بعض النصوص تستحق، خاصة إن كنا نريد التعرف على أسرار تفردها. تابعنا الكاتب أحمد الفخراني، عبر خمسة ديتوكسات، وهو يقرأ خمس قصص، ويحللها مسترشدًا بمحاضرات الكاتب الأمريكي جورج سوندرز عن قصص تشيكوف وتولستوي وجوجول وتورجينييف السبع. معتمدًا على أفكار سوندرز كدليل وقراءة متعمقة للقصص، ينقب الفخراني مستكشفًا النمط الفريد في كل كتابة، ويشاركنا الحكايات والأفكار عن القراءة والكتابة والحرفة. 

وفي السادس من «استكشاف النمط الفريد»، يقرأ الفخراني قصة «بحيرة المساء» لإبراهيم أصلان (1935 - 2012).

#قراءة #استكشاف النمط الفريد

يكتب إبراهيم أصلان وفق نظرية أرنست هيمنجواي، ما تقدمه القصة هو ما يحدث عند قمة جبل جليدي، وما تحتها، يُحذف ويُغفل. إن كان الكاتب لا يقول شيئًا سوى الحقيقة، ويعرف حقًا كل شيء عما أغفله سيملأ القارىء بالفطرة كل ما تركه الكاتب عن عمد من فراغات، أما إذا كان يغفل ما لا يعرف شيئًا عنه، فإن قصته ستكون عديمة القيمة. 

عندما أكتب لا أفضل طريقة هيمنجواي، وعندما أقرأ لا أحب نسخة أصلان من هيمنجواي، فقط لأنها لا تمثل اختياراتي، أما قيمتها، أو ما يُمكن تعلمه منها، فأدركه جيدًا، فالذائقة مرشد لطريقنا الخاص الذي لا ينبغي تعميمه، وهو ما ينساه القراء والكُتّاب أحيانًا، ما لا يعجبني قد لا يكون بالضرورة فنًا أقل، لكن فنًا لم يُكتب لي، أو لا أكتب على نفس مثاله، كل ما أملكه من حق هو ألا أضع أصلان على رأس قائمة كُتّابي المفضلين، لمَ إذن عليّ العودة إليه؟

التعلم من أدباء راسخين لا تفضل أسلوبهم، قد يكون عملية نافعة إذا تمت من آن لآخر، لأنها مرتبطة بالتخلي عن منطقتك الآمنة للكتابة، الشك فيما اطمأننت إليه من أساليب. لأنهم في النهاية رسخوا في ذاكرة الأدب لسبب أهم من ذائقتي.

للآخر، الذي يمثل في الكتابة الذائقة الضد، دور مهم، تمامًا كما في الحياة، نرفضه لأننا نستشعر خطر زعزعة ما نؤمن به، لكن الانفتاح عليه لا يعني بالضرورة أن نذوب داخل هويته، فدوره أفضل من هذا، ينبهنا إلى ثغرات هويتنا، اختبار نميز عبره ما الذي يصلح مما نعرفه للصمود وما الذي تجاوزه الزمن، تهجين يقوي زاوية نظرنا المحدودة التي نرى منها الوجود، عبر أفضل هبة طرحها علينا العالم، التنوع والكثرة والتعدد.

ما يُمكن تعلمه من أصلان، ومن خلال قصته المُختارة «بحيرة المساء»، هو الحذف، التركيز على المعلومات الدالة، والأهم الإنصات بلا أحكام، كي يتسرب إلينا ما يفوق أحكامنا الشخصية وينتمي إلى حكمة أعلى، فالكتابة الجيدة ربما لا تأتينا مما نعرفه، بل من ذلك الجزء الغامض والإلهي، الذي يُدعى الحدس، أي مما لا نعرفه، لذا فتمرين الكتابة الشاق والسري هو التحرر من شخصك، كي تتمكن من التعبير عنها.

تبدو «بحيرة المساء»، للوهلة الأولى، كأنها لا تتحدث عن شيء بعينه، محض ثرثرة لبشر يجلسون أمام طاولات قليلة تابعة لمقهى أمام كورنيش النيل.

أحاديث عفوية، لكنها بالطبع تتحدث عن شيء.

هذا الشيء يمكن رصده عبر تقنية النمط المتكرر، الذي تحدثنا عنه في الحلقة الرابعة من استكشاف النمط الفريد عند نجيب محفوظ في قصته «ضد مجهول».

الحديث الأول:

«قلت له إنني لو كنت أملك هذا المبلغ، ما كنت أتعبت نفسي وبحثت عن هذا العمل.»*

الحديث الثاني:

«أنت لا تتصور. منذ شهور وأنا أعاني من رغبة شديدة في أن يكون لي ابن. إنه إحساس غريب ولكني أكلمك جادًا. ثم ضحك وهو يواصل:« والحقيقة الواحد كبر. ستة وثلاثون عامًا. مشكلة.»

قال صديقي وقد ظهر عليه الوجوم:

مادام الأمر كذلك، تزوج.

سأتزوج. هناك قضية مرفوعة لو كسبناها فسأتزوج فورًا، سأتزوج أي واحدة، على شرط أن تكون حلوة.»

الحديث الثالث:

«منذ مدة وصلني أن المقابر الموجودة في باب النصر ستُزال.

أنت تملك مقبرة هناك؟

أقصد أنها موجودة من زمن بعيد جدًا. وأنا الموجود الآن من العائلة.

ابني وأمي وأبي مدفونون هناك. وعدد آخر من أقاربنا. وأنا لن أتمكن من نقلهم.

إن تحضير مقبرة أخرى يتكلف حوالي مائتي جنيه. تصور!»

ما يفعله أصلان بالضبط هو وصف ما يراه، لا يفعل ذلك اعتباطًا بالقطع، بل يتخير ما يناسب الدلالة التي يخفيها عميقًا تحت السطح، لكن دون أن يبدو ذلك ملوثًا برأيه القاطع والمُسبق. لأن كل كتابة في مبدأها وأثناء جمع مادتها لا تنشأ إلا عبر هذا الإنصات غير المتورط للكاتب لما حوله، أما الطريقة التي سيُعبّر بها عما أنصت إليه فعملية تختلف من كاتب لآخر.

ليست ثرثرة مجانية إذن، بل بشر تجمعهم محاولة تلمس متعة صغيرة وغير مكلفة أمام كورنيش، لكن فوق سماء جلستهم تحوم الأزمة وقد عُبر عنها من خلال  التأكيد على أن الجو حار. لا يلطف وجودهم في سهرة حلوة أمام النهر من قيظ الجو، ولا من غلواء أزمتهم الفعلية، الحق في الحياة، العمل، الحب، الزواج، بل الموت بكرامة. ما يحول بينهم وبين حقوقهم الأساسية، دائمًا مبلغ تافه على الأرجح، سواء كي يحصل أحدهم على وظيفة أو يتزوج أو ينقل موتاه من مقبرة إلى أخرى.

ما يحدث أن أزماتهم في بروزها الشحيح والهامس كأصوات ثرثرة عابرة انتقاها أصلان من فوق قمة الجبل الجليدي، تتسلل إلينا ببطء، لكن بعمق.

لكن كيف رُصدت؟ فلنعد إلى الفقرات الافتتاحية:

«في النصف الأخير من الليل، كان الجرسون قد وضع بضعة مقاعد على شاطئ النيل، ولم أكن أعرف أحدًا من أفراد الجماعة التي كنت منضمًا إليها معرفة وثيقة ولكن صديقي كان يعرفهم»

الأحاديث مرصودة إذن من قِبل راو مشارك لكن دون تورط، متفرج، مراقب، منصت، لكن دون أحكام مسبقة. ذلك الراوي وطريقة إنصاته هو النمط الذي يعنيني اكتشافه هنا. 

عبر حيلة صغيرة يؤكد أصلان على وضع الراوي كمتفرج «وكان معارف صديقي يجلسون إلى يساري مما جعلني أجلس منحرفًا بمقعدي ناحيتهم». وقبل أن ينخرط في القصة التي ترصد ثرثرة الجالسين، يؤكد على شيئين، رفضه لمشاركتهم لعب الطاولة، أو الإفصاح عن أزمته عندما يُسأل عنها، رغم أنه مأزوم مثلهم، لأنه كي يتمكن من الرصد الأولي على الأقل، عليه أن يكون كسطح النهر الذي يجلس قبالته «ساكن وفي لون الرصاص المصهور».

هذا هو المسرح الذي أعده أصلان قبل أن يشرع في بداية القصة التي نرى فيها أحاديث عابرة مكثفة، بين أشخاص مختلفين. لا أحد فيهم هو مركز القصة، لا يحملون أسماء بل سمات جسدية مميزة.

أفكر في درس مارسيل بروست، الذي لم يُكتب إلا من خلال ذاته «بإمكانك أن تكتب عن كل شيء شرط ألا تقول أنا».

يقول جورج سوندرز في كتابه A swim In a pond in the rain

«خارج الكتابة، نحن بشر، نفكر في الأمور ضمن النطاق الضيق الذي يعزز غريزة البقاء، لا نرى ولا نسمع إلا ما هو مفيد لنا، أفكارنا مقيدة وذات غرض محدود، أن ننجو. وهو أمر غير سيء بالكلية لأن ذلك أحيانًا هو ما يضمن لنا الازدهار والاستمرارية كبشر، لكن له ناتج آخر مؤسف: أن يختزل العقل اتساع الكون وتنوعه إلى جزء صغير منه: الأنا، التي تعيد سرد ما رأته وسمعته من وجهة نظرها المحدودة، تصبح تلك الأنا هي مركز ذلك الكون، كل شيء يحدث من أجلها أو عبرها، بتلك الطريقة ينشأ الحكم الأخلاقي: ما هو نافع لك هو أمر جيد ومقبول، ما يضرك أمر سيء. (الدب ليس طيبًا أو شريرًا إلا عندما يبدأ في مهاجمتك)

لذلك في كل لحظة من حياتنا تنشأ هوة وهمية بين الأشياء كما نظنها والأشياء كما هي عليه بالفعل، نواصل المضي في العالم الحقيقي من خلال أفكارنا الخاطئة التي اعتقدناها عنه. هنا ينشأ الخلل، ونرى كل ما هو ضد أفكارنا شرًا مطلقًا، نفوت الفرصة لفهمه، تلك هي الطريقة التي نتخيل بها الآخر، ثم نحكم عليه».

***

لديّ حكاية شبيهة، عادية وقليلة الشأن، إلا بما تمثله من لحظة إدراك ساعدتني على فهم شيء، وأسردها هنا لإيضاح الفكرة التي أرغب في شرحها. 

اعتدتُ العمل ليلًا، وكنت أبيت في تلك الأيام بمنزل حماتي بسبب مناسبة عائلية وبعد انتهائها، قررت هربًا من ازدحام المنزل مواصلة روتيني اليومي بالكتابة والقراءة، على مقهى قريب لا يغلق أبوابه، توقعت أن يكون هادئًا شبه خال من رواده، فالساعة قد قاربت الثانية صباحًا، لكني فوجئت بشلة كبيرة تخطى أعمار أغلبهم الخمسين، يجلسون على المقهى ويلعبون لعبة «بدون كلام» بصخب لن يسمح لي بالتركيز.

في البداية، ولأني ركزت على ذاتي المأزومة بهدفها، التي تظن أن الكون عليه أن يحول مقهى عمومي إلى مكان مثالي ينصاع فيه الجميع لرغبتي في العمل بهدوء وتركيز، كنت منزعجًا وغاضبًا من ضحالة هؤلاء الرجال الذين لا يجدون ما يفعلونه في تلك السن سوى ممارسة لعبة عبيطة على المقهى. تمنيتُ لو اختفوا. 

ما أن أدركت أن مشاعري اللحظية أكثر ضحالة وتفاهة مما وسمت به هؤلاء اللاهين، وبدأت الفرجة دون تورط أو أحكام، حتى انقشعت غمامة الأناني المتمركز حول ذاته، لأبدأ في رؤيتهم؛ انكشفت لي مناطق جمالهم ومثالبهم في آن. أدركت مثلًا من خلال مراقبة ما يظهر على قمة الجبل الجليدي، أنهم ممثلو مسرح محبطين، أن تلك اللعبة كانت تمرينًا لهم على الأداء، لذا كانوا يميلون إلى تعقيدها مقارنة بطرقنا البسيطة في لعبها، وأنهم موسوعة مدهشة لأفلام السبعينيات والثمانينيات التي لم أسمع عن بعضها من قبل، وأن لديهم ذكريات حقيقية معها مرتبطة بأطوار حياتهم المختلفة. من آن لآخر كانوا يمررون تحية لمَن شارك منهم كممثل في مشهد صامت في فيلم ذات مرة، هذا الكومبارس نادر الظهور، كان بطلهم. رؤيتي لنظرة الفخر الممزوجة بشيء من الخجل على وجه بطلهم مشهد لا يُعوض.

عندما مثلوا فيلم «حمام الملاطيلي» (1973)،  تصاعد النقاش عن المشاهد الجنسية «اللي أخدت من شبابهم راقات»، وعن دور يوسف شعبان الذي أدى دور المثلي في الفيلم ثم قارنوه بدور خالد الصاوي في «عمارة يعقوبيان» (2006)، وانتهوا للانتصار لأداء شعبان في نعومة أدائه وحركاته وتقمصه للدور بجرأة، قبل أن يسبوا الفيلمين والسينما التي تعرض «الحاجات الوسخة» ليبرز تناقض بين حبهم للفن لذاته وممارسته بروح الهواة دون أمل، وبين رؤى أخلاقية محافظة تتساءل إن كان على الفن أن يتكلم عن كل شيء بحرية؟

ما أن عدت إلى البيت حتى سجلت ما رأيته بارزًا من فوق قمة الجبل الجليدي بسرعة، حتى أعود إليه كنص يمكن لي أن أكتبه ذات يوم.

أمر يشبه السحر، وعندما يحدث لنا أثناء الكتابة فإنه يؤكد أن العقل الذي نستخدمه كل يوم ليس سوى جزء بسيط من عقلنا الحقيقي، أن ما يظهر من ذلك الكاتب، الإنسان العادي في الحياة اليومية بما يعانيه من قلق وتخبط وتوتر، ليس سوى قمة جبل الجليد المبتذلة العادية والمحدودة.

*** 

تنتهي القصة بهذا المشهد، حوار بين الصديق المتورط في الحكاية والمتفرج المُنصت، تعقيبًا على حكاية الرجل الذي لا يستطيع نقل مقابر أهله من المنطقة التي ستزيلها الحكومة بسبب 200 جنيه.

«ماذا قال لك؟

مَن؟

هذا الرجل.

لماذا؟

إنه مجنون.

كيف؟

ألم يحدثك عن المقابر التي ستُزال، وعائلته التي لن يتمكن من زيارتها؟.

نعم.

إنه لم يترك أحدًا إلا قصّ عليه هذه الحكاية. هل تعتقد أننا تأخرنا؟

وهنا تذكرت أنني لم أودع الرجل. فالتفت خلفي محاولًا أن ألقي عليه نظرة أخيرة. كان الشاطئ خاليًا تمامًا، وجدت السماء صافية والقمر غائرًا فيها، والجرسون واقفًا في الضوء المنبعث من مدخل المقهى يفرغ المياه بإناء صغير من الثلاجة الكبيرة الباهتة التي كانت موضوعة تحت شجرة متوسطة الحجم. وراحت المياه التي يلقي بها تكون بحيرة صغيرة في حضن الطوار.

ولم يكن الرجل على مقعده، بل كان واقفًا هناك على الشاطئ في أعلى الجسر المنحدر، وكأنه جزء من الركود الرمادي الذي ذابت فيه المنطقة. تأملته طويلًا. لم تصدر عنه أية حركة. كان فقط واقفًا يتبول، وساقاه منفرجتان، ورأسه مدلي إلى أسفل»

الصديق هو نحن في حالة الرفض والحكم المُسبق، الذي لن يتمكن من استقبال الحكاية أو فهمها، الذي يبدأ من معرفة مسبقة. أما الراوي، فهو مَن يفكر أنه «لم يودعه»، أو بمعنى آخر لم ينظر إليه بما يكفي، هذا ما يفعله راوي أصلان، عندما يلتفت خلفه. ما نراه في المقطع الأخير من خلال بث مناظر الطبيعة كالشجر والسماء والقمر، مشهد للراوي لا للرجل، وهو يواصل الفرجة والتصنت عميقًا على الكون، متطلعًا إلى ما لا يعرفه.

يخبرنا جورج سوندرز أن «المراجعة والتحرير هي فرصة لحدس الكاتب أن يصل لأفضل طُرق التعبير عن نفسه، وإلى الحكمة فوق الشخصية والتي تتجاوز ذاته، متخلصًا من أحكامه الأخلاقية والوعظية، فعملية إنتاج الفن أكثر جمالًا وغموضًا وألمًا من أن يكون لدى الفنان شيئًا ينوي التعبير عنه، ثم يقوم بتحويل نيته إلى نص مكتوب ببراعة من المرة الأولى، لكنها عملية مركبة، نستسلم ربما لحدس ما، ومن ثم نقوم بتصحيح هذا الحدس مرارًا وتكرارًا عبر التحرير والتصحيح المستمر للنسخة المكتوبة.»

***

عندما نكتب: «س. رجل حقير.» ثم نعود إلى قراءة الجملة ندرك شيئًا، أن تلك الجملة تفتقر إلى التحديد ولا تفسر لمَ اعتبرناه رجلًا حقيرًا؟ نراجعها فتصير: «انفجر س غاضبًا في وجه نادلة المطعم عندما تأخر طلبه،» أسأل نفسي باحثًا عن مزيد من التحديد، لمَ فعل «س» ذلك؟ 

أعدّل الفقرة: «انفجر س بعصبية في وجه نادلة المطعم، التي ذكرته بزوجته التي ماتت قبل عامين»، ثم أتوقف وأضيف: «التي يفتقدها بشدة، خاصة اليوم، ذكرى زواجهما.»

في أثناء تلك العملية، يتحول «س»، من رجل حقير إلى أرمل حزين، لذا تغلب عليه الحزن لدرجة أنه تصرف بشكل غير لائق مع شابة كان في العادة سيكون لطيفًا معها. 

ما بدأ كرسم كاريكاتوري لشخص نكتب عنه بازدراء، تغيّرت نظرتنا تجاهه، فصار أقرب إلينا، أصبح النص أكثر انتباهًا ووعيًا بـ«س»، لا يحدث ذلك لأننا نحاول أن نكون أشخاصًا طيبين، بل لأننا شعرنا بالاستياء من جملة سيئة، كان «س رجلًا حقيرًا»، وسعينا إلى تحسينها، لكن أيضًا الشخص الذي كتب أن «س يفتقد زوجته»، هو شخص أفضل من الشخص الذي كتب «س رجل حقير». نكون أكثر محدودية وعنادًا وتفاهة خارج الكتابة، لكن داخلها نكتشف إنسانًا أكثر ذكاءً وظرفًا وصبرًا وربما أكثر مرحًا، نظرته إلى العالم أكثر حكمة.

سنعرف ما نؤمن به حقًا عندما نراقب تلك التعديلات الصغيرة، التي لها منفعة أخرى، فمع كل اختيار مهما كان دقيقًا، تتخذ القصة نمطها الفريد الخاص بها، وتنكشف طبيعتها الأساسية التي ستميز كاتبها عن الكُتّاب الآخرين، وبالتدريج تبدأ القصة في أن تصبح شيئًا لم أكن أتوقعه عندما بدأت، أفضل وأكبر من تصوري المبكر عنها.

أترجم هذا الجزء بتصرف بسيط مني:

إنهاء القصة بهذه الطريقة يذكرنا بأن هناك جوانب قابلة للتحقيق في أنفسنا لا نصل إليها عادة في الحياة الحقيقية «تتحول فكرة الحرفة في الفن، من قواعد آلية ووصفة ينتحلها المقلدون» إلى ما يشبه الصلاة، شكل من أشكال الطقوس التي تساعدنا على التوسع في إدراك الذات والكون.

و#سلام.

*الكتابة بالخط المائل من قصة إبراهيم أصلان «بحيرة المساء».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن