استكشاف النمط الفريد | #2
#105| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
الأدب مادة لا تعمل إلا حين تُقرأ، مع القراءة تحيا، وعملية الإحياء هذه تحدث في رأس القارئ، الأمر لا يرتبط بجديد إصدارات الأدب، بل يمكن إحياء الكلاسكيات، أو أدب صدر في منتصف الستينيات لأن أحدًا قرر أن يقرأه بحثًا عن نمط فريد يميز هذا الأدب، وهو ما يتابع الروائي أحمد الفخراني استكشافه في قصة يوسف إدريس «لغة الآي آي» هذا الويك إند.
[لقراءة الحلقة الأولى من «استكشاف النمط الفريد»* يرجى الضغط هنا]
#قراءة #استكشاف النمط الفريد
الكتابة والقراءة صنوان، وسؤال كيف تكتب قصة، يبدأ من كيف تقرأ قصة. للسؤالين إجابة واحدة: كيف تنصت.
قصة «لغة الآي آي» (1965) والتي يستحق بها يوسف إدريس أن يطاول كبار كتاب القصة الكلاسيكيين في العالم، هي قصة خاصة في مشروعه بدأت شرارتها من صراع أصيل داخله: النجم الكبير الذي أفقدته نجوميته القدرة على الاتصال بآخر، الإنصات له وللكون، لكن عبر تلك الأصالة يتوجه خطاب قصته لنا جميعًا.
ميزة إدريس (مواليد الشرقية 1927-1991) بشكل عام هي فجاجة الموهبة، لم أخطئ في التعبير، ذلك ما يمنحه فرادته وحيوية لغته الممزوجة ببكارة الريفي ومثقف المدينة، صراع يُشار إليه في تلك القصة بوضوح وينتصر فيه للريفي من حيث الطزاجة والقدرة على التعبير بلا حسابات مَن صار نجمًا. أما في الواقع لقد انهزم في النهاية لصالح النجم. حتى أن بعض قصصه تبدو كأنها تصل إلى قمة هذا الفن، عبر صدفة الموهبة وشرارتها الحية، بينما يصل بعضها الآخر إلى قاع الرداءة بإصرار نجم يهوى.
ما يعيق كاتب، قارئ، إنسان، عن ذلك الإنصات العميق هو ذات نرجسية متضخمة، نظن أنها في لحظة أهم من الكون ذاته، كل ما نظنه أعظم من الفن، من قراءة الكون، هو تافه في جوهره. وفي الأدب تفسد تلك الذات قصصًا جيدة، تنتج روايات متضخمة مع افتقاد ضرورة الضخامة التي لا أعارضها إن كانت كل كلمة بها لها مكان ووُضعت لضرورة.
في «لغة الآي الآي» والتي أنصح بقراءتها أولًا، تتناثر الدروس التي يمكن تعلمها عن هذا الفن:
- كيف تخلق التصاعد في القصة؟
- كيف تصنع عملية التحوّل من نقيض إلى نقيض في شخصية البطل، لتكشف له عبر وطأة موقف ضاغط حقيقة ما أخفاه عن نفسه عبر تراكم طبقات من الزيف على معنى حياته.
لكن الدرس الأهم بالنسبة لي هو كيف تحفر بروح قارئ شيئًا لا يُنسى، بحجم صرخة عذاب واستكشاف لغة غامضة مطلسمة، لغة الألم؟ كيف حوّل طاقة الألم المزعجة القاصمة، إلى نور عذب مصاحب، يتجاوز قراءة قصة إلى إدراك طريقة مُغايرة للاتصال بذاتك والعالم.
كيف ورطك يوسف إدريس، عبر مهارة الفن وحدها، فصرت شريكًا في لعبته الفنية، فلا يغادرك هذا الأثر بعد الانتهاء من القراءة؟
يحدث السرد في «لغة الآي الآي» عبر تتبع معقد ومتقن لصرخة تعمل كضربات معول، حركة إلى أسفل، حيث أعماق البطل فتسمح له بالغوص ومن ثم المرور بتحولات، وإلى أعلى (حيث تُهال تراب طبقات الزيف بعيدًا) فيتصاعد الموقف بالغًا ذروته حتى يصل إلى الكشف النهائي، ستصير الصرخة مع تقدم السرد أكثر تحديدًا: آهات ولغة مطلسمة لألم عظيم، سيتمكن بطل القصة، وشريكه القارىء المنتبه، من فهمها.
يقول جورج سوندرز في كتابه A swim In a pond in the rain، والذي كانت قراءته شرارة ملهمة للكتابة عن فن القصة: «إذا ما فكرنا في القصة كخط زمني، سنجد أن ذلك الخط يتحرك عبر دفقات صغيرة تدريجية، تمثّل كل عدد من الدفقات وحدة، لكل وحدة هدفين:
- أن تكون ممتعة في حد ذاتها.
- أن تدفع القصة إلى الأمام بطريقة ذات صلة بباقي وحدات القصة.»
هكذا سأقرأ «لغة الآي آي» عبر تتبع الدفقات التدريجية، التي تمتد على طول القصة على هيئة صرخات وآهات، وهل أجد تشبيهًا متجسدًا أكثر عن معنى الدفقة من صرخة وآهة لا تشبه واحدة منها الأخرى، بل تدفع كل مرة السرد إلى الأمام، صانعة تصاعدًا متقنًا وهادئًا إلى الذروة تتم خلاله عمليتا التحوّل والكشف.

ثلاث صرخات
الصرخة الأولى:
مجهولة المصدر، تسبق ظهور الشخصيات، نافيًا عنها صفة الآدمية، أو حتى صرخة الحيوان، بل كجماد يتحطم، ينكسر، يتدشدش، وعبر وصفها بالأولى، تدرك أنها محض نذير لصرخات قادمة متتالية.
يؤجل ظهور الشخصية الرئيسية، ليصف المحيط الذي هبطت به أولًا:
«المنزل الهادئ المظلم الفاخر الإظلام، السابح في سكون مسود، تلمع فيه حواف الموبيليا الأنيقة الموزعة بعناية وذوق، بيت ساكن نائم يرفل في رائحته الليلية الخاصة التي تميزه عن أي بيت وفي الحي المترف الذي تتثاءب نوافذه وأضواؤه واحدة وراء الأخرى ويؤوب إلى الرقاد على ضجة المدينة ووسطها المستيقظ كغمغمة غارق في الأحلام.»**
عبر استخدام النقيض: السكون، النوم، الظلام، غمغمة الأحلام، يتعاظم أثر الصرخة.
هذا البيت، داخل الحي المترف ليس معزولًا فقط عن الصرخة الغامضة، بل عن ضجة المدينة، فحتى نوافذه وأضوائه نائمة، لا يصله من الضجة إلا غمغمة في حلم، وعبر وصف بسيط «السكون المسود» يمنحها بعد الصوت لونًا، لا تصير الصرخة فقط نقيض السكون، بل نقيض الغفلة والظلام أيضًا، تصير ضوءًا.
ليس هناك ما هو أسرع من الصوت والضوء، لذا كان عليه أن يبطئ من سرعتهما، عبر وصف بلا أحداث، فيصنع للصرخة أثر التسلل.
لم يتخير لوصف المنزل سوى «حواف الموبيليا» التي يشق لمعانها ظلمة النوم، الشيء الوحيد الذي يلمع في ذلك السبات هو الجماد، أي الموت، أثر الكلمات التي التقطناها من وصف إدريس.
يصير للصرخة إذًا غرضًا واضحًا: أن تضيء ظلمة وتوقظ موتى لا مجرد نيام.
لكن ما الهدف من تلك الحيلة؟ هل خلق الغموض فقط، أو أن يخبرك أن الصرخة هي خيط القصة الذي عليك تتبعه.
كل هذا.
لكن لديه أيضًا هدف أبعد: إزعاجك كقارئ، أن تستقبلها بمفردك، بالطريقة نفسها التي تستقبل صرخة، لا يعنيك لأول وهلة مصدرها، كل ما تريده هو أن تخرس. يحتفظ بها كمصدر إزعاج لأطول فترة ممكنة مؤجلًا في الآن نفسه كل ما يؤهل تلك الصرخة أن تصير مصدر فهم أو تعاطف.
لا نعرف حتى ما المزعج بها. لدرجة أننا نقاوم التفكير بسببها: خرق للسكون؟ أم أنها تذكرة لنا بأن الألم شيء أكبر من قوانا «له يدا عملاق خرافي القوة وبنية صارمة لا رحمة فيها» لا يوحدنا شيء تحت سطوته سوى قوى مجهولة عاتية. هذا إذًا أكبر من مجرد ألم.
صرخة عمومية، قادمة من كل مكان و«غريبة عن الحي» تتحول إلى «طعنة ملتاثة»، وعندما يكسوها لحمًا إنسانيًا يجردها في البداية عبر حنجرة وطبلة أذن يتمزقان، صارخ ومصروخ فيه.
لا، لن يظهر مستمع بعد، ليتلقاها عنك. مازلت بمفردك.
إنه يشركك معه خطوة بخطوة، بعد الرغبة في أن يتلاشى مصدر الصرخة، يمرر الفضول في معرفة مصدرها، هكذا تتسلل الصرخة عبر ألم الصوت وتوتر الفضول تحت جلدك، لتخرق أذنك وتمزق سكينتك، وتطعن روحك. لأن هذا هو المقصود بالضبط.
في الواقع، الصرخة هي الشخصية الأولى التي تظهر في القصة، أنت -أول مَن استمع- الشخصية الثانية.
هكذا ورطك.
لكنكما ما زلتما شيئان مجردان غامضان، في حاجة إلى تجسيد. سمات تجعلكما أكثر تحديدًا، من صرخة ومستمع عمومي. يظهر بطل القصة أخيرًا والذي «دونًا عن سكان الحي والبيت، بدا كأنه الكائن الوحيد الذي سمعه»، مثلك تمامًا مازال: الوحيد المؤهل لسماع الصرخة عبر الشروع في القراءة وحيدًا وبانتباه.
ما سيحدث الآن:
سيفصّل ما مررت به أنت أولًا، عبر بطل القصة، وسيمعن في أن يُبطئ من الألفة بينك وبين الصرخة، فيظل «الصوت مفاجئًا، يسبب قشعريرة، خوف طفل مذعور، يفتح العينين إلى آخرهما» محولًا اليقظة إلى قلق وعاصفة واضطراب.
بعدها يعقد الصلة بين بطل القصة الذي لم تتضح معالم كافية عنه بعد وبين صوت الصرخة: «إحساس بالذنب، والمسؤولية التي تقع بأكملها على عاتقه»
وسينهي فقرة الظهور الأول لبطل القصة بغلبة رغبة تلاشي الصرخة على الرغبة في فهمها، «ولا بد أن يكون الصوت الجديد من صنع القادم الجديد حتى ولو نفى عقله بشدة وأبي أن يصدق.
ولم يشأ أن يفكر أكثر، مجرد صوت وحدث، المهم ألا يعود يحدث.»
لم يحل التجسيد أزمتك بعد، بل ورطك أكثر. فمصدر الإزعاج لم يكن الصرخة، بل الصلة، الشعور بالذنب، كأن النائم هو المتسبب في الألم، ولأنه استمع وحده «يقع عليه التحمل للنهاية» ومجددًا عبر لعبة التناقض يعظم من أثر الصرخة، فبعد أن استعرض الشخص الذي استيقظ، رسم الشخص الذي لا يأبه ولا يرغب في أن يسمع، الزوجة ذات «الإرادة النائمة.»
الشيء الثاني الذي نعرفه عن الزوجة: أن استيقاظها، سيزيد من ارتباكه، فالصدع الذي خلقه إدريس في الشخصية، هو الصراع بين الرغبة في سكوت الصرخة والرغبة في فهم مصدرها، الزوجة والبطل شيء واحد، إنها الصوت النائم، الأناني فيه.
الصرخة الثانية:
عندما تأتي الصرخة الثانية، سيتغيّر الوصف من جماد إلى صوت مقدس سماوي «وشوشة غامضة حدثت، اندفع منها إلى أعلى فجأة صوت كالطوفان الهادر العمودي له وقع العظام نفسها وهي تسحق وتتدشدش، صوت أقرب إلى رعد تنفثه السماء في ماسورة مكتومة، ما لبثت أن فتحت وسلكت في استغاثة راعدة مولولة ممدودة يخاف صاحبها أن ينهيها وكأنما الموت عند نهايتها.»
حصار. إنها صرخة صاعدة من قلب الأرض هابطة من السماء، مكتومة، كشأن كل ما يشتعل أسفل الأرض كالبراكين، كل ما تكتنزه السماء في الغيم، تصير الاستغاثة كونية، لا يمكن حتى للزوجة النائمة ألا تسمعها. لكنها أيضًا تظل صرخة مجهولة المصدر.
تلك المرة أثرها يختلف، رغم أنه يرتجف عندما سماعها لكن ليس خوفًا منها تلك المرة، وإنما من معناها المجهول والمروع.
تستيقظ الزوجة، لكنها على عكس زوجها تستقبلها بما هو أكثر من الخوف: الهيستيريا، والتذكرة أن الصوت الأناني كان على حق.
أما الزوج فما زال في حالة الإنكار، بل يقزم الصرخة كما سمعها حقًا إلى «مجرد آهة.. آهة ستمر، ويعود كل شيء إلى سابق عهده» ويؤكد لنفسه «أن الصرخة الثالثة لن تجيء»
بعدها يحدد سمات العلاقة بزوجته، وهي علاقة يشعر فيها بالدونية: مانيكان جميلة شديدة الاعتناء بجسدها، في مقابل روح عجوز تمتلئ بالتجاعيد، أصلع، ضعيف النظر، والأهم: لديه مشاكل بينه وبين النوم لم تحل (الفجوة التي تستقبل الصرخة وتنشئ الصراع)
الاثنان فقدا القدرة على التواصل عبر الكلام، تقريبًا لوجهات بين النظر، نعرف الآن سبب خوفه وخضوعه لها.
الصرخة الثالثة:
ستجئ هذه الصرخة، ولن يعود شيء إلى سابق عهده، لكن تلك المرة يحدد مصدرها: من المطبخ.
لن تعود مجرد صرخة غامضة، لها طبيعة الجماد أو المقدس، يبدأ أولًا في إعطائها صفة الحيوان: «مواء كمواء القطط،» ثم «كصفير معذب لإنسان: غاضب، كافر، مستغيث، بائس، مؤلم، زاهد.» ثم يصف أثرها: «لاسعة النار، كاوية كصبغة اليود في الحلق، حارقة كآثار الحامض المركز.»
إنها تميته، تحرق أحشائه، لكنها أيضًا لها أثر التطهير.
وتمامًا كما أجّل ظهور المستمع إلى الصرخة، سيؤجل ظهور الصارخ، لن يفعل قبل أن تتشرب ذلك الأثر الكاوي في روحك أولًا، وكالزوج عندما يحل الصمت سترى فيه «الحل الشافي كالمعجزة»
رد الفعل الوحيد الذي يظهر هو للزوجة التي تسمع تلك المرة بأثر «قوة قاهرة» ترتجف وتقترب من زوجها، وتستغيث صارخة لا تخرج أمام هول ما سمعته. ثم ينكشف موقف الزوجة بالكامل: لا بد من طرد المتألم من الشقة، فليحترق الصارخ، كل ما يهم أن يصمت صوت ألمه: «ماوديتوش لوكاندة ليه .. ما سبتوش يتحرق مع أهله ليه» [تقول الزوجة]
ظهر الموقف الأساسي للقصة: صرخة من رجل متألم، رجل متوتر بين صراعين: محاولة الفهم أو حرق الصارخ، الزوجة هي نقيضه، هي هو في النسخة الغافلة.
بعد أن سكنت الصرخة داخلك، أنت الآن شديد الالتصاق بالشخصية. حتى صرت هي، لكنها أنت في حياة أخرى، للشخصية ظاهريًا سمات مختلفة وشديدة التحديد عنّا، لكنا عندما يصف عقلها، كأنه يصف عقولنا نحن.
تلك هي اللعبة الأخطر والأهم لأي كاتب.
ما الذي نرغب في معرفته أكثر؟
سيتوقف الصراخ لفترة من أجل تقديم إضاءة أوضح لكل ما ظل غامضًا وغير مُفسر في المشاهد الأولى، تحديدًا بعد ثلاث صرخات، كأنها نهاية نذير ومقدمة لطوفان، لكن ذلك التقديم هو المفتاح كي يجعل من كل تحول سيحدث بعده منطقيًا. لم يفوت إدريس شاردة تجعل من القرارات التي ستتخذها الشخصية غير مبررة. درس في بناء القصة ورسم الشخصية.
سنتتبع ذلك المقطع الهام، عبر الأسئلة التي سبق له أن أثارها.
مَن هو الزوج؟ وما النقطة التي يرى منها العالم قبل بدء التحول؟
الدكتور الحديدي أكبر مرجع في الكيمياء العضوية في الشرق، رئيس مجلس إدارة شركة كبرى ومرشح للوزارة وعضو في عشرات اللجان والهيئات العلمية في الشرق والغرب. من قرية فقيرة تدعى زينين، كف عن مساعدة أهلها الذين يلحون عليه بالمطالب كي يتفرغ لطموحه الذي لا يُحد، وبرر لنفسه الأمر بأنهم يجذبونه إلى أسفل «وكأنما لا يطيقون رؤية البارز العالي ولا يستريحون حتى يبرك مثلهم ويعجز»
غالبًا ما تبدأ الشخصيات القصصية من تلك النقطة: اعتناق معنى مزيف. أمر يضعنا أمام مسارين محتملين: أن يستمر في هذا الزيف، أو تنقض التحولات في القصة طبقات الغشاوة المتراكمة، ليلامس حقيقة أخرى أكثر عمقًا. من تلك الفكرة ينشأ التصاعد.
السمة الأخرى التي نعرفها عن الحديدي أنه انتهازي، وأن المشكلة التي تحول بينه وبين النوم هي تدبير حيلة قذرة لإجبار المدير العام على الاستقالة كي يواصل ماراثون طموحه.
ما الذي تغيّر في ذلك اليوم؟
موقفه الأساسي هو التخلي عن مساعدة أهل قريته، والذين لا يراهم إلا كقطيع متماثل لم يعد في استطاعته تمييز فرادتهم، فيصفهم بوصف واحد مبتسر «ومن باب الحجرة دخل ثلاثة أو أربعة أناس من حجم قصير تخين واحد... كتلة بشرية منكفئة على نفسها.»
لكن عندما جاؤوا إليه في ذلك اليوم كي يساعدهم على إدخال أحدهم عبر نفوذه إلى المستشفى، وأن يأويه في منزله لليلة واحدة، يوافق، رغم أن رد الفعل الطبيعي له أن يرفض.
ما تغيّر في ذلك اليوم هو أن المقصود بالمساعدة شخص مميز في حياته، صديق الطفولة القديم، لكنه ليس مجرد صديق.
مَن هو الصارخ؟ وما علاقته بالشخصية الرئيسية؟ ولمَ يصرخ؟
فهمي زميل دراسة الحديدي في فترة طفولته بالقرية، أكثر ذكاءً منه، وكان الجميع، بما فيهم الحديدي، يتوقعون أن يواصل فهمي التفوق في المستقبل كرجل. كان الحديدي يشعر نحوه بالمهابة ويثير داخله شعورًا بالمنافسة يحفزه أن يتخطاه. لم يره مجددًا إلا بعد أن تحول الطفل النظيف بالغ الذكاء والذي توقع له مستقبلًا باهرًا إلى «عجوز محطم، مثني على نفسه مظلم القسمات كالأرض البور، مطفأ العينين لضيقهما كشريط اللمبة حين يحمر من تلقاء نفسه ويقصر ويحترق لدى فراغ الكيروسين» فأحس «بفجيعة ذات طعم خاص»
نعرف أيضًا عن فهمي أنه مُصاب بسرطان في المثانة، مرض قوي يقابل الوصف الذي ألقاه إدريس في البداية عن ألم يتحكم فيه عملاق خرافي لا سيطرة لنا عليه. يأتي مع عائلته كي يطلبوا من الحديدي أن يستخدم نفوذه كي يجد لفهمي مكانًا في المستشفى، وأن يقضي عنده ليلة واحدة حتى يأتي موعد ذهابه.
هكذا نفهم لمَ اختار إدريس هذا الشخص تحديدًا، وذلك اليوم ليحدث فيه التساؤل الحاد الذي يفضي إلى تحول منطقي.
السمة الأهم في النسخة الحالية من فهمي، ليس تحول هيئته إلى هيئة رثة معدمة، بل ميله العام إلى الصمت، حتى أنه لا يرد إلا بكلمات قليلة مبتورة، لأن اللغة الوحيدة التي وجد من أجلها في القصة والتي عليه أن يتحدث بها هي لغة الآي آي.. أي الألم.
ما يمهد هنا، هو بداية إدراك أن المواقع في الحياة لعبة حظوظ، قد تتبدل في أي لحظة، كان للحديدي أن يكون فهمي، ولفهمي أن يكون في مكانة الحديدي، أن شيئًا لا يمكن أن تغيّره لعبة حظ يجمع بينهما: أخوة الانتماء إلى البشرية. كما أن ظهوره يجبر الحديدي على تذكر طفولته: حقيقته الأولى.
لكن قبوله مساعدة فهمي لا يمكن أن يكون نقيًا بدافع الإحساس بالدَين أو الصداقة القديمة (فهو لم يتغيّر بعد عن كونه رجلًا أنانيًا وانتهازيًا) ففي الحكاية التي لم ترو عبثًا عن سبب تسمية صديقه بـ«فهمي أبو عنزة»، نعرف أنه في طفولته سرق عنزة ليشتري دواءً لفقير محتاج، فالتصق به الاسم وكذلك صفة الشهامة في وعي الحديدي، قبوله لإيوائه في منزله لليلة واحدة، ليس شهامةً، بل إحياءً للمنافسة القديمة، إذا كان فهمي شهمًا سيكون الحديدي أكثر شهامة.
لم يفت إدريس أن يجد المبرر لإقناع زوجة الحديدي، عفت، التي ستعارض حتمًا إيواء فهمي في المنزل، فيصطحبها الحديدي إلى مسرح اختصارًا للوقت الذي عليها أن تقضيه في البيت أثناء وجود فهمي.
دون دقة ذلك المقطع، في رسم الشخصية وبناء العلاقة وتعزيز توقعات بعينها، لما صار لدينا أي شيء لتصديقه لاحقًا، كل عنصر في مكانه، كل شيء تمّ التفكير فيه.
يقول جورج سوندرز:
«في قصص كاتب متوسط، بعض الأطباق تسقط وتتحطم، شعاع شمس يأتي من النافذة دون غرض مفيد للقصة، فقط لأن ذلك يحدث في الحياة الواقعية أو أن الكاتب رآه يحدث في الطبيعة، من الممكن أن يكون ذلك ممتعًا في حد ذاته، ويضفي شيئًا من الحياة على قصتك، لكنه لا يتقدم بالقصة بطريقة ذات صلة بما ترويه.
عندما يتقدم السرد ويستخدم الوصف بطريقة ذات صلة وهدف مرتبط بباقي أجزاء القصة، تحصل على كل ما أردت: لمسة الحياة، وتطور الشخصيات التي تدخل المشهد في حالة وتخرج منها في حالة أخرى. تصبح القصة أكثر خصوصية وتصقل السؤال المطروح طول الوقت؟ ما الذي يحدث في القصة؟ ولمَ؟
كل عنصر يجب أن يشبه قصيدة صغيرة، مشحونة بمعنى دقيق مرتبط بالغرض من القصة.»
الصرخة الرابعة:
بعد انتهاء الصرخات الثلاث (النذير) يقرر أن يغلب الرغبة في الفهم على الرغبة في إسكات الصرخة، فيتجه إلى مصدرها بالمطبخ، فتتحول إلى «آهة صارخة ثاقبة كعشرات من الإبر الحادة المسمومة انطلقت في كل اتجاه» هكذا يُعاد تشكيلها باقترابه: إلى شيء أقل عمومية وأكثر تحديدًا.
المطبخ يتحول بلمسات بسيطة في الوصف، إلى مغارة مظلمة، تنطلق منها «رائحة خائفة حامضة قابضة نفاذة.» رائحة جنينية.
عبر شلل الخوف الذي يصيب أصابعه عندما يحاول إضاءة النور، ويرفع من توتر القرار.
صوت ورائحة، لكن بقرار إضاءة النور، التغلب على الخوف لصالح شجاعة التحديق، يكتسب الألم ما ينقصه: صورة وحركة. شيء حقيقي يقل غموضه كجماد وكمقدس، يتجسد فيصير حقيقة قاصمة لكن يمكن التعاطف معها:
«عاريًا تمامًا ليس عليه إلا فانلة مهرأة ، رأسه يتحرك في كل اتجاه عيونه الميتة المطفأة تقدح بشرر أبيض دائبة الحركة في محجرها تبحث عن منقذ ومخلص.. يجثو ويحفر الأرض بأظلافهَ.»
لغة الألم
بعد أن صارت الصرخة آهة، بعد أن اكتست بالصوت والرائحة والصورة والحركة، بالجسد والروح والدماء، ما الذي ينقصها لتكتمل آدميتها؟
لغة.
ما الذي ينقص اللغة؟
أن يفهمها أحد.
كل دفقة من تلك اللغة الغامضة ستدفع الأزمة إلى الانفجار والكشف، بل سيكف غموضها وتصير مفهومة.
«أي ياي ياي ياي ياي ياي ياي»

تلك هي لحظة المواجهة الأخيرة بينه وزوجته التي ستفر مذعورة إلى غرفة النوم (حصن الغفلة)، حتى تنتهي الصرخة. سيحاول احتوائها (أدرك أنه لا يمكن له أن يجبر الصرخة على الصمت، لكن بإمكانه أن يخرس صراخ صوته الأناني) يتحايل أولًا عبر طلب المساندة في الموقف الضاغط، لكن الزوجة، تلح على التخلص من فهمي بأي طريقة.
«و و و و و ه يييييييـــــــه»
لغة غامضة، لأنها لم تفهم بعد، لكنها ستصير أليفة تدريجيًا.
«- إيه ده ، ده مش بني آدم، دول عفاريت، دول جن.
شيئًا فشيئًا بدأ الحديدي يحس أن ارتباطه بحجرة النوم وبالزوجة التي يحتضنها ويسكنها بالبيت والحاضر كله تضعف وبتوتراته تتراخى وبوجدانه يستحيل إلى بحيرة هائلة ملساء على استعداد لاستقبال أدق الرذاذ الصادر عن فهمي.»
لحظة التحول، اتخاذ القرار تأتيه أخيرًا، عبر إصرار الزوجة على نفي صفة الآدمية عن الصارخ، أي رد الحديدي إلى النقطة الأولى، هو الذي قطع مسافة طويلة كي يحول الصرخة عبر شجاعة التحديق والانتباه، من تحطم جماد إلى تمزق إنسان.
لمَ لا تتطور شخصية الزوجة أبدًا على عكس زوجها؟
تلك هي أقدم حيل السرد وأذكاها، فعبر إصرار عفت على الجمود، تدرك هول التغيّر الذي يحدث في شخصية الحديدي. كيف يمكن أن تبرز لا عقلانية دون كيشوت، دون عقلانية سانشو؟ التناقض هو المرآة، وطريقة السارد في وضع خط بارز تحت شخصية ما.
لاحظ أنه مهّد لعدم تطور الزوجة من اللحظة الأولى التي وصفها به في بداية القصة:
«كقوام المانيكان، وساقها حتى في الظلام يظهران من قميص النوم في إغراء لا جمهور له، وحتى هناك تواليت وماكياج للنوم وعناية خاصة بالشعر.»
وصف مخملي، يبدو براقًا، لكنه يقصد تمامًا أن ينعتها بعكسه: المانيكان لفظ مستخدم لعارضة الأزياء وأيضًا التماثيل في واجهة المحلات، بلا إحساس، انتباهها كله موجه إلى بشرتها، إلى نفسها.
الزوجة هي شخصية الحديدي الأنانية نفسها في نسختها القديمة، وكان عليها أن تستمر لتتذكر فظاعة رد فعله إن لم يقبل التغيّر. في السرد، مَن لم يقبل التطور ونقض طبقات الزيف، يُلعن، وكان على ذلك الجزء من الحديدي أن يتلقى اللعنة.
«فرتك مرتك شرتك دي دي دي دي دان..
الألم لا بد قد ازداد بدرجة مخيفة . خفف عنه يا رب»
لم يعد الأمر يتعلق بعدم تحمله لسماع الألم، بل بعدم تحمل فهمي للألم.
«واج الواج الواج الواج الواج»
تواصل الزوجة الضغط والتهديد بترك البيت، نعرف أنه سمّى طفله على اسم الصارخ، فهمي، لأنه الشيء الوحيد الذي يحتفظ به من براءته الأولى، يأتي بالطبيب كي يعطي فهمي حقنة مخدرة، لكنها لا تجدي معه نفعًا، بل نفعها الوحيد مع الزوجة، تأخذ حقنة فيخرس صوته الأناني، إزالة العائق الأخير، ليصبح وحده مع «الصرخات القادمة من الأعماق» أن يعود إلى «الحالة الوجدانية التي كان عليها قبل أن يصحو الولد وتثور الزوجة... ولكن [الحالة] ترف وتذهب يتذبذب بينها وبين حالته العادية»
«يه يه يه يه يه فمندا مندا مند هوندا بندا سارادات.»
«وأحس براحة باهتة وبالأصوات تصل إلى مكان سحيق داخلي، فهي تنعشه في رقة وعذوبة بالضبط هذا هو المكان هنا يحس بها تتجمع... آهاته التي لم يطلقها»
من ألم قاصم، إلى نور عذب يضئ ظلمته، بالاتصال بآلام شخص آخر، يمكن فهم آلامنا.
«أي باي يانا يا بوي»
ما أن تحول الألم إلى نور عذب ومنعش، حتى نطق أخيرًا بكلمة مفهومة: يا بوي، «لغة ليست من الحياة، ولكنها من لغة الأعماق والآي»
«آي آي آي فركش أن منكش أي بعقش أي...»
يتحول انتباهه إلى إدراك علته، ويسأل: ما الذي يؤلمه؟ رغم أنه حظى حقًا بكل شيء، كل ما تمناه حققه.
«ياني ياني ياني ياني يا بوي»
الآهة الوحيدة التي تتكرر، لأنها من لغة الأعماق، يتحول السؤال: ما هي الحياة الجديرة بالإنسان؟
«أبو... أموا... أبو... أموا... واه»
تنحل اللغة إلى أول ما ينطق به البشر «أبو.. بابا.. أموا.. ماما» هنا يرتفع مستوى الفهم من إدراك ألمه الخاص وألم فهمي، إلى تشخيص آلام كونية، آلام جميع البشر، وهي أضعاف ما يسحقهما معًا، ويدرك علتها:
الوحدة في مواجهة سطوة العملاق الخرافي، الذي وصفه في بداية القصة، وعاد قرب نهايتها ليتلقط معناه، يحدد أخيرًا مصدر ألمه، ألم الجميع.
«بالضبط يا فهمي، الوحدة للوصول، الوحدة للسرعة، الألم البشع لفراق الناس والبعد عنهم... الوحدة القاتلة التي تربّي الخوف من الآخرين وتدمر الثقة بالنفس، الوحدة لكي تكون حرًا أكثر ومنطلقًا أكثر وحيًّا أكثر التقوقع فإذا بها تؤدي إلى التوقع والرعب من الآخرين وتحديد الحركة وإحاطتها بعشرات القيود.»
«دي دي دي دي دي دي ...»
تتحول لغة الألم إلى اللغة التي التي نستعملها لإضحاك طفل، حقيقته الأولى التي اتصل بها. عقب تلك الفقرة يدرك أنه عبر اتصاله «بلغة غير مفهومة استطاع أن يشعر بالحياة، يتحول النور العذب المنعش» إلى متعة أو سعادة أو «حالة وجدانية لها صفاء لحظة الكشف عند الصوفيين» أو «عمق لحظة الخلق عند العباقرة» بل القدرة على الاتصال بكل إنسان وبنفسه، والقدرة على «التحديق مليّا في أعماقه دون أن يرده الرعب المقيم مما قد يراه»
ينقشع الظلام الذي بدأ به القصة (لأن كل عنصر يجب أن يوضع في مكانه) «ومن الظلام الكثير الرابض يملأ الصورة تبدأ تتسرب موجات كاشفة مضيئة يجسر معها على التحديق والرؤية»
بل يفاجئه فهمي الذي خاطبه في الفقرات الأولى من القصة بالأفندي، بمواساته باسمه الأول: «ما تعيطش يا محمود..»
ففهمي أيضًا كان يشعر أن الحديدي مجرد شخص غريب عنه، الآن يسقط الجدار. كما أنها المرة الأولى التي نعرف فيها اسم البطل الأول، جوهر حقيقته. لا حديد الآن يفصله عن العالم.
قرر يوسف إدريس أن تكون شخصيته القادرة على هذا التحول، التي فتحت روحها بشجاعة قديس، أنانية وانتهازية، متحديًا كشأن كل كاتب عظيم، توقعات قرائه عما إذا كانت الشخصية جيدة أو سيئة، لن يصنع شريرًا أو قديسًا بشكل كامل، عبر هذا التحدي لتصنيفنا للبشر، برفض القصة بأن تلبي رغبتنا في شخصية يمكن فهمها بشكل مبسط، يزداد انتباهنا للمعنى، وتمنحنا رؤية أكثر تعقيدًا للحقيقة.
يقول جورج سوندرز:
«نحن الشخصية والشخصية نحن، لكنها نحن في حياة أخرى، وعبر تحديدها بسمات خاصة معينة وفريدة، تكتسب قوة العموم والتعبير، سماتها الظاهرية تختلف عنا، لكن عندما يصف ما يدور داخل عقلها، فإنه يصف بدقة ما يدور داخل عقولنا.
الشخصية الجيدة أو السيئة هي أيضًا ضحية لنظام قاس، شوه الجميع من الداخل، لكن لا يمكن لوم هذا النظام وحده، لقد صرنا شركاء متواطئين ومتورطين في تدمير ذواتنا.
ما تخبرنا إياه أي قصة عظيمة: لا تنس أن تلك الشخصية هي كائن بشري، معقدة وعرضة للخطأ.»

للمرة الثانية يتوقف الصراخ عن اختراق القصة، من أجل الفهم، في المرة الأولى نفهم النسخة الأولى من الحديدي الانتهازية والأنانية والرثة، والمرة الثانية: عندما يكون التحوّل تامًا. غوص تام في الكشف.
يمكن للمقطع الطويل الذي يسرد فيه البطل كشفه أن يُختصر، أن يصير أقل ميلًا للشرح، ألا يتحول إلى خطبة، أو جزء من مقال يمكن أن ينشره إدريس في الصحف التي اعتاد أن ينشر بها من أجل افتعال معارك تجعله تحت دائرة الضوء على حساب الأديب. وهو عيب خطير في شخصية إدريس، أثر على قصص أخرى له بشكل أعمق في رأيي.
ما يجعلنا نبتلع خطأ تلك القصة فقط، أن الخطبة، أخيرًا، وجدت مكانها المناسب، لحظة كشف كبرى عن آلام كونية، كما أن حجم الإطالة والشرح يتناسب مع حجم الآلام المكبوتة للشخصية. لذا في تلك القصة تحديدًا يتحول ذلك العيب لا إلى ميزة، لكن إلى طريقة مبررة، وتقل خطورته فلا يهبط بمستوى القصة إلى العظة.
الوضوح المفرط هو بحث عن قارئ لا يحب الأدب، ويفضل عليه شيئًا يمكن الثرثرة عن فهمه في جلسات مع أصدقائه أو زملائه، كجزء من لعبة تسليع الفن، لعبة لا يلعبها إلا كاتب متوسط، حتى لو حقق عشرات الطبعات، لا شيء يخفيه، لا طبقات أخرى للقراءة، لا عمق.
شتان بين أسباب يوسف إدريس (في تلك القصة) وما يحدث حاليًا. فإن كان الوضوح المبالغ فيه هو نقطة ضعف يمكن التغاضي عنها في مشروع كاتب كبير، فهو نقطة قوة زائفة لكاتب ضعيف، وعلامة اكتشاف زيفه.
كما أن مسألة الأدب في النهاية ليست حسبة رياضية أو هندسية مغلقة، إن كان هناك فن سنغفر له كل خطأ.
أليس هذا ما نفعله مع دوستويفسكي، أغلب ما نسميه اليوم عيوبًا فنية هي أشياء تلازم رواياته. رغم ذلك لم تقل عظمتها أو أسباب فتنتنا بها. لأنه حقق الشرط الفني من البداية: ملامسة الحقيقة، طبقات الرؤية، الإخفاء الذي لا يعني التلغيز أو الغموض المبالغ فيه، لكن بما ينتجه العمل الفني من دلالات ثرية تخلقها عناصره.
مع ملاحظة أن عيوب دوستويفسكي لم تكن ابنة ذات نرجسية، بل لمطاردة الديانة له، لذا لم يملك الوقت الكافي لتحرير أعماله.
لا يحرر يوسف إدريس قصصه بدقة كنجيب محفوظ مثلًا، لكن عدم التحرير عند يوسف إدريس له وجه آخر، يكسب لغته حيوية ويحتفظ لها بجلاء الموهبة، لكن ذلك يحدث عبر الصدفة فقط في مقابل إهدار عشرات الفرص . إن لم تكن يوسف إدريس لا تفعل ذلك، لا تفعل ذلك عمومًا، أرجوك.
***
الصرخة الأخيرة:
تلك المرة ليست موجهة لشخص بعينه، بل تخترق المحيط الضيق الذي هبطت عليه، لتصل إلى نوافذ البيوت المغلقة، فتفتحها بقوة الإجبار على أن نسمع، كما أجبرنا إدريس كقراء على أن نسمع. يصيح السكان رغم أنوفهم للآهات المستغيثة، ويستجيرون من الصوت الذي «لا يرحم أبوابهم ونوافذهم، مهما أغلقوا وأحكموا الإغلاق، الصوت الذي أيقظ العمارة ببوابيها وسادتها ودادتها وبدأ يصل إلى العمارات المجاورة ويوقظ سكانها، لو استمرت الصرخات لربما كانت قد أيقظت الحي الراقي بأكمله، ومن يدري ربما المدينة كلها كانت قد صحت.»
تصحو الزوجة نصف نائمة، لأن إرادة النوم عليها أن تظل حاضرة، كما أسلفنا، ليس لتلك الشخصية أن تتطور كي ندرك تطور الحديدي، في كل المواجهات السابقة كان يتحايل عليها، مترددًا في صراعه، لكن تلك المرة يواجهها بقوة ودون مساومة.
تتحول النوافذ التي لم تشعر بالحياة في ألم الآخر، في عينيه حافلة بـ«جثث موتى». عناصر النهاية، موجودة كلها في الفقرة الأولى، لكن لا تكرار، بل تغيّر حاسم كضوء.
القرار الذي يعقب الكشف:
يغادر الحي، حي الموتى والنيام، الذي كان يعتقد في بداية القصة أنه عنوان للحياة الجيدة «فالرائحة لا تُطاق» إلى الحياة كما أدركها أخيرًا. والجزء الأناني فيه لم يُقابل بالإخراس والتخدير فقط، بل واجهه بما يستحقه: الاحتقار.
لم يكن عصب القصة أبدًا عن الألم، بل عن الإنصات من أجل الشعور بالحياة، أن يكتشف البطل في أعماقه «الجذور والسيقان»، عبر التحرر من الأنا، يمكن التحديق في أعماق العالم، دون رعب. عملية تحرر طويلة ومعذبة داخل نفس المرء كي يتعلم أن يرى، تتحول إلى نور عذب ومن جديد -لا أمل أن أكرر- أن يلامس جوهر الحقيقة، فلا يخدعها كقارئ أو ككاتب أو إنسان طبقات الزيف ولا تعميها التوابل، ولا شهوة الذات لاستعراض ما تظنه أعظم ما تملكه، بينما هو أتفه ما فيها.
شرط أن تخبرني عنك هو أن تخبرني عني و#سلام.
*ننتظر من الفخراني المزيد من الاستكشافات في الويك إندات المقبلة.
** الكتابة بالخط المائل مقتطفات من قصة يوسف إدريس «لغة الآي آي».
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
