ادفع عشان تعدي: وجه جديد لمجانية التعليم
في معظم شهور السنة الدراسية، تقتطع إيمان الشناوي، أم لطفلين بمحافظة دمياط، 400 جنيه شهريًا من دخل أسرتها الذي لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، لدفع أجور عمال نظافة ودادات، وتوفير أدوات تطهير وتنظيف لمدرسة طفليها أنس ومليكة، لأن مدرستهم الحكومية ليس لديها الإمكانيات حتى دفع أجورهم.
«أنا دخلّت ولادي مدرسة حكومي رغم إني عارفة إمكانياتها القليلة لأن المفروض التعليم فيها مجاني، وأنا مش معايا فلوس للخاص، لكن أنا بدفع أنا وغيري فلوس شهرية للمدرسة غير فلوس الدروس»، تقول إيمان.
ما تدفعه إيمان وغيرها في المدارس الحكومية التي تضم 22.5 مليون طالب وطالبة في جميع مراحل التعليم، يٌعرف بـ«المشاركة المجتمعية»، وهو إجراء مقنن رسميًا، يشمل مساهمات المتبرعين للمدرسة سواء من داخلها أو خارجها، كما توضح منى سمير*، مديرة مدرسة ابتدائية حكومية بمحافظة الجيزة لـ«مدى مصر»، مشددة على أن «المشاركة المجتمعية» أو «التبرع» يكون طواعية. لكن أولياء أمور تحدثوا إلى «مدى مصر» كشفوا عن توسع إدارات المدارس خلال السنوات الأخيرة في تطبيق «المشاركة المجتمعية» على نطاق أكبر لتتحول من مبالغ رمزية إلى آلاف الجنيهات، تدفعها الأسر كل سنة، ما شكّل ضغطًا عليهم في غياب الرقابة الحكومية، وانخفاض ميزانية «التعليم».
تبدأ أزمة المدارس من انخفاض ميزانية وزارة التربية والتعليم، مقابل احتياجاتها، على الرغم من إلزام الدستور للحكومة بالمادة (19) بإنفاق نسبة لا تقل عن 4% من الناتج القومي على التعليم. ورغم إدعاء الحكومة استيفاء تلك النسبة، ولكنها بالحقيقة لا تلتزم بالنص الدستوري، حسبما يكشف تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والاجتماعية، والذي يوضح أن ميزانية وزارة التربية والتعليم بلغت في السنة المالية الحالية نحو 117مليار جنيه، يذهب معظمها للأجور، وهو ما يخلق كل عام فجوة في الإنفاق الذي كان ينبغي أن يُخصص للتعليم بنوعيه الجامعي وما قبله. بلغت هذه الفجوة في السنة المالية الماضية أكثر من 255 مليار جنيه، وفقًا للتقرير.
وبينما تنفق أغلب ميزانية التعليم على الأجور، تعتمد المدارس على المصروفات التي تجمعها من الطلاب لتغطية نفقاتها السنوية من أنشطة وغيرها، حسبما يقول جمعة ذكري، وكيل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بالإسكندرية لـ«مدى مصر»، والذي يضيف أنه يمكن للمدارس طلب دعم من الإدارة التعليمية، والتي توفره من فوائض موازنات المدارس الأخرى. لكن، حتى لو طلبت المدارس من الإدارة مزيدًا من الدعم، ففي الأغلب لا تتلقى تلك الطلبات اهتمامًا.
«أنا ببلغ الإدارة باحتياجاتي فتقولي طب أصرف أنت وأنا هبقى أديلك»، بحسب مدير مدرسة حكومية في منطقة العمرانية بالجيزة تحدث لـ«مدى مصر»، مشترطًا عدم ذِكر اسمه. لذلك، تلجأ معظم إدارات المدارس إلى جمع التبرعات والاعتماد على «المشاركة المجتمعية»، سواء من أهالي الطلاب أو حتى من العاملين بالمدارس أنفسهم. «ساعات لو حاجة ضرورية بجّمع مع المدرسين من جيبنا، وندفع مرتب دادة أو عامل نظافة، وساعات بنلجأ للمشاركة المجتمعية من خلال مجلس الأمناء، أو عضو مجلس شعب، أو ولي أمر مقتدر ماديًا، وطبعًا الإدارة مش بتدينا حاجة في الآخر»، يقول مدير المدرسة.
مع الوقت، تحولت التبرعات إلى القاعدة، كما اتسع نطاقها لتصبح وسيلة أساسية لتجهيز المدارس الجديدة التي تشيدها الوزارة لسد العجز في عدد الفصول، إذ ارتفع عدد المدارس الحكومية، ليصبح 49 ألفًا و67 مدرسة بالسنة الدراسية الحالية، بزيادة قدرها 486 مدرسة مقارنة بالعام الذي سبقه. هذه الزيادة، وفي ظل ضعف الإنفاق على التجهيز، تضع العبء الأكبر على الأهالي لتجهيز الفصول لاستقبال أبنائهم.
العام الماضي، التحقت ابنة ابتسام الهادي بمدرسة الشهيد أحمد المنسي المتميزة لغات، التي افتتحت مع بدء السنة الدراسية الماضية، لكن فصلها الذي يضم 40 طفلًا لم يكن مجهز تمامًا حتى بالأساسيات، وفقًا لابتسام وغيرها من أولياء أمور تحدثوا إلى «مدى مصر». لجأت الأسر إلى عضو مجلس النواب بالمنطقة، محمد سليمان، للمساعدة في تكلفة تجهيز الفصل التي تجاوزت قدراتهم، ووفر أثاث الفصل بالفعل. استمرت احتياجات مدرسة «المنسي» بعد تأثيث الفصل. قدمت إدارة المدرسة قائمة طويلة ومتنوعة بطلبات المدرسة إلى أسر الأطفال، بعد أقل من شهر على افتتاحها، تضمنت: كاميرات، وتَبليط المدخل، وشراء نجيلة للحديقة، ومراوح، ومبردات مياه، ودواليب خشبية للفصول. وكمساهمة من المدرسة، أوصلت الأهالي بالحاج عصام، مدير مدرسة سابق، ومورد دواليب خشبية ونجيلة صناعية حاليًا، لكي يشتروا منه هذه الاحتياجات، بحسب ابتسام.
يبرر ذكري جمع التبرعات على نطاق واسع بتسرع بعض أولياء الأمور في إلحاق أبنائهم بالمدارس المؤسسة حديثًا، والتي لم يكتمل تجهيزها بعد.
لكن التبرعات لا تتوقف عند المدارس الجديدة، وإنما تمتد لمحاولات المدارس القديمة تحديث إمكانياتها. وفي خضم الأزمة الاقتصادية، وارتفاع نسب التحويل من المدارس الخاصة إلى نظيرتها الحكومية، وجدت إدارات تلك المدارس هدفًا سهلًا لجمع المزيد من التبرعات، فأصبح المتحكم في الأمر هو «ضمير المدير» فقط، كما توضح منى سمير*٬ مديرة إحدى المدارس الحكومية. «محدش بيسأل من الوزارة عن التبرعات، لكن ضميرك اللي بيسأل. وفي بعض الأحيان يطلب بعض المديرين -بشكل غير رسمي- مبلغ مالي لقبول الطالب، أو شيء فوق مجهود ولي الأمر»، تقول سمير.
علي الدين كان إحدى هذه الحالات، لشهور امتنعت مدرسة رامي هلال الحكومية التجريبية المميزة للغات بمنطقة التجمع الخامس عن تحويل ملف علي الدين من مدرسته الخاصة إليها، بحجة عدم وجود أماكن شاغرة، قبل أن ينصح أحد العاملين بالمدرسة الأب بـ«المشاركة المجتمعية» من أجل قبول ابنه. «قالولي في ناس كتير بتقدم طلب تحويلات ومفيش مكان. ممكن تدفع 12 ألف جنيه ونلاقي مكان لابنك». يرفض الوالد دفع المبلغ خاصة أنها مدرسة حكومية، لكن الموظف يؤكد له أن أحد أولياء الأمور دفع 25 ألف جنيه لقبول ابنه في نفس المدرسة، حسبما يقول والد علي الدين. بعدها عرضت الإدارة على الوالد قائمة بالطلبات ضمت «بروجكتور»، وماكينة تصوير وغيرها، اختار الأب إحضار ماكينة طباعة تجاوز سعرها ثلاثة آلاف جنيه، وذلك بالإضافة إلى المصروفات السنوية البالغة 2300 جنيه، فضلًا عن 300 جنيه تبرع إجباري لصندوق «تحيا مصر»، والذي نفت وزارة التعليم من قبل فرضه. لكن في الوقت نفسه، أكدت أكثر من أسرة بمدارس حكومية مختلفة لـ«مدى مصر» أنها تدفع هذه التبرع كل عام مع المصروفات المدرسية عن طريق شبكة الدفع الإلكتروني «فوري».
بعد بدء الدراسة بمدرسة رامي هلال، فوجئت الأسر بعدم وجود عمال نظافة ومربيات، فضلًا عن إن المدرسة خالية من أدوات النظافة الأساسية مثل الصابون والمطهرات، ولحل ذلك، اقترحت الأسر أن توفر إدارة المدرسة المربيات والأدوات، فيما يتحمل مرتباتهم الشهرية والنفقات الأهالي أنفسهم، لكن، إدارة المدرسة رفضت طلب الأهالي. «قالولنا اللي نقدر نعمله نوافق ندخل الدادات اللي هنجيبها المدرسة». وهكذا نظمت الأسر نفسها، تطوع أولياء أمور لجمع المبالغ المطلوبة عبر «فودافون كاش»، لتوفير مربيات ومنظفات للمراحيض بعدما أصيب أكثر من طفل بأمراض فطرية بسبب غياب النظافة، بحسب والدة علي الدين.
مسؤولية توفير احتياجات المدارس بشكل عام ليست محصورة على الإدارات التعليمية فقط، لكنها تتوزع بين الهيئة العامة للأبنية التعليمية، التي تأسست عام 1988، بهدف تولي تخطيط وإنشاء وتطوير وتصميم وصيانة الأبنية المدرسية، أما الجهة الأخرى فهي المديريات التعليمية. تحديد المسؤوليات يكون وفقًا لطبيعة المدارس، وطبيعة التجهيزات. المدارس الجديدة مسؤولية «الأبنية التعليمية» من ناحية الإنشاءات وتوفير المقاعد والمعامل ومفروشات المدرسة، أما الوزارة فتتكفل بتوفير الأجهزة الإلكترونية وفقًا لتصريحات يسري البدري، رئيس هيئة الأبنية لـ«مدى مصر». لكن في الوقت نفسه، يقول ذكري إن تجهيزات المدرسة الأساسية هي مهمة هيئة الأبنية التعليمية، «إحنا ممكن نصلح لمبة محروقة أو إزاز مكسور، لكن لو حاجات كبيرة ده بيكون دور هيئة الأبنية».
يتعجب مدير هيئة الأبنية من دفع الأسر بالمدارس القديمة مثل مدرسة رامي هلال هذه المبالغ خلال تقديم طلبات التحويل والتقديم، لأن تلك المدارس لها خطط صيانة دورية، فحسب قوله، يقع جزء من تكلفتها على المديريات التعليمية، والجزء الآخر على «الأبنية التعليمية»، والتي ارتفعت ميزانيتها من 2.6 مليار جنيه منذ ست سنوات، إلى 12 مليار جنيه خلال العام الجاري.
ينظم هذه المسؤولية التمويل، «في فلوس عند مين السنة دي، لو عندي (هيئة الأبنية) يبقى مسؤوليتي، لو عند المديريات يبقى مسؤوليتها حسب ظروف التمويل وخططه»، يقول البدري.
توزيع الأدوار بين جهتين حكوميتين، خاصة أن كانت المسؤولية تحدد بشكل ظرفي وفقًا لظروف التمويل جعل كل إدارة ترمي المسؤولية على الأخرى، والمحصلة النهائية أن الأسر مستمرة في دفع مبالغ مالية بشكل دوري، فيما يطلب الطرفان من الأسر التقدم بشكوى ضد الإدارات المخالفة.
بخلاف التبرعات، تتحمل الأسر نفقات أخرى للإنفاق على العملية التعليمية من أجل الدروس الخصوصية في ظل النقص الحاد في أعداد المعلمين بالمدارس، والذي وصل إلى 24 ألف مدرس مقارنة بالعام الذي سبقه. «مفيش مدرسين كفاية في المدرسة، عندنا 40 مدرس في أربع مراحل تعليمية، وطلبنا من الإدارة نجيب مدرسين، وندفع مرتباتهم، لكن الإدارة رفضت، وقالت إن المدرسين لازم يكونوا مدربين ومؤهلين وحاصلين على تصريح أمني» يقول سامح فايز، رئيس مجلس أمناء مدرسة «المنسي» بالشروق.
يكشف تقرير «المبادرة المصرية» أن الأسر المصرية تدفع حوالي نصف الإنفاق الإجمالي على التعليم، إذ تنفق الأسرة في المتوسط خمسة آلاف و 184 جنيهًا سنويًا على تعليم الطفل الواحد، يذهب أكثر من ثلثها إلى الدروس الخصوصية.
انخفاض الإنفاق على التعليم في الموازنة العامة بشكل عام، وبالتالي ميزانيات المدارس مقارنة باحتياجاتها يفسر طلب التبرعات المتكرر منذ سنوات، حسبما يرى الباحث في مجال التعليم، محمد سيد، لافتًا إلى أن ذلك يُسبب زيادة التسرب من التعليم. «التعليم زمان كان وسيلة للترقي الاجتماعي، دلوقتي حتى التعليم الحكومي بقى عبء، مصاريف دروس ومواصلات وكمان بيصرفوا على المدارس».
تقارير ذات صلة
بين القذائف والأقلام.. صراع آخر يخوضه طُلاب غزة لأجل التعليم
لموا الكراريس.. التعليم مجال آخر للمعاناة في غزة
يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟
نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر
الوعود الإنشائية في الخطة الحكومية
وصفت اللجنة البرلمانية البرنامج بأنه جاء متضمنًا «المحددات العامة لأية برامج حكومية».
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن