«إيفرجراند» للعقارات.. هذا الاستثمار فيه سم قاتل
في مارس 2012، كتب أندرو ليفت، أحد من يمكن تسميتهم ضباع وول ستريت، تقريرًا مطولًا عن مشكلات السيولة لدى شركة إيفرجراند الصينية، عملاق التطوير العقاري في السوق الصيني، أحد أكثر أسواق العقارات العالمية جاذبية في تلك الفترة. ما كتبه جاء بمثابة طعنة في درة تاج الحكومة الصينية، والتي كانت قد بدأت بعد 2008 استراتيجية طموحة لإعادة هيكلة اقتصادها نحو الاستهلاك المحلي بفعل تزايد أعداد الطبقة الوسطى جراء الطفرة الاقتصادية منذ التسعينيات. وبسبب ما كتبه، منعت الحكومة الصينية ليفت من التداول في الشركات الصينية ومن دخول هونج كونج، كما خسر لاحقًا معركة قضائية في هونج كونج كلفته الكثير.
ليفت، ذلك الضبع من ضباع وول ستريت على بعد آلاف الأميال، أو كما يطلق عليهم Activist short sellers، أي هؤلاء الذين يراهنون على خسارة الشركات وليس على ربحها، لم يكن الوحيد الذي يملك شكوكًا حول الميزانيات العمومية للشركات الصينية. فغالبًا ما يمتلك المستثمرون الأمريكيون هذا الشك دائمًا حول أي بيانات قادمة من الصين حتي لو كانت بيانات مالية لشركات كبرى مثل Alibaba أو Tencent. دفع ذلك مؤخرًا الحكومة الأمريكية لإعطاء مهلة ثلاث سنوات للشركات الصينية المدرجة في بورصة نيويورك من أجل أن تخضع للتدقيق من قبل شركات المحاسبة الكبرى في الولايات المتحدة.
في 2012، كانت الديون الكلية لـ«إيفرجراند» لا تتجاوز ما يوازي 38 مليار دولار. بالنسبة لشركة ضخمة مثل هذه، لا يعتبر هذا مبلغًا كبيرًا. ففي النهاية، هذه ثاني أكبر مطور عقاري في الصين بأكملها. والأهم أن الاقتصاد الصيني والسوق العقاري الصيني كانا يمران بفترات انتعاش متتالية. فمعدل الزيادة السنوية في أسعار العقارات في المتوسط كان في حدود 10-15% سنويًا، وهو أعلى من أي استثمار ممكن في أماكن كثيرة في العالم المتقدم. لذلك توافدت المليارات من الخارج والداخل على العقار الصيني كمخزن للثروة.
ولكن الآن، بعد ما يقرب من عشر سنوات، أصبحت ديون الشركة حوالي 309 مليارات دولار، لتصبح، وعن جدارة، الشركة الأكثر مديونية في العالم.
يمثل القطاع العقاري في الصين ما يقرب من 29% من الناتج المحلي، وهو أحد القطاعات المحركة للاقتصاد الصيني في السنوات العشر الأخيرة. وبما أن الاقتصاد الصيني هو أحد أهم محركات النمو العالمي، فإن أزمة كتلك من المفترض أن تؤثر على التعافي العالمي حال تضرر القطاع العقاري الصيني بشكل كبير. لكن حدود تأثير الأزمة الحالية في المستقبل يبدو سؤالًا معقدًا. فلا يمكن، بحسب اعتقادي، أن نتوقع ما يمكن أن يحدث في اقتصاد عالمي شديد التشابك والتعقيد ترتبط فيه آلاف العوامل ببعضها البعض.
السؤال المهم الآن هو كيف وصلت «إيفرجراند» لهذه اللحظة؟ كيف نمت تلك المديونيات بتلك السرعة؟ وما الذي يمكن أن نفهمه من هذا الانهيار الكبير لشركة كان الكثيرون يعتقدون أنها وجدت لتبقى؟ والأهم، هل هناك دروس يمكن لمصر وسوقها العقاري أن تتعلمه؟

بدأت الحكومة الصينية منذ 2016 في ملاحظة إشارات في السوق على وجود فقاعة سعرية في سوقها العقاري حذر منها الكثير من المراقبين. على سبيل المثال، ارتفعت الأسعار خلال العقد الأخير بمعدل 10-15% في المتوسط سنويًا.
تلك الفقاعة السعرية تعني مشكلة على المدى الطويل. لكن مستهدفات النمو الاقتصادي للتنين الصيني حالت دون تصرف راديكالي تجاه تلك الفقاعة، والذي كان من شأنه أن يبطئ من معدلات النمو الإجمالية في الصين في ظل حرب تجارية مستمرة مع الولايات المتحدة. ولهذا، فرهان الحكومة الصينية على قدرة السوق العقاري كغيره من الأسواق على ضبط نفسه تلقائيًا بدون تدخل الحكومة، دفع الصينيين للصبر قليلًا. فطالما أن المبيعات ما زالت جيدة وكل شيء يبدو ورديًا والاستثمارات تتدفق على القطاع، فلا شيء يدعو للتدخل.
لكن الحكومة الصينية المركزية أدركت في 2020 أنها لا بد لها أن تتدخل على جانب العرض في السوق، وتبطئ من عملية طرح وبناء الوحدات الجديدة تجنبًا لفقاعة عقارية قد تؤدي لانهيار أكبر مما تمر به السوق العقارية في الصين حاليًا. كما حاولت إبطاء عمليات الإقراض المفرط الموجه للقطاع، ولو قليلًا، للتقليل من اعتماد الشركات الكبرى على الاستدانة لبناء العقارات.
لهذا قررت الحكومة في أغسطس 2020 تشديد الرقابة على الإقراض المفرط للقطاع العقاري في الاقتصاد، مع بدء إشارات إلى تباطؤ المبيعات فيه. وضعت الإجراءات الجديدة حدًا أقصى لحصول الشركات العقارية الصينية على قروض جديدة من البنوك قبل أن تسدد قروضًا قديمة، ويحدد ذلك عبر نسب مالية تعتمد على وضع الشركة المالي وكثافة عملية اقتراضها في السابق.
ولأن «إيفرجراند» كانت من الشركات التي اقترضت بكثافة قبل ذلك، لم تتمكن من الوفاء بمتطلبات الإقراض الجديد من الحكومة الصينية. وبالتالي، دخلت الشركة في أزمة سيولة كبيرة منذ نهاية 2020. تلك الأزمة ساهمت في خوف متزايد من المستثمرين، خاصة حول قدرة الشركة على الوفاء بديونها، ما ساهم بدوره في انخفاض سهم الشركة لأكثر من 90% خلال سنة واحدة.

جذور هذه الأزمة يمكن تتبعها بالعودة بضعة عقود، خصوصًا حين أصبحت الصين معجزة الاقتصاد العالمي منذ التسعينيات. فسياسات دينج جاو بينج Deng Xiaoping [سياسي قاد الصين (بين عامي 1978 و1992)] الاقتصادية التي انفتحت على العالم، قلبت الصين في 20 عامًا من دولة فقيرة معزولة إلي مصنع للعالم في وقت كانت العولمة الرأسمالية تبحث عن مصنع رخيص لها. تلك الطفرة رفعت ما يقرب من 300 مليون صيني من تحت خط الفقر لمصاف الطبقة الوسطى. ومع صعود الطبقة الوسطى ونمو الاستهلاك المحلي منذ بداية الألفينيات، كان على القطاع العقاري أن يلعب دورًا أكبر في الاقتصاد الصيني. يظهر هذا بوضوح في ارتفاع نسبة تملك الصينيين للمنازل والتي تقارب 90% (مقارنة بنسبة تملك لا تتجاوز 60-65% في معظم الاقتصادات المتقدمة).
أحد أسباب جاذبية القطاع العقاري الصيني تعود إلى خصوصية الصين الديمغرافية. بحلول الأزمة المالية العالمية في 2008، كانت الصين أمام تبعات تغير ديموغرافي طويل وشديد الخطورة والارتباط بالقطاع العقاري. فبسبب سياسات الطفل الواحد المستمرة منذ عقود، حدث اختلال مهم في المعادلة الديموغرافية في بلد بحجم الصين، تسبب في فارق بين أعداد الرجال والنساء بمقدار 30 مليون نسمة لصالح الرجال. وفي مجتمع لا تزال لديه تقاليد الزواج والأسرة راسخة، فإن هؤلاء الشباب عليهم أن يتنافسوا من أجل الحصول على امرأة من أجل الزواج. وبالطبع فإن تملك شقة أو وحدة سكنية هو أحد أهم المتطلبات الحالية للزواج في الصين.
ينتج هذا التشوه الديموغرافي طلبًا متجددًا على العقار من أجل الزواج. وبدوره ترتفع أسعار العقارات سنة بعد الأخرى، ما يساهم في النهاية في جعل العقار وعاءً استثماريًا أكثر جاذبية من أشياء أخرى، حتى وإن كانت أسعار العقارات مبالغ فيها. يقدر أن ما يقرب من 30% من مبيعات العقارات السنوية في الصين لأغراض الزواج وتأسيس الأسر، وترتفع الأسعار بشكل أكبر في المدن التي تظهر فيها المنافسة على الزواج بشكل أكبر، حيث يقل عدد النساء مقابل الرجال.
لكن الجانب الأكبر من جاذبية القطاع العقاري الصيني يتمثل في كونه استثمارًا ادخاريًا طويل الأمد. لدى الصين ثقافة ادخار عالية مرتبطة أشد الارتباط بثقافة الفقر والمجاعة التي عاشتها الأجيال الأكبر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولهذا يدخر الصينيون أكثر من مواطني الدول الأخرى، وبنسب كبيرة جدًا. ففي حين تصل نسبة الادخار العائلي من الدخل في الاتحاد الأوربي إلى 12% سنويًا، يدخر الصينيون ما يقارب 40% من دخلهم سنويًا. تلك الثقافة العالية للادخار تعني وجود أموال كبيرة بحاجة للاستثمار.
ما هي خيارات الاستثمار المتاحة؟ في بلد شديد المركزية والسلطوية، فإن البورصة شيء لا يمكن توقعه، وثقافة الاستثمار في البورصة في بلد نامٍ كالصين تكاد تكون منعدمة. كما أن الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي بتلك المبالغ الصغيرة قد يبدو أيضًا محفوفًا بالمخاطر. ولهذا تمثل أموال الادخار الهائلة هذه مناجم ذهب للبنوك والشركات العقارية في ظل ضعف نظام التأمين الاجتماعي في الصين. لا يدخر الصينيون مع الحكومة في صناديق تأمينية تدفع لهم عوائد دورية بعد التقاعد كما في الدول الأخرى كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولكنهم يدخرون فقط للاستثمار في العقارات بمنطق طويل الأمد.
ومع تزايد الطلب على العقارات خلال العقدين الأخيرين، لمع نجمها كمخزن أفضل للقيمة في الصين. يمكننا أن نجد ذلك في مقارنة بين ثروات الأسر في الصين والولايات المتحدة وكيفية توزعها: نجد أن العقارات تمثل 66% -كمتوسط- من ثروة الأسرة في الصين، مقابل 24% فقط في الولايات المتحدة.
رفع ذلك الإيمان المطلق بالعقارات من العقار كمسكن إلى مصاف العقار كاستثمار على مدى السنوات الأخيرة. منذ 2008، بدأ الطلب على العقارات في الصين يشهد تحولًا نوعيًا. لم يعد الغرض الأساسي من شراء العقارات هو السكن، بل الاستثمار طويل الأمد. وخلال العقد الأخير، أصبحت مبيعات المنزل الثاني والثالث هي السائدة في السوق العقاري الصيني. يمكننا أن نلحظ ذلك من مبيعات العقارات، والتي كانت في 2008 تأتي من مشترين لأول مرة لا يملكون أي شقق سكنية (ما يقرب من 70% وقتها)، ليصبح هؤلاء حاليًا ما يقرب من 31% فقط، ولتذهب أغلبية الطلب على العقارات للشقة الثانية والثالثة.

جعل كل هذا من مغامرة أي مطور عقاري للاقتراض بما يفوق قدرته على السداد من أجل الدخول في مشروعات جديدة، أكثر جاذبية. ومع الوقت، بدأت الفقاعة السعرية في السوق تنتفخ أكثر.
وبالطبع، مع تلك الجاذبية الشديدة للسوق، فإن البنوك سوف تبحث هي الأخرى عن نصيبها في كعكة العقارات المتضخمة. يقدر أن البنوك الصينية لديها ما يقرب من 7.7 تريليون دولار للقطاع العقاري (أي 28% من محفظة الإقراض الكلية). حوالي 70% من تلك المحفظة موجهة للرهون العقارية للأسر، و30% هي محفظة الإقراض للشركات العقارية، مثل «إيفرجراند» وغيرها (أي حوالي 1.8 تريليون دولار). ذلك الإدمان المتزايد على العقارات كان دافعًا لزيادة أسعار العقارات في العقد الأخير ثلاثة أضعاف سعرها فيما بعد 2008.
ولكن المشكلة في الصين، كما في معظم الدول النامية، أن متوسطات الدخول لا تدعم تلك الطفرة على المستوى الواقعي. يمكننا أن نلحظ ذلك من خلال المقارنة بين متوسط سعر المتر في مدن صينية كبرى كبكين وشينزين مثلًا، مع مثيلاتها في الولايات المتحدة. يصل متوسط سعر المتر في مدن مثل شينزين وبكين إلى أضعاف سعرها في الولايات المتحدة. يمكنك أن تحصل في بكين على شقة 80 مترًا بسعر 300 ألف دولار في بلد متوسط الدخول السنوية فيه حوالي سبعة آلاف دولار سنويًا. بينما في الولايات المتحدة التي يصل متوسط الدخول فيها ما يقرب من 50 ألف دولار سنويًا يمكن لنفس المبلغ أن يؤمن لك بيتًا مستقلًا في ضواحي المدن الكبيرة مثل لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو.
والنتيجة كانت سمة متكررة شديدة الرمزية: مدن أشباح كاملة أُنشأت بعد أزمة 2008 العالمية لتكون محاكاة لمدن أوروبية كبيرة مثل باريس ولندن وفيينا وغيرها. تلك المدن، والتي أُنشأت لأغراض إسكان الطبقة الوسطى الصينية الحالمة بالسكن في نمط معماري غربي، أصبحت الآن خالية، تُستخدم كموقع لجلسات التصوير قبل الأفراح في أحيان كثيرة. ذلك النمو المطرد كان يعني في النهاية أن تصبح في الصين ما يقارب 65 مليون وحدة فارغة بحسب تقديرات 2018، أي ما يقرب من خُمس الوحدات السكنية في كامل الصين.

يبدو السوق العقاري الصيني حاليًا في فقاعة سعرية مثالية، فقط عليها أن تنفجر في وجه الجميع، في سوق تقدر مبيعاته السنوية بـ2.6 تريليون دولار لتبدأ سلسلة من الأحداث شبيهة بما حدث في 2008. لكن أثر تلك الأحداث لن يكون كما في 2008، على الأغلب. ربما لأن الصين، رغم كل ذلك، لديها ما يكفي من الأدوات التي تسمح لها بتحجيم أثر تلك الأزمة داخل القطاع العقاري فقط ومنعها من التمدد داخل قطاعات أخرى من الاقتصاد. ربما لا تنقذ الحكومة الصينية «إيفرجراند» بشكل مباشر، لكن التحركات الأخيرة التي وعدت الحكومة بها، من قبيل ضمان أموال المودعين أصحاب الشقق (ما يقرب من 1.5 مليون شخص، دفعوا دفعات وأقساطًا للشركة ولم يتسلموا الشقق) قد تمثل بارقة أمل لهؤلاء. لكن على المدى الطويل، على الحكومة أن تتدخل لتطبيق ضريبة الممتلكات من أجل ضمان عدم تجدد الفقاعة السعرية الحالية. بالفعل تسعى الحكومة منذ سنوات لتطبيق مثل تلك الضريبة.
تجعلنا تلك الحالة المثالية للفقاعة العقارية في الصين نفكر في وضعنا نحن في مصر. بالطبع، لا يمكننا أن نقارن بين السوق العقاري في الصين، ذلك الاقتصاد الهائل، وبين السوق العقاري في مصر. لكن هناك عددًا من الدلائل والتشابهات بين النموذجين. التشابهات في العوامل المحيطة بالسوق، والتي تجعل العقارات مخزنًا جيدًا للقيمة في الاعتقاد السائد، كبيرة. في مصر، كما في الصين، تنتج ثقافة الزواج طلبًا يتجدد سنويًا على العقارات.
هناك كذلك الطلب على العقار الثاني والثالث. بالرغم من عدم وجود أرقام تفصيلية عنه، إلا أننا نعتقد أنه يشكل نسبة كبيرة من السوق الصينية ربما تقترب من 70%. لدينا في مصر ما يقرب من 13 مليون وحدة مغلقة من العقارات مقابل 22.5 مليون وحدة عقارية مأهولة. أي أن نسبة العقارات المغلقة في مصر تصل إلى 36% (تقترب من ضعف الوحدات المغلقة في الصين والتي تبلغ نسبتها 20%).
أيضًا تمثل التشابهات بين متوسط الدخول الضعيف في مصر وأسعار العقارات المرتفعة، كما في حالة الصين، ناقوس خطر. فمتوسط سعر المتر في مناطق بالقاهرة الجديدة والشيخ زايد وغيرها يصل حاليًا إلى عشرة آلاف جنيه (أي ما يقرب من 640 دولارًا) وهو متوسط أسعار المتر في مدن كبرى بدول متقدمة يتجاوز فيها متوسط الدخل 50 ألف دولار سنويًا، بينما يصل متوسط دخل المواطن المصري لحوالي 58 ألف جنيه (أي 3700 دولار سنويًا). ربما يشتري الطلب الحالي على العقارات -للاستثمار أو كمخزن للقيمة- بعض الوقت للسوق العقاري في مصر، وخاصة أن جزءًا غير هين من الطلب على العقارات من قبل ملايين المصريين في الخارج، الذين لا يجدون ملاذات آمنة لمليارات الدولارات التي يحولونها سنويًا سوى العقارات. لكن على المدى الطويل ثمة مشكلة كبيرة في استدامة هذا السوق.
نشعر حاليًا بأن فقاعة سعرية كبيرة موجودة في سوق العقارات في مصر. تظهر آثار تلك الفقاعات في تباطؤ البيع في السوق الثانوي (سوق إعادة البيع) والذي يبدو في حالة ركود مستمر. لكن، تحول تلك الفقاعة السعرية لفقاعة عقارية يرتبط بعدد من العوامل، أهمها مقدار التشابك بين القطاع المالي والقطاع العقاري. وللأسف لا توجد بيانات دقيقة حول القروض المقدمة للقطاع العقاري، سواء للمطورين أو للأفراد، على هيئة رهونات عقارية، وإن كانت الأخيرة نادرة بحكم عدم تطور القطاع البنكي بالشكل الكافي أو عدم رغبته في المشاركة في إقراض ملايين من المصريين بشكل مكثف. لكن، الائتمان الموجه للقطاع العقاري يشهد في الفترة الأخيرة تزايدًا كبيرًا.
في الفترة الأخيرة، طرح البنك المركزي مبادرة الـ50 مليار جنيه للتمويل العقاري، ومعها رفع مستهدفات الحد الأقصى الموجه للتمويل العقاري من محفظة القروض للبنك من 5% إلى 10%، وهو ما يُفترض -نظريًا- أن يُدفع من الإقراض الموجه للأسر المتوسطة الراغبة في تملك العقارات. لكن تلك الـ10% ما زالت نسبة صغيرة لا يمكنها أن تشكل أزمة كبيرة.
تكمن المشكلة الحقيقية إذًا في محفظة القروض العقارية الموجهة للمطورين. لا يمكننا الوصول لحجم تلك المحفظة إجمالًا من الائتمان المحلي، لكن القطاع الخاص بشكل عام يحصل على ما يقرب من 25% من الائتمان المحلي سنويًا. ويمكننا أن نفترض أن جزءًا معتبرًا من تلك النسبة تذهب للمطورين العقاريين وخاصة الشركات الكبيرة التي تتمتع بملاءة مالية تسمح لها بالاقتراض بالمليارات. ومن شأن التركز في القروض الممنوحة للشركات العقارية الكبرى أن يعرضها لمشكلات السيولة وعدم القدرة على سداد الديون على المدى الطويل حال تباطأت المبيعات أو زادت فترات تحصيل الأقساط مع المنافسة الموجودة في السوق في تسهيل السداد من أجل بيع الوحدات على الورق. بالتالي، يمكننا القول إن أزمة السيولة التي تعرضت لها إيفرجراند ليست بعيدة عن أباطرة التطوير العقاري في مصر وخاصة على المدى الطويل.
تمثل الحالتان الصينية والمصرية في السوق العقاري حالة شديدة الغرابة. فمتوسطات دخول المواطنين في الدولتين لا تدعم تضخم أسعار العقارات المستمر، والاعتقاد السائد في السوق أن العقار مخزن جيد للقيمة الاقتصادية وأن له القدرة على الإبطاء من تآكل الأموال بفعل التضخم، هو اعتقاد صحيح على المدى القصير لكنه لا يمكن أن يستمر أبد الدهر. غالبًا سيعيد السوق العقاري تصحيح نفسه عبر فقاعات سعرية تنفجر من آنٍ لآخر. وحتى إذا كانت معدلات الفائدة صفرية أو منخفضة كما في حالة الصين وغيرها من الدول الأوروبية، فإن ثقة المستهلكين في النهاية سوف تتلاشى أمام فائض العرض الموجود في السوق بالفعل.
بالتالي، فإن الحديث عن الاستثناء المصري وحب المصريين للعقارات، أو الاستثناء الصيني، أو أي استثناء، لا يمكنه أن يتغلب على القواعد الحاكمة للسوق، وهي أن فائض العرض الحالي لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل دون تحسن مستمر في دخول الأغلبية وإدخال مشترين جدد للسوق، وهو شيء لا يرتبط بالسوق العقاري بقدر ارتباطه بقدرة النمو الاقتصادي على رفع دخول شريحة كبيرة من المواطنين لتشجع طلبًا أكثر استدامة على العقارات بفعل زيادات الدخول.
تخبرنا أزمة «إيفرجراند» الكثير عن إدمان الاقتصادات النامية على العقارات، وخطورة عملية حشد المدخرات المحلية في الاقتصاد من أجل تملك حوائط خرسانية، وكيف تتم عمليات المضاربة على أسعار تلك العقارات في بلدان لا يتعدى متوسط الأجر اليومي فيها عشرة دولارات. تلك الحالة المثالية من المضاربات لا بد لها من أن تنفجر في وجه من صنعوها ومن راهنوا عليها لسنوات طويلة.
تقارير ذات صلة
حكايات من طوابير شراء الذهب
ارتفعت الأسعار في السوق العالمي للذهب بنسبة قياسية بلغت 55% في الربع الرابع من العام الماضي مقابل نف
تعديلات «الضرائب العقارية».. استهداف «العدالة» لا يعرف «الجهات السيادية» ولا «أسعار السوق»
تستهدف الحكومة زيادة لافتة في حصيلة الضريبة العقارية خلال السنة المالية الجارية
المنتَج مصري والثمن بالدولار
توجه المصانع للبيع بالدولار جاء بموافقة شفهية من جهات حكومية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن