إنقاذ العالم بسباك
خطوة عزيزة #5 | الحمام
#جو عام
يدلنا هيثم الشاطر على أسباب وأسرار راحة الإنسان المعاصر في بيته، بل يذكرنا بفضل أعمال السباكة -المُتقن منها بالتأكيد- علينا، وذلك في خامس حلقات سلسلة «خطوة عزيزة» التي وضع الشاطر أساسها مع هاني المصطفى ودَعَوْا الناس للإقامة بها للكلام عن البيوت.
خطوة عزيزة، هذه المرة ادخلوا برجلكم الشمال.
#خطوة عزيزة
في السابق كان يمكن لبيت مكون من عدة شقق أن يتشارك في عداد مياه واحد بشكل رسمي. تأتي الفاتورة الشهرية فيستلمها السيد في الطابق الأرضي، ويذهب إلى النجم في الطابق الثاني، لتقسيم الفاتورة على عدد الشقق مع إضافة قيمة مواصلات السيد من البيت حتى كوبانية المياه لدفع الفاتورة.
وهل يستهلك النجم المتزوج حديثًا كميات من الماء العذب مثل ما يستهلكه السيد صاحب الخمسة أبناء؟ هل يستهلك النجم بالدور الثاني الذي تصله المياه صدفة أو من وراء حجب مثل ما يستهلكه السيد بالدور الأرضي صاحب المياه الغامرة الرشيقة.
في حالة ضعف المياه، يرفض أبو الرجال بالدور الثالث الدفع. وفي حالة تأخر المرتب، يرفض الدفع. وإذا اشترى أحد ما بأي دور ثلاجة جديدة يرفض الدفع. في الصيف، يرفض الدفع. وعند اشتداد البرد، يرفض الدفع.
في اللحظة الأخيرة قبل قطع مندوب الكوبانية المياه عن البيت يلحقه النجم ويدفع مستحقات أبو الرجال. سكان البيت غير راضين، فكرة الرضوخ لأبو الرجال وزرع عادة الدفع لغير المستحقين لن تتوقف بعد الآن.
الشهر التالي رفض أبو الرجال الدفع، لم ينتظر النجم واستدعى السباك ليمد مواسير جديدة من المنبع لشقة النجم مباشرة، تمهيدًا لتركيب عداد منفصل، يقوم السباك بتركيب وصلة حرف T أو ما يعرف حركيًا بـ«داخل خارج مغذي»، داخل للبيت وخارج لكل الجيران ومغذي فقط لعداد النجم المنفصل.
اعترض أحد السكان على ما قام به السباك للنجم، اعتراض فني مرفق برسم يؤكد أن ما قام به السباك خطأ.
النجم موظف ذو ياقة بيضاء ليس له في الفنيات، دعا ربه فتنزل عليه وحي بإجابة مانعة: «لو شغل السباك غلط مندوب الكوبانية حيرفض يركبلي العداد وساعتها حغيّر التوصيلات كلها»، توقف الجار عن الجدل وانتظر المندوب.
ذهب النجم للسباك بقلق إنسان معاصر، وسأل السباك إذا ما كان التصميم خطأ وعُرضة للرفض من قِبل المندوب، فرد السباك: «تصميم مظبوط، وحتشوف»، في حميثرة سوف ترى. ركب المندوب العداد ورفض أبو الرجال الدفع في الشهر التالي وتعلم النجم كيف يمكن مواجهة العالم بسباك.
***
كانت الشكوى من الشعور بصدمة كهربائية عند استخدام الشطافة، الماسورة المعدنية الرفيعة الملتوية تطلق رذاذًا عنيفًا من المياه المكهربة، أصبح البديل هو ملء دلو بلاستيك صغير بماء الصنبور والجلوس على طرف المرحاض لترك مسافة خلفية مناسبة لاستخدام الدلو كشطافة ضعيفة الرذاذ مع كثير من الشعور بـ«التحنيك» يصيب بالاكتئاب.
أهل الخبرة يقولون إن سبب كهربة ماء الشطافة هو ملامسة أحد الأسلاك الكهربائية العارية لماسورة المياه الموصلة للشطافة والمُصنعة من الحديد الزهر الموصل الجيد للكهرباء.
لتحديد مكان السلك العاري الملامس جرى فصل جميع المفاتيح الكهربية في المنزل وتجربة الشطافة. تقف بجانب المرحاض بزاوية تسمح بخروج المياه من الشطافة وملامستها بيدك دون أن يبتل بقية جسدك لاختبار إذا الماء ما زال يكهرب أم لا.
للأسف الظاهرة ما زالت قائمة، وذلك يعني أن السلك العاري الملامس لماسورة المياه الموصلة لشطافة المرحاض ليس في منزلك. وما منزلك سوى شقة في بيت مكون من ثماني شقق، تذهب إلى جارك وتخبره بقصة المرحاض والشطافة وتطلب منه بأمل ورجاء أن يفصل جميع المفاتيح الكهربية بشقته. ثم تنتقل لشقتك وتقف بجانب المرحاض وتختبر مياه الشطافة كما أوضحنا سالفًا، أملًا بإنهاء المشكلة سريعًا والتخلص من الشعور بـ«التحنيك» والارتباك عند إعادة حكي قصة الشطافة لكل جار تشك في أسلاكه العارية.
صادف الحظ أن تكون الشقة الرابعة هي التي توقفت عندها الظاهرة، وبكثير من التفتيش والسعي وجد أن نجفة الصالة المعلقة بجنش في السقف يخرج منها سلك به خدش بسيط في عزله الخارجي، يلمس الجنش الملامس بدوره لأحد أسياخ الحديد بداخل السقف، وأن ماسورة المياه المغذية للشطافة الملامسة لجدار البيت الخارجي المثبتة في عدة مواضع بجدار البيت بواسطة «أفيز» معدني يلامس بدوره أحد أسياخ الحديد بجدار البيت، فتكون الرواية الصحيحة لما يحدث كالتالي:
سلك النجفة العاري يلامس جنش التثبيت، يلامس سيخ حديد في سقف الشقة الرابعة، الملامس بدوره لسيخ حديدي في جدار البيت، يلامس الأفيز المُثبت به ماسورة المياه المغذية لشطافة المرحاض.
الآن تُستبدل مواسير المياه المصنعة من الحديد الزهر بمواسير مصنعة من البولي بروبلين عازلة للكهرباء، عند تركيبها بالمنازل يحضر مسؤول من الشركة المصنعة ليمنحك شهادة يدعي بها ظاهريًا أن التركيب جرى بحرفية شديدة ولا يوجد تسريب للمياه، وليطمئن العميل باطنيًا ألا تخرج المياه مكهربة من شطافة المرحاض.
***
في الطبيعي لا تصعد المياه للنجم في الطابق الثاني فترة الظهيرة، كل مَن هم أسفل منه مشغولين بفتح الحنفيات على آخرها لزوم الطبخ والغسيل. في بعض الأحيان يخامر النجم أملٌ في الرحمة، فيقترب برأسه من شباك الحمام المطل على المنور ليردد عبارتين متتاليتين:
الميّة شوية يا اللي تحت
المية حبّة وخدوها تاني
وعندما يذهب الأمل ويحل اليأس تختصر الجمل ولا يبقى سوى:
الميّة شوية
الرحمة حبّة
في الطابق الأرضي السيد ملك المياه الدائمة، لديه رحمة وحكمة يرددها بصوت عالٍ في المنور: لو كل واحد فتح الميّة على قده. ويترك نتيجة لو مُعلقة في المنور لمَن يريدها.
سمع النجم عن الموتور الذي يمكن تركيبه فتصعد المياه إليك عنوة رغم أنف الكارهين، لديه صديق في العمل تشارك هو وجاره في موتور لتقليل التكلفة، للموتور فيشة واحدة تتدلى في المنور بين شباكي الجارين، مَن يريد منهما الموتور يسحب الفيشة من شباكه يوصلها يقضي وتره من الموتور ثم يدليها من جديد في المنور وهكذا.
حل جيد على الصعيد المادي، ولكن له مساوئه على الصعيد العملي، ينسى أحدهما الفيشة حتى يحترق الموتور، تتضاعف احتمالية نسيان الفيشة وبالتالي احتراق الموتور لأن المستخدم هنا أسرتان وليست واحدة. في بعض الأحيان ينسى أحد أفراد الأسرتين أن يدلي الفيشة من المنور بعد انتهاء استخدام الموتور، فلا تتمكن الأسرة الأخرى من استخدامه ويضطر للمناجاة في المنور حتى يتنبه الجار ويدلي الفيشة، الحالة الأسوأ أن ينسى أحدهما الفيشة في شقته ويسافر. فشل إداري وانعدام مسؤولية.
ينأى النجم بنفسه عن المشاركة للخوف من الفشل ويقرر فعلها منفردًا.
في البيوت الصغيرة ذات الطوابق المحدودة يكفي موتور ربع حصان ليفي بالغرض، غابت عن النجم هذه المعلومة ومن باب الحرص على الأسرة وانتظام الحياة فيها بمياه وفيرة قرر شراء موتور حصان كامل.
لدي النجم ثلاثة أماكن لتركيب الموتور:
- في الشارع: خطر داهم من التعرض للسرقة وشعور دائم بالقلق على الموتور، ومصيره من عبث الصبية، أو بعض الجيران الموتورين.
- المنور: ليس لدى النجم «access» للمنور، قاطن الدور الأرضي يسيطر على المنور سيطرة مُطلقة لدرجة بناء سقف وجدار لضم المنور لمطبخ الشقة.
- الشقة: حل يبدو مثاليًا ووحيدًا «lonewolf».
يصدر الموتور صوتًا رهيبًا عندما يعمل، ويحدث رجة في الحمام عند بداية التشغيل، صوت ورجة لا يمكنك بعدها التنصل من تهمة قطع المياه عن البيت كله والتمتع بها وحدك.
تحوّلت أنظار البيت كله للموتور، ولم يعد يسمع في المنور سوى الدعاء عليه، آلة الشر التي لا تتوقف عن قتل أي أمل في المياه، لا يعلم النجم ما الذي حدث في مواسير المياه بعد تركيب الموتور، لكن الملاحظ أن المياه لم تعد تأتي سوى به حتى في الأوقات الميتة من اليوم، تريد استخدام الحمام قبل الفجر فلا تجد مياهًا، فلا يكون بوسعك سوى تشغيل الموتور والجلوس على القعدة منتظرًا صرخة ستنطلق في أي وقت امتعاضًا من الصوت العالي الناتج عن تشغيل الموتور قبل الفجر. في إحدى المرات انفلت الأمر بين النجم وجاره وتحول لاشتباك بالأيدي.
قرر النجم صنع صندوق يغطي به الموتور ليقلل الصوت، لم يكن التحسن كبيرًا فقرر تغطية الصندوق بملاءة بيضاء عليها ورود خضراء.
بعد التعود على وفرة المياه يصبح النجم في حيرة، لا يريد أي منا أن يصعد يوميًا على المسرح ويواجه المجتمع منفردًا، ولا نريد أن نخسر ميزة ترفيهية، مياه صافية جارية سلسبيلًا لمجرد الشعور بالجبن والخوف.
يعرف النجم أن أحد سباكي المنطقة لديه حل لجعل صوت الموتور مكتوم، يعدّل السباك الموتور بما فتح الله به عليه، يعيد السيد تركيب الموتور بداخل الصندوق المُغطى بملاءة بيضاء عليها ورود خضراء.
يختفي صوت الموتور وتختفي معه المياه من البيت.
يتوهم الجيران أن السيد قد تخلص من الموتور مع الضغط المجتمعي، وأن تركيب الموتور قد أفسد شيئًا في منظومة المياه، شيء لا يمكن إصلاحه حتى ولو أُزيل الموتور من البيت.
يقرر جيران النجم أن يركب كل واحد منهم موتوره الخاص، جرى الاتفاق على عمل بطارية، ويركب كل فرد في البيت موتور ربع حصان، وعلى الكل الالتزام بالخطة.
للنجم الآن موتور ربع حصان يقبع في الشارع بجانب بقية الأرباع لا يخاف عليه السرقة ولديه موتور حصان كامل صامت مُغطى بملاءة بيضاء عليها ورود خضراء يمكن إطلاقه في الأزمات فقط.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن