تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
إنجي أفلاطون والأخريات: سنوات في سجن القناطر للنساء (1-2)

إنجي أفلاطون والأخريات: سنوات في سجن القناطر للنساء (1-2)

الحلقة السادسة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»

كتابة: محمود الورداني 12 دقيقة قراءة

بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.

برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.

في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت  كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق، وبجواره وحوله عدد لا بأس به من شهادات المعاصرين الذين سجّلوا تجاربهم.

وفي الحلقة الرابعة والخامسة تناولت تجربة «الواحات»، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. 

ولما كانت النساء المناضلات لم يتعرضن لتجربة «الأوردي» أو «الواحات»، فقد اخترتُ كتاب «مذكرات إنجي إفلاطون التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة «الواحات»، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به أيضًا من الشهادات.

إنجي أفلاطون

تنتمي الفنانة التشكيلية إنجي أفلاطون (1924- 1989) لواحدة من أعرق العائلات الإقطاعية الأرستقراطية، بل إن اللقب الذي عُرفت به، اختاره محمد علي باشا شخصيًا ولا أقل!

الحكاية التالية ظلت العائلة تتناقلها جيلًا بعد جيل: كان الباشا محمد علي يراجع كشفًا بأسماء طلبة المدرسة العسكرية، ليختار من بينهم من سيتم إرساله للبعثات إلى الخارج. استوقفه أن اسم حسن الكاشف ملحق به كلمة« أفلاطون» فسأل وقيل له إنه اسم الشهرة يا أفندينا.. أطلقه الطلاب على حسن الكاشف لكثرة أسئلته ومناقشاته، فابتسم أفندينا» وقال لا بأس أن يكون عندنا أفلاطون. فصار لقبًا رسميًا للعائلة!

أعتمد في السطور التالية على سيرة الفنانة التشكيلية «مذكرات إنجي أفلاطون.. من الطفولة إلى السجون» دار الثقافة الجديدة- الطبعة الثانية 2014، وعلى الرغم من أن المساحة التي خصصتها لتجربة السجن، وقد امتدت لما يزيد عن ثلاثة أعوام، لا تشغل إلا أقل من ثلث صفحات كتابها، إلا أنها صفحات نادرة لواحدة من كبار الفنانات التشكيليات التي اختارت انتماءها السياسي بنفسها، وغادرت سجن الأرستقراطية بملء إرادتها، وألقت بنفسها في خضم العمل السري في منظمة حدتو، ودفعت الثمن كاملًا دون ذرة ندم!

من لوحات إنجي أفلاطون في السجن

كان من الطبيعي أن تكون لغة إنجي -وأسرتها طبعًا- الأولى هي الفرنسية، وقد كتبت مذكراتها في سنواتها الأخيرة بالفرنسية في عدة كراسات، وعهدت بها إلى رفيقها وصديق عمرها سعيد خيال، الذي ترجمها وحررها وتناقشا فيها شهورًا طويلة، لتدقيق النص وخروجه بصورة ممتازة في حقيقة الأمر.

وربما أهم ما ميّزها هو السهولة والبساطة الشديدة، والابتعاد عن المبالغات أو الشعور بأنها خاضت الأهوال، وهي تغادر سجن الأرستقراطية لتلتقي بمنظمة تعتبر نفسها حزبًا عماليًا يساريًا، وتمضي سنوات في خضم العمل السري بين رفاقها ورفيقاتها، وعندما تقع في الحب، يتصادف أن يكون حبيبها هو الشاب الماركسي كمال أبو العلا، وكيل النيابة، وستعرف أنه مثلها ماركسي، ثم يكتشفان أنهما عضوين في المنظمة نفسها. وتأتي تجربة السجن لتعبّر عنها بالطريقة نفسها: لا بطولة ولا زهو ولا إحساس بخوض الأهوال. لا أعني أنها متواضعة مثلًا أو تسلك متعمدة سلوكًا يبتعد بها عن مظنة التميز أو الرفعة.. مطلقًا كانت تتصرف بمنتهى البساطة والتلقائية.

أما أمها صالحة هانم صاحبة أشهر أتيليه للأزياء في الشرق، فكانت بدورها واحدة من المتمردات على قيم المجتمع المخملي. وإذا كانت تزوجت مثل بنات طبقتها في سن صغيرة جدًا من ابن عمها، إلا أنها سرعان ما طلبت الطلاق وأصرّت علبه بمجرد أن شكّت في سلوكه الأخلاقي، بل وخرجت ببنتيها من البيت -القصر- تمامًا، وتمكنت من الاعتماد على نفسها ووقفت ضد طبقتها، وافتتحت أكثر محلات الأزياء النسائية أناقة في شارع الشواربي في قلب العاصمة.

تتسع مذكرات إنجي أيضًا لتجربتها في الفن التشكيلي، ومن حُسن حظها أن معلمها ومرشدها الأول هو الفنان كامل التلمساني المرتبط بالماركسية، كما أن أحد أقربائها المباشرين هو الفنان محمود سعيد الذي شاهد أولى تجاربها وأقر أنها موهوبة.

تتسع المذكرات أيضًا لنشاطها في الجمعيات النسائية والمؤتمرات الدولية ومن بينها جماعة أنصار السلام، وسفرها لأوربا ممثلة لمصر، كما اشتغلت  بالصحافة وكان لها عمود ثابت بأهم جريدة آنذاك «المصري»، ودأبت صحافة «أخبار اليوم» على مهاجمتها باعتبارها الشيوعية الأرستقراطية!

تعرضت لحبسات سريعة وتلفيقات سريعة أيضًا لقضايا نجت منها، لكن أكثر الصدمات المؤلمة كانت رحيل زوجها الشاب، بانفجار في المخ أودى بحياته على الفور، بعد زواج استمر تسع سنوات تقريبًا.

عاصرت بل وشاركت في الأحداث السياسية والاجتماعية العاصفة التي كانت تتوالى في مصر. وفي عام 1959 وصلت موجة معاداة الشيوعية إلى ذروتها، وبدأت الاعتقالات وموجات الإرهاب البوليسي.

 *

من جانب آخر، كانت الحكومات السابقة على نظام يوليو 1952 حريصة على عدم اعتقال السيدات، ويبدو أنها كانت تخجل من اتخاذ مثل هذا الإجراء للنساء، لكن جو الإرهاب المفروض جعل إنجي لا تستبعد حدوثه، واتخذت قرارها بالاختفاء، وصدقت توقعاتها، فقد هاجم البوليس بيتها لاعتقالها بالفعل، وواصلت هروبها  إلى السويس، لكنها ضاقت بعد أن أمضت 45 يومًا في بطالة أرهقتها، كما أن الحزب كان يحتاج لوجودها، فرتّب لها رفاقها عودتها. تنكرت في زي فلاحة تعيش في المدينة. وحرصت إنجي على أن تذكر تنكرها بالتفصيل.

كتبت: «كان يجمع بين الاثنين -زيها- عبارة عن جلابية ماكس ومنديل بأوية يقطع الجبهة، وطرحة سوداء، وشراب وحذاء سميكين ويمتازان بالمتانة. وكنت أكحل عيني»،  مضيفة بمرح: « وبسبب هذه الملابس المنسجمة كنت أتلقى المعاكسة في الشارع من شباب الحي ورجاله، وكثيرا ما قالوا بنت البلد البيضاء الحلوة. وكنت أضحك من قلبي على تعليقاتهم».

كانت استأجرت غرفة في شبرا قريبة من ساحل روض الفرج، في شقة من ثلاث حجرات يقيم فيها رجل عجوز وزوجته، وقالت لهما إنها هاربة من بيت الطاعة!! وشاركت بسخاء في الإنفاق على المعيشة ليتسترا عليها.

وفي مساء 19 يونيو 1959 حضرت اجتماعًا حزبيًا تسلمت خلاله تقريرًا عن إضرابات عمال الترام، وعندما خرجت ألقي القبض عليها، لكنها استطاعت التخلص من التقرير الذي كان يشكل دليل إدانة ضدها. لذلك عندما قابلها اللواء اللواء حسن المصيلحي الذي كان مسؤولًا عن مكافحة الشيوعية في مصر، في مبنى المباحث العامة، تجاهلته، فقال لها بالفرنسية: ليه تبهدلي نفسك وانتي من عائلة كبيرة.. فأجابته: «أنا حرة دعني في حالي».

             *

سأعود إلى ما جرى لإنجي، فقد كان عدد المناضلات اللائي تعرضن للاعتقال يبلغ 26 وربما كان مفيدًا الكلام حولهن. 

هناك مصادر وشهادات عديدة لمعاصرات. فمثلا اعتقلت انتصار خطاب وزوجها صلاح تاركين طفليهما 14 و10 سنوات، ورفض الضابط الذي ألقى للقبض عليها أن تصطحب معها الطفلين لتوصيلهما لجدتهما في الشارع القريب.

من جانب آخر، كانت المشكلة الأولى التي واجهت تلك الاعتقالات، أن لا أحد كان فكّر في إعداد مكان لاعتقالهن. فمعتقل القلعة الذي يستضيف المناضلين، لم يكن معدا لاستقبال النساء، وهو ما دعا قائده للصراخ في القوة التي اصطحبت انتصار خطاب رافضًا دخولها! وبعد اتصالات عديدة تم إرسالها إلى حجز قسم الموسكي، ومعها ثريا شاكر التي اعتقلت في الليلة نفسها.

كانت الأخيرة اتفقت مع زوجها المناضل فوزي حبشي على أن يظل هاربًا، ولايمرّ على أسرته إلا لحظات قليلة للاطمئنان إذا ما وجد منشفة الوجه منشورة على حبل الغسيل في الشرفة المطلة على الشارع، وهي العلامة التي تعني أن المكان لا يزال آمنًا.

كانت آوت إلى فراشها متأخرة بعد الاحتفال بعيد الميلاد الثامن لابنها الأكبر. هاجمها البوليس تلك الليلة، ومن حُسن حظها أن حماتها كانت تحضر الحفل، لذلك تركت ممدوح الأكبر وحسام ست سنوات ونجوى الرضيعة التي لم يتجاوز عمرها عامًا واحدًا في رعاية حماتها. وحسبما ذكرت في شهادة لها، أنها وسط كل هذا الارتباك لم تنس أن تختطف منشفة الوجه المنشورة على الحبل، طبقًا للاتفاق بينها وبين فوزي حبشي.

أما فاطمة زكي عضو اللجنة الوطنية العليا للطلاب والعمال أثناء انتفاضة 1946، فلم يكن مرّ على زواجها من نبيل الهلالي سوى ستة أشهر، وقٌبض عليها أثناء هروبها، وأودعت قسم عابدين مع إجلال السحيمي في حجز النساء. ورفض قائد معتقل القلعة استقبال ليلى الشال أيضًا (وكان قد رفض استقبال انتصار خطاب) فأعيدت إلى المباحث العامة، فيما قُبض على ثريا أدهم زوجة حلمي ياسين من بيت أسرة زوجها، وهي تعاني من التهاب رئوي حاد، حتى أنهم اعتقلوها وتوجهوا بها إلى المستشفى رأسًا!

على أي حال اهتدى قسم مكافحة الشيوعية إلى حل مشكلة مكان إيداع المعتقلات أخيرًا، وهو سجن القناطر للنساء، وهو مجاور لسجن القناطر للرجال، الذي استضاف بدوره عددًا كبيرًا من المناضلين سواء ممن اعتقلوا عام 1959 أو قبل ذلك.

جنفيف سيداروس تركت أيضًا ثلاثة أطفال أكبرهم عمره أربع سنوات لتقضي عدة سنوات رهن الاعتقال حسبما روت في الجزء الثالث من سلسلة شهادات ورؤى السابق الإشارة لها من قبل، فيما اعتقلت ثريا إبراهيم تاركة ابنتها -تسعة أشهر- وكان زوجها مختار السيد قد اعتقل قبلها. إيفون حبشي -وكان شقيقها ضابط شرطة- توجه لاعتقالها جزار طنطا الشهير، أنور منصور، مفتش المباحث وقاتل محمد عثمان، ولم يتورع عن الإمساك بالمقص وجز شعرها بنفسه لينتزع منها أماكن الهاربين في طنطا، وعندما فشل، شحنها في سيارة مصلحة السجون مع المساجين الجنائيين من الرجال.

أما وداد متري فلم تمكث في المعتقل إلا خمسة أشهر، وتعرّضت أثناء القبض عليها وهي تسير في الشارع مع رفيقها فخري لبيب لالتواء في ذراعها، بسبب العنف المستخدم معها. والأكثر إزعاجًا بالنسبة لها هو أن أسرتها كانت تستعد للسفر إلى الإسكندرية بعد ساعات، وخرجت من بيتها بعد أن قالت إنها لن تتغيب أكثر من نصف ساعة، وكان كل ما يهمها بعد القبض عليها قلق أمها وشقيقتها، فقد كانت كبيرة العائلة ومسؤولة عنها بعد وفاة والدها.

وداد متري وإيفون حبشي تم تقديمهما للمحاكمة في قضية، لذلك يبدو أنهما كانتا تقيمان في عنبر آخر باعتبارهما تحت التحقيق، وهو العنبر الذي كانت تقيم فيه مسجونات أخريات من بينهن مارسيل بنينو -الجاسوسة الإسرائيلية، إلى جانب أجنبيات أخريات مثل ماري بابا دوبلو وليفكي ياناكاكيس اليونانيتين، ثم ميمي كانل المتزوجة من كمال عبد الحليم أحد قادة «حدتو»، وكان محكومًا عليها بثلاث سنوات أمضتها وخرجت من مصر، لكنها عادت متنكرة، وقبض عليها، حسبما ذكرت ثريا شاكر في ورشة العمل التي نظمتها لجنة توثيق تاريخ الحركة الشيوعية. وصدر حكم ضدها بخمس سنوات أمضتها كاملة. وأضافت وداد متري في المصدر نفسه أنها كانت عازفة موسيقى ماهرة، وقد سمحوا لها في السجن بدخول آلة كمان، كانت تعزف عليها موسيقى كلاسيكية عندما تكون حالتها طيبة، إلا أنها كانت تفرض عليهم أن يرتدين ملابس رسمية إذا رغبن في الاستماع إلى عزفها!

وداد متري

أما العنبر الذي كان يضم القسم الأغلب من المعتقلات، فكان أصلًا اسمه عنبر الدعارة، حسبما قالت ليلى الشال لفخري لبيب في كتاب الأخير «الشيوعيون وعبد الناصر». وبعد تسكين الشيوعيات أطلق عليه عنبر الشيوعية، وهو مبنى طوله عشرة أمتار وعرضه خمسة أمتار كان به سبعة سٌرر في صفين، وكل سرير مكون من ثلاثة طوابق. لا توجد على السرير حشايا ولا أية مفروشات أخرى. فقط على كل سرير بطانية واحدة. وبالعنبر جردلان.. عندما دخلت الرفيقات العنبر لم يكن لدى أي منهن فكرة عن استخدامهما، وأخبرتهن السجانة: واحد للشرب والآخر لقضاء الحاجة.

منطقة القناطر التي تضم سجنًا للرجال وآخر للنساء، يفصل بينهما شارع واسع، تعد من أكثر المناطق سحرًا، وخصوصًا في الشتاء (كاتب هذه السطور أمضى بضعة أشهر في سجن القناطر للرجال في شتاء عام 1983) فالأرض من أجود الأراضي وأكثرها خصبًا، والأشجار كثيفة ومتنوعة، والطبيعة سخية للغاية، والأوان والظلال دائمة التغير والتنوع، لكن البرد قارس حقًا، تشعر به يدق عظامك.

           *

في كتيب صغير أهداني إياه قبل سنوات طويلة صديقي المناضل الراحل عريان نصيف، عنوانه «المرأة المصرية واليسار»، تذكر ثريا حبشي أسماء 24 معتقلة ومسجونة من بينهن تسع أمهات تركن أطفالهن خارج الأسوار، والباقيات توزعن بين من تخرجن من الجامعات أو ما زلن طالبات، إلى جانب عاملة من شبرا الخيمة، وفتاة صغيرة من بني سويف عمرها 16 عامًا. وحسبما ذكرت ثريا إبراهيم في شهادة لها، فإن البنت لم تكن شيوعية بل تلميذة لمدرس شيوعي في بني سويف، أمضت ثلاث سنوات في السجن وخرجت شيوعية، بل ورفضت كتابة استنكار مقابل الإفراج مثلما فعل البعض من الرجال.

من لوحات إنجي أفلاطون

من جانب آخر، تركزت جهود المباحث وإدارة السجن على الضغط على من تركن أبنائهن بحرمانهن من رؤيتهم، ومما ضاعف من حجم المشكلة أن الآباء كانوا غالبًا رهن الاعتقال. أغلبهن كن يدخلن السجن للمرة الأولى، والعنبر مغلق طوال اليوم إلا للذهاب إلى دورة المياه الموجودة في مستشفى السجن مرتين في الصباح والعصر. الكتب والجرائد والزيارات ممنوعة والطعام بالغ الرداءة، فكان يجب مواجهة تلك الأوضاع وتغيير ذلك الجو المقبض.

 وحسبما روت فاطمة زكي لفخري لبيب في كتابه «الشيوعيون وعبد الناصر»: «اتفقت أنا وثريا أدهم وسعاد الطويل وإجلال السحيمي على ضرورة عمل شيء ما. في اليوم التالي ساعة طابور الصباح، صحتُ في الجميع أن يتجمعن معا لنبدأ تمارين رياضية.. شكلن دائرة وبدأت التمارين.. واحد اتنين..الرأس واليدين، البطن والرجل ثم رقص إيقاعي. خطوة لليمين.. خطوة لليسار. المسجونات العاديات يتساءلن عن هؤلاء اللواتي يرقصن داخل السجن. بعد هذا الطابور الرياضي توجهنا للاغتسال في دورة المياه، ثم تناولنا الإفطار. بدا الأمر وكأننا في معسكر خاص بنا. كان الأمر هو تحطيم رهبة السجن».

بعد شهرين فقط، أدلى جمال عبد الناصر بتصريح شهير للصحفي الهندي كارنيجيا.. قال فيه: «ليس في مصر معتقلين أو معتقلات، ووصلت الصحيفة التي نشرت الخبر إلى سجن القناطر. وأثناء المناقشة تذكرت ثريا حبشي ما سمعته من زوجها فوزي حبشي أن مصطفى النحاس رئيس حكومة الوفد عام 1948 أعلن أنه لا توجد معتقلات في مصر، وخرج الجميع في اليوم نفسه بناءً على ذلك التصريح.

تروي ثريا شاكر ما جرى بعد مناقشة تصريح عبد الناصر قائلة: «اتفقنا فيما بيننا أننا سوف نذهب بعد الطابور إلى غرفة المأمور ونخبره أننا قررنا الاعتصام عنده حتى يأتي من يؤكد لنا وضعنا الحالي.. فرئيس البلاد يقول بالفم المليان إن ما عندوش معتقلين.. نبقى إحنا مين؟! بعد طابور الصباح ذهبنا بشلة المعلم إلى غرفة المأمور وأخبرناه بما اعتزمناه. بالطبع رفض أن نحتل غرفته وهاج وماج وهدد بالويل والثبور حتى نرتدع ونعود إلى عنبرنا. لكن إحنا لم نهتم وأصرينا على موقفنا، فأدخلونا غرفة مقابلة لغرفة المأمور.. وحضروا حوالي 200 أو 300 عسكري عملوا التمام والفرقعة بالسلاح وهذا بالطبع للتخويف. وبعد أن تركونا لمدة ساعة تقريبًا وهي المدة التي عمل فيها الاتصالات والذي منه وحضر مدير المنطقة ونقلوا السجن.. يعني أدخلوا كل السجينات في عنابرهن إلا من حوالي 30 أو ربما أكثر المعروف عنهن الخناقات وضخمات الأجسام وأدخلوهن علينا في الغرفة الصغيرة اللي إحنا مزنوقين فيها وكل واحدة منا استلمها اتنين على الأقل من المسجونات الفظيعات وهات يا ضرب فينا وشد شعر وسحل والذي منه فهتفنا رغم كل هذا ونحن مسحولين إلى العنبر: تسقط سياسة الكذب والنفاق.

وهكذا حتى وصلنا إلى العنبر مكسرين مدغدغين. وفاطمة زكي كسر لها ضلع. وسجلوا الحادث على أنه خناقة بين المسجونات العاديات والمعتقلات الشيوعيات وأوقعوا علينا عقوبات كثيرة..».

لكنني ابتعدتُ كثيرًا عن استكمال  تجربة إنجي أفلاطون التي أودعت أيضًا مع زميلاتها السجن نفسه، وهو ما سوف أواصله في السطور التالية.         

  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن