تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
إنجي أفلاطون والأخريات: سنوات في سجن القناطر  (2-2)

إنجي أفلاطون والأخريات: سنوات في سجن القناطر  (2-2)

الحلقة السابعة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»

كتابة: محمود الورداني 13 دقيقة قراءة

بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.

برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.

في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت  كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق، وبجواره وحوله عدد لا بأس به من شهادات المعاصرين الذين سجّلوا تجاربهم.

وفي الحلقة الرابعة والخامسة تناولت تجربة «الواحات»، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. 

ولما كانت النساء المناضلات لم يتعرضن لتجربة «الأوردي» أو «الواحات»، فقد اخترتُ كتاب «مذكرات إنجي إفلاطون التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة الواحات، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به أيضًا من الشهادات، وذلك على حلقتين. اقرأوا الجزء الأول هنا

إنجي أفلاطون

..وهكذا في العاشرة والنصف صباح أحد أيام يونيو 1959، وصلت إنجي إلى سجن القناطر للنساء، وهي لا تزال ترتدي الطرحة والمنديل بأوية -زي تنكرها-، لكن الُكُحل كان ساح طبعًا. كانت في حالة إعياء شديدة، فلم تتعرف عليها زميلاتها اللاتي كن يسرن في حوش السجن، لوّحت من بعيد بحماس، لكنهن ظنن أنها مسجونة تسول! وما لبثت السجانة أن اصطحبتها إلى العنبر قائلة: أهلا.. أخيرًا وصلت أنجا الأنفلوطي!

أما إنجي فقد كان الخوف مسيطرًا عليها. هل سوف تستطيع تحمل ظروف السجن الذي تعبر بوابته للمرة الأولى في حياتها؟!

كانت تلك هي المرة الأولى أيضًا في تاريخ البلاد التي تجرأت السلطة على اتخاذ قرارات باعتقال النساء، وهو ما يعكس المناخ الإرهابي والهوس المعادي للشيوعية الذي سيطر على بلادنا، وكانت أخبار تعذيب المعتقلين من الرجال منتشرة، واستشهاد عدد منهم مثل فريد حداد وشهدي عطية الشافعي أثناء تعذيبهم. ذكرت إنجي أنه كانت هناك محاولة لقتلهن قتلًا بطيئًا، والاعتقال لا يخضع للقوانين واللوائح السارية على المساجين العاديين، ويخضع تمامًا لأوامر مباشرة من أجهزة الأمن، فتم أولًا عزلهن في عنبر منفصل عن الجنائيات، وإغلاق العنبر 24 ساعة باستثناء ساعة في الصباح ومثلها في المساء، للذهاب لدورة المياه وتنظيف جرادل البول والتموين بالمياه ساعة تمام السجن. بالطبع الجرائد والكتب والأقلام والزيارات كانت -وغيرها كثير- من الممنوعات.

بعد فترة لم تطل كثيرًا، بدأن في تلمس طريقهن، وبسجائر الوينجز بدأت الأمور تستقر، وحصلن على الكثير من الممنوعات. كذلك شكلن لجنة قيادية منتخبة، والأخيرة نظمت برنامجًا تثقيفيًا. وبالتدريج أمكن التعامل مع المكتبة، ومن بين الكتب التي استعارتها، صادفت بعض الكتب التي كانت ترسلها لزوجها الراحل كمال أبو العلا، عندما كان مسجونًا في سجن القناطر للرجال. كذلك استطعن أيضًا تدبير دخول جريدة «الأهرام» لفترة طويلة ونجحن في تنظيم حياة عامة معتبرة، بحيث يشترك الجميع في اقتسام وتوزيع جميع الموارد التي تأتي من خارج السجن بالتساوي.

            *

بعد شهرين أو ثلاثة، شعرت بالرغبة في ممارسة الرسم، وكانت حصلت قبل دخولها السجن على جائزة مهمة في الرسم قدرها مئة جنيه -بأسعار ذلك الزمان- وكان مدير سجن النساء لحُسن حظها رجلًا يحب الرسم ويمارسه سرًا، وعقدت معه اتفاقًا بأن يوفر لها السجن الأدوات والأوراق، وبعد ذلك تباع اللوحات لصالح السجن، ومدير السجن هاوي الفنون كان يعلم بالجائزة.

في البداية اشترط عليها ألا ترسم السجن، لكنها بدأت في رسم السجينات، ولم يستطع المدير بيع اللوحات، فكان الحل أن تقوم زميلاتها بشراء اللوحات من المبالغ المودعة أمانات في السجن!

تغيّرت إدارة السجن أكثر من مرة، وعانت من التضييق والانفراج، واستطاعت تهريب بعض لوحاتها من السجن، وكانت تضطر أحيانًا لرسم اللوحة مرتين، ويتم تهريب واحدة وتسلم الثانية لمدير السجن، والذي يعلّقها في بيته لو استهوته.

ساعدتها كثيرًا شقيقتها جُلبيري زوجة إسماعيل صبري عبد الله، الذي كان مسجونا آنذاك، ساعدتها بتوفير الأدوات والأوراق، فقد كان ما يرد لها من السجن أصنافًا رديئة، وساعدتها أيضًا بتكثيف الاتصالات من خلال العلاقات العائلية لتسهيل السماح لها بالرسم. جُلبيري كتبت ونشرت بالفرنسية وفي دور نشر مرموقة باريسية عددًا من النصوص الشعرية والقصصية، إلى جانب سيرتها الذاتية الضخمة «ثلاثية جلبيري» التي تأخرت ترجمتها إلى العربية كثيرًا ولم تصدر إلا عام 2011 عن المركز القومي للترجمة، (بلغ عدد صفحات الترجمة العربية 819 صفحة من القطع الكبير، وهو عمل بالغ الأهمية من زوايا متعددة على الرغم من الترجمة غير الموفقة) وخصصت الكاتبة جزءًا من الثلاثية لـ«رحلة السجون» فعلى الرغم من ابتعادها عن التورط السياسي المباشر في التنظيمات الموجودة، إلا أنها كانت متزوجة من شخصية مهمة في الحزب الشيوعي المصري «الراية»، بل وأحد مؤسسيه، إسماعيل صبري عبد الله، وشقيقتها إنجي (كانت عضو في اللجنة المركزية لـ«حدتو») وزوج شقيقتها كمال أبو العلا، وكانا من المعروفين جيدًا في منظمات اليسار.

مذكرات إنجي أفلاطون

بطبيعة الحال فرض السجن نفسه على لوحاتها. تعرّفت للمرة الأولى على الحاصلات على حكم بالمؤبد سواء لقتل أو مخدرات، يعشن كملكات في السجن، ويحتقرن صاحبات قضايا الدعارة والسرقة. تعرّفت أيضًا على العالم السري للجنائيات، فكلمة «أختي» تعني العشيقة، وفي بعض الحالات، كوّن بعضهن أسرًا من مسجونتين وتبنين أطفاًلا ممن يولدون داخل السجن، وكان هناك تقسيم عمل واضح بين الأختين: واحدة تقوم بعمل المرأة، والأخرى تقوم بعمل الرجل، هذا إلى جانب قصص الغرام الملتهبة والصد والهجر، وفي بعض الأحيان كانت تندلع معارك رهيبة بسبب الغيرة أو رغبة إحدى الأختين في عدم الاستمرار.. وفي كل الأحوال تعد السجانات جزءًا أصيلًا من هذه الحياة السرية، وبعضهن مارسن علاقات حب مع المسجونات اللائي وقعن في غرامهن.

وعندما طالت الفترة التي تولى فيها المأمور عبد القادر فهمي، المعروف بقسوته المفرطة وتفتيشه المتواصل، إلى جانب أن الاتصال بالخارج والزيارات كانت مستحيلة خلال الفترة بين 1960 و1962.. كان الحل أمام إنجي أن تستخدم العلاقات العائلية في تدبير نقلها إلى «قصر العيني»، والذي كان يمثّل انفراجة كبرى. أدّعت أنها مصابة بمرض جلدي خطير، وساعدها طبيب مشهور وشجاع أيضًا فأمر بنقلها إلى «قصر العيني» على مسؤوليته.

تعترف إنجي بانفراجة «قصر العيني» وما مثّلته لها من حرية نسبية. وفي تلك الفترة تحديدًا تم إعلانها بالقضية. وكانت تهمتها أنها أحد قيادات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المصري، ما يعني الحكم عليها بعشر سنوات، كما جرى بالفعل مع عدد من الزملاء من قبل. التقت بمحاميها الذي بنى دفاعه على أنها سيدة فرنسية التكوين ولا تعرف العربية، وأكّد عليها ألا تقدّم دفاعًا سياسيًا، أي تعترف بانتمائها إلى الحزب، ففرصها في الإفلات شبه مؤكدة. وبالفعل حُكم عليها بثلاث سنوات كانت أمضتها بالفعل.

تم ترحيلها من قصر العيني إلى السجن بعد صدور الحكم، وطلبت من شقيقتها جُلبيري أن تحضر لها شيكولاتة وحلويات من جروبي للاحتفال بالحكم الذي كانت أنهته فعلًا، وإن كان هذا لا يعني الإفراج عنها، وقد دأبت أجهزة الأمن آنذاك على استصدار قرارات اعتقال لكل من أنهى مدته من السجناء والسجينات، في  اليوم نفسه.

من لوحات إنجي أفلاطون

كتبت إنجي عن السجن:

 «كنا نعيش حياة جماعية. نعيش معا ليلًا ونهارًا، شركاء في كل شيء، في المأكل والمشرب، في المعاناة وتحمل الأذى، في الحرمان والقلق، وحتى في الحمام فالأدشاش مرصوصة بلا سواتر، فنذهب جماعة ونخلع الملابس ونستحم عرايا كلنا معا. لا شيء يُخفى من شخصية الإنسان ومن طباعه، كله على المكشوف، وبصراحة، وطبعًا توجد فروق في السلوك والاهتمامات ومن الصعب إرضاء (أكثر من) عشرين امرأة، ثم أن المرأة عموما تتحدث بصوت عال، وهذه العادة كانت تجنني، ولم أكن وحيدة في ذلك. كنا مدركات أننا سنمضي في السجن مدة طويلة، ومن المهم أن تحافظ الواحدة على نفسها صحيًا ومعنويًا، وأنا كنت خائفة من الناحية العصبية لأن توتر الحياة  شديد في السجن. وكان بجوارنا عنبر المسجونات يُجمع فيه الإيراد الجديد ويُعاد توزيعه، وطوال الليل كنا في ضجيج يصل للسماء».

          *

كذلك شهدت إنجي -بل شاركت ونظمّت- أول إضراب سياسي في السجون النسائية المصرية. كان من المهم إعداده جيدا بإبلاغ الخارج للمساندة والدعم، ومن المهم في الوقت نفسه إبلاغ رفاقهم في سجن القناطر للرجال. تمكنت إنجي من تدبير الذهاب إلى «قصر العيني» حيث أبلغت أختها لتعمل على توصيل الخبر للخارج، وكان لها اتصال بالمنظمات الديمقراطية. وفي اليوم السابق للإضراب، أرسل لهم رفاقهم في سجن الرجال نصائح مثل ضرورة تناول الشربة لتنظيف المعدة وعدم بذل أي مجهود.

وهكذا في ديسمبر 1962 بدأ الإضراب بإبلاغ الإدارة أنهن مضربات حتى الإفراج. كان من المفروض أن تأتي النيابة في اليوم التالي، لكنها ماطلت حتى اليوم الخامس للإضراب. سجلن احتجاجهن في محضر النيابة على سياسة القهر وطالبن بالإفراج الفوري. تم نقل المضربات إلى مستشفى السجن وخضعن لإشراف طبي، وتشير إنجي هنا إلى تعاطف الأطباء معهن.

بعد مرور ثلاثة أيام، يفقد الجسم 18 كيلوجرامًا ويبدأ الإحساس بثقل الزمن، وحاولت أجهزة الأمن كسر الإضراب بحيلة رخيصة، وطلبوا ثريا شاكر زوجة فؤاد حبشي للزيارة. أسرعت ثريا، وهناك وجدت ابنها البالغ من العمر 13 سنة. كانت الأجهزة أوهمت الطفل أن أمه في خطر، ورتّبوا الزيارة ليقنع أمه بوقف الإضراب. كان الموقف غير محتمل، والأم أصابها الدوار وعلى وشك الإغماء. كيف تواجه ابنها الذي يتوسل إليها أن توقف الإضراب؟ سارعت بعض زميلاتها في احتضان الطفل وتهدئته..

واجهن مواقف رخيصة من ذلك النوع على مدى الأيام الـ17 التي استغرقها الإضراب، وقد أدى دوره ومن المهم فكه في وقت اعتبرنه الذروة بعد أن وصلت أصواتهن إلى الخارج. حضرت لجنة من مدير المنطقة وضابط من السجون وآخر من المباحث العامة. سجلن أولًا مطالبهن: الإفراج والسماح بزيارات الأهل والسماح بقراءة الصحف، وأن يتسلمن الطعام من المتعهد غير مطبوخ ويقمن بطهيه مع السماح لهن بحيازة وابور جاز.

أما السجينات الجنائيات فقد عبرن عن فرحهن بنجاح إضراب السياسيات بإهداء الحلو -وكان برتقال- وأرسلنه لهن.

           *

كانت هناك استثناءات قليلة جدًا، حصلت إنجي على بعضها بحكم صلات أمها الواسعة، مدام صالحة، سليلة أعرق البيوت الأرستقراطية، والتي استطاعت تدبير زيارة خاصة (لم يكن من حق المعتقلات الحصول على زيارة) بعد جهود مضنية وعدة تلغرافات لجمال عبد الناصر وضغوط مختلفة، ولم تتم في السجن نفسه للحفاظ على السرية، بل في فرع المباحث العامة فرع شبرا الخيمة،  الذي نُقلت إليه في سيارة خاصة، وبالتحديد في غرفة صغيرة خاصة برئيس المباحث بالمنطقة ليستمع لما يقال في الزيارة.. جاءت أمها وأختها.

استغرقت الزيارة وقتًا قليلًا، وقامت مدام صالحة بشغل الضابط بحديث جانبي لتتمكن إنجي من معرفة ما تريده من أخبار سياسية من أختها. كان مع الأم لفة طعام حاولت إنجي أن تأخذها معها إلى السجن لتقتسمها مع زميلاتها، لكن ضابط المباحث أصّر على تناولها الطعام هنا أمامه. لم يكن هناك مفر أمامها، كما أنها كانت محرومة من وجبة دجاج محمر على هذا المستوى، فانقضت على الطعام دون أن تبالي، وهو ما أثار مدام صالحة وصاحت فيها بالفرنسية:

 «كيف تأكلين بيديك الاثنتين! لما ترجعي البيت سترين ماذا أفعل!!»  

*

من جانب آخر، سجلّت شهادات المناضلات في عدد آخر من المصادر سالفة الذكر تجارب تختلف عن تجربة إنجي. ثريا أدهم مثلا، كان موقفها القانوني جيدًا، فلم يثبت عليها إلا مجموعة من الخطابات الشخصية بينها وبين زوجها حلمي ياسين، ومع ذلك أصرّت أن تقدم دفاعًا سياسيًا أثناء محاكمتها، وكانت أول امرأة مصرية تقدم دفاعًا سياسيًا، وعندما قاطعتها هيئة المحكمة، قفزت فوق مقعدها داخل القفص، وألقت دفاعها الذي تركّز حول أزمة الديمقراطية باعتبارها الطريق الوحيد للحفاظ على استقلال الوطن، واختتمت دفاعها السياسي قائلة:

«وليس لدي ما أقوله سوى أنه يشرفني أنني منذ عام 1946 وأنا أقدم لها كل ما أملك بلا تردد وبلا مقابل في سبيل قضية بلادي العزيزة وشعبها الحبيب لقد اشتركت أثناء مذبحة كوبري عباس في فبراير 1946 وكذا 21 فبراير 1946، وكنت عضوة في لجنة العمال والطلبة، واشتركت في إضرابات عام 1947 ، ونتيجة لنشاطي الوطني إبان العهد الملكي وإرهاب إبراهيم عبد الهادي عام 1949 حُكم عليّ بالسجن، وفور خروجي اشتركت في معركة الكفاح المسلح في القنال عام 1951، واستمر نضالي الوطني بعد الثورة، وساهمت في كل معارك كفاح شعبنا، ففي عام 1956 كنت عضوة في لجنة المقاومة الشعبية في كفر الدوار، وفي 1957 كنت عضوة في لجنة التوعية الانتخابية، وفي عام 1958 قمت بدوري في توعية الشعب بأهمية الوحدة العربية والديمقراطية بالنسبة لكفاح شعبنا وكافة الشعوب العربية».

وأضافت:

«وأنا اليوم بعد ثلاث سنوات من الاعتقال، وبعد كل ما قاسيته وأقاسيه من تدهورسريع في صحتي يكاد يودي بحياتي، بعد كل التعذيب الوحشي الذي لاقاه زوجي محمد حلمي ياسين في معتقل أوردي أبي زعبل، أعلنها مدوية إني أفخر وأعتز بنضالي وتضحياتي من أجل بلادي، وإني مستعدة، اليوم وغدا، وفي كل وقت، أن أقدم حياتي حتى آخر قطرة من دمي في سبيل مصرنا العزيزة ومستقبل شعبنا الباسل المجيد».

ومع ذلك حُكم عليها بثلاث سنوات كانت أمضتها بالفعل، فتحولت إلى معتقلة! وهو نفس ما جرى مع ثريا إبراهيم التي كان من بين قرائن الاتهام ضدها أن لها طفلة اسمها مير أي السلام بالروسية! حيث حُكم عليها بسنتين ثم تحولت إلى معتقلة، وهو أيضًا ما جرى مع نوال الحملاوي التي حُكم عليها بسنتين وتحولت إلى معتقلة.

           *

إلى جانب ذلك لعبت الأمهات دورًا معتبرًا في الحركة الشيوعية. وعندما التقيتُ بالمناضل الراحل عريان نصيف لنتجاذب أطراف الحديث حول دور الأمهات، عندما كنت أجمع مادة كتابي «حدتو.. سيرة ذاتية لمنظمة شيوعية» -كتاب الهلال-2007، ضحك قائلًا إنه جنّد أمه الرفيقة صفية (اسمها الحزبي). فوجئ أولًا عندما علم أنها كانت تقرأ الكثير من أوراق «حدتو» التي يحتفظ بها في البيت دون علمه. اقتنعت بما قرأته في الأوراق والمطبوعات. وحسبما روى فخري لبيب في الكتيب الذي أعدته لجنة إحياء ذكرى شهداء ومناضلي اليسار حكاية الرفيقة صفية..

 بعد معركة 1956، وفي جلسة صفاء بين الأم وابنها، طلبت منه أن يشرح لها أفكاره وقضيته بالتفصيل.. وفي النهاية قالت له:

  «لو كان السيد المسيح عايش لاتهموه بالشيوعية وسجنوه!» 

وفي اليوم التالي طلبت السيدة أنس غبريال حنا الانضمام لـ«حدتو»، واختارت «صفية» اسمًا حزبيًا لها اعتزازًا بدور صفية زغلول، وعملت في جهاز الاتصال الذي يعد أكثر الأجهزة حساسية، ويتطلب السرية الشديدة والذكاء.

وعندما تمت الوحدة بين المنظمات المختلفة، أعدت الرفيقة صفية لعريان نصيف تورتة على شكل المنجل والمطرقة منقوش عليها: الحزب الشيوعي المصري الموحد 8 يناير 1958، وفي تجريدة يناير 1959 هرب عريان نصيف من القبض عليه، فاعتقلت الأجهزة والده وشقيقته الصغرى حتى يسلّم نفسه. وأصيبت شقيقته بانهيار عصبي حاد فأفرج عنها، فيما أخذوا الأب في نزهة طويلة بين أقسام بوليس طنطا والإسكندرية والقاهرة (كعب داير) فأصيب بالشلل بسبب ما تعرض له من إهانات.

         *

 وأخيرًا.. كانت إيفون حبشي آخر من أفرج عنها.

أفرج عنها عدة مرات!! المرة الأولى في 24 يوليو 1960، ثم أعيد القبض عليها في أبريل 1962، وأفرج عنها في فبراير 1963، وأعيد القبض عليها مرة ثالثة في ديسمبر 1963. كان يمكنها احتمال كل ذلك، ما دامت تقضي فترات اعتقالها بين رفيقاتها في سجن القناطر، إلا ما جرى لها في المرة الأخيرة، فقد سقطت في كمين أعد لها بدقة، حيث اتصل بها هاتفيًا شخص طلب مقابلتها، وعندما التقيا أخبرها أن أحد الرفاق -المعروفين لها- أرسله ليسلمها بعض الأوراق. وفي الموعد المحدد ألقي القبض عليه فور تسلمها الأوراق. طبعا هناك غفلة واضحة ومدهشة لمناضلة ذات خبرة مثلها!

قضت سبعة أيام في حجز قسم الخليفة الكريه، فهو إحدى أبشع المحطات التي يتم فيها تجميع المساجين. حقق معها وكيل النيابة تحقيقًا صوريًا استمر ليلة كاملة حتى الخامسة صباحًا بهدف إنهاكها، وبسبب صلابتها في التحقيق أودعت سجن القناطر نساء في عنبر المخدرات لتقضي وحدها 70 يومًا في حبس انفرادي، وأجبرت على ارتداء ملابس السجينات المحكوم عليهن، فيما تقضي لوائح مصلحة السجون، بارتداء المسجونات تحت التحقيق ملابس بيضاء، ثم أفرج عنها في أواخر مارس، لتكون بذلك آخر شيوعية يُفرج عنها. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن