أين ذهبت فراخ كريمة مختار؟
وقف عبدالمنعم مدبولي يتصبب عرقًا محاولًا إخفاء آلام خواء جيبه، فيما تعلو نقنقات الفراخ من حوله حين يلتقطها الفرارجي المتحمس مناولًا عددًا كبيرًا من الفرخات لكريمة مختار، التي تستعد لشرائها. أخيرًا يعبر مدبولي عن ما ضاق به صدره، محاولًا إيقاف أيدي الفرارجي واستجداء مختار للتوقف، متسائلًا عن أهمية شراء الدواجن، لتجيبه مختار مستنكرة «أمال أحلام تتنفس بإيه؟ ده العيل ينزل من هنا، نحط مطرحه فرخة من هنا تسند قلبها».
أحلام في فيلم الحفيد لم تكن الوحيدة التي تحرص والدتها على شراء الفراخ لها بعد الولادة. جرت العادة أن تتناول النساء بعد الولادة فرخة كل يوم حتى يتم الرضيع أربعين يومًا. لكن أي فراخ؟ «ما كنا اشترينا فراخ من الجمعية، لا تعب ولا تنضيف»، اقترح مدبولي. رد عليه الفرارجي «هي فراخ الجمعية تنفع؟ دي شوربتها زي الفول النابت». أكدت مختار من جانبها أن «البلدي بلدي.. أمال إيه، البلدي يوكل».
المشهد الشهير عبّر عن فكرة واسعة الانتشار. صحيح أن الفراخ البلدي سعرها أكبر ووزنها أقل، إلا أنه، على عكس فراخ الجمعية، «يوكل».
https://www.youtube.com/watch?v=viBs44Zl2Aw&t=5598s
في زمن مضى، كانت تربية الطيور البلدي في المنازل علامة على الثروة والخير. في العزائم والمناسبات، يظهر البط والأوز على الموائد بكثرة، أو الديك الرومي في المناسبات الأكثر تميزًا كحفلات الزواج. وبعد انتشار ثقافة استهلاكية جديدة، حافظت الدواجن «البلدي» على سمعة أفضل من مثيلاتها البيضاء في الثقافة الاستهلاكية، حتى إن اضطروا لشراء الأخيرة لسعرها الأقل.
الفراخ البلدي التي أصرت كريمة مختار على شرائها في الفيلم هي فراخ «فيومي». لكن هذه الفرخة، كمثيلاتها من أنواع الفراخ البلدي، اختفت تقريبًا من الأسواق، وربما كذلك من المخيلة الثقافية العامة، خلال العقود الماضية. ماذا حدث إذًا لفراخ كريمة مختار؟
***
تعوّد عادل عبدالسلام أثناء طفولته رؤية الكثير من الفراخ تلهو وتتجول أمام منازل أهل الفيوم الذين اعتمدوا على تربية الدواجن المصرية الأصيلة لتأمين مصدر لا ينضب من الفراخ، وخاصة الفراخ «الفيومي» التي توطنت المدينة وقراها المجاورة منذ آلاف السنين.
نما اهتمام عبدالسلام بالفراخ «الفيومي» بعد تخرجه في كلية زراعة عام 1994، ليتخصص في الإنتاج الداجني، ويعمل باحثًا بوزارة الزراعة بالفيوم، فضلًا عن عمله كاستشاري لمشاريع بالجامعة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
رغم اقتران صفة «البلدي» باللون الأحمر، إلا أن الحقيقة أن ألوان الفراخ المصري متنوعة. تُقسم الدواجن المصرية الأصيلة إلى أربعة أنواع رئيسية وهي «الفيومي» أو «البيجاوي»، و«الدندراوي» في الصعيد وقنا على وجه الخصوص، و«البلدي» وهو الأكثر انتشارًا في الدلتا، وأخيرًا «السيناوي»، بالإضافة إلى نحو 17 نوعًا مستنبطًا، اعتمدت معظمها في التهجين على الفراخ «الفيومي» كأساس، وخلطه بسلالات أخرى مصرية وأجنبية، بحسب عبدالسلام.


[رسم: أنواع الفراخ المصرية الأربعة: الفيومي، الدندراوي، البلدي، السيناوي]
تؤرخ بعض الدراسات وجود الفراخ «الفيومي» في مصر إلى أيام الفراعنة، بعد أن أحضرها تحتمس الثالث من كنعان، ضمن غنائم بعد انتصاره في معركة مجدو في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. عُرفت الفرخة في ذلك الوقت باسمها الآخر «البجاوي» نسبة لقبائل البجا التي امتهنت تجارة الدواجن في ذلك الوقت، ويعيش أحفادها الآن كبدو رحّل في صحراء مصر الشرقية، وفي السودان وإريتريا. بين القرن الخامس عشر والعاشر قبل الميلاد، تغير مناخ الفيوم تدريجيًا، وبدأ منسوب المياه الجوفية في الانخفاض، بعد أن كان حوض الفيوم منطقة زراعية خصبة، ما أثر على قدرة المنطقة في احتضان المزارعين، فابتعدوا عنها عائدين مرة اخرى لوادي النيل، وتاركين منخفض الفيوم بالانهيار. ولكن الفرخة «الفيومي» استطاعت الصمود وحدها لآلاف السنين قبل أن تغزو أراضيها أنواع فراخ مستوردة لتحل محلها في إنتاج الشركات وصغار المربين على حد سواء.

تتمتع الفراخ «الفيومي» بصفات وراثية فريدة اكتسبتها من حياتها البرية، والتي سمحت للفرخة النحيفة أن تتميز بمهارات مذهلة في البحث عن الطعام، ومناعة قوية جدًا ضد الأمراض، وتحمل مرتفع لتقلبات المناخ، جعلتها مقاومة لكل مصاعب الحياة.
إلى جانب لونها الفضي المميز، تشتهر الفراخ «الفيومي» بعصبيتها ومزاجها الحاد، وكرهها للحبس. ورغم صغر جسم الفرخة المرقط بالأسود، تعتز بنفسها، وتبدو أبية بصدر منتفخ، وعنق مستقيم، يعتليه رأس فضي، على جانبيه عيون كبيرة داكنة، متمرسة في مسح السماء بحثًا عن الطيور والحيوانات المفترسة، كما تمتلك مخالب قوية أهلتها لتصبح مقاتلة شرسة ضد ما يهددها.
أحمد محمود، صاحب إحدى المزارع القليلة التي تربي الفراخ «الفيومي» في مصر، قال لـ«مدى مصر» إنه تابع فرختين فرا من مزرعته بمحافظة الدقهلية، ومكثا بأرض زراعية مجاورة لعدة أيام، اعتمدا خلالها على نفسيهما في إيجاد الطعام والمياه، بينما تتحركان بحرية لدرجة أنه وجد إحداهما فوق شجرة، وكانت صحتهما وطاقتهما أفضل من مثيلاتهما بالمزرعة.
لكن عبدالسلام لاحظ، خلال عمله، اختفاء «الفيومي» تدريجيًا من المنازل الريفية، ومن على موائد الطعام، لتحل محلها سلالات أجنبية مستوردة مثل «الشيفر، والبيضاء، والساسو». ارتبط غزو الفراخ المستوردة للسوق المحلي بتغير في هيكل الإنتاج الداجني محليًا، وباقتصاد استهلاكي عالمي، وانتشار لثقافة الطعام السريع، دفعت المنتجين إلى تجاهل جودة المنتجات والتركيز على كيفية زيادة كميتها.
تشير دراسات إلى أن صناعة الدواجن الحديثة بدأت في عهد الرئيس جمال عبدالناصر بتأسيس الشركة الوطنية العامة للدواجن، المملوكة للحكومة، في 1964، بهدف تزويد السكان -الذين يتزايد عددهم بسرعة- ببروتين حيواني عالي الجودة وبأسعار معقولة، من خلال تحويل إنتاج الدواجن إلى صناعة بدلًا من كونه نشاطًا زراعيًا. لتحقيق ذلك، تحولت الشركة الوطنية من إنتاج الدواجن المحلية لإدخال الأنواع الأجنبية الأكبر حجمًا والأرخص سعرًا، مثل «الهيبكو، والرس، والكب، والإيفيان، والهبرد» لتصبح الحكومة المورد الرئيسي للحوم الدواجن والبيض من خلال الجمعيات التعاونية في المدن.
سيطرت الحكومة على قطاع الدواجن وأسعاره، واستمر الوضع كما هو لسنوات، حتى تبنى الرئيس أنور السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، لترفع يدها عن القطاع. بدأت الحكومة عام 1974 خفض سيطرتها على القطاع الداجني وتشجيع منتجي الدواجن التجاريين من خلال توفير الذرة المستوردة والأعلاف بسعر مدعم، فضلًا عن قروض ميسرة ومنخفضة الفائدة، وكذلك فترة إعفاء ضريبي لمدة عشر سنوات، وفرض حظر كامل على واردات الدواجن، ما سمح لشركات الدواجن المحلية بالنمو. دخول القطاع الخاص كان مدفوعًا بالبحث عن الربح السريع، لذلك استمرت المزارع الجديدة في تربية الدواجن المستوردة الثقيلة، والتي تنمو بشكل أسرع من مثيلتها المحلية ذات الحجم والوزن الصغيران، بفضل العمل على تحسين صفاتها الوراثية بشكل مستمر.
يشرح عبدالسلام أن عملية إنتاج الدواجن تتكون من عدة مراحل، تبدأ من إنتاج «أصول» الفراخ بواسطة شركات عملاقة عالمية، تعمل على تحسين صفاته الوراثية بشكل مستمر، لينضج بشكل أسرع، ووزن أكبر، أو يقدم بيض أكثر. تبيع الشركات العالمية إنتاجها من تزاوج الأصول والذي يعرف بـ«الجدود» في شكل كتكوت يصل سعره إلى 600 دولار أحيانًا، لشركات وسيطة تعمل محليًا من خلال توكيلات. تربي التوكيلات الجدود التي تنتج كتاكيت «أمهات» تباع لمزارع تعرف بـ«مربي أمهات»، والتي تنتج بدورها ما يطلق عليها «كتكوت تسمين»، الذي تشتريه مزارع أخرى «مربي تسمين» ليمر بعملية النضج ثم يباع للمستهلك.
استمرار استخدام الجدود لإنتاج كتاكيت في الشركات الوسيطة يؤدي لما يسمى بالانعزال الوراثي، حيث تفقد الأجيال الجديدة تدريجيًا مقومات الجيل الأول المعدل وراثيًا، ما يجبر الشركات المصرية على استيراد الأصول بعد كل دورة إنتاج، لنتحول إلى الاعتماد في إنتاج الدواجن الأجنبية على الاستيراد بشكل دائم.
يوضح محمود مشالي، صاحب إحدى مزارع التسمين في الدقهلية، المفهوم الأساسي الذي يحكم اختيار السلالات المختلفة لتربيتها في المزارع. العامل الأساسي يطلق عليه «معدل التحويل»، أي مقدار ما تحتاجه الفرخة الواحدة من علف لتحويله إلى لحم: «أنا بصرف عليها قد إيه وهي بترجعلي قد إيه؟». تتغذى الدواجن البلدي على خمسة كيلو جرام علف خلال دورة إنتاجها التي تصل إلى متوسط 70 يومًا، ليصل حجمها إلى كيلو ونصف. تكلفة هذه الكمية من العلف بسعر السوق الحالي 35 جنيهًا، تضيف إليه المزرعة عشرة جنيهات لتغطية مرتبات الأيدي العاملة والإيجار والكهرباء، لذا تصبح التكلفة الإجمالية لتربية فرخة بلدي واحدة 45 جنيهًا، فيما تباع الآن بسعر 36 جنيهًا.
في المقابل، تتغذى الفراخ البيضاء على كمية علف مماثلة أو حتى أقل، وتنمو في دورة إنتاج 30-35 يومًا (أي نصف دورة إنتاج البلدي)، وتصل إلى وزن 2.5 كيلو. «كده وفرت وقت، وعلف، وكسبت لحم»، يقول مشالي. لهذا فقدت الدواجن البلدي أي جدوى اقتصادية، بغض النظر عن جودتها.
نجحت استراتيجية الحكومة بالفعل في زيادة كفاءة الإنتاج وخفض سعره للمستهلك. سيطر هذا القطاع الخاص الصناعي الكبير على أسواق المدن، بينما استمرت الأسر الريفية الصغيرة ووحدات إنتاج الدواجن في المنازل والحظائر في تأمين اللحوم البيضاء في الريف. وعلى نقيض تقنيات التربية المتطورة لدى الحكومة والقطاع التجاري، اعتمد مربو الريف على الطرق التقليدية في تربية الدواجن، فتركوها لتقتات على طعامها من الشوارع، مع بواقي الطعام المنزلية، التي لا تلبي المتطلبات الغذائية الفعلية للطيور، ما خفض أوزان الدواجن الريفية، بالمقارنة بالسلالات الأجنبية التي تسببت التقنيات الحديثة والمواد الهرمونية المختلفة في تضاعف حجمها عبر العقود، ما أبعد الأنظار عن سلالات الدواجن المحلية أكثر، لصالح الأجنبية.
الانفتاح الاقتصادي على العالم استورد أيضًا ثقافة الاستهلاك الأمريكية، والتي بدأت بالتغير بعد الحرب العالمية الثانية، حيث دفعت زيادة الدخول المواطنين لتناول الطعام خارج المنزل كرفاهية، لتبدأ موجة من انتشار محلات طعام سريعة ورخيصة، سرعان ما انتشرت بدول العالم كافة. في مصر، نما قطاع «الفاست فوود» بداية منذ 1970 بمقدار 15% سنويًا. تشير إحصائيات لوجود 50 ألف مطعم في مصر، 70% منهم مخصصة للطعام السريع، بمبيعات بلغت ستة مليارات دولار عام 2018. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على الدواجن والبيض بأكثر من 1100٪ و 480٪ على التوالي بين 2015-2050.

ضاعف النمط الاستهلاكي الجديد من معاناة سلالات الفراخ المصرية، حيث تحول الطلب من الدواجن إلى لحم دواجن السلالات المستوردة الأكبر حجمًا، والتي تُستهلك في أشكال مختلفة كمصنعات، أو في مطاعم سريعة. دفع هذا مزارع الدواجن لخفض إنتاجهم من السلالات المحلية لصالح الفراخ المستوردة، لتصل إلى أدنى مستوى لها عند 27% من إجمالي إنتاج الفراخ في منتصف الثمانينيات، بحسب باحثين مصريين، بعد أن كانت المنازل الريفية هي المورد الأساسي للدواجن حتى الستينيات، وفقًا لتقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو».
في المقابل، ساهم انفتاح مصر الاقتصادي كذلك في زيادة متوسط دخول المواطنين، ما سمح تدريجيًا لوجود «زبون» يفضل السلالات المحلية رغم ارتفاع سعرها لأنها أكثر جودة، كما أشارت كريمة مختار في المشهد الشهير، وأكثر أمانًا. خلال التسعينيات، استعادت السلالات المحلية القليل من حصتها في السوق، حيث ارتفع عدد الدواجن الريفية من 37.2 مليون طائر في 1990 إلى أكثر من 250 مليون في عام 2005، بحسب أرقام رسمية، لتمثل نحو 30% من إجمالي إنتاج الدواجن في مصر، بحسب «فاو».
لكن هذا تراجع بشكل كبير مع بداية انتشار وباء انفلونزا الطيور في 2005 وتفشيه في 2006. أجبر الوباء الحكومة على اتخاذ إجراءات احترازية للتخلص من أكثر من 29 مليون فرخة، وإغلاق آلاف المزارع، بلغت في القاهرة فقط نحو 20 ألف مزرعة صغيرة في أسطح ومنازل المناطق الفقيرة والمتوسطة، بينما فقد أكثر من 10% من العاملين بالقطاع وظائفهم، بحسب تقرير لـ«فاو» صادر عام 2009. وتسببت الأزمة في رفع سعر الدواجن ثلاثة أضعاف، ما دفع المصريين لتقليل استهلاك البروتين، والذي أدى بدوره لانتشار «متلازمة سوء التغذية بالبروتين في مصر» وفقًا لتقرير صادر عن «فاو» عام 2008.
كما تسبب الوباء في تدمير كامل مخزون كلية الزراعة بجامعة القاهرة من السلالات النقية بعد ظهور إصابات بها، ما بدد نتائج سنوات من البحث والتطوير على مشاريع تحسين السلالات الأصيلة.
كذلك فرضت الحكومة حظرًا على تربية الدواجن في الريف، فتوقف المربون عن ترك دواجنهم خارج المنازل خوفًا من الإجراءات الاحترازية، واضطروا لتخفيض حجم قطعانهم، وذلك رغم وجود دلائل أشار إليها تقرير لـ«فاو» عن مقاومة بعض السلالات المحلية، مثل «الفيومي»، للمرض.
بشكل عام، تتمتع الفراخ «الفيومي» بقدرة عالية على مقاومة الأمراض. تشير دراسات إلى قدرتها على مقاومة أمراض السالمونيلا و«جمبورو»، والذي يؤدي لضعف مناعة الدواجن ويؤثر على حجمهم وإنتاجهم للبيض. بحسب ملاك بشارة، الخبير بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني بالسرو (الإسكندرية الجديدة)، يصيب الجمبورو أكثر من 40% من أي قطيع يصيبه، لكن هذه النسبة تقل إلى 5% فقط في حالة «الفيومي».
ولأن تكلفة تحصينات الفرخة الواحدة تتجاوز سبعة جنيهات (أي حوالي 14 مليار جنيه سنويًا لإنتاج مصر الداجني المُقدر بملياري فرخة)، فإن الاستعانة بسلالة محلية عوضًا عن المستوردة قد توفر أموالًا طائلة تنفق على المعالجات الدوائية، أو تمنع خسائر قد تتعرض لها المزارع في حال انتشار إنفلونزا الطيور، أو أمراض أخرى، وفقًا لعبدالسلام.
بسبب هذه المميزات، بدأت مجموعة من الشركات محاولات تطوير سلالات محلية محسّنة تعتمد على أساليب حديثة وتستطيع تحقيق هامش ربح مناسب. شركة «السبيل الجديدة للإنتاج الداجني»، إحدى هذه الشركات التي نجحت في الاستمرار. إبراهيم الخياط، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة كفر الشيخ واستشاري تربية وتحسين سلالات الدواجن بالشركة، عمل مع الشركة على مدار أكثر من 12 عامًا لإنتاج سلالة فراخ محلية اقتربت من مثيلاتها المستوردة، ودخلت السوق في 2015.
لكن هذا التطوير مثّل تحديًا كبيرًا بالنسبة لهذه الشركات. «أنا بطلع من ألف ديك 30 واحد بس مطابق للمواصفات نحتفظ بيه، ولكن بصرف في البداية على الألف كلهم»، يقول الخياط، موضحًا أن الإنفاق على هذه العملية قد يستغرق عقدًا كاملًا على الأقل بدون أي عائد مادي طوال هذه المدة.
في المقابل، استمر التطور التكنولوجي والميزانيات الضخمة المخصصة لتحسين الدواجن في الدول الغربية. بحسب دراسة كندية، تضاعف وزن الفراخ المستورد أربع مرات من 905 جرامات في عام 1957 حتى وصل إلى 4.2 كيلوجرام في 2005.

وبينما تضع الدول الغربية قوانين صارمة للحفاظ على نسب الهرمونات والأدوية التي تساعد في تسمين الفراخ، لا تُطبق مثل تلك القوانين في مصر، فتضاعف حجم الفراخ ليس فقط بسبب التطور التكنولوجي، ولكن أيضًا بسبب حقن الفراخ بمواد مثل الأستروجين، والماء لزيادة حجمها في وقت أقل، على حساب المناعة التي تنقص بشدة. لتعويض ضعف الفراخ، يتوفر له معاملات دوائية منذ اليوم الأول لها وحتى ذبحها. كل تلك المعاملات تتراكم في أنسجة الفراخ، لتسبب أمراض هائلة للمستهلكين، بحسب عبدالسلام.
ورغم الاعتراضات التي تواجه تربية الفراخ المستوردة، لا تزال هي الخيار الأوفر لوجبة غذائية تحتوي على بروتين حيواني للأسر الفقيرة، بالمقارنة بالفراخ المحلية الأفضل صحيًا (لكن الأعلى سعرًا)، بحسب بشارة.
تبنت الحكومة عدد من المشاريع لدعم السلالات المحلية والمساعدة على انتشارها. من ناحية، بدأت مراكز البحوث الحيوانية التابعة لوزارة الزراعة جهودًا للحفاظ على الجينات الوراثية للسلالات المحلية، وتحسينها، إما من خلال عملية الانتخاب (أي اختيار أفضل الأنواع وتزاوجها لتنتج جيلًا أفضل) أو تهجينها بسلالات مصرية وأجنبية أخرى لزيادة إنتاجها وتحسين جودتها، بحسب أستاذ أمراض الدواجن بجامعة دمنهور، هاني اللقاني. كما بدأت مشاريع مثل مشروع «الدواجن التكاملى بقرية العزب بالفيوم» في 1980، بغرض الحفاظ على سلالات الدواجن المحلية، خصوصًا الفراخ «الفيومي». لكن محدودية الاعتمادات المالية تسببت في تعطل هذه المبادرات والمشاريع.
كما بدأت الحكومة مبادرة لتوفير الفراخ الفيومي في 620 منزلًا بقرى محافظة كفر الشيخ، مع توفير منافذ بيع لهم تابعة لوزارة التموين، كمشاريع إنتاجية لتمكينهم اقتصاديًا، وذلك ضمن مشاريع برنامج «تكافل وكرامة».
لكن استدامة هذه المشاريع سؤال آخر. «علشان يكون في استدامة لازم يكون في عائد مادي»، يقول عبدالسلام، الذي عمل مستشارًا لهذه المبادرة الحكومية.
يعتبر ملاك أن مسألة العائق المادي هي أهم تحدٍ يواجه مشاريع دعم سلالات الدواجن المحلية مثل «الفيومي». خلال عمله كرئيس بمركز البحوث الحيوانية بالإسكندرية الجديدة، توقفت العديد من مشاريع صغار المربين بعد فترات قصيرة بسبب عدم وجود سوق لها لارتفاع ثمنها.
في رأي الخياط، يكمن الحل في التوسع في مشروعات التحسين الوراثي للفراخ البلدي عبر تحالف مجموعة من شركات الدواجن المحلية، أو من خلال تحرك على مستوى الدولة، لزيادة إنتاج أنواع محلية محسنة بمستوى يسمح بخفض أسعارها.
لكن التعقيدات الحكومية، ومحدودية الإمكانية المادية، بالإضافة إلى نمط الاستهلاك العالمي، تهدد نجاح أي مبادرات، وتنذر باندثار تربية السلالات المصرية الأصيلة مثل «الفيومي». «بحاول بس أحافظ على السلالة تفضل موجودة، علشان نسلمها لجيل بعدنا ممكن يكون عنده فرصة أحسن مننا في الحفاظ عليها أو تحسينها»، يقول عبدالسلام.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن