تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«أيام لها تاريخ» لأحمد بهاء الدين: من هزيمة عرابي إلى ثورة سعد باشا

«أيام لها تاريخ» لأحمد بهاء الدين: من هزيمة عرابي إلى ثورة سعد باشا

الحلقة الخامسة من برنامج قراءة لكتب لا تزال حية وتثير العواصف

كتابة: محمود الورداني 10 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، تحت ثيمة معينة، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. 

برنامج القراءة الذي اخترته هنا «من كتب القرن الماضي»، يضم ستة كتب صدرت جميعها في القرن الماضي، ويمكن اعتبارها من أهم كتب ذلك القرن، الذي ما زلنا -على هذا النحو أو ذاك- نتأثر بتداعياته. كما أن الكتب ذاتها التي تم اختيارها ما زلنا على هذا النحو أو ذاك أيضًا نعيش تداعياتها. والهدف الأساسي من استعادة تلك الكتب التي مضى على بعضها ما يزيد على مئة عام، هو أن تتسلّم الأجيال الجديدة إرثها ولا تسمع عنه فقط، أو حتى تتعرف عليه من السطح فقط.

أما الكتب الستة فهي: تحرير المرأة لقاسم أمين، الشعر الجاهلي لطه حسين، الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، فتح العرب لمصر لألفريد بتلر وترجمة فريد أبو حديد، أيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، وأخيرًا أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

هنا لقراءة مقدمة البرنامج كاملة وحلقة «تحرير المرأة» لقاسم أمين. وهنا لـ«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق. وهنا لـ«في الشعر الجاهلي» لطه حسين، وهنا لـ«فتح العرب لمصر» لألفرد بتلر.

من الصعب حصر عدد طبعات كتاب أحمد بهاء الدين (1927 – 1996) «أيام لها تاريخ» منذ صدور أول طبعة له عام 1954، فقد ظل على قائمة أكثر الكتب توزيعًا لعدة عقود، وربما كانت الطبعة التي أعتمدُ عليها هنا هي آخر الطبعات، وقد صدرت عام 2016 عن سلسلة «كتاب اليوم» في الذكرى العشرين لرحيله.

caption

هو آخر كبار الجورنالجية، أو من أبرزهم وأهمهم على الأقل. وهو أيضًا أكثرهم استقامة وإخلاصًا لقناعاته. وسوف أورد هنا ما كتبه عنه صلاح عيسى في كتابه «شخصيات لها العجب»، دار نهضة مصر 2010، باعتباره أدق وأكمل وصف: «وطني دستوري، وقومي وحدوي، وليبرالي يساري، يؤمن بالتطور لا بالطفرة، وبالتدرج لا بالثورة، وبتربية الشعب لكي يحصل على حقوقه، ويقيم ميزانًا للعدل بين طبقاته».

ومنذ تخرجه في كلية الحقوق في أواخر أربعينيات القرن الماضي، اختار أن يحتفظ بمسافة بينه وبين الأحزاب والتجمعات والمنظمات المختلفة. ترك القضاء بعد سنوات قليلة ليلتحق بمجلة الفصول الشهرية، وهي إحدى المجلات الصغيرة الفكرية، التي عمل مديرًا لتحريرها وهو في الحادية والعشرين من عمره، ومن الأقلام التي ساهمت معه في المجلة في مطلع الشباب كان هناك فتحي غانم وعبد الرحمن الشرقاوي  وعلي الراعي، ثم انتقل إلى روز اليوسف، حيث رأس تحريرها وأسس مجلة «صباح الخير» التي دشّنت مدرسة جديدة في الصحافة المصرية، ومنها إلى «الشعب» ثم «الأخبار»، وانتقل إلى «الأهرام»، وانتهى إلى مجلة «العربي» الكويتية الشهرية.

وفي كل هذه التجارب كان بهاء الدين وفيًا لقناعاته وأفكاره من ناحية، وقادرًا من ناحية أخرى على إدارة مؤسسات صحفية كبرى وتطويرها وتحديثها على النحو الذي يمكن ملاحظته في تجربتين كبريين داخل مصر، وهما دار الهلال وروز اليوسف، وتجربة أخرى خارج مصر هي «العربي» الكويتية.

 أحمد بهاء الدين ونظام يوليو

وبالنسبة لرجل كانت أفكاره تدور حول الاستقلال والجلاء والدستور والإصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية، وأصدر إلى جانب مقالاته وموضوعاته الصحفية عددًا كبيرًا من الكتب السياسية التي مهدّت -على هذا النحو أو ذاك- لحركة الضباط الأحرار، فقد كان معاديًا للقصر الملكي قدر معاداته للاستعمار الإنجليزي. بالنسبة لرجل كهذا يجب أن نلاحظ أنه لم تكن هناك أصلًا تناقضات بينه وبين نظام يوليو، بل كان أحد الداعين للنظام الجديد والمؤمنين به، وقد صدر كتابه «فاروق ملكًا» الذي يحكي فيه الأيام الأخيرة للملك بعد مرور ما يقرب من شهر فقط على خلعه ونفيه إلى إيطاليا.

ومع ذلك كانت هناك بعض المشاكل التي يشير إلى جانب منها صلاح عيسى في كتابه سالف الذكر، حيث يذكر أنه في عام 1971، وبعد انتصار السادات في معركته مع من أسماهم مراكز القوى، أصدر قرارًا بنقل بهاء الدين من منصبه كرئيس لمجلس إدارة دار الهلال إلى روز اليوسف، وهو ما اعتبره بهاء الدين عقابًا له لأنه رفض في «أثناء الصراع على السلطة وبعد حسمه لصالح السادات أن تُسفّ مجلات دار الهلال في الهجوم على منافسيه، اكتفاءً بالتحليل الموضوعي والنقد الهادئ، وكتب للسادات خطاب احتجاج على نقله دون علمه أو أخذ رأيه، قال فيه 'لقد اخترعت الثورة صحفيين وكتابًا ودكاترة في كل مجال، لكنني لست أحد اختراعات الثورة، فمن حقي أن يؤخذ رأيي في أي أمر يتصل بي شخصيًا فلا أقرأه إلا في الصحف دون سابق علم'».

من جانب آخرK يتضمن فيلم «أيام السادات»، إخراج محمد خان، عددًا من المشاهد التي تكشف عن العلاقة بين السادات وبهاء الدين، الذي كان قد رحل من مصر إلى الكويت رئيسًا لتحرير مجلة «العربي»، وكثيرًا ما استقدمه السادات إلى استراحة القناطر الخيرية، من المطار إلى مقر الاستراحة مباشرة، ليناقش معه العديد من القرارات التي كان ينوي اتخاذها، دون أن يلزم نفسه برأي بهاء، بل ربما حرص على العكس! لكن كان مهتمًا برأيه ومدركًا أن آراء بهاء آراء خاصة به ولا توجد أي شبهات ورائها.

وأخيرًا، أمضى بهاء السنوات الست الأخيرة من حياته يعاني من فقدان الذاكرة بعد أن تعرّض لانفجار في المخ، وتوقف عن الكتابة بالطبع، فخسرنا كاتبًا كبيرًا وقلمًا مستقلًا.

على مدى 190 صفحة

أما كتاب «أيام لها تاريخ»، فمن الصعب -كما ذكرت من قبل- حصر عدد طبعاته، ليس فقط بسبب لغة بهاء الصحفية السهلة الطيعة وأسلوبه الهادئ المباشر، بل أيضًا بسبب موضوع الكتاب الذي ضم بين صفحاته، التي لا تتجاوز 190 صفحة، تاريخًا يمتد بين هزيمة عرابي عام 1882 وحتى اندلاع ثورة 1919 ليتوقف عند عام 1925، عندما صدر كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» والأزمة التي أثارها.

الفترة التاريخية التي اختارها، تُعد من أكثر ما مر على مصر من ظلام وجفاف واستبداد. ومنذ عام 1882 ومصر محتلة احتلالًا كولونياليًا بعد تعرض عرابي للهزيمة القاسية، ونفيه مع رفاقه من قادة الثورة. والمشاهد أو الفصول التي يتشكّل منها هذا  الكتاب، أو السردية المكتوبة بمهارة لافتة، لا تُعنى بالبحث التاريخي، على الرغم من أن كل فصل من فصولها يستند على يوم محدد له مكانته في التاريخ الحديث. ولا يهتم الكاتب بالإشارة إلى مصادره، فهو لا يكتب بحثًا تاريخيًا، وما يهمه هو السردية، الحكاية، في ستة مشاهد أو فصول.

وإذا كان من الممكن قراءة فصول السردية منفصلة، أي أن كل فصل حكاية قائمة بذاتها وتؤدي الغرض منها كاملًا، فإن الفصول الستة معا تشكّل سردية: سردية الهزيمة والاحتلال وصولًا لثورة 1919، أهم وأقوى الثورات الشعبية في تاريخنا الحديث بكامله.

 يستهل الأستاذ بهاء سرديته بسيرة ذاتية للأدباتي وخطيب الثورة العرابية عبد الله النديم، ومن خلال حياته يقدم الكاتب سردية صغيرة لانتفاضة أحمد عرابي وهزيمة الجيش المصري، وهزيمة المجتمع والناس والأفكار والدستور. وفي هذا السياق، يكشف عن الدور الذي لعبه النديم عشية انتفاضة عرابي منذ كان يتردد على قهوة «متاتيا» بالعتبة الخضراء، ويجلس مع نفر من المثقفين والمشتغلين بالسياسة يتقدمهم جمال الدين الأفغاني الذي كان «يوزع السعوط [النشوق] بيمناه والثورة بيسراه»، على حد تعبير الكاتب. من هذا المقهى الشهير خرج النديم وسعد زغلول ومحمد عبده وغيرهم، ممن لعبوا أدوارًا رئيسة في التاريخ.

وبعد الهزيمة كان النديم على رأس المتهمين، لكنه هرب تسع سنوات كاملة، يرصدها بهاء الدين، كما يرصد لحظة القبض عليه نتيجة الوشاية، بل ويرصد أن من حقق معه هو قاسم أمين، الذي كان يعمل رئيسا للنيابة، والدور الذي لعبه في توفير أقصى ما يمكن للمتهم (النديم) بعد القبض عليه.

زواج القرن

وفي القسم التالي من السردية «زواج الشيخ علي يوسف» لا يقدم فقط جانبًا آخر من اللوحة، بل يلتزم أيضًا بالتتابع التاريخي، فقد وقعت أحداث القضية عام 1904 بعد سنوات قليلة من القبض على النديم ونفيه. تعكس السردية واقعًا اجتماعيًا متخلفًا وكاشفًا في الوقت نفسه. في ظاهرها تبدو السردية وكأنها حكاية زواج.. مجرد زواج لواحد من الفقراء الذي وصل إلى القاهرة قادمًا من قريته النائية في الصعيد ليتلقى العلم في الأزهر «لعله إن أفلح، يصبح فقيهًا أو معلمًا، وإن فشل يتكسب الرزق  بقراءة القرآن على المقابر»، على حد تعبير الكاتب.

ولم يلبث أن ترك الدراسة في الأزهر واستهوته صحافة ذلك الزمان، وعمل في عدد من الصحف. وبعد سنوات قليلة أنشأ أكبر جريدة يومية في مصر هي «المؤيد»، وتوثقت صلاته بالنخبة ودوائر الحكم من قصر الخديو عباس الثاني إلى القسطنطينية، حيث مقر الخليفة العثماني، ويذكر بهاء الدين الكثير من تفاصيل معاركه الصحفية ضد الاحتلال. كما سعى من جانب آخر لاستكمال الأبهة الاجتماعية بالزواج من واحدة من بنات العائلات، ووقع اختياره بالفعل على صفية، ابنة الشيخ السادات، أحد مشايخ الأزهر المرموقين، ورفض أبوها لانتمائه للأشراف الذين لا يرقى أبناء العامة مجهولو النسب لمصاهرتهم. واستخدم علي يوسف الوساطة والإلحاح، ووافق السادات شبه مرغم على مجرد الخطبة، وأمضى علي يوسف أربع سنوات يحاول إتمام الزواج دون جدوى، فالأب لم يعدم الحيلة في التأجيل ثم التأجيل، فدّبر علي يوسف وعروسه مؤامرة صغيرة، وتسللت  إليه الأخيرة حيث عقدا زواجهما بالفعل، وعندما استيقظ السادات ولم يجد ابنته، هاجت الدنيا، وبادر بإبلاغ النياية والسلطات.

شُغلت مصر بالقضية، وشهدت قاعات المحاكم العامة والشرعية مداولات ومرافعات شتى، حيث طالب السادات بإبطال الزواج لعدم التكافؤ، فالعريس لا نسب له، كما أنه يشتغل في مهنة حقيرة هي الصحافة. حققت النيابة العامة في البلاغ، ثم حفظته لأن صفية بلغت سن الرشد، كما أن عددًا كبيرًا من أقاربها حضروا عقد القران. وهنا بادر السادات برفع دعوى أمام المحكمة الشرعية التي قضت -مبدئيًا- بتسليم صفية إلى أبيها لمنع المخالطة الزوجية حتى يتم الفصل في القضية.

ليست هناك قضية شغلت الرأي العام مثل قضية الشيخ علي يوسف وصفية السادات. وبعد شهور وجلسات ورفض وقبول، أعلن خلالها الشيخ أبو خطوة، رئيس المحكمة، الإضراب عن العمل لما اعتبره تدخلًا من جانب السلطات. وفي النهاية قضت المحكمة بإعادة الزواج، وأن تخرج صفية من بيت أبيها وبعد موافقته. المثير للسخرية أن الزواج لم يوفق، واضطر علي يوسف للإقامة تقريبًا في مكتبه بالجريدة للاختفاء من زوجته التي نغصّت عليه عيشه.

ويعلّق بهاء الدين مشيرًا إلى أن الجرح الذي أصاب علي يوسف لم يندمل قط: «فبعد أن حمل رتبة الباشوية وأصبحت جريدته أكبر جريدة عربية، وأصبح رئيسًا لحزب من الأحزاب الثلاثة في مصر، ظل يسعى ليسجل اسمه في سجل الأشراف، ولم ينجح إلا بعد ثماني سنوات»، ويضيف الكاتب أن علي يوسف رضى في النهاية باعتزال حياة الصحافة والسياسة ليعيّن شيخًا للسادة الوفائية.

وانتهت قصة الحب وفضيحة الزواج على هذا النحو الساخر بموت علي يوسف مكلومًا عام 1913 وفارًّا من صفية تقريبًا، بينما عاشت صفية بعده ثلاثين سنة، وورثت عنه ما ورثت، وأحبت ممثلًا نصف مشهور، هو زكي عكاشة وتزوجته!

أيام الثورة

تتوالى الأيام التي لها تاريخ ليستكمل من خلالها الكاتب لوحة بانورامية وسردية نادرة، ويخصص الفصل التالي «الجلاء والدستور والفن الجميل» لزعيم غفلت أغلب الكتب التاريخية عن تقديره وذكر دوره، هو محمد فريد، الذي يُعد من أهم من لعبوا الأدوار الكبرى في التمهيد لثورة 1919، وأمضى سنوات وسنوات في المنفى يسعى ويناضل من أجل الجلاء. أما وقائع الثورة ذاتها وخروج الناس واستشهادهم بالمئات، فيخصص له الكاتب سردية أخرى عن أقدم جمهورية مستقلة في الريف المصري، وهي جمهورية زفتى، التي أعلنت الاستقلال وشكّلت حكومة، وواجهت جيش الاحتلال في ذروة أيام ثورة 1919 .

أما الفصل التالي، فهو تكثيف، بل وتقطير لتأثير الاتجاهين الأساسيين اللذين تنازعا مصر خلال ثورة 1919، وهما اتجاه سعد زغلول من ناحية، وعدلي يكن من ناحية أخرى، فكلاهما صاغ الحياة السياسية المصرية خلال الفترة الممتدة حتى انقلاب الضباط الأحرار، ومنهما خرجت انشقاقات وتيارات تولت الحكم، وفشلت في تحقيق هدفها الأول، وهو إنهاء الاحتلال الإنجليزي وتحقيق الجلاء.

وأخيرًا، يتوقف عند الكتاب الذي كان أشبه بعاصفة هبّت على البلاد عام 1926 عندما نشر قاضٍ أزهري شاب هو الشيخ علي عبد الرازق، الذي كان قد تخرج لتوه، كتاب «الإسلام وأصول الحكم». وعلى الفور حاكمه الأزهر بإيعاز من الملك فؤاد، الذي كان يحلم بعمامة الخلافة الإسلامية بعد سقوط آخر سلاطين الدولة العثمانية وطرده من اسطنبول. الشيخ أثبت ببساطة، ومن واقع التاريخ والقرآن والسنة، أن الإسلام لم يحدد شكلًا للحكومة، وترك هذه المسألة تمامًا للناس، وأن الأمم الإسلامية شهدت أشكالًا مختلفة للحكم، ولا حاجة للخلافة مطلقًا. لم يكتفِ الأزهر بمحاكمة وإدانة الشيخ علي عبد الرازق، بل حكمت أيضًا بإخراجه من زمرة العلماء وشطب اسمه من السجلات.

تلك هي أيام أحمد بهاء الدين، وأيام الوطن والهزيمة والاحتلال والثورة والاستبداد على نحو بالغ التكثيف، وفي لوحة بانورامية لم تتكرر.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن