«أولاد حارتنا»: الرواية التي تعرّض بسببها نجيب محفوظ للقتل (1-2)
الحلقة السادسة من برنامج قراءة لكتب لا تزال حية وتثير العواصف
«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، تحت ثيمة معينة، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.
برنامج القراءة الذي اخترته هنا «من كتب القرن الماضي»، يضم ستة كتب صدرت جميعها في القرن الماضي، ويمكن اعتبارها من أهم كتب ذلك القرن، الذي ما زلنا -على هذا النحو أو ذاك- نتأثر بتداعياته. كما أن الكتب ذاتها التي تم اختيارها ما زلنا على هذا النحو أو ذاك أيضًا نعيش تداعياتها. والهدف الأساسي من استعادة تلك الكتب التي مضى على بعضها ما يزيد على مئة عام، هو أن تتسلّم الأجيال الجديدة إرثها ولا تسمع عنه فقط، أو حتى تتعرف عليه من السطح فقط.
أما الكتب الستة فهي: تحرير المرأة لقاسم أمين، الشعر الجاهلي لطه حسين، الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، فتح العرب لمصر لألفريد بتلر وترجمة فريد أبو حديد، أيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، وأخيرًا أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.
لقراءة مقدمة البرنامج كاملة وحلقة «تحرير المرأة» لقاسم أمين. ولحلقة «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق. ولحلقة «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، ولحلقة «فتح العرب لمصر» لألفرد بتلر. وهنا لحلقة «أيام لها تاريخ» لأحمد بهاء الدين.
لا أظن أن هناك رواية عربية تعرّضت لما تعرضت له «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وتكاد الرواية أن تكون شاهدًا على التحولات العاصفة بشأن حرية التعبير على مدى ما يقرب من نصف قرن.
وإذا كان نجيب محفوظ بإنجازه الضخم كمنشئ ومؤسس للرواية العربية قد تعرض للاغتيال بسبب «أولاد حارتنا»، فإن هناك الكثير من الأعمال الأدبية والفكرية تعرضت وتعرض أصحابها لأشكال متنوعة من القمع والمصادرة خلال العقود الأربعة الأخيرة.

ولعلي لا أحتاج أن أؤكد أن استخدام سلاح التكفير ظل جزءًا من عملية القمع الشاملة التي تتولاها أجهزة عديدة في الدولة المصرية، ولم يُشهر هذا السلاح في وجه المفكرين والأدباء من جانب الاتجاهات والتيارات الدينية وحدها، بل كثيرًا وغالبًا ما قامت أجهزة الدولة بذلك الدور.
غير أنه مما يلفت النظر أن المناخ السياسي يتجه نحو المزيد من القمع والمصادرة مع مرور السنين، وما كان ممكن تناوله والحديث عنه بحرية أخذ يتضاءل وينكمش. وفي الوقت نفسه تنازعت أجهزة الدولة من جانب، وتيارات الظلام الدينية من جانب آخر، وتسابقتا في فرض الوصاية على مجال ليس دينيًا أصلًا، وسعت أجهزة الدولة لإحراز النصر في السباق بينهما حول فرض الوصاية ومصادرة ومعاقبة المفكرين والمبدعين. وإذا تتبعنا حالات المصادرة تاريخيًا، سنجد اختلاط الديني والسياسي والاستخدام السياسي للدين في كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم»- 1925، على سبيل المثال، لأن من أوعز لهيئة كبار العلماء الأزهر باستدعاء الشيخ عبد الرازق ومحاكمته هو الملك فؤاد، بينما شاركت الاتجاهات الدينية ممثلة في طلاب الأزهر الذين قاموا بمظاهرات صاخبة بعد صدور كتاب «في الشعر الجاهلي» عام 1926، وشاركت الدولة ممثلة في سعد زغلول في الهجوم على الكتاب وصاحبه.
امتطاء النصوص وتأويلها
وتحتل رواية «أولاد حارتنا» مكانة خاصة وتحفل بدلالات عديدة، بل وتقدم نموذجًا لكيفية امتطاء النصوص وتأويلها حسب مجريات الأمور واتجاه الريح.
لنبدأ من البداية. في عام 1952، وبعد انقلاب الضباط الأحرار تحديدًا، توقف محفوظ عن الكتابة، فقد هزّت الإجراءات والتحولات المتوالية التي قام بها الحكم الجديد المجتمع القديم، وكانت عاصفة هزّت محفوظ ذاته، وهو الوفدي حتى النخاع، وجعلته يتوقف طويلًا محاولًا استعادة توازنه، واستمر توقفه سبع سنوات كاملة، واتجه لكتابة السيناريو، وكتب عددًا كبيرًا من الأفلام آنذاك.
على أي حال، تبدأ قصة «أولاد حارتنا» عام 1959، حين سلّم محفوظ لعلي حمدي الجمّال، مدير تحرير الأهرام في ذلك الوقت، أصول روايته، وطلب منه أن يقرأها بعناية قبل النشر. وسرعان ما أدرك الجمّال مغزى تحذير محفوظ بعد أن قرأها، وبادر بإعطائها لمحمد حسنين هيكل، رئيس تحرير الأهرام، وأعاد عليه ما قاله محفوظ وتحذيره للجمّال. ومع ذلك، استقر رأي هيكل على نشر الرواية يوميًا -وهي المرة الأولى التي يتم فيها نشر رواية مسلسلة يوميًا- وحسبما روى هيكل، فإن رجال الدين لم ينتبهوا لنشر الرواية إلا بعد الحلقة السابعة عشرة. ثار الأخيرون وأصدروا البيانات النارية. وبالطبع وصلت الضجة لجمال عبد الناصر الذي طلب من هيكل أن يروي له ما حدث، فأخبره أنه كان مدركًا لكل المحاذير قبل النشر. ولما لم يكن باقي على استكمال نشر الرواية إلا ثلاث حلقات فقط، فإن فرصة وقف نشرها قد فاتت. ويحكي نجيب محفوظ أن جمال عبد الناصر أرسل له ممثله الشخصي، حسن صبري الخولي، وأبلغه على لسان عبد الناصر بمطلب ودي، وهو عدم نشر الرواية في كتاب في مصر، ووعده محفوظ بذلك وحافظ على وعده، وإن كانت الرواية نُشرت في بيروت، ودخلت مصر في طبعات مقرصنة عديدة، وظلت تباع على الأرصفة علنًا ولسنوات طويلة.
وحسبما صرح الشيخ محمد الغزالي في صالون إحسان عبد القدوس بعد ذلك بسنوات، فقد اشترك مع الشيخين أحمد حسن الباقوري ومحمد أبو زهرة في كتابة تقرير عن الرواية بناءً على طلب جمال عبد الناصر. وأضاف أن التقرير كان ضد الرواية، واتهمها بالإساءة للدين والهجوم على الإسلام. ومع ذلك وبعد ثلاثين عامًا، زار الشيخ الغزالي محفوظ في المستشفى بعد تعرض الأخير لمحاولة الاغتيال عام 1994، وأعلن إدانته للمحاولة.
تقرير مجمع البحوث
من جانب آخر، أدين لصديقي المستعرب الفرنسي وأستاذ الأدب العربي، ريشار جاكمون، بتعريفي بكتاب صدر في هدوء عام 1993 ولم يلتفت إليه الكثيرون. يبدو أن الكتاب مطبوع على نفقة المؤلف طبعة غير معتنى بها، وعنوانه «ملف قضايا حرية الرأي والتعبير في مصر» للدكتور محمد حسام محمود لطفي، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة القاهرة. يحتوي الكتاب على تقرير أصدره مجمع البحوث الإسلامية عام 1968. لم يرد ذلك التقرير -الوثيقة- في أي مصدر من المصادر ولم تتم الإشارة له، ولا علاقة أصلًا لمجمع البحوث بالأعمال الروائية، كما أن تاريخ التقرير -عام 1968- يفيد أنها ظلت محل تربص وترصد بعد الضجة التي صاحبت نشرها مسلسلة في الأهرام عام 1959، وبعد الوعد الذي انتزعه جمال عبد الناصر من محفوظ بعدم نشر الرواية.

وإلى نص الوثيقة. سوف أورد هنا ما جاء بالكتاب تحت عنوان التقرير الأول:
1- القصة تقع في 552 صفحة من القطع الكبير، وهي من القصص الرمزية التي تتناول تاريخ البشرية، ابتداءً من آدم وما وقع له ولابنيه وبعض الرسل: موسى وعيسى ومحمد، إلى وقتنا هذا.
2- وقد رمز الكاتب إلى كل حادثة مشهورة وشخصية معروفة، وأضفى عليها من التصوير ما يحدد معالمها ويدل عليها، وإن لم تكن من الإطار التاريخي لها، فرمز للإله بـ«الجبلاوي» والجنة بـ«حديقة القصر» ولآدم بـ«أدهم» وإبليس بـ«إدريس» ولموسى بـ«جبل» وعيسى بـ«رفاعة» ولمحمد بـ«قاسم»، إلى آخر الرموز التي استخدمها الكاتب لتصوير الأحداث في تناوله للإله والرسل.
أ- بالنسبة للإله:
جسّد الإله ونعته بصفات مقذعة، سواء على لسان إبليس أو قدري، الابن العاصي من ولدي آدم، أو الفتوات، وفي بعض الأحيان على لسان الرسل، والبعض الآخر عند تصويره هو لبعض المواقف. وصفه على لسان إبليس بأنه قاطع طريق قديم، وعربيد أثيم في المستقبل، ووصف تقاليد أسرته بالسخف والجبن المهين، وأنه يغيّر ويبدّل في كتابه كيفما شاء له الغضب والفشل. ووصفه على لسان قدري بأنه لعنة من لعنات الدهر، وأنه البلطجي الأكبر. ووصفه على لسان أحد الفتوات بأنه ميت أو في حكم الميت. ووصفه على لسان ناظر الوقف بأنه قعيد حجرته، ولا يفتح بابه إلا عندما تُحمل إليه حوائجه. ووصفه على لسان عيسى بأنه عاجز، وأنه لو كان في قوته الأولى لسارت الأمور كما يشاء. ووصفه على لسان عرفة، رمز العلم، بأنه نائم غير دارٍ بجريمته.
ثم يختم قصة الرسالات بموت الجبلاوي. يُراجع في ذلك الصفحات التالية من الكتاب:
23 \ 25 \ 29\51 \55 \56 \65 \66 \71
\86 \ 95 |230 \273 \274 \289 \410 \484 \492 \497 \499
ب- بالنسبة للرسل:
صوّرهم جميعًا في صورة من يرتاد الغُرز ويتعاطى المخدرات، وهذا أخف ما وصفوا به فيما كتب.
عيسى: وصفه على لسان أحد الفتوات بأنه خُنثى.. يقول بطيخة أحد الفتوات (صـ275): فتوات الحارة تجتمع من أجل مخلوق لا هو ذكر ولا أنثى.. ويصوّره على لسان نفسه وتلاميذه بأنه سكير حشاش. ففي صـ288 يقول رفاعة (عيسى) الخمر توقظ العفاريت، ولكنها تنعش من تخلص من عفريته. وفي صـ291: تساءل كريم، وهو أحد أعوان رفاعة، هل أعدّ المجمرة؟ فقال رفاعة بحزم: نحن في حاجة إلى وعينا.
ينسب إلى رفاعة الزواج من عاهرة، وإن لم يقربها، مع أن عيسى لم يتزوج بنص القرآن. وقد ناقض الكاتب نفسه حين جعل بعض أتباعه يتجنبون الزواج حبًا في محاكاته، وجعل ولادة عيسى عن زواج، وذلك خلاف ما نص عليه القرآن. ويتنافى ختام حديثه عن عيسى مع ما جاء به القرآن من أنه لم يُقتل، ولكنه جعل نهايته القتل كما جاء في الصفحات من 292 إلى 295 .
ج- بالنسبة لمحمد المرموز له بقاسم:
1- وصفه بارتياد القهاوي وتعاطي الجوز والشراب، وأنه مولع بالنساء يترصدهن بالخلاء عند المغيب، كما جاء في الصفحات 283، 322، 318. ففي صـ341 عند الحديث عن زواجه من قمر (خديجة): اقترب منها بجلبابه الحريري وجسده ينفث حرارة ممزوجة.. إلخ.
2- ومن الألفاظ المقذعة الخارجة التي جاء بها الكاتب على لسان أحد البلطجية في النيل من قاسم: «عرف ابن الزانية كيف يفسد بيننا».
بل من أفحش الفحش ما سوّده من تعليل لزواج قاسم المتعدد (صـ443) إذ يقول: لم يتغير شأنه في شيء، اللهم إلا أنه توسع في حياته الزوجية كأنما جرى فيها مجراه في تجديد الوقف وتنميته. ثم يقول عن زواجه: «إنه يبحث عن شيء افتقده منذ فقد زوجته الأولى قمر» أو أنه «يريد أن يوثّق أسبابه بأحياء الحارة جميعًا» أو «إذا كانت الحارة أعجبت به لأخلاقه مرة فقد أعجبت به لحيويته مرات..» و«إن حب النسوان في حارتنا مقدرة يتيه بها الرجال ويزدهون». وينتهي الكاتب من قصته إلى أن التقدم العلمي وتطوره بهذه الصورة إرهاص بانقضاء الرسالات وانقضاء أثرها، وأن ذلك أثر من آثار شيخوخة الإله ثم موته.
هذه جوانب المؤاخذة في القصة، لا يخفف من وقعها الانتقال من الأحداث الطبيعية وشخصياتها إلى أحداث دالة وشخصيات رامزة، لكن ذلك كله لا يُخفي الوجه الحقيقي لكل حادثة ولكل شخصية.
كما لا يخفف من وقع هذه المؤاخذات أن ما قدمه الكاتب من حيث هو -بعيدًا عن المعتقدات والمقدسات- عمل فني ممتاز، وقد كان في مقدور الكاتب أن يخرج عمله الفني بعيد عن هذا السقوط.
لهذا أوصي بعدم نشر القصة مسموعة أو مرئية.
والله الموفق
الباحث- 12\5\1968
الدولة وتوكيل الدين
إذا كان هذا هو رأي مجمع البحوث الإسلامية، فإن نجيب محفوظ رآها، حسبما ورد في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش- دار الشروق:
«كانت فرحتي غامرة عندما أمسكتُ بالقلم مرة أخرى، ولم أصدق نفسي عندما جلست أمام الورق مرة أخرى لأعاود الكتابة، بعد توقف دام سبع سنوات. وكانت الأفكار المسيطرة عليّ في ذلك الوقت تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة، فجاءت فكرة أولاد حارتنا لتحيي الأديب داخلي الذي كنت ظننته قد مات، ولاحظ النقاد تغييرًا في أسلوبي وهم يقارنون أولاد حارتنا بما سبقها من أعمال.. بل هي أقرب إلى النظرة الكونية الإنسانية العامة. ومع ذلك فرواية أولاد حارتنا لا تخلو من خلفية اجتماعية واضحة، ولكن المشكلات التي صاحبتها والتفسيرات التي أعطيت لها جعلت كثيرين لا يلتفتون لهذه الخلفيات، وفي تصورهم أنها تهاجم الإسلام بشكل خاص والأديان السماوية بشكل عام وهو اتهام غير موضوعي».
وهكذا تحولت رواية أقرب إلى النظرة الكونية الإنسانية العامة -حسب تعبير محفوط- إلى قنبلة موقوتة طيلة العقود التالية، واستخدمت أسوأ استخدام من جانب الكثيرين، سواء من داخل المؤسسة الدينية الرسمية أو من خارجها. وهنا تتجسد مسألة تدخل الدولة و«توكيل الدين» كشأن يخصها وحدها، وسوف تتدخل دائمًا من أجل الحفاظ على هذا «التوكيل» والاستئثار به. وإذا كانت الرواية لم تُصادر ولم يصدر بشأنها حكم قضائي حتى الآن، فإن تدخل الدولة جرى بشكل ودي، حيث أرسل رئيس الدولة ممثله للحصول على وعد من المؤلف بعدم النشر!
من جانب آخر، وبسبب التوجهات العامة للنظام، والتغيير الاجتماعي الذي انشغل به، كانت حالات المصادرة قليلة، واتخذت الرقابة على الفكر والإبداع شكلًا آخر أكثر إحكامًا، فالدولة، سواء باسم الاتحاد الاشتراكي (تنظيمها السياسي الوحيد) أو غيره من الأجهزة الرسمية، أصبحت هي الناشر الأكبر ومالكة الصحافة وجميع وسائل الإعلام المسموع والمرئي، مع وجود رقباء رسميين في دور الصحف المختلفة/ مع وجود جهة أخرى للرقابة على الكتب. وفي الوقت نفسه لعبت الأجهزة الأمنية المتعددة دورًا ضخمًا، سواء من المنبع بضرورة الحصول على موافقتها على العمل في الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة، أو من خلال استصدار قرارات الإغلاق والمصادرة، كما جرى إبان الحملة على الشيوعيين التي بدأت في الأول من يناير عام 1959 . وفي اليوم نفسه الذي صدرت فيه قرارات الاعتقال، أصدر رئيس الجمهورية، استنادًا إلى حالة الطوارئ، قرارًا بإغلاق عشر دور نشر هي: مكتب النشر والثقافة العمالية، ودار الديمقراطية الجديدة، ودار الفكر للنشر والتوزيع، ومكتب الأعمال النقابية والنشر، ومكتب الترجمة والنشر، ومكتبة سمعان، ومكتبةالسلام، ودار الفجر للنشر، وكذلك أصدر الرقيب العام أمرًا بمصادرة كل الكتب الموجودة في الدور السابق الإشارة لها.
وعلى الرغم من أن القرارات السابقة كان مقصودًا بها توجيه ضربة قاصمة ونهائية للشيوعيين، سواء بالقبض عليهم أو إغلاق مراكز نشاطهم في دور النشر الثقافية والعمالية، إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن ما جرى كان جزءًا من عملية شاملة للسيطرة الكاملة والنهائية على المجتمع وإحكام القبضة عليه، في سياق التغيير الاجتماعي والسياسي الذي اضطلع به النظام الجديد،وفي ظل المفهوم الذي تبناه، والقاضي بتولي الدولة كل شيء نيابة عن الجماهير، فالدولة والنظام الجديد يعرفان مصلحة الجماهير أكثر من الجماهير ذاتها!
خلال أوائل ستينيات القرن الماضي، تم مثلًا منع عرض مسرحية «الفتى مهران» لعبد الرحمن الشرقاوي، كما جرت محاولة لمنع عرض فيلم «شيء من الخوف»، وصودر الجزء الأول «جوستين» من ترجمة رباعية لورنس داريل عن الإسكندرية، ورواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، وكلها حالات قليلة لا تشكّل ظاهرة، لأن السيطرة جاءت من أعلى، والمنع أصبح من المنبع؛ فلا صحف خارج الاتحاد الاشتراكي، ودور النشر الخاصة قليلة جدًا ومُسيطر عليها، وقبل كل ذلك وبعده فإن مصر ظلّت محكومة بقانون الطوارئ منذ استيلاء الضباط الأحرار على السلطة.
أستكمل الدراسة في الجزء الثاني.
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن