تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أولاد حارتنا: الرواية التي تعرّض بسببها نجيب محفوظ للقتل (2-2)

أولاد حارتنا: الرواية التي تعرّض بسببها نجيب محفوظ للقتل (2-2)

الحلقة السابعة من برنامج قراءة لكتب لا تزال حية وتثير العواصف

كتابة: محمود الورداني 13 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، تحت ثيمة معينة، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. 

برنامج القراءة الذي اخترته هنا «من كتب القرن الماضي»، يضم ستة كتب صدرت جميعها في القرن الماضي، ويمكن اعتبارها من أهم كتب ذلك القرن، الذي ما زلنا -على هذا النحو أو ذاك- نتأثر بتداعياته. كما أن الكتب ذاتها التي تم اختيارها ما زلنا على هذا النحو أو ذاك أيضًا نعيش تداعياتها. والهدف الأساسي من استعادة تلك الكتب التي مضى على بعضها ما يزيد على مئة عام، هو أن تتسلّم الأجيال الجديدة إرثها ولا تسمع عنه فقط، أو حتى تتعرف عليه من السطح فقط.

أما الكتب الستة فهي: تحرير المرأة لقاسم أمين، الشعر الجاهلي لطه حسين، الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، فتح العرب لمصر لألفريد بتلر وترجمة فريد أبو حديد، أيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، وأخيرًا أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

لقراءة مقدمة البرنامج كاملة وحلقة «تحرير المرأة» لقاسم أمين. ولحلقة «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق. ولحلقة «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، ولحلقة «فتح العرب لمصر» لألفرد بتلر. وهنا لحلقة «أيام لها تاريخ» لأحمد بهاء الدين، وهنا لحلقة «أولاد حارتنا»  لنجيب محفوظ (1-2)

في الجزء الأول من الدراسة توقفت طويلًا عند كثير من تفاصيل الإجراءات والقرارات التي اتخذها النظام الحاكم في مواجهة حرية التعبير، ولم يكن الموقف من «أولاد حارتنا» إلا مثالًا أو أحد الأمثلة على وجه الدقة، لأن النظام الناصري لم يتخذ إجراءً فعليًا واضحًا ضد الرواية، سواء بالمصادرة أو بالسماح للأزهر  بالتدخل، بل اكتفى بالحصول على وعدٍ، حرص محفوظ على ألا يحنث به، بعدم نشر الرواية في مصر.

أود أن أضيف هنا أنني أعتبر ما جرى لـ«أولاد حارتنا» مدخلًا لرواية القصة كاملة قدر الإمكان: قصة الحرية في بلادنا والعدوان المستمر عليها من جانب سلطات الاستبداد بأشكاله المختلفة، وهي في الوقت نفسه قصة مقاومة هذا العدوان. لذلك سيجد القارئ في هذا الجزء من الدراسة، والجزء السابق تفاصيل دقيقة هنا وهناك، ربما قد يراها البعض ضعيفة الصلة بـ«أولاد حارتنا»، لهذا أوضح أنني أريد كتابة القصة كاملة. و«أولاد حارتنا» جزء من القصة وليست هي القصة كاملة.

 على أي حال، بدأت مرحلة جديدة بعد تولي السادات خلفًا لعبد الناصر. لم يستهل السادات عهده بالصراخ حول الديمقراطية والحرية واتهام العهد السابق عليه بالاستبداد والقمع وعبادة الفرد.. إلخ فقط، بل قام أيضًا بالإفراج عن «الإخوان المسلمين»، كما أتاح للاتجاهات الدينية الراديكالية فرصة العمل الواسع. وليس سرًا أنه استعان بمحمد عثمان إسماعيل، محافظ أسيوط، والقريب من السادات، لتشكيل ميليشيات من المنتمين للاتجاهات الدينية للقضاء على النفوذ اليساري في الجامعات في سبعينيات القرن الماضي، كما قام بتسليحهم بالجنازير والمطاوي. وقد انتهت تلك المرحلة بانقلابهم على السادات واغتياله بعد عقد من السنين.

 من جانب آخر، ومثلما تدخلت الدولة في عهد عبد الناصر لتمارس دورها كوكيل عن الجماهير في إجراء التغييرات التي تراها صالحة، تدخلت أيضًا في عهد السادات لتمارس الدور ذاته، ومع ذلك جرت محاولات تتسم بالعنف إلى هذا الحد أو ذاك لسحب «توكيل الدين» من الدولة لتستأثر به المؤسسة الدينية وحدها -وهي جزء من الدولة- والجماعات والأفراد والمشايخ غير التابعين المباشرين للمؤسسة الدينية الرسمية. وفي ذلك السياق، جرى توجيه اتهامات قاسية من الأخيرين بالكفر والردة لمفكرين وكتاب كبار مثل توفيق الحكيم ويوسف إدريس ونوال السعداوي وزكي نجيب محمود وأحمد بهاء الدين وعبد الرحمن الشرقاوي، فضلًا عن مصادرة أعمال أدبية مثل رواية محمود دياب «باب الفتوح» وغيرها.

«فقه اللغة العربية»

أما قضية كتاب «مقدمة في فقه اللغة العربية»، للكاتب والمفكر لويس عوض، فيحتاج لوقفة خاصة لأسباب سوف أحاول توضيحها. الكتاب أصدرته دار النشر الحكومية الرسمية، وظل معروضًا للبيع في المكتبات خلال عام 1980، كما عُرض في معرض الكتاب الدولي في يناير عام 1981. وفي 6 سبتمبر، أي في اليوم التالي لصدور قرارات 5 سبتمبر الشهيرة باعتقال قرابة 1500 مفكر وكاتب وناشط سياسي من كل الاتجاهات، تقدّمت إدارة البحوث والنشر بالأزهر بمذكرة تطلب فيها من الحكومة ضبط الكتاب ومنعه من التداول.

على الفور رفع لويس عوض دعوى قضائية للإفراج عن كتابه، وقدّم محاميه مذكرة فنّد فيها ادعاءات إدارة البحوث والنشر، لكن المحكمة لم تلتفت للمذكرة وأيدت قرار الضبط. وهنا يمكن الرجوع لمجلة فصول (العدد الثالث من المجلد الحادي عشر- خريف 1992) حيث نشر نسيم مجلي ثلاث وثائق بالغة الأهمية، وهي قرار الاتهام ومذكرة الدفاع، وأخيرًا حكم المحكمة.

caption

أكرر مرة أخرى أن قرار المصادرة يعود تاريخه لليوم التالي لقرارات الاعتقال الشهيرة، أي أنه كان جزءًا من عملية القمع الشاملة التي كان السادات قد قرر تنفيذها. واللافت للنظر أن المحكمة قضت في جلسة 13 ديسمبر 1981، قبل الفصل في الموضوع، بتشكيل لجنة تضم الشيخ أحمد حسن الباقوري وتوفيق الطويل وعبد الرحمن الشرقاوي لقراءة الكتاب وبيان ما إذا كان مخالفًا  لنصوص الشريعة الإسلامية، وما إذا كانت هناك مغالطات دينية أو لغوية تعد تهجمًا على الإسلام والمسلمين..إلخ. إلا أن المحكمة عادت في جلسة 27 مايو 1982 واستبدلت اللجنة السابق ذكرها بلجنة أخرى تتشكل من بين أعضاء مجمع البحوث الإسلامية، أي أن الخصم هو الحَكَم، ومن طلب مصادرة الكتاب هو المطلوب منه الحكم عليه! وبالطبع اعتمد حكم المحكمة على رأي اللجنة الأخيرة، أي لجنة مجمع البحوث الإسلامية في مصادرة الكتاب وتأييد قرار الضبط.

وفي العام التالي، طالب البرلمان بمصادرة كتاب «الفتوحات المكية» لمحيي الدين بن عربي، وكذلك إحراق «ألف ليلة» في أغرب دعوى قضائية شهدتها المحاكم، إلا أن المحكمة -لحُسن الحظ- رفضت طلب البرلمان. وفي عام 1989 قُدِّم حامد أبو أحمد، الأستاذ في كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، لمجلس تأديب لترجمته رواية «من قتل موليرو» للمكسيكي فارجاس يوسا. وفي عام 1992 نجح الأزهر في مصادرة خمسة كتب للمستشار محمد سعيد العشماوي، وكذلك الطبعة الثالثة من كتاب «قنابل ومصاحف» لعادل  حمودة.

حكاية مجمع البحوث الإسلامية

والواقع أن الدور الذي يلعبه مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر يتجاوز حدوده دائمًا. وطبقا للقانون 102 لسنة 1985 فإن دوره تنظيم طبع المصحف الشريف، غير أنه راح يتوسع حسب المناخ السائد الذي كانت الدولة تسعى خلاله لانتزاع «توكيل الدين» من الجماعات والتيارات الدينية. أما التعديل القانوني الأكثر حسمًا، والذي أضاف ووسّع، إلى ما لا نهاية، دور المجمع، فقد جرى في 2 فبراير 1994، عندما أفتت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع برئاسة المستشار طارق البشري، بأن الأزهر هو صاحب الرأي النهائي فيما يتعلق بتحديد الشأن الإسلامي في المصنفات السمعية والبصرية.

وحسبما أوضح عبد الخالق فاروق في كتابه «أزمة النشر والتعبير في مصر» فإن البشري «انتزع هذه السلطة الرقابية من وزارة الثقافة وفقًا للقانون 354 لسنة 1954 بشأن حماية حق المؤلف، والقانون 430 لسنة 1955 بتنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية ولوحات الفانوس السحري والأغاني والمسرحيات والاسطوانات والتسجيل الصوتي، والذي جرى تعديلهما بالقانون 38 لسنة 1992 ليصبح للأزهر ومجمع البحوث الإسلامية سلطة رقابية غير واردة في قانون الأزهر نفسه ولا القانون 102 لسنة 1985 بشأن طباعة المصحف الشريف، ولا في الدستور المصري من باب أولى، حيث ذهبت الفتوى إلى حد القول بأن تقدير الشأن الإسلامي لأي مصنف هو سلطة الأزهر وحده والولاية هي للأزهر وهيئاته وإداراته حسب القانون».

وهكذا، وفيما يكاد يكون في غفلة من الزمان، تحوّلت سُلطة الأزهر ممثلة في مجمع البحوث الإسلامية من تنظيم طباعة المصحف، وفي أقصى الأحوال كتابة تقارير استشارية في الكتب التي تختص بالعقيدة، تحولت إلى رقابة شاملة، واعتبار الأزهر صاحب الرأي في تقدير الشأن الإسلامي في المصنفات السمعية والبصرية، بدلًا من وزارة الثقافة. وعلى الرغم من أن كلتا المؤسستين (الأزهر ووزارة الثقافة) تابعتين للدولة، التي سعتْ وتسعى دائمًا لتكون صاحبة «توكيل الدين»، إلا أن الدولة -في تلك الفترة- مضت طويلًا، ربما إلى أبعد من الشوط، في المزايدة على التيارات الدينية، ونقلت الرقابة التي استُبدل اسمها الحقيقي بعبارة أخرى أكثر أناقة وهي «تقدير الشأن الإسلامي» إلى الأزهر!

هذا إلى جانب تلك الثغرة التي اكتشفها المتطرفون في القانون، والتي تتيح لهم إقامة دعوى حسبة ضد من يتراءى لهم، ووفق هذا القانون صدر الحكم بارتداد الكاتب والمفكر، نصر حامد أبو زيد، ومن ثم تطليقه من زوجته، مما أوقع الحكومة في حَرج بالغ أمام الأجانب! واضطر أبو زيد وزوجته للهروب خارج  البلاد عدة سنوات.

صحيح أن الدولة في سياق صراعها حول «توكيل الدين» أصدرت تعديلًا قانونيًا لدعاوى الحسبة، إلا أن هذا التعديل لم يلغ الحسبة، إنما نقل حق إقامة دعوى الحسبة من الأفراد إلى النياية، وبموجب هذا التعديل حوكم الروائي أحمد ناجي وصدر حكم بحبسه، وأخيرًا تم التحقيق مع الشاعرة أمينة عبد الله، بسبب نشرها قصيدة على الفيسبوك، لكنها لم تُحبس ورأت النيابة براءتها.

ويحصي عبد الخالق فاروق في كتابه السابق الإشارة له، نقلًا عن صلاح عيسى في كتابه «التشريع المصري والصحافة»، 127 مادة تشكّل قيودًا على حرية النشر والتعبير والرأي في القانون المصري، ويضيف فاروق أن تلك المواد موزّعة على 23 قانونًا، من بينها قانون المطبوعات والأحزاب السياسية وتنظيم الصحافة وقوانين العاملين المدنيين بالدولة وحق تكوين الجمعيات وقانون الشركات المساهمة، كما يشير على نحو خاص إلى القانون 102 لسنة 1985 الخاص بتنظيم طباعة المصحف الشريف السابق ذكره.

وفي عام 1989 صدرت رواية «مسافة في عقل رجل» لعلاء حامد، وكتب الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية تقريرًا عن الرواية انتهى فيه إلى تكفير المؤلف.

محاولة اغتيال

أما محاولة اغتيال نجيب محفوظ بسبب «أولاد حارتنا» فقد سبقتها فتوى أصدرها الشيخ عمر عبد الرحمن، أحد كبار مشايخ الجماعة الإسلامية، بأن محفوظ مرتد (وحكم المرتد قتله) كما أملى الشيخ كشك كتابًا آخر يتهم فيه محفوط بالكُفر. وفي ذكرى حصول محفوظ على جائزة نوبل عام 1988، اقترب صبي جاهل لم يقرأ الرواية، بل ولم يقرأ شيئًا لمحفوط كما تبيّن فيما بعد، وطعن الشيخ الذي تجاوز الثمانين في رقبته، وأصابه إصابة منعته من الكتابة، وكادت تودي بحياته، وليست مصادفة بالتأكيد أن الطعنة الغادرة ارتكبت في 14 أكتوبر عام 1994 في ذكرى حصوله على جائزة نوبل.

ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها كاتب للاغتيال بسبب عمل روائي، وربما هي المرة الأولى أيضًا التي يُقدم فيها صبي على محاولة قتل تنفيذًا لفتوى دينية، وبسبب مناخ معادٍ لحرية التعبير، وما فعله الصبي الجاهل كان تعبيرًا عن أنه مبعوث العناية الإلهية لتخليص البلاد من الكُفر والكفار.

لذلك، ودون استئذان بادرت جريدة حزب التجمع «الأهالي» فور وقوع محاولة الاغتيال بنشر الرواية كاملة في عددٍ خاص، وقد كانت تلك هي المرة الأولى التي تنشر فيها الرواية في مصر، كما بدأت جريدة «المساء» في نشرها مسلسلة. وغضب محفوظ من الجريدتين، ويبدو أنه كان لا يزال حريصًا على ألا يحنث بالوعد الذي قطعه على نفسه أمام الممثل الشخصي لجمال عبد الناصر، وطالب «المساء» بوقف النشر واستجابت الجريدة، لكن «الأهالي» كانت قد نشرت الرواية في عدد خاص كما سبق الإشارة.

وهكذا بلغت الوصاية الدينية على الأدب الذُرى بمحاولة الاغتيال التي تعرض لها كاتبنا. ولا تعود مسؤولية الاغتيال لمرتكبها فحسب، بل تعود قبل كل شيء للمناخ المسموم والصراع والمزايدة بين الدولة والاتجاهات الدينية، وإصرار الدولة على إحكام القبضة على «توكيل الدين» وعدم التفريط فيه.

مسلسل لم يتوقف

سأعود إلى «أولاد حارتنا» مرة أخرى، لكنني ألفت النظر فقط إلى أن مسلسل العدوان على حرية التعبير لم يتوقف أبدًا، ومحاولة الأزهر من جانب، والتيارات الدينية من جانب آخر، لفرض الوصاية الدينية لم تتوقف أيضًا، بل انتقلت إلى مجالات وأشكال فنية أخرى مثل السينما (فيلما المهاجر وطيور الظلام). وشهد عام 1999 حكمًا بحبس صلاح الدين محسن، بسبب كتاب أصدره، ستة شهور مع إيقاف التنفيذ، وعندما رفض مكتب تصديق الأحكام (وهو الدولة هنا) التصديق على الحكم، أعيدت محاكمته أمام دائرة أخرى، مع إعداد قرار اتهام جديد في القضية وإحالتها إلى محكمة الاستئناف، التي أصدرت حكمها بالسجن ثلاث سنوات.

لكن العاصفة الأشد خطورة جرت في مايو 2000، عندما أعادت هيئة قصور الثقافة نشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر (وهي رواية صدرت منها عدة طبعات في لبنان قبل أكثر من عشر سنوات) وتولت صحيفة حزب العمل «الشعب»، المسيطر عليها من الاتجاهات الدينية المتطرفة، إشعال حريق ضد الرواية، وخرجت على إثر ذلك مظاهرات صاخبة اتسمت بالعنف، قام بها طلاب الأزهر الذين لم يقرأوا الرواية.

caption

وهنا واجهت الدولة إحدى معضلاتها الكبرى في صراعها حول إبقاء «توكيل الدين» في حوزتها. فبينما أصدر فاروق حسني، وزير الثقافة في ذلك الوقت، قرارًا بتشكيل لجنة من نقاد الأدب ضمت عبد القادر القط ومصطفى مندور وكامل زهيري وصلاح فضل، انتهت إلى خلوّ الرواية مما اعتبرته جماعات الإسلام السياسي تطاولًا على الدين أو خروجًا على الآداب العامة، كما دافع التقرير عن حرية التعبير، واعتبر الرواية عملًا أدبيًا مهمًا، وفي الوقت نفسه أصدر مجمع البحوث الإسلامية بيانًا بإدانة الرواية عندما أحالت الحكومة الرواية إلى شيخ الأزهر.

وهنا دخل المعركة طرف ثالث كان غائبًا، وهم المبدعون والمثقفون، حيث تقدّم نحو 400 كاتب ببلاغ للنائب العام للتضامن مع الكاتبين إبراهيم أصلان، رئيس تحرير السلسلة التي طبعت الكتاب، وحمدي أبو جليل، مدير تحريرها، واللذين كانا قد تم التحقيق معهما بمعرفة نيابة أمن الدولة، بعد المظاهرات التي قام بها طلاب الأزهر. وفي البلاغ المشار إليه اعتبر الموقعون عليه أنفسهم مسؤولين عن نشر الرواية وطالبوا بمحاكمتهم بالتهمة نفسها.

وفي الأسبوع التالي أعلن شيخ الأزهر في مجلة «روز اليوسف» أنه يجب عرض أي رواية على الأزهر ليوافق عليها أو يرفضها قبل النشر، وهو تصريح متعجل بالطبع ولا يمكن تنفيذه، إلا أنه يعكس حجم الأزمة وتخبط الدولة في معالجتها بسبب الصراع حول «توكيل الدين». كما تسارعت الأحداث، وأدت في نهاية الأمر للجوء للاعب آخر هو لجنة شؤون الأحزاب، ومن جانبها أصدرت اللجنة قرارين، الأول تجميد حزب العمل، والثاني وقف جريدة «الشعب» التي بدأت المعركة وأشعلت النار ودعت الطلاب للخروج دفاعًا عن الدين!

  هدية «الإخوان المسلمين»

 لم تنته فصول «أولاد حارتنا» بعد، ففي أعقاب حصول جماعة الإخوان المسلمين على أكثر من 80 مقعدًا في انتخابات البرلمان عام 2005، وفي عيد ميلاد نجيب محفوظ توجه عبد المنعم أبو الفتوح، عضو مكتب إرشاد الإخوان المسلمين، لزيارة محفوظ، وقدّم له قلمًا فاخرًا هدية منه باسم «الإخوان المسلمين». وكان من أهم ما قاله أبو الفتوح لمحفوظ في هذه المناسبة إنه يطالبه بنشر رواية «أولاد حارتنا»، بل ورفض موقف محفوظ الذي كان قد تغير من رفض النشر رفضًا مطلقًا بناءً على الوعد السابق الإشارة له، إلى ضرورة الحصول على موافقة الأزهر قبل النشر. وأضاف أبو الفتوح أنه «ليس هناك أي داعٍ للحصول على الموافقة»، وزاد على ذلك قائلًا: «نحن (والضمير يعود على الإخوان) ضد صدور قرارات إدارية من أي جهة بما في ذلك الأزهر بمصادرة قصص وروايات أو أي إبداع فني، وعلى من لا يعجبه أي إبداع من أي جهة أن يكتب ضده أو يؤلف ضده أو يعمل فيلمًا ضده فيسقطه بالفكرة» وانتهى إلى أن «الإمام حسن البنا كان عندما يزوره ضيف من خارج البلاد، كان يصطحبه للأوبرا تكريمًا له».

وإذا كان عبد المنعم أبو الفتوح قد تراجع فيما بعد عن أغلب تصريحات السابقة بعد الضغط العنيف الذي تعرّض له من مكتب الإرشاد، فإن الأمل والاستبشار الذي شعر به الكثيرون بتغيير موقف الجماعة الثابت في فرض الوصاية الدينية على الإبداع قد تبخر تمامًا، وسرعان ما عادت الجماعة لمواقفها مستغلة تصريحات وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، بشأن الحجاب، وما تلا ذلك من وقائع تجسدت داخل البرلمان وخارجه.

وأخيرًا، رحل عن عالمنا نجيب محفوظ،  قبل أن تُنشر الرواية في مصر. وكانت وصيته الأخيرة أن يكتب أحمد كمال أبو المجد، الذي شغل عدة مناصب تنفيذية في الدولة ومعروف باعتداله، مقدمة للرواية قبل نشرها في مصر من جانب دار الشروق، وهو ما فعله أبو المجد الذي أكد أن الرواية ليست ضد الدين، وكان الجزء الثاني من الوصية هو موافقة الأزهر على النشر. والحقيقة أن هذه النقطة الأخيرة تحديدًا يحيط بها الغموض. وطبقًا لما ورد في كتاب محمد شعير «سيرة الرواية المحرمة» الصادر عن دار العين، فقد اكتفى بأن محفوظ اشترط موافقة الأزهر، لكنه لم يذكر هل أصدر الأزهر تصريحًا مكتوبًا أو قرارًا، ولم يحدد شكلًا لموافقة الأزهر.   

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن