تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أورجانيك يا حازم؟

أورجانيك يا حازم؟

زراعة عضوية بلا معايير وقانون معطل 

كتابة: ندى عرفات 10 دقيقة قراءة
الصورة: مسلسل لعبة نيوتن

خضر متنوعة متراصة على رفين متتاليين بهايبر ماركت كبير. الرفان يحويان خضر متشابهة، أحدهما يُباع بالوزن، والآخر في طبق ورقي مغلف. تباع الطماطم الحمراء اللامعة على الرف الأسفل بسعر ستة جنيهات للكيلو، أما على الرف العلوي، فيبلغ سعر طبق الطماطم 80 جنيهًا للكيلو، بارتفاع أكثر من 1200% مقارنة بالطماطم العادية. الفارق الوحيد بين المنتجين أن منتجات الرف العلوي كُتب على غلافها بخط كبير واضح «أورجانيك».

قبل وصول الطماطم العضوية إلى السوبر ماركت في مصر بـ 1300 سنة، لم تُعرف الطماطم الصفراء حينها سوى في أمريكا الجنوبية قبل أن تنتقل إلى أوروبا ثم مصر، حيث ساهم المناخ المعتدل والمياه المتوفرة في زيادة إنتاجيتها لتُزرع ثلاث مرات في السنة، ليستهلك منها الفرد المصري نحو 60 كيلوجرامًا من الطماطم في المتوسط سنويًا، وهو ما يُعادل 40% من متوسط استهلاك الفرد من الخضر، لكن الارتفاع في درجة الحرارة زاد من إصابتها بالأمراض، ما قابله تشجيع حكومي في السبعينيات على استهلاك السماد والمبيدات للحفاظ على الإنتاجية وتقليل الاستيراد.

ساهم استخدام المبيدات بشكل عشوائي في نشر الأمراض، والذي بدوره دفع العديد من الدول لحظر استيراد المنتجات الزراعية المصرية على مدار سنوات متتالية لعدم مطابقتها للمواصفات ومخالفتها للمعايير الصحية، ما أضعف نمو هذه الصادرات الزراعية. وهنا ظهرت أهمية الزراعة العضوية، ومعها الصعوبات المقترنة بوجودها في مصر.

الصورة من ويكي كومونز: André Ganzarolli Martins

تعرف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» الزراعة العضوية بأنها نظام يعتمد على وقف استخدام مدخلات الزراعة الصناعية، مثل الأسمدة والمبيدات التخليقية، وكذلك البذور والسلالات المعدلة وراثيًا التي يعدل الحمض النووي لها عن طريق الهندسة الوراثية من أجل تحسين صفات النبات لزيادة إنتاجيته أو رفع مقاومته للأمراض؛ لتحل مكانها أساليب إدارة تحافظ على خصوبة التربة على المدى الطويل، وتمنع الآفات والأمراض بشكل طبيعي.

الزراعة في مصر منذ اكتشافها من آلاف السنوات كانت دائمًا عضوية باستثناء القرن الأخير. فمصر هي هبة النيل، ليس فقط لإمداده المصريين بالمياه، بل بالأحرى لإمدادهم بالغذاء. كانت أرض الدلتا مرتفعة الخصوبة جرّاء الطمي الذي يصاحب الفيضان. ولذلك كانت الزراعة في مصر «أورجانيك» بحسب المهندس الزراعي محمد عاطف. ومع بناء السد العالى في سبعينيات القرن الماضي حُجب الطمي، وانخفضت خصوبة الأرض تدريجيًا وانتاجيتها بالتبعية،وتزامن ذلك مع تزايد معدل السكان والطلب على الغذاء، ما دفع المزارعين لتعظيم أرباحهم عبر الاستخدام المتزايد للسماد الصناعي لتحفيز نمو المحاصيل، والمبيدات الحشرية لحمايتها.

استخدام المدخلات الكيميائية عبر عقود دمر ما تبقى من التربة الخصبة في وادي النيل ودلتاه، رغم أنها ساهمت بالفعل في زيادة الإنتاج بنحو 25%، وسرّعت دورة الإنتاج ليحقق المزارعون مكسب أكثر، بحسب عاطف.

عمل عاطف لسنوات كاستشاري زراعي لمزارع كبيرة، قبل أن يترك عمله منذ سبع سنوات بعد إصرار صاحب مزرعة تفاح عمل بها على إخراج محصوله بالكامل للسوق للحاق ببشاير التفاح مرتفعة الثمن، رغم عدم مرور مدة الأمان للمبيد الذي أستخدمه عاطف.

 «27 ألف ثمرة تفاح نزلت السوق وهي لسه فيها بقايا مبيدات»، في هذه اللحظة قرر عاطف التوجه لدعم الزراعة العضوية. يفعل ذلك من خلال تصنيع مدخلات إنتاج عضوية، أو تنظيم ورش عمل وندوات للتبشير بالزراعة العضوية. ولكن العقبات أمامه عديدة.

الصورة: Hajhouse

بينما استمرت الزراعة العضوية في النمو عالميًا، كان تطور توسع المزارع المصرية بطيء. تعود البداية إلى شركة سيكم عام 1977. على مساحة 165 فدانًا من الأرض الصحراوية المصرية البكر، على مسافة 60 كيلومترًا شمال شرق القاهرة٬ بدأت الشركة في إنتاج الأعشاب الطبية للتصدير حتى وصلت إلى زراعة الخضر والفاكهة وتصديرها إلى أوروبا في منتصف التسعينيات.

تجربة «سيكم» الناجحة وزيادة الطلب العالمي على المنتجات الزراعية العضوية شجع المزيد من المستثمرين الذين أنشأوا بعد ذلك جمعية سجلوها عام 1996 تحت اسم الجمعية المصرية للديناميكا الحيوية المستقلة (EBDA) كمنظمة غير ربحية تقدم خدمات التدريب والبحوث والاستشارات في مجال الزراعة العضوية والحيوية، وفقًا لبحث بكلية الزراعة في جامعة عين شمس صدر عام 2018 وحصل عليه «مدى مصر».

رغم التوجه نحو الزراعة العضوية، لكن حتى الآن لا تتجاوز نسبة الزراعات العضوية 300 ألف فدان من أصل نحو عشرة ملايين فدان هي إجمالي مساحة الأراضي الزراعية في مصر، حسبما تقول لـ«مدى مصر» مايسة لطفي، مديرة المعمل المركزي للزراعة العضوية، الذي أُنشئ بقرار وزاري عام 2002 ليصبح الجهة الحكومية الوحيدة المختصة بنشر مفاهيم الزراعة العضوية، والإشراف على البحوث.

وفقًا لاحصاء لمعهد أبحاث الزراعات العضوية ذكر في دراسة جامعة عين شمس، توجد في مصر 900 مزرعة للمنتجات العضوية، أكثر من نصفها في مصر الوسطى وخصوصًا الفيوم. وتتراوح مساحة نصفها من 10 الى 50 فدانًا، وعدد محدود تجاوز 200 فدان.

تركز مزارع المنتجات العضوية في وادي النيل هو بمثابة مؤشر على معيار جودة هذه المنتجات، فأغلب هذه المزارع حتى إن حاولت إنتاج محاصيل عضوية لن تتمكن من تحقيق هذا، إذ تشترط الزراعة العضوية تربة نظيفة، خالية من أي ملوثات أو متبقيات مبيدات، وهو أمر مستحيل في الأراضي القديمة في الدلتا ووادي النيل، التي تشبعت بالفعل بأطنان من المبيدات على مدار عقود.

أيضًا تحتاج المزارع لتأمين مصدر مياه غير ملوثة، ومساحة معزولة لتجنب نقل المبيدات الحشرية عبر الهواء من المزارع التقليدية، وهو ما قد لا يتوفر سوى في الأراضي الصحراوية الجديدة٬ وفقًا لأستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، جمال صيام.

معايير الزراعة العضوية كذلك تشترط التخلص من أي محصول أصيب وفشلت المكافحة الحيوية باستخدام الحشرات آكلة الحشرات والفيروسات والفطريات والبكتريا في القضاء على الإصابة به. هناك أيضًا شرط الفصل ما بين المنتجات العضوية والتقليدية، والذي يتطلب مخازن مستقلة، بحسب صيام.

كل هذه الاشتراطات٬ بحسب صيام٬ تؤدي لانخفاض إنتاجية الفدان. إغراء الربح الكبير للمنتجات العضوية دفع العديد من المزارع الخاصة لمحاولة إنتاجها، ولكن حد من قدرتها الشروط الصعبة التي تفرضها الدول الأوروبية، لذا اتجهت هذه المنتجات للسوق المحلي، ما ساهم في انتشار منتجات تحمل صفة الأورجانيك دون حق، في ظل غياب الرقابة الحكومية.

«كتير بلاقي منتجات مش عضوية في الأسواق وبتتباع على أنها كده، بس مقدرش أخد أي إجراء قانوني ضدهم» تقول لطفي.

الصورة: سيكم

جاء اهتمام الحكومات المتتالية بتقنين الزراعة العضوية بخطوات بطيئة، بدأت بقرار وزاري صدر عام 2008 لاعتماد المعايير المنظمة للزراعة العضوية بقوة القانون، دون تحديد عقاب للمخالفين أو آلية ضبط السوق. ثم وافق البرلمان مطلع العام الماضي على مشروع قانون للزراعة العضوية. يضم القانون عشرة بنود، تمنح سلطة الرقابة والإشراف على الزراعة العضوية لجهتين حكوميتين، الإدارة العامة للزراعة العضوية التي تتولى تقييم مدخلات الإنتاج العضوية، والهيئة القومية لسلامة الغذاء التي تراقب المنتجات في السوق. تحدد السلطتان شروط لاستيراد المدخلات العضوية، وأخرى لإنتاجها، وتقدمان المساعدات الإرشادية اللازمة للمزارع، على أن تحدد اللائحة التنفيذية حين صدورها التفاصيل الخاصة بكل ذلك.

بموجب هذه اللائحة التنفيذية يكون لهيئة سلامة الغذاء الصلاحية في تحديد معايير المنتجات العضوية وتوحيدها من خلال «لوجو» يطبع على كل المنتجات العضوية ما يسهل على المستهلك معرفة المنتجات العضوية، كما يمّكن «الهيئة» من معاقبة أي صاحب منتج عضوي مزيف باعتبارها قضية غش تجاري قد تصل غرامتها إلى نصف مليون جنيه، وفقًا للطفي.

ولكن رغم تأكيد وزارة الزراعة على إصدار اللائحة التنفيذية، إلا أن أكثر من مصدر في قطاع الزراعة العضوية ووزارة الزراعة أكد لـ«مدى مصر» أن اللائحة لم تصدر بعد. تأجيل نشر اللائحة وبالتالي نفاذ القانون يعود لطلب المطابع الأميرية أكثر من 260 ألف جنيه لطباعة اللائحة التي تتكون من أكثر من 200 صفحة، حسبما قال مصدر بوزارة الزراعة فضل عدم ذكر اسمه. حاولنا التواصل مع متحدث الوزارة، محمد القرش، لمنحها حق الرد أو التوضيح لكن لم نتلق ردًا.

الغموض حول اللائحة التنفيذية ونفاذ القانون يعود إلى السبب الرئيسي في استحداثهما. بحسب خبير في مجال الزراعة العضوية، فضل عدم ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر»، إنه لم يكن الهدف من السرعة في إصدار القانون هو تنظيم السوق ولكن ضمان استمرار تصدير منتجات مصر العضوية إلى أوروبا التي قررت وقف استيراد أي منتجات عضوية من أي دولة ليس لديها قانون للزراعة العضوية بحلول 2018 ثم مدت الفترة إلى 2020، بحسب تصريحات سابقة لوزير الزراعة الأسبق، عصام فايد.

الصورة: Andy Roberts

ولكن حتى بعد إصدار القانون لن تتمكن جميع المنتجات العضوية المصرية من النفاذ للسوق الأوروبي، والذي يطالب بالالتزام بمعايير صارمة تُصدر بموجب الالتزام بها شهادات من مراكز معتمدة، تضمن جودة المنتجات وتشرف على إنتاجها. وهذه الشهادات هي عقبة أخرى في طريق توسع الزراعات العضوية في مصر، حيث يوجد نحو عشرة مراكز إصدار شهادات كلهم لشركات أجنبية، وفقًا للطفي.

على مدار العقدين الماضيين عملت هيئتان وطنيتان على إصدار هذه الشهادات، وهم المركز المصري للزراعة العضوية «ECOA»، ومركز الزراعة العضوية في مصر «COAE»، ولكنهما فقدا اعتمادهما من الاتحاد الأوروبي عام 2016، بعد ثبوت وجود مخالفات لم تسمها لطفي. ومنذ ذلك الحين، لا توجد هيئة اعتماد وطنية تعمل في مصر، لذا يضطر المزارعون إلى اللجوء إلى هيئات إصدار الشهادات الدولية باهظة التكلفة.

تختلف تكلفة الشهادات وفقًا لمساحة الأرض وطبيعتها. فالأرض البكر لا تحتاج لمدة طويلة للتخلص من متبقيات المبيدات والأسمدة عكس الأراضي القديمة التي تتطلب وقت قد يصل إلى خمس سنوات من المتابعة مع شركات إصدار الشهادات للتأكد من خلو الأرض والمياه من الملوثات تمامًا، حسبما يقول المهندس الزراعي محمد شمس لـ«مدى مصر». خلال هذه الفترة تتحمل المزرعة تكاليف التفتيش والتحاليل للعينات التي تتم على مدار العام فضلًا عن تكلفة التعاقد في البداية.

بحسب تقرير «أورجانيك مصر»، وهو مشروع مصري ألماني يهدف لتعزيز قطاع الزراعة العضوية، تكلفة الشهادات وطول وقت إصدارها يستلزم استثمارات كبيرة في البداية، ما يعطل محاولات المزارع الخاصة للتوسع، ويحد من قدرة المزارع القديمة على التحول لنظام زراعي عضوي.

على الجانب الآخر، دعم الحكومة للزراعات غير العضوية من خلال دعم الأسمدة والمبيدات الصناعية دفع بعض المزارع العضوية لإعادة التحول إلى الأنظمة التقليدية، بحثًا عن سهولة الإنتاج، أو جراء سحب شهاداتهم بسبب تأثر منتجاتهم بعوامل خارجية كتلوث الهواء والماء والتربة عند انجراف رش الكيماويات وتصريف الأسمدة الكيماوية في المياه الجوفية.

الصورة: U.S. Department of Agriculture

هناك أيضًا تحدي على مستوى المعلومات. يتمثل في عدم وجود مزارعين مدربين على نظم الزراعة السليمة والصحية فضلًا عن الزراعة العضوية، ما أدى لانتشار عادات خاطئة تصل أحيانًا لحقن المنتجات بمركبات كيميائية خطيرة مثل «الفنيك» للقضاء على الإصابات، أو مواد أخرى لتسريع عملية الإنتاج، بالإضافة لاستخدام مياه غير صالحة للري سواء مياه مصارف أو ترع ملوثة، وفقًا لعاطف.

الصورة: Judgefloro

كل هذه المعايير والظروف أدت إلى رفع أغلب أسعار المنتجات العضوية عن نظيرتها التقليدية بين 10 و50% وفقًا لبحث جامعة عين شمس، رغم عدم ضمان تطبيق شروط الزراعة العضوية الصحيحة، نظرًا لعدم نفاذ القانون بعد، وبالتالي الرقابة.

إحدى المزارع العضوية تقدم لعملائها سلال من المنتجات بأسعار متفاوتة، إحدى السلال تحتوى على 15 صنفًا متنوعًا من الخضر، تزن نحو 20 كيلوجرامًا بسعر 550 جنيهًا، أما نفس مكونات السلة غير العضوية في الأسواق فيصل سعرها إلى نحو 200 جنيه فقط.

هذه التكلفة تحجم الفئة المستهدفة من المشترين لتكون من الفئات الأكثر ثرائًا في المجتمع A وB فقط، وفقًا للعضو المنتدب لشركة Metro Markets، في تقرير «أورجانيك مصر»، الذي يشير إلى أن حتى هذه الفئات تواجه مشكلة محدودية توافر المنتجات العضوية وتنوعها، فلا تتوفر كل أنواع الخضروات والفاكهة، فضلًا عن المواد الغذائية الأخرى؛ مثل منتجات الألبان أو البيض والطيور وغيرها، حيث تعتمد أغلب الزراعات العضوية في مصر على النباتات العطرية لسهولة العناية بها، وتعدد استخداماتها سواء في شكلها المباشر أو بعد تصنيعها، من خلال استخراج واستخدام المواد الفعالة في صناعة الأدوية والصناعات الغذائية والعطور ومستحضرات التجميل والصابون.

غياب الثقة في المنتجات العضوية، وصعوبة توافرها دفع بعض الأسر ذات القدرة المادية، والمهتمة بالطعام النظيف٬ إلى زراعة المحاصيل الأساسية فوق أسطح منازلهم وفي حدائقهم. علاء بدر٬ مهندس كهرباء، يزرع سطح وحديقة منزله: «أي حاجة تستخدم في المطبخ بزرعها». يزرع بدر كل الخضر تقريبًا والعديد من الفاكهة، ويعتمد في تسميدها على منتجات عضوية وطبيعية فقط. ويراكم على خبراته معلومات جديدة من مجموعة نظمها المهتمون بالزراعة العضوية على واتساب تضم نحو 200 شخص.

وبالرغم من اضطرار بدر لشراء خضر وفاكهة من الأسواق لعدم كفاية إنتاجه لتغطية احتياجات المنزل، فأن جودة ما ينتجه يتميز بفارق ضخم في الطعم والرائحة لمثيله في الأسواق.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن