أوبنهايمر والقنبلة الذرية.. كيف تعلمت السينما أن تحب القنبلة؟ (1-2)
نظرة على تاريخ «القنبلة» والأسلحة النووية في السينما
يُعرض حاليًا فيلم «أوبنهايمر» للمخرج كريستوفر نولان، المخصّص لسيرة وحياة مَن يُعرف بـ«أبو القنبلة الذرية» واختراعه، الذي حوّل سيناريو الرعب المتمثل في تدمير البشرية احتمالًا حقيقيًا. منذ إسقاط القنبلة الذرية الأولى، كانت السينما حاضرة لتعكس هذا التطوّر. هنا نتتبع سيرة أوبنهايمر و«قنبلته» عبر تاريخ السينما، على جزئين:
الأول «أوبنهايمر قبل نولان»، وفيه نلقي نظرة على تاريخ «القنبلة» والأسلحة النووية في السينما.
أما الجزء الثاني «الحياة والموت مع القنبلة»، فيستعرض استجابة السينما لخطر التدمير الكامل للبشرية بأيدي البشر أنفسهم، بعد القنبلة وهيروشيما.
1- أوبنهايمر قبل نولان
«أنتِ لم تري شيئًا في هيروشيما ..أي شيء.»
- من فيلم «هيروشيما حبّي» (1959، آلان رينيه)
ألوان باستيل، سماء زرقاء، ضوء شمسي متلألئ. قريبًا سيسطع ضوء أكثر إشراقًا في سماء نيو مكسيكو، «أكثر إشراقًا من ألف شمس»؛ مثلما سيوصف لاحقًا ذلك الضوء المرعب والمذهل في آنٍ. كان هذا ضوء «الثالوث»، الاسم الرمزي للنموذج الأوّلي للقنبلة الذرية، التي فُجّرت في 16 يوليو 1945 في الصحراء الأمريكية. القنبلة الذرية الثانية ستُلقى في الشهر التالي على هيروشيما اليابانية، مخلّفة دمارًا لم يشهده العالم من قبل.
الصور الأولى من B-52
في الواقع، حضرَت السينما منذ البداية: بثلاث كاميرات، من ثلاث وجهات نظر مختلفة، وُثّقت أحداث تفجير «ترينيتي» على فيلم 35 ملم. في الرحلتين التاليتين لقاذفة B-52، قام هارولد أجنيو، أمين المحفوظات اللاحق لمركز بناء القنبلة الذرية في لوس ألاموس، بتصوير تفجيري القنبلة بكاميرا 16 مم الخاصة به (يظهر هنا). أُنجزت الأفلام الأطول الأولى أيضًا في وقت مبكر من عام 1945، مباشرة بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي.
ألهمت القنبلة الذرية وتاريخها منذ ذلك الحين العديد من الأفلام بطرق مختلفة جدًا. صوَّرت الأفلام القوة التدميرية لـ«القنبلة» وشَعْرَنتها، مثلما أفسحت المجال لأسئلة أخلاقية أثارها وجودها واستخدامها. أفلام كُرّست لزمن ما قبل «القنبلة»، لكن وقبل كل شيء، لعواقبها وآثارها على المستويين الفردي والمجتمعي. كيف تعامل الفنّ السينمائي بشكل جمالي مع احتمال أن يكون استمرار وجود الحضارة الإنسانية ككلّ مهددًا؟
كانت الرغبة في التدمير وابتكار صور للدمار والخراب جزءًا من السينما منذ بداياتها. مرة بعد أخرى، حاولت صور الأفلام وقصصها إطلاق العنان للفوضى وفي نفس الوقت احتوائها أو تضمينها في سرديات ذات مغزى. يتضمّن هذا كليشيهات العلماء العباقرة الذين يتصوّرون ما لا يمكن تصوّره ويتابعون شغفهم العلمي والإبداعي في خضم منازعتهم الآلهة والقوانين المعروفة سعيًا وراء خلق ما يعدّونه فتحًا إنسانيًا وطريقًا جديدة للبشرية، لكنهم أيضًا - وهذا ليس بالشيء النادر – من الوارد أن يصبحوا ضحايا للأرواح التي يستحضرونها. وهكذا، منذ تفجير القنبلة الذرية الأولى في 16 يوليو/تموز 1945، أصبحت «القنبلة» والأسلحة النووية موضوعات تربوية وترفيهية على حد سواء، وأساسًا لأعمال فنّية عظيمة وأخرى ضحلة، ومرايا مباشرة واستعارات غير مباشرة للإمكانيات والحدود البشرية.
رقابة أمريكية على الصور اليابانية
في أواخر أغسطس 1945، ذهبت وحدة الأفلام اليابانية «نيبون إيجا شا» إلى هيروشيما وناجازاكي نيابة عن الحكومة الإمبراطورية اليابانية لالتقاط آثار السلاح الجديد المدمِّر على شريط فيلمي. كانت «نيبون إيجا شا» عبارة عن اندماج في زمن الحرب لأربعٍ من مؤسسات الأفلام الإخبارية newsreel والأفلام الوثائقية التي كانت موجودة قبل الحرب، وتنتج أفلامًا إخبارية وأفلامًا دعائية وطنية، بالإضافة إلى العديد من الأفلام الوثائقية والتعليمية والعلمية. لكن في زمن الحرب أُمّمت بأمرٍ من الإمبراطور وكرّست طاقاتها للمجهود الحربي. لكنها الآن بقيادة الناقد السينمائي الياباني أكيرا إيواساكي، الذي كان أيضًا مؤرخًا وعمل أحيانًا كمنتج.
كان اختيار إيواساكي لهذه المهمة استثنائي ولافت. ففي الثلاثينيات من القرن الماضي، ترأس إيواساكي جماعة سينمائية يسارية تسمّى «بروكينو» أو «رابطة السينما البروليتارية»، ارتبطت بحركة الفنون البروليتارية في اليابان، واستخدمت بشكل أساسي الأفلام ذات المقاييس الصغيرة مثل فيلم 16 ملم وفيلم 9.5 ملم لتسجيل المظاهرات وحياة العمّال وإظهارها في الأحداث المنظمة، أو، باستخدام فرق العرض المتنقلة، في المصانع والمناجم. ولأن «بروكينو» كانت مناهضة للعسكرية، فقد حُظرت قبل الحرب بفترة وجيزة، وسُجن بعض أعضائها. أمضى إيواساكي نفسه جزءًا من الحرب في السجن. حقيقة «إعادة تأهيله» رسميًا حينها وتكليفه بتلك المهمة التوثيقية تعكس الوضع المضطرب في اليابان خلال الأيام الأخيرة من الحرب، ومدى فقدان الجيش لموقعه في السلطة، بعد إدراك الخسارة الحتمية.
كان طاقما تصوير من الوحدة في مهمة تصوير بالفعل عندما وصلت قوات الاحتلال الأمريكية إلى مكان الحادث. تحت رقابة صارمة، أُنتجت الكثير من اللقطات الإضافية في الأسابيع التالية، كلها بالأبيض والأسود. ُدمجت بعضها في العديد من الأفلام الإخبارية في الخريف. في الوقت نفسه، تم تحرير التسلسلات المصوّرة معًا تحت إشراف الولايات المتحدة تحت العنوان العام «تأثيرات القنبلة الذرية». كوّنت المواد المصوّرة ما مدّته حوالي ثلاث ساعات، لكن بعد ذلك بوقت قصير تم الاستيلاء عليها من قبل الحكومة العسكرية الأمريكية، ونقلها إلى خارج البلاد، واختفت في الأرشيفات الأمريكية المصنفة على أنها «سرّية» لما يقرب من ربع قرن. ثم اكتشفها باحثون أمريكيون، وتمكّنوا من الإفراج عنها وتكثيفها في فيلمٍ قصير مدته 16 دقيقة فقط. عُرض هذا الفيلم، مع تعليق أمريكي، لأول مرة في متحف الفن الحديث (MoMA) بنيويورك في فبراير 1970 وانتشر دوليًا في غضون أسابيع بأكثر من 500 نسخة تحت عنوان «هيروشيما - ناجازاكي، أغسطس 1945». في السبعينيات أيضًا، كشف موظّفو وحدة «نيبون إيجا شا» عن قيامهم بنسخ أجزاء من المواد سرًا لحمايتها من أيدي الرقباء الأمريكيين.
ظهر أول فيلم روائي طويل يتناول القنبلة في الولايات المتحدة بعنوان «البداية أو النهاية» (1947، نورمان تاروج). ومثلما هو متوقع، لم يأت الفيلم واقعيًا ولا محايدًا ولا موضوعيًا، إذ يجمع بين لقطات وثائقية وقصة إطارية خيالية، وفي مشاهدٍ يظهر فيها الرئيسان الأمريكيان روزفلت وترومان يقدِّم شيئًا من التبرير السياسي والأخلاقي لاستخدام الأسلحة النووية. يشترك كلا الفيلمين في أنهما - في حالة الفيلم الياباني بسبب الرقابة الأمريكية - يحذفان إلى حدّ كبير المعاناة الإنسانية والموت والرعب، ويركزّان على تأثيرات القنبلة على الأشياء الجامدة.
«مشروع مانهاتن»
«766 يومًا قبل هيروشيما»، تظهر العبارة مكتوبة فوق سحابة انفجار ذهبية اللون في الثواني الأولى من المسلسل الأمريكي «مانهـ(ا)ـتن». يحكي المسلسل، الذي ابتكره سام شو لصالح «نتفليكس» في موسمين، عمّا يسمّى بـ«مشروع مانهاتن»، وهو محاولة لبناء أول قنبلة ذرية في العالم تحت إشراف الفيزيائي روبرت أوبنهايمر، والذي أطلقته الحكومة الأمريكية في لوس ألاموس، نيو مكسيكو عام 1942. في جوهر المسلسل تكمن مسألة كيفية تخيُّل «مشروع مانهاتن»، الذي لا يزال يكتنفه العديد من الأساطير والسرديات غير الموثوقة.
بدايةً، كحياة طبيعية. يُظهر المسلسل الحياة اليومية لأربعينيات القرن الماضي: يذهب الرجال إلى العمل، وتعتني النساء بالأسرة، ومن المفترض أن يتعلّم الأطفال ويرغبوا في اللعب أو يكونوا مراهقين متمرّدين، فيما تثير المدينة الصحراوية المهجورة والمتربة أعصاب الجميع أكثر فأكثر. يصرفون الملل بعلاقات حبّ ومؤامرات صغيرة. يخلق «مانهـ(ا)ـتن» علاقة اجتماعية دقيقة إلى حد ما بين العلماء، الذين لا يعرفون حتى الآن كيف يصلون إلى هدفهم، لكنهم يشكّون في إمكاناته التدميرية. يشكّلون النخبة، لكنهم أيضًا أشباه أسرى في عالمٍ يتولّى فيه العسكر القيادة. يشعر بعض الجنود بالإحباط لأنه لا يُسمح لهم بـ«بالخدمة» في الخطوط الأمامية، ويخرجون إحباطاتهم في الموكل إليهم رعايتهم. المجموعة الثالثة هي العائلات التي لا يُسمح لها بمعرفة أي شيء، لأن«مشروع مانهاتن» يخضع لأقصى درجات السرّية، ففي النهاية، نحن في حرب والنازيون بدورهم يعملون على سلاحٍ نووي. لذا فالجميع ينتظرون الانفجار العظيم، دون أن يعرفوا بالضبط ماهيته أو شكله. باستثناء أوبنهايمر ونيلز بور، جميع شخصيات المسلسل الرئيسية خيالية؛ ومع ذلك، غالبًا ما يستندون إلى نماذج تاريخية.
يقدّم المسلسل تصويرًا مقنعًا للفترة التي لم يكن فيها بناء القنبلة الذرية مؤكدًا بأي حال من الأحوال وكانت الحرب الباردة يصعب تخمين لواحها في الأفق. لكن الأهمّ، وقبل كل شيء، أن «مانهـ(ا)ـتن» يمثّل أيضًا بيانًا أمريكيًا بأسلوب «ريترو» وألوان باستيل، على غرار «Mad Men» و«Boardwalk Empire»؛ «نوار» لكن أحداثه تقع خارج المدينة وأضوائها ويعمل كمرآة بعيدة للحاضر. فالعقلية «الكوول» التي يتحلّى بها كلٌّ من الجنود وضباط المخابرات والعلماء تبدو غير عقلانية وغير معقولة بالمرّة، وبالتالي فالنطاق الواسع من الشخصيات وآرائهم وتصرّفاتهم يعكس أيضًا النطاق الذي يمكن للمرء أن يربطه بمشروع القنبلة الذرية وسياقها. يبدو للبعض أنها الملاذ الأخير لوقف الفاشية العالمية، أو لتقصير أمد الحرب، أو كشرٍّ ضروري لكسب السباق مع ألمانيا النازية، وبالتالي إضفاء الشرعية على أشياء مشكوك فيها مثل إجراءات المراقبة والقيود التي تفرضها الأجهزة الأمنية. يجادل البعض بمنطقٍ نفعي بحت، بأنه يجب التضحية بالقليل من أجل مصلحة الكثيرين. فيما يشير آخرون إلى أن الخسائر المدنية والمعاناة الرهيبة والدمار لا يمكن تبريرها بأي خير محتمل.
أوبنهايمر قبل نولان
سردٌ أكثر تقليدية للقصة، أكثر تركيزًا على بناء القنبلة نفسها وأقرب إلى التاريخ الحقيقي، قدّمه رولان جوفيه في فيلمه المغمور «الرجل البدين والولد الصغير» (1990). يشير عنوان الفيلم إلى الاسمين المستعارين الذين اختارهما الأمريكيون للقنبلتين الملقتين على هيروشيما وناجازاكي. هذا هو الفيلم الروائي الوحيد حتى الآن الذي حاول تصوير ما يقرب من عامين امتدّا من أبحاث لوس لاموس إلى اختبار ترينتي، وإلى الآن لا يزال السلف السينمائي المباشر الوحيد لـ«أوبنهايمر» كريستوفر نولان. يجسّد بول نيومان دور جنرال بالجيش الأمريكي مسؤول عن مشروع مانهاتن، بينما يجسّد دوايت شولتز (في أهم أدواره على الشاشة) دور أوبنهايمر، وفي عملية تجسيدهما البارع للشخصيتين يقومان بإضفاء الطابع الشخصي على ركيزتي المشروع: العسكرية والعلمية. يلعب جون كوزاك الشخصية الرئيسية الثالثة (الخيالية)، عالمٌ شاب يموت بجرعة قاتلة من الإشعاع بعد حادثٍ قبل اختبار ترينيتي بفترة وجيزة؛ وفي الفيلم، بمعنى ما، يأتي كرمز للمخاطر والهاوية الأخلاقية للنشاط الإشعاعي والقنبلة الذرية.
تؤكّد القصّة على التساؤل عمّا إذا كانت القنبلة قادرة على إنهاء الحرب بشكل نهائي، أو ما إذا كانت مجموعة كبيرة من القنابل ستجعل حربًا مدمّرة أكثر احتمالية، ما يضخّم المخاوف الأخلاقية والمقاومة داخل مجموعة لوس ألاموس، مثلما في الصراعات بين أوبنهايمر وفريقه. في إحدى مراحل الفيلم، يقول له أحد الزملاء: «مرحبًا، أوبنهايمر! يجب أن تتوقف عن لعب دور الربّ، لأنك تؤدّيه بشكل سيء، كما أن هذه الوظيفة مشغولة بالفعل».
الفيلم، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي عام 1990، فشل جماهيريًا ونقديًا. لكنه بالطبع يستحق نظرة ثانية. على الرغم من عديد العناصر التقليدية والميلودراما التي تبدو اليوم قديمة الطراز، فإن تصوير القيود التي فرضها الجيش، وتجسُّس مكتب التحقيقات الفيدرالي على العلماء الأوروبيين المهاجرين، الفارّين غالبًا من الفاشية، كان ناجحًا. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض المشاهد المثيرة للإعجاب، مثل مشهد الاختبار المضلّل للانفجارات المترابطة، أو مشهد اختبار ترينيتي، حيث قام جميع الممثلين بتثبيت أنفسهم خلف أكياس رملية بنظارات شمسية مخصوصة وسميكة، ووجوه ملطّخة بكريمٍ واقٍ من أشعة الشمس!
ذو وجهين
على أن أفضل البورتريهات لـ«أبو القنبلة الذرية» حتى الآن جاء في مسلسل تلفزيوني قصير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عام 1980، بعنوان «أوبنهايمر». هنا، يتساءل المخرج باري ديفيس والكاتب بيتر برينس بذكاء ومواربة عن المثالية أحادية الجانب في كثير من الأحيان لأوبنهايمر كشخص. محاولة معالجة جوانبه العديدة تنتجح صورة شخصية معقَّدة وشديدة التناقض. يجسّده سام ووترستون كرجل واقعي براجماتي، انجذب إلى الأفكار الاشتراكية طوال حياته من ناحية، ومن ناحية أخرى، على عكس الأساطير المعاصرة، رحّب دائمًا بالقصف الذري لليابان دون سابق إنذار. رأى أوبنهايمر في منصب قيادة مجموعة لوس ألاموس فرصةً شخصية فريدة أتاحها له الجيش، وبدوره استغلّها كما توصي الحكمة الأمريكية.
إلا أن هذا المسلسل يلقي الضوء أيضًا على بعض الجوانب البغيضة في حياة أوبنهايمر للمدافعين عنه، وأبرزها حقيقة أنه -ضحية الهستيريا المكارثية المناهضة للشيوعية وأعوانها- قد وشى عن طيب خاطر بأسماء «رفاق مهاجرين» خلال جلسات الاستماع العلنية في لجنة مكارثي. ومع ذلك، نجح صناّع المسلسل في تصوير شخصية رئيسية متناقضة بشكل مذهل - بعيدًا عن كليشيهات العبقري المُساء فهمه – ما يجعل هذه النسخة من أوبنهايمر إنسانية وعميقة بامتياز.
نقاط عمياء سينمائية
عدد قليل من علماء الفيزياء الذرّية العظماء في القرن العشرين وصلوا إلى الشاشة الكبيرة. روبرت أوبنهايمر، بشخصيته الكاريزمية وحياته المضطربة، يبقى "الاستثناء الكبير". والشخصية العلمية الوحيدة ذات الفعالية المماثلة هو، بالطبع، ألبرت آينشتاين، الذي، بالرغم من هذا، ركّزت ظهوراته القليلة في الأفلام الروائية على نظرية النسبية. استثناء نادر وحالة خاصة لافتة يمثّلها فيلم «حقارة» (1985، نيكولاس روج)، حيث يركّز المخرج على لقاء متخيّل بين آينشتاين ومارلين مونرو.
على النقيض من مشروع مانهاتن في مختبر لوس ألاموس، حيث عمل العلماء بقيادة أوبنهايمر على تطوير القنبلة الذرية الأولى، وهي العملية التي يوجد حولها عدد من الأفلام والمسلسلات؛ إلى الآن لم تلق الجوانب المهمة الأخرى للتاريخ الحقيقي للقنبلة الذرية اهتمامًا كافيًا من السينما الروائية.
في حالة تطوّر الفيزياء الذرّية والانشطار النووي بين عامي 1890 و1939، يرجع هذا بالتأكيد إلى حقيقة أن الموضوع الفعلي شديد التجريد وصعب «الفجولة» visualizing، وأن الابتكارات العلمية تتضمّن عادةً عملًا جماعيًا، بما ينافي عادة السينما الروائية في مركزة الأحداث والتطورات حول بطلٍ وحيد. وحدها العالمة البولندية الفرنسية ماري كوري، مكتشفة النشاط الإشعاعي مع زوجها بيير، يبدو أنها تلاءمت نسبيًا مع متطلّبات الشاشة كرمز للريادة و«البطولة» العلمية وتمكين المرأة.
في عام 1997، صوَّر المخرج الفرنسي كلود بينوتو قصّة حياة كوري، بشكل مثير للفضول، ككوميديا، لعبت فيها إيزابيل أوبير دور البطولة. الفيلم، المعنون «نخلات السيد شولتز»، والمقتبس من مسرحية بالعنوان ذاته لجان نويل فينويك، يستوحي حياة بيير وماري كوري، ليروي قصة عملهما في مدرسة باريس للفيزياء الصناعية والكيمياء (ESPCI)، حيث اكتشفا البولونيوم والراديوم، تحت إشراف البروفيسور شوتز (فيليب نواريه)، مدير المدرسة الذي يحلم باكتشاف عظيم من قبل باحثيه ليحصل في النهاية على جوائز أكاديمية. مناهج أكثر «جدّية» اتّبعت في الفيلم الألماني «ماري كوري - شجاعة المعرفة» (2016، ماري نويل)، من بطولة كارولينا جروسكا؛ وفي فيلم «نشاط إشعاعي» (2019، مرجان سترابي)، من بطولة روزموند بايك.
فيزيائيون «بطوليون» آخرون، مثل إرنست رذرفورد أو نيلز بور أو ماكس بورن، ممن شارك بعضهم أيضًا في النضالات السياسية والذين شوِّهت حياتهم، كما في حالة بور وبورن، بسبب الفاشية؛ لم تلتفت إليهم السينما بالقدر اللازم.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الافتقار الفادح للاهتمام بمسألة «السباق» بين الولايات المتحدة وألمانيا النازية من أجل الحصول على القنبلة الذرية. ففي حين يظهر هذا الجانب الدرامي بشكل هامشي في الأفلام المذكورة أعلاه، فقد كان أيضًا محور الاهتمام في ثلاثة أعمال فقط إلى الآن. الأول، «أبطال تيليمارك» (1965، أنتوني مان)، من بطولة كيرك دوجلاس وريتشارد هاريس، استنادًا إلى مذكرات جندي المقاومة النرويجية كنوت هاوكليد، وروايته لقصة تخريب المقاومة أثناء الحرب العالمية الثانية مصنعًا نازيًا في مقاطعة تيليمارك النرويجية، استخدمه النازيون بين عامي 1941 و1943 لإنتاج الماء الثقيل، اللازم لصناعة القنبلة الذرية. والثاني، مسلسل نرويجي بريطاني قصير بعنوان "عملية المياه الثقيلة: إيقاف قنبلة هتلر الذرّية" (2015)، قدّم الواقعة نفسها من وجهة نظر الألمان والحلفاء والمقاومين.
هذا «المشروع الألماني» الذي كاد أن ينجح في تخصيب اليورانيوم، ومثله «مهمة ألسوس» الأم
ريكية المضادة، التي حاولت جمع المعلومات الاستخبارية والتجسّس على المختبرات الألمانية، لمعرفة مدى قرب ألمانيا من تطوير سلاح ذرّي؛ أُهملا سينمائيًا بشكل شبه كامل. عملٌ يتيم هو الفيلم التلفزيوني الألماني «نهاية البراءة» (1991، فرانك باير)، بالاستعانة بطاقم تمثيلي بارز، أعاد بناء مشروع اليورانيوم من منظور محادثات العلماء الألمان المعنيين، الذين جرى التنصّت عليهم في 1945/46 أثناء احتجازهم في قاعة المزرعة البريطانية في ما يُعرف بـ«عملية إبسلون».
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن







