تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أن تكون شريكًا في التلصص

أن تكون شريكًا في التلصص

هذا النص ضمن العدد 10# من «مُنتهى الأدب»

كتابة: بلال حسني 5 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

في العام التالي لصدور «التلصص»، الكتاب الذي يستعيد فيه صنع الله إبراهيم طفولته مع والده، كنت على مقهى «الوطنية» في الإسكندرية، برفقة أصدقاء، أحدهم يضع كتابًا أمامه، تخبئ صفحاته خصلة من شعر حبيبته بعد وداعهما، محفوظة داخل ورق مقوى. سرحت حينها في سؤال: كم من الوقت يمكن لخصلة شعر أن تصمد دون أن تتقصف؟ وكيف ينجو تذكار أرهف مما يتركه جسدك؟

غاب الصديق للحظة، ثم عاد ممسكًا بصنع الله نفسه: جبهة وجوهرة ومخ وكرشة، كما كان والده يعدد أنواع اللحمة المفضلة في «التلصص». دعاه للانضمام إلينا، فرفعت عيني من مكاني، وقد بُهتنا جميعًا أمامه. لم يجلس معنا. للحظة، خيل إليّ أنني سأخمن جملة اعتذاره قبل أن يقولها -تمامًا كما في مقدمته لطبعة مؤسسة هنداوي من التلصص-. وزع نظراته كمَن يعتذر دون أن يشرح، ثم ألتفت إلى صديقنا وطلب منه أن يبلغ والده التحية.

حتى تقديمه لـ«التلصص» لم يخل من نفس المراوغة القديمة، رهان قديم بينه وبين أبيه: سيأتي يوم توزع فيه الكتب مجانًا. 

كان شعره هو أول ما رأيناه. مثل أينشتاين، أو جاك نانس في فيلم Eraserhead، مثل ديفيد لينش نفسه، أو حتى شخصية «سڤن أب» الخيالية التي كنت أرسمها متدلية من السطر الأول على كراسات المدرسة، هكذا، وربما أكثر، يطلّ صنع الله إبراهيم بشَعره، لا كجوقة سيرك شعبي جهنمي متحرك، بل كعمارة ثابتة، غير منتظمة، شُيّدت على أيدي الأهالي، دون ترخيص، عمارة غير آمنة حتى للطيران المنخفض.

عرفته أول مرة عبر نكتة: شاب يشترى كتابًا من الرصيف، ويتساءل إن كان «صنع الله إبراهيم» اسم المؤلف أم الرواية، وإن كانت «ذات» هي البطلة أم الكاتبة. ثم شيئًا فشيئًا، صرنا نتبادل كتبه -قديمها وجديدها- كما لو كانت دفاتر ملاحظات، وبالأخص «التلصص». كانت هذه الرواية بالذات، مع كل قراءة، تزداد تداخلًا، حتى يذوب فيها الخط الفاصل بين من يتلصص ومن يُتجسس عليه. كاتب مسنّ يستعيد لحظة الطفولة ليروي مغامرات والده الحسية. وطفل يتلصص على كهل، عبر كتابة تتخيل كهلًا يراقبه طفل، يكتبها كهلًا. وفي لحظة جاذبة، لا يمكن صدها، يدس أنفك وأذنيك في مؤخرة الأب، في لحظته الخاصة وهو يطلق «جيصًا» شديد الصوت في نهاية اليوم، واقتراب النوم ـكإنذار غارة، وكجو عام- ثم يبتلعك كشريك في التلصص.

****

«خليل بك» هو عنوان مسودة شكلت النواة الأولى لـ«التلصص»، كتبها صنع الله في أثناء حبسه خلال الستينيات، وكان في إصراره على تسميتها «رواية» نوع من الإنكار الضمني، كأنما يرفض الاعتراف بأن الخيال متأصل في السيرة بطبيعتها. 

ربما كان ذلك من آثار السجن، حيث لا يُعترف إلا بما هو موثق، مصدق عليه، ومختوم. 

في معظم أعماله، تظل الرواية عند صنع الله أداةً في خدمة الفكرة التاريخية، حتى بعد إعلانه اعتزال العمل السياسي: فالحرب الأهلية تتصدر «بيروت بيروت»، وثورة منسية تقودها النساء تشتعل في «وردة»، وانتهاك جنسي عنيف يهز البنية الاجتماعية في «شرف».

ومع ذلك تبقى «التلصص» بدرجة ما، رواية ضد التاريخ العام. تدفعه خطوة إلى الخلف، إذ تستعيد لحظة مؤجلة من الطفولة، وتقصي سنوات النضال إلى الهامش. وهي أيضًا النظير المعكوس لروايته «تلك الرائحة»، باكورته التي صدرت بعد خروجه من السجن كفرجة مطولة على استقبال العالم الجديد له، بينما ظلت «التلصص» حبيسة زنزانته الفردية الاختيارية. تمتص «ودن سمكة» نابتة في يد الطفولة حتى تلتئم ببطء. وحين كتبها، تمرد على البناء التقليدي للحبكة، شعرت كأنه يؤلف موسيقى لا مقامية، رغم أنها مكتوبة بنوتة. «لا حبكة» تصبح هي الحبكة، لا دوائر توتر وانفراج، يصبح الانتقال بينها، عابرًا وسلسًا، كما في التنقل بين فواتير وقراءة عداد ورسائل بنك. بناء خبيء، يمكن القفز إلى أي فقرة، وتبقي داخله تمامًا.

يُقال إن الناقد الراحل سمير فريد صنف أحد أفلام جودار، حين عُرض في مهرجان القاهرة السينمائي، بوصفه «فيلم جوداريّ»، وبالمثل هذا كتاب صنعلاوي خالص. أحتاج صنع الله لإنجازه أن يبلغ سن والده كي يفهم مشاعره آنذاك. هنا يظهر ما هو معيب ومحبب في آن: تخليه عن منطق إدراك الطفل الراوي لكل هذا التكثيف والسرعة والدقة. لصالح تقنية أكثر صدقًا، استخدام عين الطفل كماسح ضوئي لقاهرة الأربعينيات، تركيز حاد، ممزوج بانفصال عاطفي، أو أدق: انفصال عن الحكم العاطفي على الأب.

**** 

في كل روايات صنع الله، لا يمكن رؤية رغبات الجسد أو انكساراته الجنسية دون أن يدمغها بتأويل سياسي، باستثناء العاق -المتلصص الصغير-. تكاد تكون هذه هي المرة الوحيدة التي يبني فيها نسيجًا للرغبة والجسد دون إسقاط إيديولوجي مهيمن على السرد. 

على امتداد الصفحات، لا نرى صلعة الأب إلا خلسة، وهو يخلع الطربوش، بعين المتلصص الصغير، كتلميح دائم إلى خلو «الأب-الهجمة» -الذي يتمحور عالم الطفل كله حوله- من الشعر، بالفهم الضيق للخصوبة.

وفي أعلى نقطة في الكتاب، تنكشف لهذا الطفل مؤخرة أبيه: عظيمة، كاملة، ومجعدة. في المرة الوحيدة التي تظهر فيها في السرد، يتمترس الطفل في التلصص، ويغتنم ما تلصص عليه، كمعادل جسدي للرأس الصلعاء، لحظة انهيار في مضاجعة لا تكتمل. 

ومع ذلك، لا يتخلى صنع الله تمامًا عن لعبته القديمة، ويمد خيطًا سياسيًا يتسلل بطول السرد: عربدة رأس السلطة، الملك فاروق، الذي يبدو -رغم شبقه- كما لو كان بلا ملامح جنسية مكتملة.

وفي رد فعل الطفل على هذه الرؤية الكارثية، يعجز أن يتخيل أي مشهد يجمعه بأبيه، في حين كان المطلوب منه أن يرسم مشهدًا نضاليًا يصور مقاومة احتلال فلسطين زمن النكبة.

من خلف المانيفستو، يتوارى خيط رفيع لا يلتقطه إلا الطفل: لست الحسن والشاطر حسن، وهما يهربان من الغول -كتلة شعرية ضخمة، مكورة، أشبه بلفائف متحركة-.

ومن هذا العالم المتذبذب بين الخيال والجنون، وحياة الحشرات الدقيقة في البيت، تنبثق الأم، لا بوصفها مجرد مقابل أنثوي لذاكرة الأب المتضخمة، بل كقوة حاضرة، فيزيائية، فعالة. منحها الكتاب معاشًا فعليًا في ذلك العالم، ولم يستدعها من ماضٍ مؤنث بعيد.

****

في حين يرى البعض أن ذروة صنع الله تتجلى في مواقفه الحياتية، وانحيازاته ككاتب، إلا أنني أعرف صنع الله لأنه راوٍ لحكايته مع والده بكل هذه الحسية الغامرة التي تراها وتشمها وتلمسها، بل تندمج معها ولا تنساها.

أحمل هذا الكتاب قريبًا من قلبي، بارزًا في مكتبتي، بينما لا تتجاوز علاقتي برواياته الأخرى ابتسامة عابرة. 

لذا، لم أعد واثقًا أنني صادفته حقًا في مقهى «الوطنية»، في ذلك اللقاء العابر.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن