أنور مغيث: البكالوريا المصرية نسخة مشوهة من النظام الفرنسي
نعيش «تمثيلية جماعية كأن فيه مدرسين و مدرسة وتعليم وطلاب بيحضروا»
أقر مجلس النواب في السابع من يوليو الجاري تعديل قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981، متضمنًا نظامًا جديدًا للتعليم الثانوي من المقرر أن يسير بالتوازي مع نظام الثانوية العامة التقليدي خلال السنة الدراسية المقبلة، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من إحالة مقترح الحكومة للتعديل إلى المجلس.
إقرار النظام الجديد، الذي أُطلق عليه «البكالوريا المصرية»، كنظام اختياري لطلاب الثانوية العامة، جاء بعد إعلان وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، أوائل الشهر الماضي عزمه «القضاء على بعبع الثانوية العامة» وتخفيف الأعباء الواقعة على الطلاب وأسرهم.
قال الوزير، خلال مؤتمر صحفي آنذاك إنه «من الظلم أن يدرس الطالب 34 مادة في الثانوية العامة، بينما يدرس زميله في نظام البكالوريا الدولية 8 أو 10 مواد فقط»، مشيرًا إلى أن الوزارة تهدف إلى تقليل الضغط النفسي والدراسي على الطلاب.
لم يذهب مجلس النواب إلى حد القضاء الكامل على «البعبع»، مكتفيًا بإقرار نظام البكالوريا كنظام اختياري يُضاف إلى نظام الثانوية العامة القائم دون أن يحلّ محله.
وفي ظل هذا التعجُّل الحكومي والبرلماني لتمرير التعديلات، بزعم توفير فرص متكافئة للطالب مقارنة بنظرائه في الأنظمة التعليمية الأجنبية، برزت تساؤلات عديدة حول مدى جدوى هذه الخطوة في انتشال التعليم الحكومي من أزماته الهيكلية، فيما يرى كثيرون أن الأزمة الجوهرية لا تزال قائمة، تتجسّد في غياب الدور الحقيقي للمدرسة، نتيجة لعجز النظام عن التمويل واستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب.
برّرت الحكومة نظامها الجديد بالسعي إلى ربط التعليم بسوق العمل، وهو ما اعتبره أستاذ الفلسفة بجامعة حلوان، والمدير السابق للمعهد الجامعي لإعداد المعلمين باللغة الفرنسية، أنور مغيث، مسارًا قد يُفضي إلى إنتاج خريجين يتجهون إلى سوق العمل دون عقل نقدي أو وعي معرفي، يعمل أحدهم نجّارًا أو سبّاكًا أو حتى طبيبًا، لكنه لا يعرف من التعليم سوى ما يتصل بتخصصه الضيق.
وفي حديثه لـ«مدى مصر»، تناول مغيث الفروقات الجوهرية بين نظام الثانوية العامة التقليدي ونظام البكالوريا الجديد، مؤكدًا أن هذه التعديلات لن تُحدث فارقًا حقيقيًا ما لم تبدأ من جذور الأزمة، لافتًا إلى أنه إذا «أرادت الحكومة إصلاح التعليم -ولو على طريقة الشاطرة تغزل برِجل حمارة- فعليها إعادة الطالب إلى المدرسة، لتستعيد دورها الأساسي في نقل المعارف والتنشئة الاجتماعية، بوصفها الأساس لأي إصلاح تعليمي جاد».
إلى نص الحوار:
«مدى مصر»: تتحدث الحكومة دائمًا عن تطوير التعليم لتبرير أي تعديلات على المنظومة، ما تقييمك لهذه التصريحات؟ وكيف يطور التعليم واقعيًا؟
أنور مغيث: تطوير التعليم مسألة ملحة ولا غنى عنها، لكنه في الواقع يواجه صعوبات كبيرة، لأن الدولة -حتى الآن- لا تبدو مستعدة لتحمل التكاليف الحقيقية لهذا التطوير. بل على العكس، هناك تقليص للإنفاق على عناصر العملية التعليمية، باعتباره عبئًا ماليًا كبيرًا، ولا مجال لتوسيعه.
لكن رغم ذلك، إذا أردنا تطويرًا حقيقيًا، فهناك أربعة محاور أساسية يجب الانطلاق منها: أولها التوسع في بناء المدارس لتقليل كثافة الفصول، لأن العملية التعليمية تنهار حين يُجبر المعلم على التعامل مع 80 طالبًا في حجرة واحدة. في هذا الوضع، من المستحيل أن يتابعهم أو يقيم أدائهم بفعالية.
والأمر الثاني هو المعلم. نحن نعاني حاليًا من عجز تقدره الحكومة نفسها بـ400 ألف معلم، ومع ذلك يُطرح حل المتطوعين بدلًا من تعيين معلمين مؤهلين، وهي حلول ارتجالية لن تثمر عن نتائج جيدة. إلى جانب ذلك، يجب تحسين رواتب المعلمين بشكل عادل يتناسب مع طبيعة العمل، وإعادة الاعتبار لدورهم في المنظومة.
ثالثًا: إعداد المعلمين وتدريبهم المستمر، لأن معلمي اليوم هم خريجو كليات التربية منذ سنوات طويلة، فيما العالم يتغير بسرعة. لذلك، لا بد من توفير برامج تدريب دورية، تواكب المستجدات وتطور مهارات المعلمين بشكل مستمر.
والمحور الرابع هو الكتاب المدرسي ونظام الامتحانات. لا يمكن الحديث عن تطوير حقيقي دون إصلاح جذري في المحتوى الذي يُقدّم للطلاب، وطريقة تقييمهم. الكتاب المدرسي يجب أن يعاد النظر فيه ليواكب العصر، ونظام الامتحانات يجب أن يتجاوز كونه اختبارًا لحفظ المعلومات فقط.
كل هذه المحاور تحتاج إلى استثمارات كبيرة. لكن، حتى لو كانت الموارد محدودة، يمكننا -زي ما بنقول بالعامية- أن «نغزل برِجل حمارة»، وذلك بإعادة الاعتبار إلى المدرسة كأهم عناصر العملية التعليمية وبذل الجهود لعودة التلاميذ إليها لأن التعليم اليوم لا يحدث في المدرسة بل في «السناتر». وهذا الخلل لن ينتهي بقرار إداري يمنعها، بل بتقديم بديل حقيقي. إذا شعر الطالب أن المدرسة توفر له ما يحتاجه، فلن يلجأ إلى السنتر.
قانون التعليم الحالي يشترط لدخول الطالب الامتحان أن يحضر 70% من أيام الدراسة ولكن عمليًا المدرسين يقولون للتلاميذ في أول يوم مدرسة: «متجوش واقعدوا في بيوتكم»، ويستخدمون درجات أعمال السنة المنصوص عليها في القانون كضمانة للحضور كأداة للضغط والابتزاز، من أجل دفع الطلاب إلى الدروس الخصوصية.
«مدى»: إذا كانت المدرسة لا توفر الحد الأدنى من متطلبات العملية التعليمية: لا مقاعد، ولا معلمين، ولا بيئة مناسبة للتعلم، فلماذا تطالب بإعادة الطلاب إليها وكيف يصلح ذلك النظام التعليمي؟
مغيث: الانقطاع عن المدرسة مش بس مرتبط بسوء حالها، لكنه أصبح نمطًا عامًّا. التلاميذ أداروا ظهورهم تمامًا للمدرسة، وكأنها لم تعد موجودة.
صحيح أن الفصول مزدحمة، والمعلمين غير كافيين، لكن غياب الطلاب المستمر خلق نوعًا من «التمثيلية الجماعية». إحنا بنشتغل كأن فيه مدرسة، وكأن فيه تعليم، وكأن فيه طلاب بيحضروا، لكن في الحقيقة مفيش أي حاجة من دي بتحصل. المدرس بياخد مرتب هزيل من وزارة التربية والتعليم، لكنه واقعيًا ما بيقدّمش الخدمة اللي المفروض يقدمها داخل الفصل، لأنه بيقدمها في السنتر مقابل أجر أكبر. والنتيجة تعليم موازي بالكامل خارج المدرسة.
لو رجعنا وفعّلنا بجد نسبة الحضور الإلزامي في المدرسة، وليكن 20% كبداية، لكن برقابة حقيقية وتفتيش صارم، الطلاب هيضطروا يرجعوا المدرسة، وبدورها المدرسة هتُجبَر إنها تقوم بوظيفتها. يعني يبقى فيه جدول حصص، وغياب، ومتابعة فعلية للطلاب، مش مجرد أسماء على الورق.
ساعتها بس هتظهر التحديات الحقيقية للنظام: عندنا كثافة؟ نحاول نحلها. عندنا نقص في المعلمين؟ لازم نواجهه. لكن طالما الطالب ما بيروحش المدرسة، فالكل بيتعامل مع الأزمة كأنها مش موجودة. كأننا بنقنع نفسنا إن الوضع ماشي، لمجرد إنه خارج الفصول ومختفي عن الأنظار. إعادة الطالب إلى المدرسة مش رفاهية، ده شرط ضروري لإصلاح أي شيء تاني في المنظومة.
«مدى»: بعد تولي وزير التعليم منصبه، حذف مواد ودمج أخرى وألغى درجات اللغة الأجنبية الثانية واقترح إضافة درجات التربية الدينية والوطنية. كيف تنظر إلى هذا التوجه؟ وما الحكمة من تقليص عدد المواد الدراسية؟
مغيث: الوزير قدّم هذا التوجه بنوع من الفخر، ووجد دعمًا من بعض وسائل الإعلام، باعتباره خطوة لتخفيف العبء عن الطلاب وأولياء الأمور. وتم تسويق الفكرة تحت لافتات مثل «إزالة الحشو» و«تبسيط المناهج»، وكأن تقليص عدد المواد هو الحل السحري لمشكلات التعليم.
لكن الحقيقة أن هذا الطرح يحمل مغازلة واضحة للأهالي، لأن الأب، في النهاية، يُجري حساباته المادية: «كل مادة هيدفع فيها درس خصوصي». فكلما قل عدد المواد، انخفضت التكلفة. وبدلًا من أن نعالج المشكلة من جذورها عبر تحسين دور المدرسة، نُقلّص عدد المواد ليتمكن الأهالي من تحمّل نفقات التعليم الموازي في السناتر.
المفارقة أن المواد التي يجري إلغاؤها هي تلك التي تُسهم في بناء التفكير، مثل الفلسفة وعلم النفس، فيما تُثبَّت مواد أخرى كمقررات أساسية، لا يُكتفى بالحضور فيها، بل يُشترط النجاح فيها بنسبة معينة. فمثلًا، أُلغيت الفلسفة، في حين اقترح الوزير زيادة عدد حصص التربية الدينية لتشكل 15% من الساعات الدراسية، بما يعادل حصة يومية بدلًا من حصة أسبوعية، مع احتساب درجاتها في المجموع، وهو الاقتراح الذي رفضه مجلس النواب خلال مناقشة التعديلات الأخيرة على قانون التعليم، واكتفى باشتراط حصول الطالب على 70% من درجات الدين للنجاح فيه.
بالتالي، فإن النظام الذي يتبعه الوزير -مع كامل الاحترام لشخصه- يُقايض تنمية العقل بتقليل الضغط. وكأن الحل لمشكلة الإرهاق الدراسي ليس في تحسين جودة ما يتلقاه الطالب، بل في تقليص ما يتعلمه من الأساس.
«مدى»: سيُتاح لطلاب الثانوية في العام الدراسي المقبل الاختيار إما النظام التقليدي أو البكالوريا.. برأيك ما الفرق الجوهري بين النظامين؟ وهل الجدل حولها مبرر؟
مغيث: الوزير قدم «البكالوريا المصرية» باعتبارها بديلًا عصريًا للثانوية العامة، ومستوحاه من النموذج الفرنسي للبكالوريا. في فرنسا، هذا النظام قائم منذ عام 2021، ويعتمد على إلغاء فكرة «الشُعب» (علمي وأدبي)، واستبدالها بمسارات متنوعة حسب ميول الطالب، وعلى غرار هذا النظام تتضمن البكالوريا المصرية أربعة مسارات ؛ مسار الطب وعلوم الحياة (الفيزياء والرياضيات، ومستوى رفيع: الأحياء والكيمياء)، ومسار الآداب والفنون(علم نفس ولغة أجنبية ثانية ومستوى رفيع جغرافيا وإحصاء)، ومسار الأعمال (محاسبة وإدارة أعمال ورياضيات ومستوى رفيع: اقتصاد)، والمسار الأخير للهندسة وعلوم الحاسب ويدرس الطالب فيه (كيمياء وبرمجة ومستوى رفيع : رياضيات وفيزياء).
النظام الفرنسي يُبنى على أربع مواد إجبارية تسمّى الجذع المشترك وهي: اللغة الفرنسية، الفلسفة، الرياضيات، والتاريخ، في حين تُدرَّس بقية المواد حسب المسار الذي يختاره الطالب بعد الصف الأول الثانوي. اللغة الأجنبية هناك، زي الإنجليزية، مثلًا، لا يُجرى لها امتحان نهائي، بل يتم تقييمها من خلال نظام التقييم المستمر داخل الفصل.
الوزير حاول يقتبس الفكرة دي وسماها برضو «بكالوريا»، لكن عدّل فيها شوية: بدل ثمانية مسارات زي النموذج الفرنسي، خلى النظام المصري يحتوي على أربعة مسارات فقط، منها الطب وعلوم الحياة، وآخر للهندسة وعلوم الحاسب، وثالث للأعمال، والرابع متعلقًا بالأدب والفنون.
لكن الغريب إنه، وهو بيحاول يضفي طابعًا «مصريًا» على النظام، ألغى مادة الفلسفة -اللي هي مادة أساسية في النموذج الفرنسي- واستبدلها بمادة التربية الدينية. مش بس كده، ده كمان اقترح أن الدين يتحوّل إلى مادة أساسية تُضاف للمجموع.
المقترح الأخير فتح الباب لعدة مشاكل: أولها إنه مفيش معلمين مؤهلين كفاية لتدريس الدين في كل المدارس، وكدا هنحتاج نجيب شيوخ مثلًا؟. ثانيًا، فكرة الامتحان في مادة زي الدين ممكن تفتح بابًا للغش والمقارنات الطائفية من نوعية: «المسيحيين امتحانهم كان أسهل؟»، و«المسلمين جابوا امتحان أصعب؟»... وهكذا.
اللي حصل بعد كده إن مجلس النواب، لما ناقش التعديلات، تراجع عن فكرة إن الدين يدخل في المجموع بنسبة 15%، ورجع الأمور لمسار أكثر واقعية. وفي النهاية، تم اعتماد «البكالوريا المصرية» كنظام اختياري، مش بديل عن الثانوية العامة، بمعنى أن الطالب بعد الإعدادية بيختار يدخل ثانوية عامة أو يلتحق بنظام البكالوريا.
لكن فيه تفاصيل تانية تستحق التوقف عندها، زي أن الدراسة في نظام البكالوريا -بحسب ما أُعلن- هتكون في مدارس خاصة، ورغم ذلك وُصف النظام بأنه «مجاني»، وده تناقض. لأن المدارس الخاصة في النهاية مؤسسات هادفة للربح، فإزاي مجانية؟ ده غير إن فيه رسوم: 200 جنيه للمادة، وإذا رسب الطالب وأعادها، ممكن يدفع لحد ألف أو ألفي جنيه حسب المحاولات.
وأخيرًا، رغم تقليص عدد المواد في البكالوريا مقارنة بالثانوية العامة، الطالب ملزم باختيار مسار كامل، ومش مسموح له يغيّره بعد بداية الدراسة. يعني الالتزام هنا كامل، دون مرونة.
في النهاية، اللي حصل هو محاولة لنقل تجربة فرنسية، لكن بنكهة مصرية مشوشة، ترتب عليها قرارات مربكة، زي إلغاء اللغة الأجنبية الثانية، وإقصاء الفلسفة، ومحاولة إدخال الدين بنسبة كبيرة في المجموع، قبل أن يتراجع البرلمان ويضبط الإيقاع قليلًا.
«مدى»: مع إقرار البرلمان تطبيق نظامي الثانوية العامة والبكالوريا بشكل متوازي بدءًا من العام الدراسي المقبل، كيف ترى مستقبل النظامين؟ وهل تتوقع تلاشي الثانوية العامة قريبًا؟
مغيث: البرلمان تجنب بشكل واضح إلغاء الثانوية العامة، وأقر البكالوريا كنظام اختياري لتفادي أي غضب مجتمعي محتمل. البكالوريا طُرحت في البداية باعتبارها نموذجًا مجانيًا تتبناه الدولة، لكن في التفاصيل، ظهرت رسوم إعادة الامتحانات وظهور النتائج، وتدريسه في مدارس خاصة ما يفتح الباب أمام شكوك حول حقيقة مجانية هذا النظام.
البرلمان أضاف نظام البكالوريا ضمن القانون القديم في فصل خاص، إلى جانب فصل آخر للتعليم المهني، دون أن يمس جوهر الثانوية العامة. البكالوريا أصبحت نظامًا منفصلًا له قواعده، يُدرَّس في مدارس خاصة، ويُشترط على الطالب الذي يختاره ألا ينتقل لاحقًا إلى النظام الآخر، والعكس.
نقطة الحسم في ترجيح كفة أي من النظامين هتكون في الجامعات. القانون نص على أن المجلس الأعلى للتعليم أو وزارة التعليم هما من يحددان نسبة المقبولين من طلاب كل نظام في الجامعات، على أن تتم هذه النسبة بما يحقق «العدالة» بين الطرفين. لكن هذه النسبة قد تُستخدم في المستقبل لصالح طلاب البكالوريا، ما يمنحهم فرصًا أكبر للالتحاق بالجامعة، ما قد يدفع أولياء الأمور والطلاب نحو النظام الجديد، خاصة القادرين ماليًا.
وهنا يبدأ التآكل التدريجي للثانوية العامة، لأن النظام سيساهم تلقائيًا في انسحاب طلابها باتجاه البكالوريا، التي ستُروج باعتبارها المسار الأفضل للجامعة. ومع ذلك، تظل هناك فجوات: مثل غياب مادة الفلسفة في نظام البكالوريا، مقابل تثبيت مواد مثل الدين والتاريخ واللغة العربية كمقررات أساسية، دون إدراج الدين في المجموع.
بالتالي، نحن أمام نظامين تعليميين متوازيين داخل الدولة، لا يجمعهما تنسيق حقيقي، ولا حتى رؤية واضحة لكيفية الدمج أو التوازن، وهو ما يُثير القلق بشأن مستقبل العدالة التعليمية ووحدة المنظومة.
«مدى»: ما الحكمة من استلهام تجربة البكالوريا من النظام الفرنسي؟ وما رأيك في طريقة الوزير في تمصير البكالوريا الفرنسية باستبدال الدين بالفلسفة؟
مغيث: الحكمة التي يُروّج لها الوزير قبل وبعد طرح فكرة البكالوريا هي «تخفيف العبء عن الطلاب»، لكن في الحقيقة الأمر يحمل قدرًا كبيرًا من الشعبوية.
الوزير صرّح حرفيًا بأننا «ندرس الدين لنقول لهم إننا متمسكون بديننا»، دون أن يُوضّح من «هم». هل يقصد المجتمع المصري؟ الغرب؟ الله أعلم. لكن ما بدا واضحًا هو أن هذا التصريح لا يعكس توجهًا تربويًا حقيقيًا بقدر ما يعكس خطابًا دعائيًا يغازل مشاعر الناس في لحظة مشحونة بالشعارات الدينية والدعوات الصوفية مثل إحياء الكتاتيب ومؤخرًا التكايا.
أما من ناحية الدستور، فالمادة 24 تنص على تدريس مواد كالدين واللغة العربية والتربية الوطنية، لكنها لا تطالب بإضافة الدين للمجموع العام ولا يجعلها تمثل 15% من درجات الطالب، كما اقترح الوزير. هذه النسبة ستحوّل الدين إلى مادة تشبه الرياضيات أو اللغة الإنجليزية، ومصدر قلق وخوف ومحاولات غش.
المشكلة الحقيقية أن هذا القرار جاء على حساب الفلسفة، التي تمثل إحدى الركائز التربوية في أنظمة التعليم حول العالم منذ عام 1951، وبناءً على توصيات «يونسكو»، أصبحت الفلسفة مادة أساسية في السنة النهائية في أغلب الدول، نظرًا لدورها في تعزيز التفكير النقدي وتكوين الشخصية، بينما نحن نسير عكس الاتجاه: نستبعد الفلسفة ونُعلي من شأن مادة لا تُعنى بالمعرفة بقدر ما تُعنى بالعقائد.
باختصار، المدرسة وُجدت لنقل المعرفة، وليس فقط ترسيخ العقائد. وإذا غابت الفلسفة وحضر الدين بهذه الطريقة، فنحن لا نُخفف عبء التعليم، بل نُفرغ عقل الطالب من أدوات التفكير باسم التخفيف.
«مدى»: النقاش حول احتساب مادة الدين في المجموع سبقه دعوة لعودة الكتاتيب وسؤال من رئيس الجمهورية عن أسباب عدم الاستفادة من المساجد كمقرات تعليمية، «عمل الجامع ويبقى جواه المدرسة».. كيف ترى هذه الفكرة؟ وهل يمكن اعتبارها بديلًا حقيقيًا لأزمة التعليم الحالي؟
مغيث: الطرح ده بيُقال في إطار مغازلة المشاعر الدينية عند الناس، على أمل إنه يلاقي قبول شعبي، لكن وقت التنفيذ الفعلي بنكتشف إنه مفيش أي خطة واقعية، لا لجان تشكلت، ولا دراسة جدوى، ولا تصور واضح لكيفية دمج «الكُتّاب» ضمن منظومة التعليم الرسمي.
يعني، ببساطة: الطفل اللي هيتعلم في الجامع، هياخد شهادة تعادل إيه؟ ابتدائية؟ إعدادية؟ هل المناهج هتكون دينية فقط؟ ولا مدنية؟ ومن المسؤول عن تمويلها؟ وهل هنستعين بمدرسين تابعين للأزهر؟ ولا للأوقاف؟ كل ده مش واضح.
كمان، دمج التعليم العام داخل المساجد بيفتح أسئلة صعبة عن الحياد الديني للدولة. مثلًا: المسيحيين، هيتعلموا فين؟ هل في جامع؟ ولا هيتعمل لهم بديل؟ وده مش مجرد سؤال عابر، ده سؤال دستوري، لأن المدرسة مؤسسة مدنية يجب أن تضمن المساواة والحياد والحق في التعليم للجميع، على اختلاف أديانهم.
وفي تجارب دول أخرى زي باكستان وبنجلاديش، لما حصل تداخل بين التعليم الديني والتعليم العام، زادت فيها النزعات الرجعية وانتشر التطرف. وده مش حكم مسبق، لكن تجربة واقعية بتحذرنا من نتائج الدمج العشوائي.
المدرسة مش بس مكان لنقل المعلومات، دي مؤسسة لتكوين الإنسان على أسس معرفية وعلمية واجتماعية. أما المسجد، فهو مؤسسة دينية له طابعه واختصاصه. ودمج الاتنين بالشكل ده بيوصل رسالة مشوشة للطفل، أن كل المعرفة مصدرها الدين فقط، وده خطر تربوي كبير.
والملفت كمان، إن الاعتراض على هذا التوجه مش جاي من النخب التقدمية فقط، لأ ده كمان فيه رفض واضح من الأهالي العاديين، اللي بدأوا يخافوا على أولادهم من فكرة أن الدين يتحول إلى مصدر للضغط والتوتر والقلق الدراسي.
«مدى»: منحت التعديلات الأخيرة على قانون التعليم وزير التربية والتعليم صلاحيات واسعة، تشمل تحديد مسارات البكالوريا، ووضع مناهج التعليم الفني ومدته، بل وإعادة هيكلة النظامين بشكل كبير. كيف ترى هذه الصلاحيات؟ وهل تمثل دعمًا لمسار البكالوريا؟
مغيث: المشكلة ليست فقط في اتساع صلاحيات الوزير، ولكن في الخلفية التي جاء منها. مع كامل الاحترام لشخصه، إلا أن الوزير الحالي جاء من التعليم الخاص، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل يمكن أن تكون قراراته بشأن التعليم العام حيادية تمامًا؟ أم أن هناك شبهة تضارب مصالح؟ ببساطة، الأمر يشبه القاضي الذي يشعر بالحرج حين يُطلب منه الفصل في قضية له بها ارتباط سابق.
وعندما يُمنح الوزير هذه الصلاحيات المطلقة دون ضوابط واضحة أو رقابة مؤسسية، فذلك يفتح الباب أمام تخوفات حقيقية: بداية من تآكل مجانية التعليم، وصولًا إلى تحميل الطلاب وأسرهم أعباء مالية جديدة، تحت غطاء التطوير.
القرارات التي تُتخذ بهذه الطريقة يمكن أن تُحوّل فكرة «إصلاح التعليم» إلى آلية لإعادة هيكلته بما يخدم التعليم الخاص أو المسارات الموازية، ويضع التعليم العام، الذي يفترض أنه العمود الفقري للعدالة الاجتماعية، في موقع التراجع والانكماش.
«مدى»: التعديلات الأخيرة منحت وزير التعليم صلاحيات واسعة في تحديد شكل التعليم الفني ومساراته. كيف ترى هذه الصلاحيات؟ وماذا اختلف فعليًا في التعليم الفني بعد هذه التعديلات؟
مغيث: التعديلات تسمح للوزير بإعادة تنظيم التعليم الفني، بحيث يصبح لدينا مسارين: الأول، بعد الإعدادية مباشرة، ويمتد لثلاث سنوات في التخصصات الصناعية أو الزراعية. والثاني، هو ما سُمّي بالتعليم التكنولوجي المتقدم، ومدته خمس سنوات بعد الإعدادية أيضًا ويفترض أن يكون موجهًا بشكل مباشر لسوق العمل.
المبدأ في حد ذاته جيد، خاصة أن القانون الجديد يتيح للوزير أن يتعاون مع المحافظات والمصانع لتقديم برامج تدريب مشتركة، بل حتى فتح المدارس لتأهيل العمال أثناء الخدمة. لكن المشكلة في التنفيذ.
لدينا تعليم فني في وضع متدهور: طلاب كثيرون لا يُجيدون القراءة والكتابة، المعامل غير مجهزة، والتدريب العملي غائب. ورغم هذا، القانون يضيف مهام جديدة دون أن يوضح كيف سيتم تأهيل المعلمين لها، أو إن كان سيجري تعيين معلمين جدد أصلًا.
عندما نسمح لشركات بإدارة مدارس، فمن الطبيعي أن نسأل: من يراقب؟ هل المدرسون مؤهلون فعلًا؟ هل هناك إشراف تربوي؟ الوضع الحالي في المدارس الحكومية ضعيف أصلًا، فكيف نطمئن للجودة عندما تنتقل التجربة إلى مدارس القطاع الخاص دون رقابة كافية؟
الإشكالية الأكبر أن القانون يمنح الوزير مساحة واسعة من الصلاحيات، لكنها تفتقر إلى آليات تنفيذ واقعية. فيُقال مثلًا أن كل مدرسة فنية سيكون لديها مساحة زراعية، لكن لا أحد يخبرنا من أين ستأتي هذه الأراضي، أو كيف ستُدار.
«مدى»: نسمع دائمًا عبارة «ربط التعليم بسوق العمل» كعنوان لأي إصلاح تعليمي. في رأيك، هل هذا الربط واقعي ومطلوب فعلًا؟ أم أنه أصبح مجرد شعار يُستخدم لتبرير تغييرات لا تستند إلى رؤية متكاملة؟
مغيث: عبارة «ربط التعليم بسوق العمل» أصبحت مبتذلة وسيئة الاستخدام. من حيث المبدأ، لا مانع أبدًا من تطوير التعليم بما يعزز من فرص الخريج في إيجاد عمل، فهذا هدف مشروع تمامًا. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح سوق العمل هو المعيار الوحيد الذي نعيد على أساسه تشكيل العملية التعليمية كلها. وكأننا لا نسعى لتعليم الإنسان، بل فقط لتجهيزه كعامل جاهز لخدمة حاجة مؤقتة في السوق.
يعني إذا وقع زلزال لا قدّر الله واحتجنا لأشخاص يزيلون الأنقاض، هل نُعيد بناء التعليم لتخريج «حَمَلة أنقاض»؟ هذا هو الخطر عندما نُفرغ التعليم من غايته الأساسية.
التعليم في جوهره هو بناء الشخصية، وإعداد المواطن، وإكسابه مهارات متعددة تجعله قادرًا على التفاعل مع الحياة ومع سوق العمل بشكل مرن. التعليم لا يجب أن يصنع فقط «كهربائيًا»، بل إنسانًا يعرف كيف يتعلم، كيف يحل المشكلات، كيف يتواصل. هذه هي المهارات التي تؤهله فعليًا للعمل.
«مدى»: ولكن هناك من يرى أن التعليم التقليدي لا يُنتج وظائف، ولذلك يجب أن يُعاد توجيهه بالكامل نحو متطلبات السوق؟
مغيث: هذا تفكير قاصر وخطير. التعليم في كل دول العالم له وظيفة ثقافية وتربوية قبل أن تكون اقتصادية. هو الذي ينقل الإنسان من الجهل والخوف والتفكير البدائي، إلى مواطن مثقف، يفهم مجتمعه، ويشعر بالانتماء، ويملك أدوات التفكير النقدي.
نعم، يجب أن نُحدث التخصصات -خُذي مثلًا كليات الطب اليوم، أصبحت فيها تخصصات دقيقة مثل الطب النووي والسونار لم تكن موجودة قبل عقود. هذا تطوير داخلي طبيعي. لكن أن تُصبح وظيفة التعليم محصورة فقط في التوظيف السريع، فهذا سيؤدي بنا إلى تدمير العلوم الإنسانية بالكامل، لأنها -ببساطة- لا ترتبط مباشرة بسوق العمل.
بدأنا نسمع إعلاميين يتساءلون: «لماذا ندرّس التاريخ؟ من سيُوظف طالبًا يعرف متى مات محمد علي؟ أو لماذا نُعلّم الجغرافيا أو الفلسفة؟» وهذا خطر حقيقي.
العلوم الإنسانية هي التي تُعلّم الطالب كيف يقرأ العالم من حوله، كيف يفكر، كيف يكوّن موقفًا. إلغاء هذه العلوم بحجة عدم ارتباطها بسوق العمل هو عملية تجريف ثقافي. فالتعليم ليس فقط مصنعًا لإنتاج الموظفين، بل مشروع حضاري لبناء الإنسان.
«مدى»: تعودنا على تغير نظام التعليم بتغيير الوزير ألا يُهدد ذلك استقرار السياسات التعليمية بمرور الوقت؟
مغيث: هذه واحدة من أخطر مشاكل التعليم في مصر، حيث تُمنح الصلاحيات المطلقة لشخص واحد، ليصبح مصير التعليم مرهونًا بمزاج الوزير. كل وزير يأتي بفكرة مختلفة، فينسف ما قبله. عندنا مثل صارخ على ذلك: «نظام التابلت» الذي كان مشروعًا قوميًّا، وبمجرد رحيل الوزير تم التخلي عنه.
وهكذا لا نراكم تجارب أو نُطوّر مؤسسات، بل نعيش في دوامة من الانقطاعات والارتجال. وهذه نتيجة مباشرة للتوسع في الصلاحيات الفردية دون وجود رؤية مؤسسية أو إطار رقابي واضح.
تقارير ذات صلة
بين القذائف والأقلام.. صراع آخر يخوضه طُلاب غزة لأجل التعليم
لموا الكراريس.. التعليم مجال آخر للمعاناة في غزة
يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟
نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر
الوعود الإنشائية في الخطة الحكومية
وصفت اللجنة البرلمانية البرنامج بأنه جاء متضمنًا «المحددات العامة لأية برامج حكومية».
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن