تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أسطورة أبو جليل

أسطورة أبو جليل

كتابة: خالد جويلي 4 دقيقة قراءة
تصميم: سهير شرارة

#جو عام

يدعونا خالد جويلي لدخول عالم حمدي أبو جليل (1967-2023)، ويقدم هذا العالم عبر مزج سيرة كاتبه الراحل وعمله ضمن طائفة الفواعلية، وما تركه من أدب في هذا الدليل.

ينطلق جويلي في دليله من كوّن هذا الأدب ضد الرواية المحفوظية، يقدم الواقع كما هو بلا رموز أو أحلام، عبر كتابة لا تروج لأوهام أو تبحث عن عدالة، بل تُستمد من تجارب حياة كاتبها الذي عاش كما أراد وجعل حياته أسطورة أدبية في روايات منها «لصوص متقاعدون» و«الفاعل» و«قيام وانتصار الصاد شين».

وإلى تفسير أسطورة أبو جليل.

# قراءة #دليل

إذا حاولت فهم العالم الخاص لروايات حمدي أبو جليل، ولو تتبعت حواراته التليفزيونية وكل ما كُتب عنه، ربما تندهش لمتاهة عالمه وغرابته، ولغة كتابته أيضًا، فنحن -أو أغلبنا- من عشاق الرواية، ما زلنا ندور في فلك «الرواية المحفوظية» السائدة، لكن حمدي صنع رواية مختلفة هي «الرواية الضد»، فقد ثار على الحلم تحديدًا، وحاول التخلّص منه، ليهرب من سجن الحلم إلى حريته الشخصية، وهي الممكن الوحيد، فكتب تمرده الخاص والشخصي ضد كل سلطة وكل قانون. العالم عنده سوق واسع، وغابة ومتاهة تضيع فيها أي مشاعر بأمان الوظيفة المحفوظية والشهادة الجامعية والمنزل الآمن للأسرة الدافئة، وكل ذلك لا يعرفه البدوي الرحّال فليس ثمة استقرار ممكن، ولا أمان لحماية بالقانون، وليس هناك عالم الحارة المحفوطية الآمنة القابعة في ركودها المقدس، أو غموض أبطال محفوظ من الدراويش، أو تكية «الحرافيش» المُغلقة على ذاتها وعلى حلم اليائسين، بل يتمسك أبو جليل بتشرده، ولا يعترف بجدوى شهادة جامعية، أو وظيفة آمنة، وكلها نوع من الركود أو الركون إلى حلم مستحيل، يرفضه ويستهين به، فعلًا لا قولًا، لأنه خُلق هكذا، لا تحكمه قوانين القاهرة، البالوعة الكبرى التي تُعيد ترويض كل تمرد وتسجن العقل والخيال بقانون الاستبداد الأبدي، الذي يستشعره أبو جليل مع كل نَفَس، كشر ماحق لا بد أن يفر منه، لأن كل مواجهة خاسرة مقدمًا، فهو ليس حالم بأسطورة العدل المحفوظي، بل جاء تحديدًا ليرفض أوهامه وكل أحلامه، فلن يبحث عن عدل ما، ولا قيمة مستقرة، سيتعلم في مدرسة أخرى، سيتعلم التشرد، والقفز من حجر إلى حجر بشروطه هو، فكتب «الفاعل»، أول عمل يحدد طريقه، ومفتاح رؤيته، كعامل أجير بشروط مقاول الأنفار والمقهى، أي العمل الفالت من أي شروط مسبقة (كحمل المونة وتفريغ لواري الزلط، أي العمل يوم بيوم)، وآخر النهار، مهما كان مهدودًا مرهقًا، سيعود إلى غرفته في عين شمس، الحي «العشوائي»، ليشرب الشاي ويدخن، وربما يستمني، وينام بلا قلق، مغتربًا وحيدًا، وحرًا، لا يشغله طموح ثروة ولا تعليم ولا استقرار.

وعندما ينتهي أبو جليل من وثبات الفاعل ويجرب السكن في منشية ناصر، حي «عشوائي» آخر، دون عمل واضح، يلجأ لبؤرة تمرد من نوع آخر. وسط لعين ومدمر لأي قانون، ومخرب لكل عرف. سكّان «منزل 36 منشية ناصر»، حيث تنوع بشري من نوع خاص (تاجر مخدرات / قواد / عاهرة / لص / مدرس شبه مجنون / ومراهق مثلي ثائر على العالم ويعلن عن نفسه في كل مكان) ومن هذه التجربة استخلص «لصوص متقاعدون»، هنا يكون الكاتب مجرد مراقب وحكّاء، وليتّقي شر تلك الطغمة اللعينة، يدّعي البلاهة المُنقذة، فالأبله لا ضرر منه، خانع وضعيف، لا يمثّل سوى نفسه، ويسمع دومًا لأن حاكم الطغمة «أبو طلال» حكّاء يحتاج إلى مستمع. بل كل السكان يحتاجون إلى مستمع لحكايات أيامهم الغبراء، هم على نحو ما مكافحون، وأيامهم مشحونة بالتوتر والقلق، والصراعات الصغيرة، مع ورود كل الاحتمالات أو الفواجع أو الانتصارات الصغيرة، فالجميع أعداء للجميع! ويربطهم مصير واحد؛ الاتحاد ضد الغرباء.

وفي روايته «قيام وانتصار الصاد شين» (صاد شين بمعنى الصحراء الشرقية)، يبدو أنه قد ملّ من «العشوائيات» والسكن مع أنصاف المجانين، فالبدوي (من قبيلة الرمّاح بالفيوم) له امتداد حتمي في ليبيا، فالحياة الحقيقية عندهم ترحال دائم، وليست في الحارات أو سكنة الدراويش، فيقفز إلى سَبْها، مدينة المهربين في ليبيا، حيث مخازن السلاح والمخدرات، ويسكنها البشر من كل جنس ولون، بدو، أفارقة من السودان أو النيجر أو تشاد، كلهم مثله تائهين يبحثون عن فرصة للعبور إلى «الغرب»، وإيطاليا بالذات، فلهم فيها عصابات متناثرة ومافيات صغيرة تستغل أمثالهم، وهنا النقيض الواضح لـ«حضرة المحترم» المحفوظية، فلن يسقط أبدًا في مستنقع عوامة «ثرثرة فوق النيل»، أو كآبة «الشحاذ». 

وفي ليبيا، تأتي فرصة الهروب إلى ميلانو، فينتقل إلى عالم آخر، ونرى تنوّعًا على اللحن ذاته، لحن تدمير كل قانون وكل سلطة وقيمة وعرف، وشعاره «لا تخضع لأي شيء، لا تطمح لثروة، فكل طموح هو تنازل وفخ منصوب»، فخ الخضوع للقانون في مصر أو ليبيا أو إيطاليا. 

وبين عصابات ميلانو يجد الكاتب نفسه مع المافيا الصغيرة، أفارقة مصريون، أو أرمن مهاجرون خلعوا كل الجذور وكل حنين للوطن، مثله، كل يوم في مكان. ثم فجأة يأتي الموت ونفقد موهوبًا رائعًا كتب كما عاش وأراد، لم يقدم تنازلات، لم يشعر بالهزيمة، لم تقهره أوهام العدالة وأحلام ومعاناة المنسحقين، مات وهو مُصرّ كمقاتل حر على اختيار ميدانه، ونبذ أوهامه. أصر على ألا يكون ضحية أو شكّاءً أو حالمًا. كان طول مساره حرًا، على طريقته، بلا كآبة ولا أحزان ولا حنين. حياته هي أسطورته الخاصة، لا أكثر ولا أقل.

وسلام.

عن الكاتب

خالد جويلي

مصور فوتوغرافيا، وكاتب قصة قصيرة ومسرح، صدرت له مجموعة «طقوس العزاء»، وألّف مسرحيتين هما «داير داير» و«غزير الليل»، واللتين قدمتهما فرقة الورشة المسرحية.

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن