تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أدب خراب العالم.. عن التانجو وكاتبه لاسلو   

أدب خراب العالم.. عن التانجو وكاتبه لاسلو   

هذا النص ضمن تقليب #16 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: مينا مبارك 9 دقيقة قراءة

بعد أربعين عامًا من أولى رواياته المُقبِضة المنشورة عام 1985 «تانغو الخراب»، فاز الأديب المجريّ لاسلو كراسناهوركاي بنوبل للأدب فدُشِّنَ مايسترو نهاية العالم سيّدًا مُعتبَرًا ومُعبِّرًا عن قاع العصر الحديث، مُعريًّا مُصاب إنسان ما بعد الحداثة، مقتولًا من الملل وفقدان المعنى، وباحثًا عمّا لم يُعثر عليه أبدًا منذ اخترع الإنسان العاقل الكتابةَ -بدءًا بالملاحم الشعريّة القديمة، مرورًا بالخلاصيّة المسيحية، وانتهاءً بالانقياد الأعمى خلف طغاةٍ ذوي كاريزما فاشية صريحة أو مُقنّعة، أي العثور على مُخلَّص، يلتقط المرء من هوّة «طينيّة يستلقي فيها، تحت مطرٍ جهنميّ وأبديّ»، نحو ضوءٍ مأمول في نهاية نفق الوقت اللانهائيّ، والتخبّط بين قضبان زنزانة اللا معنى.  

وُلِدَ كراسناهوركاي في 1954، ببلدة جِولا الصغيرة جنوبي المجر، في بيئة ريفيّة محليّة تزدان بقلعة قروسطيّة متواضعة، وتراثٍ زاخر من حكايات شعبية اتسعت فشملت الدولة كلها عبر تاريخٍ ثري ومُتداخِل من حضارات مُتعاقِبة، واحتلالات وإبادات مُتتالية، ثم حربين عالميتين وحكمٍ شيوعيّ مُقبِض، أفضت إلى تركيبة ثقافيّة مُعقّدة، ولغةٍ صعبة التعلّم، لا مثيل لها في جيرانها، وأقرب أشقائها في عائلة اللغات بُعداء، أولاد عمٍ من الدرجة الرابعة أو الخامسة، فهي لا تتشابه مع المُشتقات اللاتينية الأوروبية أو السلافيّة الكريوليّة إلا في طريقة كتابة الأحرف، بينما تقترب من لغات أقليميّة روسيّة محليّة مجهولة؛ كالخانتية والمانسية اللتان لا يصل عدد المتحدثين بهما إلى بضعة ألوف حول العالم، في أقاليم قاريّة وباردة في قلب روسيا المتجمّد.

هجر كراسناهوركاي عائلته البرجوازيّة واختار التدحرج عبر السلم الاجتماعي إلى الأسفل، فشارك الفقراء بيئتهم، عاملًا في جميع أشغال كميونة زراعيّة: مزارعًا، ومُراعيًا للمواشي، وعاملَ نقلٍ. ثم خدم في الجيش، تاركًا كلية الحقوق بعد بضعة فصول حضرها جعلته يقرر أن لا يكون محاميًا كوالده. بحث عن عملٍ في دار نشر صغيرة، وتقلّب بين الخواء والاكتئاب إلى أن عثر على منحة سفر لبرلين الغربية، ملاذ الأرواح الجريحة. بدأت حياته الأدبية هناك، وتطوّرت حتى بلغت الأكاديمية السويدية المرموقة.  

أدّى كلّ هذا إلى تعميق أدب كراسناهوركاي المكتوب بالمجريّة، رغم أن صيته ذاع على يدّ القراء الألمان مُترجَمًا مثل نظيره المجريّ الأول في الفوز بنوبل عام 2002 إيميري كيرتش، مُحيلًا إياه من مجرّد كلمات مُصمتة على ورقٍ ميّت، إلى تمثيلات مُعبّرة قادرة على تخطّي واقع الإنسان ذاته، كل تعقيدات إحلال أنظمة الحكم، واحتلال الشعوب المختلفة بثقافاتها الخاصة للأفراد أنفسهم، نحو استقراء مأساة العصر الحديث عدما انتهت طاقة رجل الشارع الأوروبيّ على الحرب والسلام، وغرق في فخاخ اقتصاديّة وسياسيّة مُركّبة أنهت حاله إلى خرابٍ معنويّ، ناهيك عن الماديّ، دون المقدرة على استكشاف الذات أو الوصول إلى حلول ازدادت تجريديتها مع الوقت، لردم هذه الهوة الروحيّة الداخليّة التي ما زالت تتسع جنباتها. 

إذن، كانت هذه الثقافات المُتشابِكة واللغة الفريدة هما ما ميّز بهما كراسناهوركاي أدبه، مُختارًا عن قصد أسلوبًا مُعقّدًا ومُستفِزًا في الكتابة عن مواضيع غير سطحيّة ولا مطروقة، وهو يعلم أنّ ذلك قادرٌ على قتل أيّ روائيّ «شاب» يكتب خارج سياق المرغوب فيه مُجتمعيًّا، أو السهل المُشوِق في القراءة، مُبررًا ذلك بأنه هكذا يرى البشرَ يتحدثون إن أصغينا السمع، «بلا تقطيع ولا نقاط»، مثل مقطوعة موسيقية طويلة تُسلّم جملها بعضها لبعض دون توقّف يجعل الصمت سيّدًا على المكان.

وعلى هذه الشاكلة كُتِبتْ رواية تانغو الخراب.

هذه الرواية، ككاتبها، مُربكة، فهي ذات جمل طويلة وفقرة واحدة ممتدة بطول الفصل لا تنتهي إلا بانقطاع نفس القاريء أو صبره. وهي حمّالة أوجه، وقادرة على إصابة قارئها بإحباطٍ واندهاشٍ ومللٍ وحماسة في الوقت نفسه، لدرجة أنني وقفتُ بعد إنهائها مُحتارًا، فلا أستطيع أن أدّعي بأنها طويلة بشكلٍ مفرط ولا تحكي أو تقدِّم ما يستحق كل هذه الكلمات المتلاحقة، أو أنها عبقريّة بأسلوبٍ جديد وطرحٍ مُغاير لفكرة تتبع المخلص في زمنٍ استهلاكيّ صارت غايته المتع السريعة، بالأخص في نتاج البيئة الأوروبيّة عامة والمجريّة خاصة، بعد إدراك الرحلة الطويلة لقهر واحتلال الشعب المجريّ من غزاة دعموا الإحساس الوطنيّ بالحاجة للبحث عن مسيحٍ يعيد إحياء الأمجاد القديمة في الإمبراطوريّة المجريّة البائتة.

لستُ متأكدًا إلا من أمر واحد، أن هذه الرواية ينبغي أن تُقرأ في نادي قراءة أعضاؤه أذكياء وشغوفين بالأدب وبالتفكير، كي يتحدثوا بوجهات نظرهم المختلفة، وفهمهم المتميز لنصٍ أقل ما يُقال عنه إنّه يستحق التوقف للحظة، في عالم متعجل ولاهث وراء النشوات اللحظية، للتأمل فيه، ولمديح بطئه، والمواجهة التي يضع قارئه فيها، ضد الملل.  

مثل قواعد رقصة التانجو، يفتتح كرانسناهوركاي رقصته بسِت خطوات/فصول نحو الأمام، يقدّم فيها شخصيات عالمه الخصوصيّ، مُتمثّلًا في كميونة زراعيّة مهجورة، قامت حول مزرعة ومصنع، ثم أُغلِق المصنع، فـ«رحل من كانت لديهم أماكن يستطيعون الرحيل إليها». أما أولئك الجبناء الباقون، فقدّم دواخلهم ومُبررات كلٍّ منهم وكيف أدّت تلك إلى الحال الراهنة التي نجدهم عليها. ثم يعود للخلف في ست خطواتٍ/فصول أخرى، ليرصد ما نتج عن الذروة التي توسّطتْ  قسمي الرقصة الشيطانيّة، ليعود إلى نفس الخطوة الأولى التي بدأ عندها، مُختتِمًا رقصته بالمكان ذاته، والزمان ذاته، والكلمات ذاتها، مثل «اكتمال الدائرة»، كاشفًا المُحرّك الأساسيّ لهذه الرقصة من البداية، أي شيطان أبد الدهر، أو بالأدق، الدافع وراء تصرفات ذلك الشيطان.

يستيقظ فوتاكي، وهو الرجل الذي تنبض في عقله لحظة استنارة إدراك الحقيقة في القسم الثاني من الحكاية- في فراش زوجة صديقه شميدت، على أصوات أجراس يوم القيامة. تدوي الأجراس مرّة، فلا ينتبه، بيد أنّها تدق مرّة ثانية، واضحة ومُجلجِلة ومنذِرة، فيعلن «سوف يحدث شيء اليوم». وهو ما يحدث فعلًا، فبعد أن يتسلل فوتاكي خارج المنزل عندما يعود شميدت إلى بيته، ثم يستدير ويحسّن من هندامه ويرسم وجه البراءة مُتنحنحًا ويطرق الباب كما لو كان قادمًا للتوّ من منزله، ليطالبه بمالٍ اتفقا على تقاسمه قبل أن يرحلا من القرية، تنفجر في وجههما الإشاعة التي تناقلتها الألسن صباح يوم نهاية العالم ذاك، فقد عاد مَنْ رحل عنهم منذ سنتين تاركًا إياهم بوعود خلاص مُفرّغة. تقول الإشاعات بأن المخلص المنتظر لثلة المُحبطين هنا قد عاد من غيابه، قام مسيحهم من موت اختفائه، وعاد إرمياس المُنجّي كي ينتشلهم من غياهب الضياع. رآه رجل، أخبر امرأة، فتنت لسائق سيارة نقل أذاع أن إرمياس شوهد في حانة القرية، أو قرب مدخلها، أو في قرية مجاورة.

نتتبع وقائع العودة الموعودة لإرمياس ومساعده بيترينا، نحو مهد نبوتهما. وننتقل بين شخصيات المجتمع المحليّ المُتذبذِبة بين ضياعها الشخصي وفقدانها للهمة، وبين الأمل لحل هذه الحالة الخربة بعودة مسيحهم. عدا شخصية الطبيب الذي يجلس في زاويته الخاصة بين أطلال غرفته، يراقب من نافذته ما يفعله الآخرون، يشاهد ويسجل في دفاتره، كما لو كان هو بذاته مُحرِّك أفعال سكان القرية.

فرغم أنّ كراسناهوركاي عبر وصفه لدواخل الطبيب، يؤكد أنّه مثل بقية الحزانى في قريته المخروبة، ملولًا بغير هدف ولا مصدر للسعادة، يعاني من ضغوطات خراب الأوقات المعاصرة، إلا أنّه يجعله مُدركًا لحالته، ومحاولًا للتغلب على قلقه الوجوديّ بالمحافظة على ذاكرته وحدها، مقتنعًا بأنها السلاح الوحيد القادر على مواجهة خراب مملكة هذا العالم، ومستعينًا بالورقة والقلم لدعم ذاكرته المُتداعية.

قبل وصول إرمياس تمامًا، تنتحر طفلة صغيرة تدعى إيستي، فبعد أن تتذكر أخاها الذي أحبته قبل أن يخدعها بأخذ مدخراتها من مصروفها كله، واعدًا إياها بأنّهما سيزرعان معًا شجرة أموال تطرح أوراقًا نقدية عوض الثمار. تصدقه ببراءة وتتفقد التربة التي خبأ فيها أموالها قرب النهر، يومًا بعد يوم، حتى تنغصه بالسؤال فيعترف بالحقيقة لاعنًا غباءها، وزارعًا داخل تربتها بذورَ تعقُداتٍ نفسية وأحزان. فتقتل قطتها في لحظة عبث بسم فئران تجده في المنزل، وتدفنها جوار شجرة يوروهاتها المُتخيّلة، ثم تتجرع باقي السم بحثًا عن الحرية في دفق النهار الجاري أسفل سرمدة الأمطار، وتلقي نفسها مع التيار الجمعيّ، نحو نهاية حتميّة وحزينة.

وبهذا يُختتم القسم الأول للرواية، بقمة جبل التجليّ، حيث يظهر المسيح مع معاونه، على باب الحانة المُجتمِع فيها الشخصيات المُتخبّطة للكميونة المُتهالِكة.

في القسم الثاني، تسير الرقصة برتمٍ أسرع، يكتشفون الواقعة. ويلقي إرمياس عليهم تأبينًا مُعزّيًا حتى تفيض الحماسة داخل قلوبهم، فيضعون كل مدخراتهم على الطاولة عند أقدام المخلص لتكون طوع يديه، يُسيّرهم حسبما يرى بحكمته الإلهية وقدرته على حلّ معضلات العالم أجمع.

تصيبهم لوثة الأمل كالوباء، يلملمون شتاتهم والقليل من ممتلكاتهم، ويهاجرون تحت قيادة إرمياس نحو مجتمعٍ جديد زرع الهدف في نفوسهم. يرسلهم المخلص إلى بقاع الأرض المختلفة ويعدهم بتفقّدهم عمّا قريب. 

يغادرون وقد ملأوا القليل من فراغ كينونتهم بسعيٍ قد ينضب سريعًا.

أما الطبيب الذي لا يشارك في موكب النصر هذا، لأنه كان متوعكًا في مستشفى قرابة أسبوعين حدث خلالهما قدوم إرمياس ذاك، فإنه يعود لغرفته ليرى القرية مهجورة، فيستقر داخل وحدته القادرة على فتق العالم ليبدأ في تحريك الواقع من خلال كتابته بمفردها، كما لو كانت الكلمات التي يكتبها هي الأفعال التي يستوجب على سكان القرية فعلها بالضرورة. يجلس وفي يده مشروبه الكحوليّ، ويشرع  في كتابة نفس الجمل التي بدأت بها هذه الرواية، مثل شيطانٍ يُكمل دائرة سرده لرقصته الخاصة.

 «تانغو الشيطان»، وهو العنوان الأصلي للرواية الذي لم يُنقل في الترجمة العربية.   

فحين ترجم السوريّ الحارث النبهان الرواية، التي نشرتها دار التنوير في عام 2016، بعد عام واحد من فوز الكاتب بجائزة البوكر العالميّة عن رواية «كآبة المقاومة»، لتي ترجمتها ذات الدار لاحقًا في 2020، اختُيرَ لها عنوان مُغاير عن اسمها الأصل «تانغو الشيطان» ربما لأسبابٍ تحريريّة أو ترويجيّة مُختلقة أفقدتْ عنها -قليلًا- مغزىً عميق (قد يكون غير مقصود من الكاتب، إنما من فهمي الخاص، وهو ما لا يقلل من هذا أو ذاك، فعلى قول مارجريت آتوود، بتصرّف: وقتما يخرج الكتاب من يد كاتبه نحو يد قارئه، تنتقل ملكيته من الكاتب للقاريء، ويصير كل تأويل من القاريء للحكاية صحيحًا أيضًا) حول ماهية بطل هذه الحكاية روائيًّا، أي الطبيب باطنيًّا، واللغة استنباطيًّا، وهو ما يتضح مع التقدم في قرائتها، أو أنا فقط مَنْ ألبسُ الحكاية رداءَ قرائتي الخاصة للغاية.

رغم صعوبة قراءة هذه الرواية، والحاجة إلى نفس طويل ونصف فدان من الليمون لعصره على النفس بين فصل وآخر، إلا أنها ضروريّة بحكم صدق تعبيرها عن أزمة الإنسان المعاصر، الذي إن أسكتَ المُشتتات من حوله، والمُلهيات التي ننفق فيها جُلّ حياتنا، لأدركَ فراغًا صامتًا وخربًا داخل روحه لا يُسبر غوره مهما حدث، وذلك هو ما تحاول «تانغو الخراب» قوله، دون تقديم حلٍّ وعظيّ للموقف، بل بالعكس تدحض أسطورة المخلص الأسطوريّ، أو الحلم المُنتظر الذي يشبه كلمة the end في الأفلام والمسلسلات يأتي فيجعل المرء في تمام سعادته، مُكتملًا!

بل نستطيع أن نخرج من سياق الخراب الداخليّ لإنسان العصر الحديث نحو خرابٍ خارجيّ واقعيّ ينبع من فقدان الهدف الحقيقيّ للقلوب الملولة والكئيبة، فليست حرب غزة المُحتلة أو السودان المنكوبة إلا تجسيدًا مُقاربًا مهما اختلفت أسبابه سياسيًّا أو لأطماعٍ مُتكهَّنة، فسنجد عميقًا داخل أرواح ماسكي السلاح فراغًا يحاولون ملأه بالذخائر والغنائم واضطهاد الآخرين!

بالنسبة لي، هذه الرواية، بزخمها اللغويّ وجُملها المعقدة وصعوبتها بنائها التركيبيّ، تخبرنا أنّه حتى مع التحذلق اللغوي وشاعريّة العزف بالكلمات الذين ينتهجهما كراسناهوركاي -مثل الطبيب في الرواية- كوسيلتين لمواجهة خراب العالم المعاصر، فإنهما لا ينجحان في ملء فراغ روح الإنسان، أو درأ حيوانيته، أو إخراجه من مللِ القرن الواحد والعشرين.

عن الكاتب

مينا مبارك

كاتب مصري، مولود عام 1999 في قنا البلد. أنهى دراسة الطب في جامعة القاهرة وينتظر الأقدار لتقرر له تخصصًا يمنحه وقتًا كافيًا بعيدًا عن ردهات المشافي. يعمل مرمطونًا بدوام شبه…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن