«أبو زعبل 89» أو كيف نجمع بقايانا لنحكي بقايا حكاياتنا
الفيلم الفائز بـ3 جوائز بمهرجان القاهرة السينمائي منها أفضل فيلم وثائقي طويل
في غرفة بعيدة بآخر أحياء القاهرة يجلس مراهق أكمل بالكاد عامه السادس عشر ليشاهد أحدث الأفلام المصرية التسجيلية المسربة على حاسبه الشخصي، في صمت فرضه الحظر والوباء على المدينة، «النسور الصغيرة» (2016) لمحمد رشاد. في الدقائق الأولى من الفيلم أشاهد أهم ما يسحرني ويجعلني أكمله للنهاية، بسام، «البني آدم اللي ما بيبانش على وشه الحزن» حسبما وصفه رشاد في الفيلم. تمنيت أن أصبح مثله، كي لا تفارقني ابتسامتي. بعدها بعام أعدت مشاهدة الفيلم في عرض ثقافي عام، يلفت نظري تلك المرة والد بسام، محمود مرتضى، ومشهده حين يبكي نادمًا على انشغاله بالحياة العامة وإهماله للحياة الخاصة ولبسام. أفكر، وأبكي معه.
بعد أربع سنوات، يجلس نفس المراهق، ولكنه بالكاد على أعتاب الشباب، في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي يقام في بقايا المدينة، وفي المسرح الصغير أسوأ وأضيق قاعاته، ليشاهد العرض الأول لفيلم بسام التسجيلي الطويل «أبو زعبل 89». تلتفت لي صديقتي قبل بدء الفيلم وتقول: «أشعر بأن هذا الفيلم سيسبب أزمة ولن يعرض غدًا». كانت الأجواء متوترة بالفعل. أظلمت القاعة وأدركت أني على وشك دخول عالم أوسع مما شاهدت في «النسور الصغيرة»، وبدأ الفيلم بصوت بسام الدافئ «ماما، ليه خدتيني معاكي الزيارة»، ليعلن دخولنا هذا العالم.
القُدرة كانت محدودة.
الهدَف بدا بعيدًا بعيدًا.
كان واضِحًا على كلِّ حال،
غير أني ما استطعتُ أن أُدرِكه.

في البداية يبدو كفيلم تسجيلي تقليدي، عن حبسة مناضلين يساريين ومثقفين بسجن أبو زعبل عام 1989 لدفاعهم عن إضراب عمال مصنع الحديد والصلب بحلوان. بعد التقديم والذي ينوع فيه بسام بين استخدام اللقاءات مع والده وأصدقائه واللقطات الأرشيفية للتغطية الصحفية للحدث، بشكل متناسق ومتسق، تأتي الصدمة الأولى لنا، بقراره إعادة بناء أحداث السجن وتصويرها، بطريقة غير واضحة المعالم وبتمثيله نفسه، ليموّه الخيط بين الروائي والتسجيلي. ومع الحكايات التي تتوالى عن مآسي السجن يصبح كل مشهد ذي تأثير أقوى، ورغم ذلك لا يقع الفيلم في فخ الخطابية.
ينجح بسام في تصوير اللقاءات مع شخصيات فيلمه وهم يحكون دون أن تصبح هذه اللقاءات رتيبة. لا نجد مثلًا خلفية الأبطال في كل اللقطات مكتبة لتوحي لنا بكم أبطالنا مثقفين، ولا نشاهدهم جالسين بوضعيات متصلبة على كراسي جلدية، بل يريهم لنا بسام في حياتهم اليومية البسيطة. في أول ظهور لوالده نشاهده وهو يلملم الغسيل. بمشهد آخر نرى بسام جالسًا بجانبه على الأريكة يحدثه عن الشبه بينهما. نراه في شرفة يحتسي الشاي مع والدته أو في حفل عيد ميلاد لرفاق حبسة والده.
مشاهد بسيطة، حية، وحميمية، تكسر حاجز برودة الفيلم التسجيلي التقليدي، المكون من عدة لقاءات لاهثة وراء بعضها، سعيًا وراء معلومة هنا أو هناك. يدعونا بسام لدخول عالمه، وعالم عائلته وأصدقائه، كدعوة صديق قديم نراه مع عائلته لأول مرة بعد فراق، لينكسر الثلج والحواجز بيننا على الفور.
يصنع بسام جسرًا بين التسجيلي والروائي، والشخصي والعام يفتّت الحدود بينهم، هذا الخط الرفيع الفاصل، هو ما يجعل الفيلم مختلفًا وملموسًا، لا يسأل عن أثر الإضراب على مصر في ذلك الوقت مثلًا، ولكن يسأل بطفولية أكنت مستيقظًا أم نائمًا عندما أتوا ليقبضوا على والدي؟
يصنع فيلمًا، عن مشاعر والده ذي الدمعة القريبة، عن مشاعر الذنب التي تحاصره، عن الأحلام التي لم تكتمل والفرص الضائعة، عن الفقد والضياع وعن والدته. تطل فردوس والدته، بكاريزمتها وحضورها الطاغي، وثقتها وقوتها غير المتناسبة مع جسدها الضعيف. نسمع عنها من محمود وبسام طوال الجزء الأول من الفيلم، وعما فعلته وشجاعتها ومواجهتها للشرطة، إلى أن تظهر لنرى كل قوتها وخفتها تلك أمامنا على الشاشة، خفة تتلخص في مشهد تشير فيه إلى الشارع وتقول «بص صاحبتي بتبص لي»، وعندما تتحرك الكاميرا نكتشف أن «صاحبتها» قطة شارع.
يحرص بسام ألا تضيع حدوتة فردوس وسط الضجيج، أن يعطيها حقها التي فشلت أن تأخذه في الحياة، ذلك الحرص ينتشر في حواديت الجميع، في عرض الحكي المسرحي لسيد رجب عن «الحبسة»، في حواديت صابر بركات ورياض رفعت أصدقاء والده الساخرين وشركائه في الحبس، حتى في حدوتة خلود صديقة بسام الحاضرة الغائبة والتي نسمع صوتها، ونرى صورها، دون أن نراها نفسها. يجعل بسام من الفيلم صندوق حواديت، ليعيش بغض النظر عن لحظة صنعه، أو عن وجود أبطاله أو غيابهم.
آه! نحن الذين أرَدْنا أن نُمهِّد الأرض للمَودَّة والمحبَّة،
لم نستطِع أن نكون وَدودين ولا محبوبين.
أمَّا أنتُم،
فعندما يأتي اليوم
الذي يُصبِح فيه الإنسان عَونًا للإنسان،
فاذكرونا،
وسامحونا.

قصصهم قصصنا
في النقاش الذي عقب العرض الأول لـ«أبو زعبل 89» وصف محمود مرتضى والد بسام جيله بأنهم جيل مهزوم. تهيمن تيمة الهزيمة على مدار الفيلم بكامله، هزيمة الأب والأم على اختلافها، هزيمة بسام، وهزيمة أصدقائه ممن غادروا مصر.
تتشابك مسارات الهزيمة، حتى تختفي الخطوط بين القصص والأجيال، يختار بسام -بنفس روح المراوغة- أن يسرد قصة بداخل القصة، على طريقة مخرجه المفضل، أسامة فوزي، ومثل مراحل الحزن الخمس، يقدم بسام مراحل الهزيمة الثلاث باستدعاء ثلاثة أفلام أخرى في تماس وحضور بداخل قصته.
ففي البداية «شحاتين ونبلاء» (1991) لأسماء البكري، الذي يأتي ذكره على لسان الأب على شريط كاسيت أرسله لبسام في أثناء سفره للخارج. قصة المناضل الثوري، عندما يُهزم وتتحطم أحلامه أمام الواقع. يقدم «شحاتين ونبلاء» واقعًا عبثيًا، يفوز فيه الحمار بانتخابات مجلس النواب، وتهدد قنبلة نووية بهدم دول كاملة في رمشة عين، لا يسع «الثوري» في ظل عالم هكذا إلا الاستسلام لذلك السياق، تقبُّل الهزيمة بصدر رحب، والعيش وفقًا لقاموسها. يشاهد بسام مقطعًا من الفيلم، فيما نستمع لصوت الأب الهارب يحدثه عنه بصوت مختنق، يكاد يبكي لولا الكبرياء أمام طفله، وقد سحقته الهزيمة، مثلما سحق العالم أحلام الضابط الوردية بنهاية الفيلم، ورمته إلى المقهى والحياة البسيطة اللا مبالية بأي منطق يسير هذا العالم.

في «عودة الابن الضال» (1976) ليوسف شاهين، شيء ما عفن ينتشر في ميت شابورة، القرية المنعزلة قرب الصحراء، والتي يسيطر عليها وعلى مصنعها طُلبة، الذي لا يملك فقط المصنع، بل يملك حتى أفراد القرية وأحلامهم، حتى إن كان منهم ابنه إبراهيم وحلمه بأن يصل إلى الفضاء. صُنع «عودة الابن الضال» في ظروف هزيمة مشابهة، كمحاولة لتخطي هزيمة 67 من قبل يوسف شاهين وصلاح جاهين. في ميت شابورة، القرية خارج الزمان والمكان، يكبت طلبة حتى الحب، وحتى المقاومة، تظل مقاومة ضعيفة، مجروحة كجرح والد بسام بعدما خرج من السجن. يتم التفكير في تلك المقاومة بداخل «أبو زعبل 89»، يستخدم بسام لقطة واحدة من الفيلم، يقول فيها أحد أبطاله «إنت تعبان، شُفت بلاوي كتير واتهَنت، بقالك عشر أيام وأنت بتاكل في نفسك وبتفكر إزاي تنتقم من اللي تعبوك ورفضوك في وسطهم». تمثل تلك اللقطة لحظة من اللحظات المركزية من الغضب والاختناق لدى بسام، الهادئ طوال الفيلم، ولدى والده بعد خروجه من السجن. على خلاف «شحاتين ونبلاء» لا ينتهي «عودة الابن الضال» بالاستسلام بل العكس، بالهروب. يتدمر كل العفن القديم فلا سبيل لإصلاحه، ويهرب إبراهيم مع حبيبته ليصل للفضاء والجد يودعه «متبصش وراك يا ابني، انسانا»، نفس المسلك الذي سلكته خلود بطلة الفيلم الغائبة، وسلكه الكثير من أصدقاء بسام نفسه.

ولكن لا يجرؤ الجميع على سلوك هذا المسلك، ومنهم بسام ذاته الذي يتلكأ في السفر، ولذلك، يتم استدعاء الفيلم الأخير «عفاريت الأسفلت» (1996) فيلم بسام المفضل بحرية أبطاله وشقاوتهم، وعلاقاتهم المعقدة المرنة. يُستدعى الفيلم في لحظة قرب النهاية، لحظة التصالح والغفران، تصالح مع الماضي، ومع الهزيمة -وليس استسلام- ومحاولات لا نهائية ومستمرة للنجاة، والأهم للحلم، والاستمتاع بما تبقى من المدينة.
يصرخ «عفاريت الأسفلت» بحضوره: إن لم نكن سننتصر، فعلى الأقل لنبحث عن هذا الانتصار، في قصصنا وحياتنا اليومية البسيطة، في السير يوميًا إلى المدرسة، في برودة الرخام التي تنفذ للأجسام في صباحات حلوان الهادئة التي لا يعكرها إلا أصوات المسعلين والمدخنين، في حكايا ألف ليلة، وفي الطريق إلى الحديقة اليابانية الذي يسيره بسام مع والده.

كواحد ممن يسمون بـ«جيل زي/زد» يبدو كل شيء مختلفًا من موقعي، جيل لم يعاصر الثورة التي يمتلئ الفيلم بمشاهد منها، ولقطات المظاهرات التي حضرها سواء بسام أو والدته. نتذكر فقط صورًا رومانسية وأليمة منها. جيل تنتشر به حكايات فراق الآباء، والعلاقات المتوترة بهم. أغلب أحلامي وأحلام أصدقائي تتلخص في السفر، نفس ذلك السفر الذي ابتلع أصدقاء بسام، فيما هو يتلكأ ويخاف منه. جيل يبدأ شبابه في بقايا عالم، وبقايا مدن، جيل لم تتعلق حياته بهذا النضال، يجاهد لكي يفهم فقط كيف تتصالح عائلة بسام مع فكرة دخول السجن والخروج منه أكثر من مرة؟ أستغرب كيف تأثرت بمثل هذا الفيلم، رغم تلك الاختلافات والحواجز، أستغرب تلك الدموع التي ملأت عيني قرب النهاية، أهي على الفيلم؟ أم على نفسي؟
في النهاية أجد الإجابة والسر في المراوغة، في أحد مشاهد الفيلم يعرب بسام عن رغبته في التوقف عن المراوغة، والتوقف عن التطفل على حكايات أبيه، لكنه لم يتوقف عن المراوغة، بل نقلها بكاملها في صنع هذا الفيلم. تلك المراوغة والمكاشفة المرهِقة، هي كل ما تبقى وكل ما أتيح لنا ولـ«أبو زعبل 89»، مراوغة السياق الذي طغى على كل شيء، ولم يعد هناك سبيل للهروب منه إلا بتلك المراوغة. يعبر بسام بهدوء شديد عن مراوغته، فليس في الفيلم مشهد «أكشن» حيث يصارح الأب الابن بحقيقة ما، أو يواجهه، تلك المواجهات الكليشيهية المعتادة في تلك القصص عن الآباء والأبناء. يتخلى بسام عن ذلك ويعامل كل التفاصيل بهدوء طوال الفيلم، بحزن أحيانًا ودون غضب، رغم أنه قال إن الغضب من صنعة الأفلام نفسها. والأهم، يكسو كل ذلك بمساحات لا متناهية من الغفران.
يحقق «أبو زعبل 89» انتصارًا.. انتصارًا صغيرًا في حالة من الاختناق حوله، انتصار يبدأ بعرضه أولًا في مهرجان الدولة، ثم بامتلاء جميع عروضه بالجمهور، ثم بفوزه بثلاث جوائز في المهرجان، تلك الانتصارات المراوغة التي تدب الأمل ليس فقط في من يعملون بالسينما التسجيلية، بل في أجيال يشبون على آخر أيام المدينة، وحياتهم اليومية تتكون من مشاهد تشبه تلك المباني نصف المهدمة على الطريق الدائري التي وثقها بسام. كواحد من هذا الجيل يمثل لي «أبو زعبل 89» أملًا جديدًا، أمل للحياة، للغفران، وللتحرر، الشخصي قبل السياسي، أو كما بدأ الفيلم بتلك الكلمات:
ربما ننفق كل العمر.. كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال.. مرة!
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق. (أمل دنقل)
*جميع المقتطفات الشعرية باستثناء الأخيرة هي من قصيدة إلى الأجيال القادمة، برتولت بريخت
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن