آخر لاعبة شارع
#114 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
نلمح أجيالًا تُربّى داخل جدران البيوت أو أسوار قاعات التمرين، وأحواش المدارس. أجيال لم تجرب متعة الوقت المسروق من رقابة العائلة أو خططها لبناء أجسام صغارها كأبطال. لكن مي المغربي، في هذا العدد، تذكرنا بزمن اللعب في الشوارع الذي تراه قد انقرض. ولنجدد تلك الذكريات الشوارعية ونحن نقرأ «آخر لاعبة شارع».
#لعب
عندما أتممت عامي العاشر وأكمل أخي عامه الثامن في عام 2006 رُزقنا بأخ آخر. ومع عامه السابع، بحثنا عن ناد رياضي قريب من منزلنا بالعجمي ليلعب فيه أخونا الأصغر. لكن بعد العثور على ناد مناسب، وحضور مقابلات مع المسؤولين عن قبول وجودك أنت وعائلتك داخله، اكتشفت أن لفظة اللعب مختلفة عن التي أعرفها.
في النادي يجب أن تنخرط في لعبة ما، سباحة/ كاراتيه/ جري/ كرة قدم أو سلة أو يد، أو اللعب في الملاهي الملحقة بالنادي. لم نطمح يومًا أن يكون أحد من الأسرة لاعب كرة قدم محترفًا أو بطلًا أوليمبيًا، كنّا نبحث فقط عن مكان يحتوي على مساحة تمكنه من تسلق شجرة أو أرضية تسمح له بالوقوع دون تهشم عظامه، مساحة يمكنه فيها أن يصرخ ويضحك ويجري ويتعرف على أطفال من سنه، يلعبون معًا ويغرقون في مغامرة، يصنعون ذكريات مثلما فعلت أنا وأخوه عندما كنّا في عمره. كنّا نبحث عن بدائل للعب في الشارع أو البحلقة في الشاشات.
الفارق بيننا وأخينا الأصغر سنوات أقل من أن يتغيّر فيها مفهوم اللعب أو هكذا تصورتُ. أن تجد مكانًا آمنًا تلعب فيه بلا جدول تمارين صارم أو بلا نية الحصول على ميدالية ذهبية أو بناء عضلات، فجأة أصبح أمرًا مستهجنًا. أن تقول إنك ذاهب لتلعب هكذا في المطلق معناه كسلك، وعدم اهتمام أهلك لأمرك كبطل مُرتقب. عندما كنّا، أنا وأخوه، في عمره لعبنا في الشارع، لم يكن أحد مَن الذين شاركونا اللعب في الشارع ورث، أو حدث لأهله حراك اجتماعي أدى لامتلاك عضوية في ناد رياضي ليضمن حق اللعب في مكان آمن. ربما لم نكن بحاجة لمكان غير الشارع وقتها لنلعب فيه، لم يجد أي أب أو أم ما يمنع عن طلق العيال للعب في الشارع، يكفي أن يعرف الأب أو الأم اسم الشارع الذي سيلعب العيال فيه ليسهل إيجادهم وقت الغداء.
شارعنا، شارع الرضوان الذي لم يكن له من اسمه نصيب، سُمي بذلك الاسم لأن عائلة من العرب تُدعى «رضوان» بنت مسجدًا في وسطه. هذا كان العرف المُتبع في العجمي، أن تكون من العرب وتبني مسجدًا في أحد الشوارع وتسميه باسم عائلتك معناه أن الشارع سيحمل اسم عائلتك وبالتالي ستحكم عائلتك الشارع لأجل غير مُسمى.
«الرضوان» كان غير مُسفلت حتى 2005. كنّا بسهولة نحفر حفرًا صغيرة عمقها أقل من خمسة سنتيمترات لنضع فيها البلي ونلعب، أو نحفر خنادق لنختبئ، أو نرسم مربعًا نحد جوانبه بالطوب للعب كرة القدم.
لكن هذا الإيقاع المستقر لم يستمر طويلًا، لأن الحركة في الشارع أصبحت خطرة بداية من 2003، بسبب قرار بعض عائلات العرب، دخول مجال الاستثمار العقاري عن طريق هدم الفيلات وبناء عمارات شاهقة تضمن للجميع حق السكن وعدم رؤية السماء. أصبح شارعنا، مليئًا بالطوب والحصى والأسياخ والمقاولين ورائحة الحريق. كانوا يحرقون شجر التين والزيتون والنخل أولًا قبل أي شيء. كنّا نخسر أصدقاءنا واحدًا وراء الآخر، لخوف أهلهم عليهم من أي جرح أو نوبة ربو أو سقوط شيء فوق أدمغتهم. والصيف طويل، دائمًا طويل وممل للذين يشبهوننا والشاطىء آخر احتمالات اللعب. لم تشبه علاقتنا بالبحر يومًا شباب فيلم «إسكندرية ليه» (1979).
الشواطىء كانت خاصة جدًا، يجب أن تملك شاليهًا حتى تدخل وتخرج على راحتك. بيت رأفت صديقنا كان آخر الأوراق التي نملكها للعب: حجرة أرضية بحوش في بيت قديم يضمن أرضية لينة تصلح لتمرير الكرة والوقوع فوقها دون إصابات، عكس مدخل العمارة التي نسكن فيها الذي كان من السيراميك.
وفي مرة عزمت أم رأفت علينا بطبق بامية على طريقتها فوافقنا، حضّرت ثلاثة أطباق بداخلها شيء لزج وأخضر يُشبه المخاط وعصرت عليه ليمونًا وقالت إنه مفيد للعظام لأننا بالكاد نرى الشمس. أم رأفت جاءت بهذه الوصفة من بلدها، الرحمانية في محافظة البحيرة التي هاجرت منها وهي في الأربعين من عُمرها. كانت تحلم ببناء بيت في وسط المدينة أو قريبًا منه، السائق ربما فقد الشغف في إكمال الطريق حينما وصل العجمي فأنزلها هي وعيالها الخمسة وحقائبها في شارع الهانوفيل، فرضت بما قُضي لها، وبنت هذا البيت في منتصف الشوارع الخلفية للهانوفيل.
أثناء محاولتنا لابتلاع ما يُسمى بـ«البامية الويكا» واستساغتها، افصح أخي عن آخر اكتشافاته التي ستغيّر مسار صيفنا. قال إنه اكتشف أرضًا تصلح للعب بعيدة عن مكان الإنشاءات والحرق، وسماها «أرض البوص».
بعد ما يزيد على نصف ساعة من المشي وصلنا أرضًا لا يوجد بها شيء سوى البوص -نبات الغاب- ونمل بأحجام ضخمة وكلاب ضالة وشجر تين متناثر. وبمسافة ساعة من المشي تقف وحيدة عمارة من أربعة أدوار بها ورشة لتقطيع الرخام وصقل وتصنيع البلاط. رفض رأفت أن يتحد معنا لننظف المكان ونلعب فيه، قال إنه خائف. وأنا وافقت، ليس من أجل مشاركة أخي الأصغر أحلامه فقط، لكن لأنني كنت بائسة ولا يوجد خيارات كثيرة أمامي. تقول سوزان غرينفيلد* إن العقل إيجابي بينما الهوية سلبية، وأنها -الهوية- ظاهرة مكانية وزمانية تحتاج لمجتمع لتتفاعل معه لتكوّن ردود أفعال، تشتبك مع شخص أو تنخرط في سلوك ومن ثم تظهر هويتك، أن تكون هويتك داخل سياق ما لتعرف من أنت. أرض البوص هي أرض بلا سياق ربما كانت بروفة للصحراء أو تجربة ربانية لخلق جزيرة لكنه ملّ. كنّا نختبر بدون وعي أن نكون بلا هوية في سن كانت هويتنا تُخلق. نبني وعينا ليس عن طريق حشد ائتلاف من المعاني والمبادئ والقيم إنما بالحفر في الأرض ومقاومة النمل والتربيت على رؤوس الكلاب والتفكير في بناء سقيفة آمنة للعب والكلام دون رقيب أو زحام. لم نستطع تنظيف الأرض بالكامل وجعلها كما في خيالنا نظرًا لضعف الموارد البشرية والمساحة الشاسعة، لكننا نظفنا حوالي خمسين مترًا على شكل مربع على مدار شهر من العمل الجاد وسرقة الأكياس من مطبخنا لحشوها بالمخلفات. بعمليات بيع مكثفة لسيقان البوص المكسورة لهواة صناعة الطائرات الورقية، استطعنا شراء طعام للكلاب، ومبيدات النمل وسم للقوارض، نرش المبيدات والسم حولنا وكأننا نرسم الحدود. قرر أخي خلع بعض البوص من جذوره حتى نسقف به المربع اتقاءً للحرارة والمطر في المستقبل. أجل، أخي كان يستطيع أن يرى ويتخيل بسهولة استمراره في اللعب على أرض البوص لعدة سنوات بينما أعدّ الأيام التي يمكن أن يتجاهلها أبي ليتركني أشارك أخي ما يتخيله على هذه الأرض. اعترف أنني في هذه اللحظة تذكرت كلام أمي مع صديقاتها عن أن «المرأة الطبيعية تواجه سن اليأس لا محالة وأنها ليست نهاية العالم». لكنني كلما سمعت أخي وهو يتحدث عن المستقبل أو اللعب تأكدت أنني سأواجه سن اليأس مرتين، مرة عند انتهاء سن اللعب في الشارع المخصص لي، ومرة عند انقطاع الدورة الشهرية.

أرض البوص كانت أملي الأخير وتطويرها ما هو إلا امتداد ذراع زمني جديد أستطيع القفز فوقه. لذلك كنت أشدّ سيقان البوص بقوة وعزم لا يليقان بفتاة.
مع أخي، وعند محاولة شدّ أول ساق اكتشفنا أن الجذور متشابكة مع بعضها، مما يُصعب شد ساق مفردة في المرة الواحدة. شددنا خمس عشرة بوصة في نَفس واحد وخرجت تحتضن بعضها مكونة بساط أصفر سميك من الجذور والعُقد، يفصل كل أربعة من السيقان عُقدة كبيرة ثم تبدأ أربعة أخريات في التشابك على شكل بساط مرة أخرى، وكل عشرين بوصة تتشابك في عُقدة أكبر. عندما تعبنا من الشد قررنا فكّ التشابكات حتى نجهز للسقف، حينها وقعت في حجري كرة صغيرة صلبة، صدئة، ومجوفة، قطرها لا يتعدى السنتيمتر الواحد. احتفظتُ بها وتابعنا فكّ باقي العُقد.
مملكة أخي الصغيرة كانت تزدهر، بدأ بعض العيال بالمشاركة معنا في عمليات التنظيف وفكّ العقد ثم بيع البوص في المنطقة وتخزينه في بيت أم رأفت، والأهم اللعب. بعد أسبوع من عمل السقيفة اكتشفنا أن هناك مَن يدخلها بعدنا، وجدنا حقنًا فارغة وقماشًا وولاعات مُلقاة على الأرض. خفنا من لمس الحقن فدفناها ولعبنا فوقها. حاول أخي تجاهل أن هناك مَن يدخلها ولا يحترم غاية وجودها، السقيفة كانت ملجأ من أي شيء نواجهه في بيوتنا، ملجأ من الضرب، من الأوامر، من الشارع ذاته الذي يتغيّر.
في نفس الأسبوع الذي شعرت فيه بتهديد يحيق بأرض البوص، كان أبي يشرح لي تخمينه عن الكرة الصغيرة المجوفة التي وجدتُها هناك، قال إنها ربما تكون رصاصة من بندقية قديمة جدًا اسمها brown bess والتي يعتقد أنها تخص تاريخ الحملة الفرنسية. سألني أين وجدتها فلم أجبه، لكنه بدأ في سرد حكاية عن جان باتيست كليبر الذي أرسله بونابرت من البحيرة إلى الإسكندرية لكنه وجد نفسه في مكان لا يُشبه الإسكندرية التي حُكي له عنها. ويمكن اختصار ما حكاه أبي عن كليبر أنه وجد بئرًا صغيرة شرب منها ثم نام بجوارها، وفي الصباح التالي تلاحم الجنود الفرنسيون مع عربان العجمي.
في هذا التلاحم هناك رصاصة رشقت في جبهة كليبر مما أدى إلى أن أذان الظهر لم يُرفع هذا اليوم أو الذي يليه نظرًا لأن إمام المسجد قُتل وزوجته وأبناؤه أثناء محاولتهم صد هذا العدوان، ولم يبق شخص في المنطقة ليؤذن أو ليصلي لأن السواد الأعظم منهم كان غارقًا في دمائه بسبب الرصاص أو بالسيوف، والذين حالفهم الحظ وتمسكت بهم الحياة، أو نجاهم الخوف، كانوا يلطمون ويبكون بحرقة على الرجال والعيال والمستقبل.
ثم سألني أبي مرة أخرى من أين أتيت بالرصاصة، ربما تخيّل أن سرده لتاريخ العجمي سيشجعني على الحكي بدوري، لحظتها تحرك لساني ينطق بالكذب، قلت إنني وجدت الرصاصة بجانب مقلب النفايات وحسبتُها بلية أثرية لا أكثر. ربما الآن أملك تفسيرًا لخوفي من قول الحقيقة لأبي وقتها، هناك حكاية قابعة في ذاكرتي تجعلني أكذب دائمًا كلما شعرت بتهديد تجاه شيء أحبه؛ حكاية جدتي عن المرأة التي كانت تستيقظ وتجد قروشًا تحت وسادتها يتركها لها ملاكها الحارس، يحلفها بأيمانات الله في الحلم ألا تخبر أحدًا عن الأمر حتى لا يمنع عنها النفحة. لكن بعد زمن من جمع القروش، عاد زوجها من العمل من المصبنة ووجدها تنتف ريش أربع أوزات في قدر نحاسي وفي قدمها خلخال ذهبيّ، قال لها إنه لم يملك يومًا ثمن ما تفعله أو ترتديه، وهددها بالطلاق إن لم تخبره من أين تأتي بالأموال فاضطرت لإفشاء سر ملاكها الحارس، ومن وقتها وهي تحلم كل يوم بهذا الملاك يبكي وتستيقظ على ملمس الملاءة بدلًا من برودة القروش. يمكنني الآن القول إنني لم أكن خائفة من بطش مُتوقع من أبي، إنما خفتُ أن تختفي أرض البوص إن حكيت عنها لغريب، ولم أرد أن أحلم بأخي وهو يبكي.
بعد عدة أيام، انتظم حال اللعب ولم تزرنا ولاعات أو حقن جديدة، لكننا وجدنا أبناء أحد عائلات العرب أمام السقيفة، سألونا بشكل عدائي إن كان بإمكانهم اللعب معنا؛ لا أحد يعرف على وجه التحديد مَن أخبرهم أننا نلعب هنا، لكننا قبَلنا، لا يسعنا أن نرفض أطفالًا مثلنا يريدون اللعب حتى وإن كان الفقر معقود بشباشبهم.
وفي مرة نبش عيل منهم الأرض فوجد جثة حالتها تدل على أن الروح غادرتها من بضع ساعات. ومن بعدها قامت الدنيا ولم تقعد. لم يُبلغوا الشرطة بالطبع لأن وقتها لم يكن من قوانين أي مكان يحكمه العرب أو الصعايدة أن تتدخل الحكومة في شؤونهم. عُقدت اجتماعات بين كبار عائلات العرب لفهم ما يجري، تبيّن بعد البحث أن الجثة تخص شابًا مَن الذين يضربون حقن الهيروين، مات ودفنه أحدهم. شددوا على الجميع ألا يتكلموا في الأمر، هدأ الحال من هذه الناحية. لكن الكبار دخلوا صراعًا حول أرض البوص، طمعًا في استثمارها. بالطبع ارتبكنا، لم يكن هناك ما يمكن فعله لنلعب، ولم يكن من الحكمة تحدي أي من الكبار للعودة لأرض البوص، أو حتى تحدي الأسياخ والمقاولين والحصى والرجوع للعب في الشارع.
مرة أخرى كنا نخسر أصدقاءنا واحدًا تلو الآخر، وقلة الحيلة تبتسم لنا كآخر رفيق يمكن الارتكان عليه، لكننا هذه المرة رفضنا أن نستسلم. حاولنا تجاهل مشاعر الفقد والخسارة وكنوع من الهدنة، اقترح أخي أن نبدأ اللعب في السايبر الجديد الذي كان عبارة عن محل ضيق بثلاث كومبيوترات وإضاءة ضعيفة ورائحة غريبة وقاتمة تفوح منه، سأعرف بعد سنين أنها رائحة الحشيش. كان كل واحد منّا يجلس على كمبيوتر منفردًا، يدخل على موقع اسمه www.g9g.com عليه ألعاب بنات وأخرى للأولاد. ألعاب البنات عبارة عن تلبيس وتقليع ووضع ميك آب للعرائس. أما ألعاب الأولاد فمعظمها سباقات للسيارات أو الموتوسيكلات، أو مصارعة، وأيضًا تقليع وتلبيس العرائس مثلنا.
لكن السايبر على قدر ما كان مصنعًا لإنتاج المتعة كان يجب امتلاك ثروة لتلعب ساعتين بلا انقطاع، ثروة تعفيك من شعور أن النهاية حتى لو لم تصنعها فهي تقف بجوار كتفك تخبرك أن وقت متعتك انتهى وحان دور غيرك ليلعب ألعاب الولاد والبنات. لا يمكنني إنكار سحر تجربة اللعب عبر الإنترنت، لكني كلما اكتشفت ألعابًا جديدة أجدني أنظر لقدمي وأفتقد أن يلمس باطنها البوص بدلًا من الشبشب، أن أجلس على الأرض وليس على كرسي بلاستيك، أن تتحرك أصابعي لترسم على الرمل بدلًا من الضغط بأسهم الكيبورد. كلما نهشني الحنين للبراح أذكر نفسي أن هذا الوضع مؤقت، وأننا سنعود لنبني سقيفة جديدة، وأن أخي رسم مستقبل للعب فوق أرض البوص، ولن تضيع أحلامه في الفراغ بهذه السهولة. لكن يبدو أنني كنت على خطأ أو أنها اللحظة التي تدرك فيها أنك لم تعد طفلًا، وأن الأحلام وحدها لا تكفي لتحريك شيء على أرض الواقع، لا تستطيع أن تقف أمام خطط الكبار. في آخر مرة استطلعنا الحال في أرض البوص وجدنا مهندسين يجسون الأرض وعمال يحرقون شجر التين. نحن أبناء العجمي نعرف هذه البداية.
حاولنا البحث عن أراض جديدة لكن كلما وجد أخي واحدة اكتشف بعد يومين أن خطط التطوير ستنالها. كنا ننتقم من كل هذا عن طريق تهكير الألعاب لنفوز بسرعة، نربح هدايا افتراضية، نسجل أسماءنا في قوائم الأكثر مهارة في قتل الفراخ الطائرة في الفضاء، نحاول تجاهل هذا الكم من التغير في الشوارع وأسمائها وحدودها. داخل السايبر، نكتشف ألعاب جديدة أكثر عنفًا، نصرخ ونحاول التغلب على عدو افتراضي، وكلما فزنا شعرنا أننا على ما يرام، أننا مازلنا نلعب. حتى الأن كلما رأيت أحدًا مندمجًا في لعبة ما عبر الانترنت، يصرخ ويسب عندما يخسر، أعرف أنه مر بلحظة هزيمة مثلي أنا وأخي، لحظة أدرك فيها أنه أصغر من أن يتمرد. وإنه ربما كان يملك أرض البوص التي تخصه لكنها تغيّرت وصارت شارعين مثل أرضنا.
عندما سألت أخي الأصغر، الذي لم يلعب في الشارع، بعد سنوات من انتظامه في النادي عن مشاعره تجاه عدم لعبه في الشارع استنكر سؤالي، قائلًا إنه يلعب بالفعل. لكنني أخبرته أنه يتمرن لا يلعب، اللعب ليس به جداول ولا خطط. لكنه أصرّ أن للعب سيناريوهات معروفة: على الآيباد/ الموبايل/ اللابتوب، أو في النادي، أو بتأجير ملعب كرة قدم ساعة أو اثنتين. لكنني أردت أن أعرف إن كان عنده بدائل جديدة للعب البنات بعيدًا عن هذه السيناريوهات، أو ممارسة رياضة، فقال: «طالما البنت لا تهوى الرياضة، فما حاجتها للعب! اللعب في الشارع سرسجة.» و#سلام.
*اعتمدت كاتبة هذا العدد من ديتوكس، على قراءة عدة مصادر منها كتب «حكايات من دفتر الوطن» لصلاح عيسى، والجزء الرابع من «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» لعبد الرحمن الجبرتي، و«تغيّر العقل، كيف تترك التقنيات الرقمية بصمتها على أدمغتنا» لسوزان غرينفيلد، فضلًا عن مقال حول تاريخ الرصاصة التي عثرت عليها، ونرشح تلك المصادر للقراءة خلال الويك إند.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن