هل ينبغي لليسار أن يتعلم من النسوية؟
لليسار والنسوية تاريخ طويل من مراحل التقارب والتباعد، تذهب سينثيا أروتزا في العنوان الفرعي لكتابها «علاقات خطرة» إلى تسميتها بـ «زيجات وطلاقات الماركسية والنسوية»، وهو تعبير ربما عن مدى حميمية التقارب، ومدى صعوبة القطيعة. وتقول شهرزاد موجاب إن «الماركسية والنسوية لم تكونا يومًا متباعدتين، في جانبهما النظري، كما هما اليوم». ويمكننا أن نضيف أنه في الواقع اليومي لم يكن اليساريون والنسويات أقرب إلى التشاحن المستمر مما هم اليوم. تكرار المعارك بين الطرفين يستحيل تقريبًا تجنبه، ففي النهاية، سواء ارتضيا ذلك أو أنكراه، كلاهما يتحرك في مساحات مشتركة، لا يمكن لأي منهما طرد الآخر منها، كما لا يمكن له أن يتخلى هو نفسه عن الوجود فيها.
تتعلق المساحات المشتركة التي أشرت إليها بمفاهيم عامة تعد ضرورية لكلا الحركتين اليسارية والنسوية. وتدور المعارك بين الطرفين عادة حول اتهام مباشر أو ضمني لأيهما بتخليه عن أحد هذه المفاهيم في الممارسة العملية. المثال الأبرز هو مفهوم التقدمية. فاليسار يعرف نفسه كتقدمي في مواجهة اليمين المحافظ والرجعي بالتعريف. كما أن النسوية تعرف نفسها بالتقدمية في مواجهة المجتمع المحافظ الذكوري والأبوي والوصائي بالتعريف أيضًا. ويقع الخلاف بشكل متكرر عندما يوجه أي من الطرفين إلى الآخر اتهامًا يشكك في تقدميته، وإن كان الاتهام بالطبع لا يقدم بهذه الصورة المباشرة، كما أن من يوجهه يتجنب عادة تعميمه.
في الحالة المصرية يصبح تجنب المساحات المشتركة أكثر صعوبة، لأنها في الحقيقة المساحات الوحيدة المتاحة للطرفين، ففي نهاية المطاف، المساحة التقدمية في مصر، ضيقة للغاية بحيث لا تجمع اليسار بالنسوية فقط، وإنما تجمعهما بممثلي أطياف مختلفة من الليبرالية، إلى جانب قوميين وناصريين، بل وأحيانًا إسلاميين معتدلين. ولكن بخلاف شركاء المساحة التقدمية الآخرين، ليس ثمّة ما يمنع بأي حال أن يكون أحدهم أو إحداهن يساريًا/يسارية، ونسوي/نسوية في نفس الوقت، ولذلك تبدو المشاحنات المتكررة، في أغلب الأحيان، داخلية وفوضوية، ويصعب فيها تحديد انحيازات كل فرد، خاصة أن كان من يختارون التعبير عن آرائهم علنًا لا يرغبون فعليًا في كشف انحيازهم، أو ربما ليسوا منحازين حقيقة لأي طرف في ما يخص موضوع المشاحنة نفسه.
الأهم هو أن مقتضيات التعايش في مساحة محدودة، لا تسمح عادة بأن تتطور أي مشاحنة إلى الخلافات النظرية الحقيقية بين الطرفين. ومن ثم تظل النقاشات سطحية حتى إن اصطنعت العمق باستخدام مصطلحات معقدة وإحالات ثقافية نخبوية. كما أن أي من تلك المعارك لا يصل مطلقًا إلى نهاية حاسمة، فهي أشبه بمباراة بالنقاط، تعتمد على مدى تجاوب الجمهور المحدود مع ما يطرحه أي من الطرفين، وحيث إن كل طرف يمكنه أن يختار الجمهور الذي يعتد بحكمه، فكلاهما يخرج من كل معركة بشعور مختلط من الانتصار وعدم الرضا في نفس الوقت. الأسوأ هو أن أحدًا لا يشعر بالحاجة إلى مراجعة مواقفه، وهو ما يترك الجميع في نفس النقطة التي كانوا فيها قبل المعركة الأخيرة، ومن ثم على أهبة الاستعداد لخوض أخرى، لا شيء فيها جديد. فالاتهامات في الاتجاهين هي نفسها وتصاغ باستخدام نفس العبارات، ومسار المعركة معروف سلفًا كنص مسرحية يتناوب أبطالها أداء أدوارهم، كما كُتبت لهم، دون تعديل.
ثمة بدائل كثيرة لمفهوم التقدمية، يمكن أن نعتبر أي منها هو الأرضية المشتركة التي تدور عليها المعارك المتكررة بين وجهتي نظر يسارية وأخرى نسوية. وثمّة كذلك مقاربات عدة لمحاولة الخروج من الدائرة المفرغة لهذه المعارك المتكررة، التي لا يخرج أي من أطرافها منها بفائدة تُذكر. ولكنني هنا اختار التقدمية تمهيدًا لاختيار مقاربة تبدأ بمراجعة هذا المفهوم كما نستخدمه بشكل مباشر، أو كما نشير إليه ضمنيًا، عندما نستخدم مصطلحات نقيضة له مثل الذكورية والأبوية والرجعية.. إلخ. والسبب في اختيار هذه المقاربة هي قناعتي بأن استعادة تعريف أكثر وضوحًا لمفهوم التقدمية يمكن أن يسمح له بأن يكون معيار تقييم مناسب للأفكار والممارسات، التي تدعي طيلة الوقت أنها تعبر عن موقف تقدمي.
التقدمية كمفهوم سياسي
التقدمية كمفهوم سياسي، هي رفض استمرار أي وضع قائم يفرض على أي فئة من الناس معاناة لا يمكنهم تجنبها. التقدمية بهذا المعنى لا تتعلق بالجديد في المطلق، ولا تنطوي بالضرورة على غاية محددة تعتبر كل خطوة في اتجاهها تقدمًا، كما أنها لا تعني من حيث المبدأ رفض (كل) وضع قائم، وإن كانت التجربة العملية قد أثبتت أن العلاقات الوثيقة والاعتماد المتبادل بين الأوضاع القائمة في أي بناء اجتماعي، تفرض الانتقال من رفض استمرار وضع قائم إلى رفض غيره وهكذا. هذا التطور التدريجي لاستكشاف روابط الأوضاع، أو لنكون أكثر دقة، المنظومات والبنى الاجتماعية، القائمة ببعضها البعض، له أثر مهم في تراوح العلاقات بين الحركات الاجتماعية التقدمية، وخاصة بين اليسار والنسوية، ما بين التقارب والتباعد.
الإشارة إلى أن التعريف السابق سياسيًا ضرورية، لأن بدونها لا يوجد أي ضرورة لربط التقدمية برفض المعاناة. وتاريخيًا ارتبطت جميع الحركات التقدمية برفض أي تبرير لمعاناة البشر، أو اعتبارها طبيعية، أو تحميل المسؤولية عنها لمن تقع عليهم. هذه جميعها مبادئ تشكلت من خلال الممارسة السياسية ولا علاقة لها بالمعنى اللغوي للمصطلح ولا لأي استخدام غير سياسي له. من المهم أيضًا الإشارة إلى أن النشأة التاريخية لليسار ارتبطت تحديدًا باتخاذ الموقف التقدمي في عمومه، أي برفض المعاناة المفروضة على الناس.
تشكل اليسار في بداياته حول مسارات لتعريف جذور المعاناة في المجتمع، وتبلورت هذه المسارات في البداية حول نشأة الدولة الحديثة، ثم بشكل أكثر وضوحًا حول نشأة الرأسمالية. الموقف اليساري التقدمي الذي تمسك بربط المعاناة في المجتمع بالتدخل المتزايد للدولة الحديثة في شؤون مواطنيها وتجريدها لهم من حريتهم الطبيعية (حسب تعبيرات العصر)، ثم أضاف ربط المعاناة بالاستغلال الرأسمالي هو موقف الأناركية بمدارسها المختلفة. لم يتمكن الأناركيون الأوائل وكذلك من يسمون عامة بالاشتراكيين الطوبويين من التوصل إلى الأساس النظري العقلاني (العلمي بلغة العصر أيضًا) لإثبات أن الرأسمالية هي نمط إنتاج قائم على الاستغلال بالضرورة. الإنجاز الأول لكارل ماركس هو توصله إلى هذا الأساس من خلال نقد مقولات ما كان يسمى حينها بالاقتصاد السياسي.
حقق ماركس بذلك عدة أمور، كان لاثنين منها أثر تاريخي لم يغب حتى اليوم. الأول أنه أتاح أساسًا واضحًا للنضال السياسي التقدمي (أي الساعي لرفع المعاناة عن الناس) يدور حول الدور المركزي للبروليتاريا، الطبقة العمالية التي أنشأتها الرأسمالية والتي تمثل التناقض الداخلي لها، ومن ثم فمصيرها، حسب المنطق الهيجلي، هو أن تنفي الرأسمالية لتنشئ الاشتراكية على أنقاضها. الأمر الثاني أنه رسخ لأولوية القاعدة الاقتصادية على أي منظومة اجتماعية بما في ذلك الدولة الحديثة، وبما في ذلك الدين، والقهر العنصري، والجندري.. إلخ. هذان الأمران لم يعرفا اليسار الماركسي وحده، فالأناركيون، ممثلو المدرسة اليسارية الثورية الوحيدة بخلاف الماركسية، قد تبنوا مبدأي مركزية دور البروليتاريا، وأولوية نمط الإنتاج، مع إضافة إصرارهم على ضرورة إسقاط الدولة كمنظومة إدارة للمجتمع منذ اليوم الأول لأي ثورة اشتراكية.
اليسار واحتكار التقدمية
السرد التاريخي السابق، مختصر إلى حد الاختزال والهدف الوحيد منه هو إبراز أمرين؛ الأول أن النشأة التاريخية لليسار ارتبطت بمسؤولية تجاه مجمل السياسات التقدمية. هذه المسؤولية لم يتغير نطاقها الشامل مع وضع الاقتصاد الرأسمالي في جذر المعاناة الاجتماعية بكل صورها، طالما لم يعتبر ذلك اختزالًا يتجاهل أية جذور أخرى لهذه المعاناة، من منطلق أن تلك الجذور الأخرى تنتمي لما يسمى بالبنية العلوية، أي تلك التي تنتجها القاعدة الاقتصادية لنمط الإنتاج السائد في المجتمع. الأمر الثاني هو أن مركزية البروليتاريا في أي مشروع نضالي تقدمي كانت ولا زالت تعني أن العمل السياسي لليسار هو حشد العمال في تنظيماتهم النقابية وفي حزبهم الثوري تمهيدًا للوصول للسلطة بالطريق الثوري. هذا بالتالي يعني أن دور اليسار هو أن يكون الممثل السياسي للعمال، وفي نسخ خلافية معدلة، للطبقات الشعبية الأخرى كالفلاحين والبروليتاريا الرثة (المهمشين).
لم ينظر اليسار يومًا إلى نفسه على أنه يمثل مصالح فئوية، فالمجتمع الرأسمالي ينقسم بالأساس إلى طبقتين، هما البرجوازية التي تمارس الاستغلال الاقتصادي، والبروليتاريا التي يتم استغلالها ومصادرة ناتج عملها في صورة أرباح. كل من لا يمكن تصنيفه بوضوح في أي من هاتين الطبقتين، هو إما طبقة وسيطة تستخدمها البرجوازية كأداة لإعادة إنتاج المجتمع الرأسمالي، أي للحفاظ على الأوضاع التي تضمن استمرار هيمنتها على المجتمع، أو هي طبقة لم يتم استيعابها بعد في المنظومة الرأسمالية وتحويلها إلى بروليتاريا (الفلاحين والحرفيين وصغار التجار.. إلخ)، أو هي طبقة تعيش على هامش المجتمع لأن الرأسمالية ليست في حاجة إلى استغلالها مباشرة.
الحركات الاجتماعية التقدمية الفئوية، تلك التي تركز مجال نشاطها حول معاناة فئة من المجتمع بصفة خاصة، لم يمثل وجود أي منها مشكلة حقيقية لليسار طالما عمل تحت مظلته، واعترف أن معاناة من يمثلهم وإن كانت تمر من خلال منظومة اجتماعية مستقلة نسبيًا، مثل منظومات القهر العنصري أو الجندري أو الجنسي، فهي في النهاية (في المقام الأخير) متجذرة في القاعدة الاقتصادية ونمط الإنتاج الرأسمالي. وفي الواقع العملي، كانت الماركسية تحديدًا طوال فترة طويلة مصدرًا لإلهام الحركات الاجتماعية التقدمية في عملها السياسي، بحيث إن كثير من الحركات النسوية والمناهضة للعنصرية والمثلية كانت أيضًا ماركسية، ولا يزال بعضها كذلك. وفي ظل وجود هذه الحركات كان من السهل توصيف غيرها بأنه برجوازي وإصلاحي ورجعي أيضًا، وفي الحقيقة يستحق كثير منها بالأمس واليوم هذه التوصيفات.
نشأت المشاكل بين اليسار والحركات التقدمية (الفئوية) عندما بدأت الأخيرة في بلورة تفسيراتها النظرية لجذور القهر الاجتماعي الذي يتعرض له من تمثلهم، والتي شككت مرة تلو الأخرى في أن تعود هذه الجذور في النهاية إلى نمط الإنتاج الاقتصادي في المجتمع. قدمت تيارات فكرية هامة، مثل ما-بعد-البنيوية، أيضًا أطرًا نظرية أمكن للحركات الاجتماعية التقدمية وخاصة النسوية أن تستخدمها لمواجهة اليسار بتحديات نظرية لا يمكن في الحقيقة تجاوزها بمجرد رفضها وإنكارها، أو باتهامها بأنها تعبيرات ثقافية برجوازية.
حتى مع وجود اتجاه يساري نحو مراجعة الأولوية المطلقة لنمط الإنتاج في تشكيل البنى الاجتماعية الأخرى، إلا أن فشل اليسار حتى اليوم، وربما عدم رغبته، في تقديم رؤية تربط النضالات الفئوية المختلفة وتجمعها في مشروع موحد، قلّص دور اليسار ليصبح في نظر كثيرين مجرد حركة فئوية أخرى، تسعى لتمثيل الطبقة العمالية حصرًا. في الواقع، لا يتخطى طموح عديد من اليساريين اليوم أفق هذا التمثيل الفئوي، برغم أنه لم يعد كاف لتشكيل قاعدة للعمل السياسي. ومع ذلك فلا يزال يساريون يستخدمون، في مشاحناتهم مع النسويات، حججًا من نوع أولويات النضال، والتي تفترض وحدة لا وجود لها، وتصلح فقط لممارسة نوع من الابتزاز السياسي للنسويات اليساريات وحدهن.
اليسار والنسوية والصوابية السياسية
الدور المركزي للطبقة العاملة تلقى بدوره العديد من الضربات النظرية، وعلى أرض الواقع أيضًا. تطور الرأسمالية في نهاية القرن الماضي قلص حجم وفعالية الطبقة العاملة الصناعية إلى حد أصبحت معه قيادتها للتغيير المجتمعي أمرًا مستبعدًا. ولكن على جانب آخر تطوير الحركات الاجتماعية الفئوية لإطار نظري لما يمكن تسميته بإعادة الإنتاج الثقافي للقهر، أسقط إلى حد كبير المسؤولية المنفردة التي افترضها اليسار للبرجوازية عن إنتاج الثقافة السائدة بالمجتمع، وأعاد توزيع المسؤولية عن إعادة إنتاج هذه الثقافة السائدة بشكل عابر للطبقات. وإذا كانت إعادة إنتاج منظومات القهر الاجتماعي ثقافيًا شرط لإعادة إنتاجها ماديًا، فإن النضال التقدمي لاسقاط منظومات القهر يضع الحركات التقدمية واليسار بينها في مواجهة المجتمع ككل. وبعبارة أخرى يواجه اليسار اليوم تناقضًا بين تقدميته وسعيه لتمثيل الطبقات الشعبية، التي لم يعد بالإمكان الزعم بأنها أقل محافظة أو رجعية عن غيرها من الطبقات، أو أنها فقط تتشبع بثقافة محافظة ورجعية تفرضها عليها البرجوازية، الطبقة المهيمنة اجتماعيًا.
بخلاف ما يحب كثير من اليساريين أن يصدقوه، فليست إعادة الإنتاج الثقافي للقهر قاصرة على اللغة واستخداماتها اليومية في المجتمع. في الحقيقة يتسع مفهوم الثقافة كما تستخدمه العلوم الاجتماعية اليوم ليشمل الممارسات المتكررة للأفراد والجماعات والتي تقوم بأمرين، فهي أولًا تعكس المفاهيم والقناعات والأفكار السائدة في المجتمع، وهي ثانيًا تعيد إنتاج هذه المفاهيم والقناعات والأفكار؛ بالتأكيد عليها بشكل مستمر، وبنقلها إلى أفراد المجتمع وزرعها في لا-وعيهم، وفي عقولهم الواعية.
وفي إطار هذه العملية لا بد أن يكون للتعبيرات الخطابية دور أساسي. تبدأ التعبيرات الخطابية، بالمسميات الشائعة والأمثال الشعبية وتمتد إلى كافة أشكال التعبير الفني المعتمدة على اللغة، وهي تعكس الأفكار السائدة في المجتمع، وتعيد نشرها بصورة تساعد على نقلها عبر الأجيال. وبالتالي فأي صراع اجتماعي يشمل بالضرورة صراعًا حول التعبيرات الخطابية لا يمكن بأي حال اختزاله في ممارسة دور رقابي على هذه التعبيرات. ومع ذلك فكثير من اليساريين يتبعون بشكل أعمى اليمين المحافظ في اختزاله للصراع حول التعبيرات الخطابية إلى ما يسمى بالصوابية السياسية. وهم يكررون بسذاجة مفرطة اتهامات اليمين للنسوية بمحاولة القيام بدور الوصي على حرية التعبير.
في حين يمكن فهم سعي اليمين المحافظ لاختزال مناهضة إعادة الإنتاج الثقافي للقهر، إلى الصوابية السياسية، فهذا أمر لا يمكن فهم أن ينجر إليه اليسار التقدمي. ولكن اليسار مكبل بالحاجة إلى الشعبوية كشرط لاستجداء تمثيل الطبقات الشعبية، ومن ثم لا يمكنه خوض صراع حول التعبيرات الخطابية يضعه في مواجهة مع الممارسات الرجعية لهذه الطبقات، خاصة وأن التراث الثقافي المحسوب عليه، والذي انبنى على نوع من التقديس للثقافة الشعبية، يعيد إنتاج هذه الثقافة في صور فنية مختلفة. على جانب آخر لا يبدو أن اليسار قادر على ملاحظة الإمكانيات النظرية التي يتيحها فهم عمليات إعادة إنتاج القهر من منظور ثقافي مادي، خاصة إذا كان لا يزال حبيس تصور سطحي وفقير للمادية، يختزلها في علاقات الإنتاج الاقتصادي، ولا يمكنه أن يراها في علاقات الإنتاج الثقافي والاجتماعي. وهو بذلك يفوت على نفسه فرصة استكشاف أرضية مشتركة للنضالات الاجتماعية، وهي مهمة ليس لدى أي حركة اجتماعية تقدمية أخرى ما يدفعها إلى القيام بها.
يبدو مزعجًا لليسار أن يعترف بأن لدى النسوية وغيرها من الحركات الاجتماعية الفئوية، ما يمكن أن يتعلمه منها، ولكن هذا بالضبط ما ينبغي لليسار أن يبدأ به اليوم إن كان يدرك أن استمرارية وجوده في حد ذاتها تستلزم أن يعيد خلق نفسه على صورة جديدة تستوعب دروس أكثر من قرن ونصف مضت، ويستعيد المهمة التقدمية في تعريفها الأصلي، وهو تفكيك عمليات إعادة إنتاج القهر. لا يحتاج اليسار في سبيل ذلك إلى التخلي بشكل كامل عن تراثه، ولكنه بالضرورة سيحتاج إلى صياغة علاقته اليوم بهذا التراث في صورة مختلفة. كما لا يعني ذلك بأي حال أن يتخلى اليسار عن انحيازه الطبقي، ولكنه سيحتاج بالضرورة إلى إعادة النظر في مفهوم التمثيل السياسي نفسه. في النهاية، ربما تمثل مشاحنات اليسار المتكررة مع النسوية، فرصة متكررة لإعادة اكتشاف الذات، فقط إن حاول البعض تخطى ما تبديه هذه المشاحنات على السطح إلى ما يتخفى خلفه.
آراء أخرى
النساء وإعادة الإنتاج في زمن العولمة
«الهجرة الجماعية للنساء أظهرت انهيار منظومة العمل الإنجابي في العالم الثالث والدول الاشتراكية سابقا»
الأمومة: إرثٌ من الأشباح
«الحراك النسوي الحالي في مصر، لا يستغل الإمكانية الكامنة في اشتباكه مع الأمومة»
للمجهولية وجوه كثيرة
«رغم الدور الذي تلعبه المجهولية في مقاومة النزعة الفردية، فإنها ليست ضامنًا للعمل الجماعي أيضًا»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد