الأمومة: إرثٌ من الأشباح
سألت ابني، ذا الأربعة أعوام حينها: «هل تدري من أحب أكثر من أي شخص في العالم»؟ فأجابني: «تيتا يا ماما». اندهشت كثيرًا، فبالطبع، مثل معظم الأمهات، هو أحب الناس لقلبي. سألته لماذا يظن ذلك، فأجاب قائلًا: «كل منا يحب أمه أكثر مما يحب أي شخص آخر بالعالم».
أُعجبت بقدرته على التصالح مع فكرة أنني لا أحبه بالقدر الذي يحبني به. ثم سرعان ما سيطر عليّ الشعور بالذنب، لكونه لا يشعر بمدى حبي له، وأنّبت نفسي كثيرًا على تقصيري في نقل هذا الشعور شديد الأهمية لنموه بشكل سوي، على الرغم من عدم شكوته. جزء مني أدرك أن ملاحظته هذه ليست إلا انعكاسًا لشعوره بالحب تجاهي، وذلك على الأرجح لكوني أمًا صالحة، إلا أنني سرعان ما نفضتُ هذه الفكرة عني، واستسلمت للشعور بالذنب، رفيقي الذي ما انفك يلازمني منذ الأيام الأولى للحمل. قلت لنفسي وقتها أن هذا الصغير حاول بجملة بسيطة تدمير تصورًا بناه المجتمع داخلي على مدار سنوات حياتي، تصورًا ألغي فيه وجودي طواعية في مقابل وجوده، إثباتًا لكوني أمه التي تحبه، سواء كان هناك حاجة لهذا الإلغاء أم لا.
احتمالية أن أمي كانت على علمٍ بحب كل منا لأمه أكثر مما تحبه أرعبتني أيضًا، فأنا لم أشك أبدًا أو لم تراودني حتى خاطرة بأنها تحب أحدًا ما أكثر مني. أدركت وقتها أنه لا يمكن لي فصل أمومتي لابني عن بنوتي لأمي، وأخذت أفكر هل أنا أم متفانية كأمي، أم أني أنتمي لجيل أكثر حظًا من الأمهات، اكتسبن بعض الحقوق التي تمكنهن من الإبقاء على ذواتهن كنساء على قيد الحياة.
إعلان الوفاة
في كتابها «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها»، تقدم الشاعرة إيمان مرسال، طرحًا لأمومة غير شائعة، أمومة تعبر عن لحظات الرعب والصراع والشك والتوتر والصدمة داخل الأمومة، وتطلق عليها «أمومة الهامش» التي تكاد تقع موقع التضاد من «أمومة المتن»، أو تلك الأمومة التي تكوَّنت على مر التاريخ عبر الخطابات الدينية والفلسفية والقيم المجتمعية، التي تنظر للأمومة، على أنها الوظيفة الطبيعية للنساء، وتصب اللعنات على من تخرج عن إطارها أو حتى على من تقدمُ على هذه الوظيفة في إطار مخالف لإطار إيثار الغير وإفناء الذات الذي يطرحه هذا المتن.
عندما قرأت «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» لأول مرة، كان طفلي لا يزال ينمو بداخلي، ولكن، حتى مع كونه موجودًا فقط بداخلي، إلا أني أدركت منذ الأيام الأولى للحمل انتقالي كشخص من متن وجودي إلى هامشه. فسّرت لي إيمان مرسال شعوري الدفين بالغضب في تلك الفترة، كلما تجاهل أحدهم وجودي وسألني تو رؤيتي «كيف حال الجنين»؟ أتذكر جيدًا ردي العدواني ذات مرة على أمي «لا أعلم! ربما عليك سؤاله هو»، فإعادة أمي لترتيب أولوياتها بالسؤال عن الجنين أولًا ثم عني، لكون صحتي وسلامتي من ضرورات صحة وسلامة هذا الكائن بداخلي، لخصت صراعًا، يتصاعد بداخلي، كلما كبر حجم هذا الجنين. أدركت وقتها إدراكًا منقوصًا أنه حتى من كنت أظن أنني الحياة بالنسبة لها، أن تلك المرأة التي ظننت أنها انزوت للهامش طواعيةً، وربطت وجودها كله باحتياجاتي ورغباتي وأولوياتي أنا، تسحبني الآن لأقبع معها في ذلك الهامش، وأشاركها في تقديم حياة أخرى على حياتها وحياتي.
هكذا قرأت أمومة المتن وأمومة الهامش، لدى إيمان مرسال، في أول مرة؛ ركزت فقط على العنف الوجودي الذي شعرت أن كل من حولي يمارسونه ضدي، وكأنهم لن يروني امرأة كاملة، إلا إن أعلنت طواعية وفاتي كإنسانة منذ اللحظات الأولى للحمل. لم أعلن وفاتي حينها، لكنني أدرك الآن أن لهذا ثمنًا فادحًا، فحتى أضمن بقائي على قيد الحياة، وُلد بداخلي شعورًا جديدًا مسيطرًا لا يفارقني يومًا منذ ميلاده، شعورًا مقيمًا بالذنب. تفاقم هذا الشعور كثيرًا حتى كاد يبتلعني عندما أبى جنيني أن يظل بداخلي حتى يكتمل نموه، وقرر -أو هكذا رأيت حينها- أن يعمق هذا الشرخ الداخلي، ويخرجُ إلى دنيانا في شهره السابع، رافضًا -هكذا فسرتها أيضًا- أن يخرج ليستقر بحضني، ويمضي أسابيعه الأولى في الدنيا في حضّانة المبتسرين، معلنًا رفضه لتلك الشروط التي وضعتها للإبقاء على وجودنا معًا. ظننت حينها -ولا زلت أفكر في ذلك أحيانًا- أنه تأذى من رفضي لانتقال للهامش، فحاول إنهاء حياتي بولادة عسيرة كدت أفقد فيها حياتي، بل وأفقده هو أيضًا.
أشباح عديدة، أقساها الفطام
«لماذا خلق الله المرأة»؟، تكرر هذا التساؤل بيني وبين أمي. كنت في البداية أضحك قليلًا، حتى أدركت مدى جدية تساؤلها، ففي هذا التساؤل كان يكمن أحد أشباحها العديدة. ظللت أتساءل كثيرًا عما تقصده أمي، تلك الحنونة، العطوفة، المتفانية التي علمتني كثيرًا عن الإيثار والتضحية الدائمة، حتى في تلك المواضع التي لم تكن هذه القيم ضروريةً فيها. ظللت شهورًا بعد فطامي الإجباري منها بوفاتها، أبحث عن إجابة، بلا طائل. فقط عند قراءتي لمذكرات إدوارد سعيد «خارج المكان» التي لعبت فيها أمه هيلدا دور مركزيًا في حياته، أدركت مدى قصور رؤيتي لأمي. أدركت أني كنت قد كيّفت السؤال حسب رؤيتي لأمي، وليس حسب رؤيتها لنفسها. لم يكن سؤال أمي متعلقًا بي، كان يدور حولها هي كامرأة وليس كأم. يبدو ذلك قاسيًا لي بعض الشيء، فهذا التساؤل يدور حولها هي، بعيدًا عني أنا؛ محور حياتها الذي يُفترض أنها أفنت نفسها فيه ولم يعد لها وجودًا إلا في إطاره! لم يسعفني اتساع فهمي للدور النمطي الذي رسمه المجتمع بكل أدواته، بداية من العلوم الطبيعية متمثلةً في الطب، التي تتعامل مع النساء على أنهن مجرد أوعية، وانتهاءًا بالمؤسسات الدينية التي تسمينهن أوعية بشكل أكثر مباشرةً. حين واجهتني أمي بكونها امرأة، وليست فقط أمي. لم أتمكن من استخدام هذا «الوعي» في التعاطف مع أمي في إعلانها لعدم وفاتها كامرأة، فكيف يمكن لها إلغاء وجودي مرة أخرى بعد أن صارعت حتى لا يلغيه ابني؟ دفعني هذا «الوعي» لأرفض الذهاب إلى الهامش من حياتي، لكن حين اختُبرت جدية هذا الوعي، تجنبت تساؤل أمي شديد الواقعية في مجتمع علاقته بالمرأة شديدة التعقيد، وأصريت على الدفع بأمي إلى هامش حياتها وطالبتها بأن تسكن فيه أبدًا، راهبةً متعبدةً في محرابي.
تمامًا مثل إدوارد سعيد، كنت أدرك مدى تركيب العوامل التي جعلت أمي من هي عليه، وإن لم تكن أمي تشبه هيلدا في تسلطها وفرضها لسيطرتها على الشؤون الداخلية في حياة سعيد وأخوته، أو حتى في محاولاتها الحثيثة على نقل الذنب الأمومي لسعيد ذاته. لكن هذا الإدراك خانني عندما تساءلت أمي عن كينونتها هي، في حياتها هي. لم أدرك أن أمي، الطبيبة البارعة التي تملك كل المخولات التي تضمن لها وجودها المستقل -امرأة مُمَكنة حسب الوصف الدارج في عالم التنمية- كانت تصارع مثل هيلدا صراعًا خفيًا. هيلدا آثرت السيطرة على أطفالها، وتذمرت علانية من محاولات سعيد لفطام نفسه منها، غالبًا لإدراكها أنها تستمد قيمتها منه بشكل أساسي، كونه ابنها الذكر الوحيد. وأمي آثرت أن تساعدني على أن أفطم نفسي منه، وألا استمد وجودي منها، وربما كمُن وراء محاولاتها الحثيثة كي أنال استقلاليتي عنها، صراعًا وجوديًا، ضغط على أمي تارة كي تعيد اكتشافها لنفسها كامرأة، قبل أي شيء، ودفعها لعرقلة هذا الفطام تارة أخرى، حتى دون وعي منها. ولذلك، خلفت محاولات الفطام تلك آلامًا وأحزانًا رأيتها على وجه أمي جلية. وعلى الرغم من هذا الحزن المعلن عن نفسه في طيّات وجهها بسبب فطامها ليّ، إلا أنني لم أشعر بالفطام عن أمي وغربتي الجديدة إلا بوفاتها، تمامًا مثلما يذكر رمضان البرنس في مواله عن الأم: «بعد الحبيبة مفيش أحباب، ما حد دق علينا الباب، خلي علينا البيت وراح الحضن وبعد منها بقينا أغراب». لا يخفى عني هنا أن فطام أمي لي لم يدفعني لفطام نفسي عنها وأني استمريت في النظر إليها فقط باعتبارها أمي التي عليها الفناء من أجلي فيذوب وجودها في وجودي ويمنحني وجودًا إضافيا، حتى أنني -بعد وفاتها وفنائها حرفيًا- لا زلت أشعر تجاهها بالغضب أحيانًا، لتركي دون أن تدق عليّ الباب، لترك وجودي منتقصًا.
تتشارك هيلدا مع أمي في الحزن من الانفصال عن أطفالها، وترعبني من الآن كأم تلك اللحظة التي سأضطر فيها لمواجهة هذا الانفصال عن ابني، فمهما بلغت درجات وعيي بكل هذا التركيب، لا زالت أمومة المتن، التي تضع الأمومة في طور أحادي، يُعطي دون انتظار مقابل، يضحي دون الحاجة لذلك، يُفني ذاته في الآخر، لا زال هذا التصور عن الأمومة يسيطر عليّ في كثير من الأحيان، ويخلف بداخلي حزنًا شديدًا على مستقبل سأصارع فيه حتمًا لعدم إعلان وفاتي مرة ثانية، بمجرد انتهاء دوري الرعوّي وانفصال ابني عني. لم توضح لنا أمومة المتن بكل الأدبيات التي كُتبت فيها ما يجب علينا فعله كنساء عند انتهاء دورنا كأمهات، وتركتنا معلقات. محظوظات قليلات هن اللواتي تواتيهن الفرصة لمعرفة أن هناك أمومة أخرى، لا زالت تكمن في الهامش من الأدبيات والمؤسسات، وحتى من النضال النسوي ذاته، حيث من الممكن الإقرار بأن الأمومة تجربة شديدة الخصوصية، رحلة فردية تتفاعل فيها الأم مع الطفل/ة، وينتج عن هذا التفاعل تجربة قد تتماثل مع غيرها في نقاط عدة، لكنها أيضًا تختلف عن غيرها كثيرًا. وهنا يأتي دور الهامش في طرح سردية بديلة للأمومة أكثر اتساعًا وقدرة على التفاعل مع تلك الاختلافات. هنا يجب أن يلعب الفكر والحراك النسوّي دورًا مُؤسِسًا، دون التخوف من أن منح الأمومة بعض التركيز قد يحشرنا في منطقة تستخدم في التدليل على عدم أحقيتنا في المساواة مع الرجال.
100 عام من العزلة
كنت أقف دائمًا عند هذا التخوّف لدى الحركة النسوية في الغرب، من الربط بين الأمومة وغياب المساواة المنشودة، وكنت أتساءل عما يجب أن نفعله بكل أولئك الأمهات إذًا إن كان علينا تجاهل أمومتهن التي يصر الجميع، على أنها سبب وجودهن ورسالتهن الأساسية في الحياة؟ لا أدري كيف وصل بهن الأمر كنسويات للوقوع في مأزق أن يكون تفكيرهن شديد التشابه في نفيه للأمومة كبعد أصيل في حياة أولئك الأمهات، تمامًا مثلما نفى الفكر السائد كونهن أي شيء آخر سوى أمهات، بشكل يدفع الكثيرات إلى الشعور بالوحدة المريرة.
أمّا وقد أصبحت أمًا، أدركت تمامًا بعدًا جديدًا فرضته الأمومة، وهو بُعد العزلة، أو ما أسمته إيمان مرسال «الخبرة المغلقة على نفسها». لم أرغب أبدًا في مشاركة تجربتي كأم مع الآخرين من باب الحكي؛ كنت أبحث باستمرار عن مساحة توفر لي تحليل هذه الخبرة وتعقيداتها وعلاقة ذلك بالمجتمع والبنية الاجتماعية ككل. وصرت أتساءل، كيف يمكن فرد مساحة أوسع لهذا الهامش حتى -على أقل تقدير- يصبح جزءًا من المتن السائد في المجتمع؟. ما زلت أتساءل، في مجتمع يُعلي من قيمة الأمومة بشكل يسحق النساء بالكامل، كيف تكتفي الدراسات النسوية بطرح مسطح يكاد يكون كل الطائل منه هو نفي أهمية الأمومة كتجربة شديدة التعقيد، ويتركها، مرة أخرى، للتصورات النابعة من أمومة المتن؟. أتذكر هنا استنكار صديقة سابقة لردي حين راسلتني لتطمأن عليّ وابني لم يبلغ عامه الأول بعد، فقد أجبت حينها بأننا أخيرًا بخير، انت تعلم جيدًا معاناته بسبب صغر حجمه كونه مولودًا مبتسرًا. تأففت بوضوح وقالت أنها لم تسأل عنه هو، بل سألت عني أنا، وأخبرتني أني أصبحت مثل تلك الأمهات اللاتي تكرههن لأنهن يلغين ذواتهن بمجرد الولادة. حينها، بدت لي معركة وقت الحمل لعدم إعلان وفاتي أثناء الحمل شديدة السذاجة، فالأمر ليس بتلك البساطة. أدرك الآن أنها كانت معركة ضرورية، وأن أمومتي تجربة شخصية غير منفصلة عن العوامل التي تشكلها؛ وهي عوامل مركبة، فقد ألغي وجودي طواعية في بعض الأحيان وقد أثور تمسكًا به أحيانًا أخرى، وأن جزءا من الإشكالية تكمن في النظر للأمومة بمنطق أحادي موازي لذلك المنطق الكامن في المتن.
الحراك النسوي الحالي في مصر، لا يستغل الإمكانية الكامنة في اشتباكه مع الأمومة، ويفتقر إلى الوعي بالدور الذي يمكن أن يلعبه بمثل هذا الاشتباك. قد يرجع ذلك لكونه حراكًا مقتصر على تجارب أفراده وتفكيرهم، من موقع امتيازاتهم، أو حتى لعدم رؤية أهمية الأمومة كقضية، رغم كون الأمومة فرض عين على الغالبية الساحقة من نساء منطقتنا، وقليلات فقط يتمكن من رفضها أو حتى التفاوض بخصوصها. يغيب عن النقاش المتصدر الحراك النسوي حاليًا هذا الدور الذي تلعبه الأمومة كمكوّن أساسي للأسرة التي تلعب دورًا محوريًا في حياة المواطن، الذي لا يجد شبكة أمان سواها يلجأ لها في مواجهة المرض وكبر السن والفقر وغياب أي معالم واضحة للمستقبل. وذلك رغم أن الدولة معنية بتلك الأمومة بشكل معلن، وتوجه خطاباتها للنساء طوال الوقت أن يقمن بالإنجاب وبناء الأسر، بل وتعدهن في الدستور بحمايتهن من شتى أشكال العنف، وتربط ذلك بشكل غير مباشر بقيامهن بواجباتهن تجاه تلك الأسر، ثم سرعان ما تذكرهن في حملاتها لتنظيم الأسرة، بأن يتحكمن في عدد أفراد تلك الأسر، حتى لا يرهقن الحكومة بطلباتهن وتعدهن بالمكافأة حال استخدامهن لأرحامهن عددًا محددًا من المرات لا يتجاوزنه. تتوجه الحكومة في معظم خطاباتها حول تنظيم الأسرة وتوقيف «الانفجار السكاني» للنساء أو الأمهات، في غياب للآباء يماثل غيابهم عن لعب أي دور في رعاية الأطفال، وهو نفس الغياب الذي تجلى عالميًا في فترة وباء الكورونا، حين طُلب من الأمهات القيام بجميع الأدوار في مؤسسة الأسرة، ومؤسسة التعليم، مع الحفاظ على دورهن في العمل، وكسب المال، أو التضحية بمصادر دخلهن للعب دورهن «الطبيعي». حتى في محاولاته المحدودة للاشتباك مع ملف العمل غير المأجور، لم يتعمق الحراك النسوي المصري في اشتباكه مع الأمومة، إلا بشكل سطحي، يساهم في عزلة الكثير من الأمهات، واستسلامهن لأمومة المتن والذنب المقيم الذي تفرضه عليهن. هناك الكثير من الملفات التي تتطلب نظرة مختلفة، وأكثر تعمقًا واتساعًا للأمومة، كبعد تقاطعي لا يجب إغفاله في حياة الكثير من النساء في منطقتنا. تبدأ تلك الملفات بملف العنف الجنسي، الذي يشغل الحراك النسوي في مصر حاليًا، وتتفرع وصولًا إلى أشكال أخرى من التمييز، على رأسها التمييز الاقتصادي، فالأمومة وأعبائها تختلف باختلاف كل طبقة وما يتاح لها من موارد وحريات.
أشباح غائبة حاضرة
خلص إدوارد سعيد، في وصف نفسه بالنسبة لأمه بالآتي: «أضحيت أداتها في التعبير عن نفسها وتطوير نفسها فيما هي تكافح ضد إرادة أبي الحديدية التي لا تلين والتي تكاد تكون خرساء». هنا يلخص سعيد نقطة، في رأيي، محورية وغائبة عن العديد من الأدبيات التي تناقش الأمومة، حتى النسوية منها، وتضعها في إطار رحلة نضال لزيادة مدة إجازة الوضع. هنا، يربط سعيد بكل وضوح بين علاقته شديدة التركيب بأمه، تلك العلاقة التي شكلته أكثر من علاقته بأبيه، حتى أن علاقته بأمه كانت حاضرة ومسيطرة في علاقاته مع النساء، وعلاقة أمه بأبيه.
تمامًا مثل سعيد، تعاطفت مع أمي في محاولاتها للتفاوض من أجل مساحة أكبر لنفسها، وحاولت مساعدتها طوال سنوات إدراكي وربما قبلها، وتمامًا مثله فعلت ذلك فيما أدرك الآن أنه نفس النسق الذكوري، الذي ولّد العوامل التي جعلتها في حاجة للصراع من الأساس، ونحيت أبي جانبًا وأنا أتأمل علاقتي بأمي، على الرغم من كونه دائم الحضور، حتى حين بدا غائبًا، تمامًا مثلما نحّى رمضان البرنس الأب -على الأرجح دون عمد، لكن بشكل دال- عن لعب أي دور في مواله قائلًا: «لا عطف خالتي رضاني ولا حنان عمي» ثم لاحقًا «من غير الأم، حالنا يغم، لا خال ولا عم بيشيل الهم»، فالجميع حضور إلا الأب.
في رأيي، لا يمكن دراسة الأمومة وتحليلها دون النظر إلى الذكورة -ليس فقط الأبوة- والعلاقات المركبة بين الأمهات وأزواجهن أو شركائهن، ومساحات السيطرة التي تحاولن التفاوض من أجل الحصول عليها، في كثير من الأحيان على حساب الأبناء والبنات، ممن يجدون أنفسهم في منتصف صراعات تربكهم، لكونهم طرف مقحم فيها، صراعات تشكل رؤيتهم للأشياء والمساحات التي يتحركون فيها، وبالتالي تصبح جزءا أصيلًا منهم، يأخذونها معهم أينما ذهبوا، تمامًا مثلما أخذها سعيد معه في غربته. هذه الصراعات التي تشكل ديناميكيات الأسرة -معشوقة الدستور المصري- تحتاج إلى جهد نسوي حقيقي، يعمل على دراستها وفهمها وتفكيكها، آخذًا في اعتباره ذاك الحاضر الغائب، وملتفتًا إلى أهمية دراسة الذكورة، وكيف يتم تشكيلها في مجتمعاتنا، وكيف تؤثر بدورها على تجارب الأمومة المختلفة. هناك حاجة لوجود مساحة تسمح بجمع تلك التجارب المتعددة والمتنوعة، ونقلها من الهامش، لتصبح هي المتن السائد، مُشكلة متنًا جديدًا يسمح للأمهات بالإبقاء على ذواتهن على قيد الحياة، في مجتمع يأبى إلا أن يهمشهن تمامًا، حتى وإن كان يعتمد على دخلهن في مجابهة وضع اقتصادي شديدة القسوة، وحتى وإن كان يعتمد على جهدهن الرعوي بشكل حصري في الإبقاء عليه على قيد الحياة.
آراء أخرى
النساء وإعادة الإنتاج في زمن العولمة
«الهجرة الجماعية للنساء أظهرت انهيار منظومة العمل الإنجابي في العالم الثالث والدول الاشتراكية سابقا»
للمجهولية وجوه كثيرة
«رغم الدور الذي تلعبه المجهولية في مقاومة النزعة الفردية، فإنها ليست ضامنًا للعمل الجماعي أيضًا»
من وراء الشاشة: النسوية والأمل في 2020
«التشابه بين حدث 2011 وما يحدث الآن من تحرك وضغط نسوي هو فقط الشعور بالأمل والاحتمالات الممكنة.»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد