تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

هل تنجح القاهرة في إتمام اتفاق بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل؟

محمد سعد عبد الحفيظ
9 دقيقة قراءة
هل تنجح القاهرة في إتمام اتفاق بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل؟

بعد فشل جولة المفاوضات بين الفصائل الفلسطينية التي كان من المفترض عقدها بالقاهرة في يوليو الماضي، تبدى أمام المسؤولين المصريين الذين وجهوا دعوة «الحوار الوطني»، خيارين، الأول: انتظار ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل وإتمام المصالحة شاملة قبل الشروع في التفاوض مع إسرائيل على القضايا التي خلفتها عملية «سيف القدس» الأخيرة. والثاني، القفز على خلافات الفصائل مؤقتًا، والبدء في مفاوضات غير مباشرة مع حكومة نفتالي بينيت للوصول إلى تصور بشأن ملفات تثبيت الهدنة وإعادة الإعمار وتبادل الأسرى.

تحركات مصر خلال الأسابيع الماضية، بدا منها أنها مصرة على إنجاح اتفاق بين فصائل المقاومة وإسرائيل لإتمام ما بدأته في مايو عندما نجحت جهودها مع وسطاء إقليميين ودوليين في وقف إطلاق النار بين الجانبين، وبالتوازي عملت على «تبريد» الأزمة الفلسطينية الداخلية حتى لا تؤثر على سير المفاوضات بين الفصائل وتل أبيب.

في يونيو الماضي، أعلنت مصر عن تأجيل موعد حوارات الفصائل الفلسطينية التي كان مقررًا عقدها بالقاهرة «إلى أجل غير مسمى بسبب انشغالات السلطة المصرية بأمور أخرى»، بحسب ما تم الإعلان عنه حينها. لكن الواقع أن لقاءات الفصائل تأجلت بسبب التباينات الواسعة بين وفدي حركتي فتح وحماس حول ملفات الانتخابات والمصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام وإعادة إعمار غزة.

لم تعلق القاهرة حينها على ما وصفه مراقبون بـ«فشل المحادثات بين الفصائل»، وفضلت أن تعلن أنها ستستأنف الاجتماعات في وقت لاحق، بهدف «منح الفصائل مزيدًا من الوقت للتشاور والوصول إلى تفاهمات حول الخلافات المرتبطة بملفات جذرية، والاتفاق على الأولويات التي يجب طرحها للحوار»، وفق ما أعلن قيادي فتحاوي وقتئذ.

كان المسؤولون المصريون عن الملف الفلسطيني قد التقوا بأطراف الأزمة الداخلية قبل توجيه الدعوة إلى الفصائل لحوار القاهرة، كما أجروا محادثات مع الجانب الإسرائيلي وأطراف إقليمية ودولية. وبناء على تلك اللقاءات تم صياغة خارطة مصرية لإنهاء الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، ومن ثم البدء في مشروع إعادة إعمار قطاع غزة الذي تضرر بشكل كبير خلال معركة «سيف القدس» الأخيرة.

تضمنت خارطة الطريق المصرية، تشكيل حكومة وفاق وطني من خبراء ومهنيين يكون على رأس أولوياتها الشروع فورًا في إعادة الإعمار بالتنسيق مع الحكومة المصرية، وإجراء الانتخابات التشريعية في الضفة والقطاع، وبالتوازي يعاد تشكيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتتوافق الفصائل على مشروع سياسي مشترك.

وبالفعل وصلت وفود الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة، وظهرت التباينات بعد لقاءات المسؤولين المصريين مع ممثلي الوفود، إذ طلب بعضهم إدخال تعديلات على الورقة المصرية، فالسلطة الفلسطينية ومن خلفها «فتح» لا ترغب في إعادة تشكيل قيادة جديدة ولو مؤقتة لإدارة الشأن الفلسطيني وتعتبر منظمة التحرير بتشكيلها القائم هي القيادة الشرعية الوحيدة للشعب الفلسطيني. وهو ما رفضه وفدا «حماس» و«الجهاد» إذ كانت فصائل المقاومة في ذلك الوقت تشعر بفائض قوة وثقة إثر نجاحها في دحر العدوان الإسرائيلي على غزة، ما دفع القاهرة إلى الإعلان عن تأجيل لقاء الأمناء العامين للفصائل إلى أجل غير مسمى.

ونظرًا لتعقيدات ملف المصالحة الفلسطينية، توصلت القاهرة إلى صيغة تبدأ بمقتضاها المحادثات غير المباشرة بين الفصائل وعلى رأسها حماس وإسرائيل، على أن تناقش إمكانية الوصول إلى أي توافقات داخلية إن قنع المختلفون بضرورة التفاهم، لكن الأولوية تكون للوصول إلى اتفاق لتثبيت التهدئة وبعض القضايا العالقة مع الجانب الإسرائيلي.

ووصل إلى القاهرة الأسبوع الماضي أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس بكامل تشكيلاته في الداخل والخارج، وعقد المكتب أول اجتماع له بتشكيله الجديد في ضيافة الأجهزة الأمنية المصرية، وطرح وفد الحركة خلال اجتماع لاحق مع المسؤولين المصريين تصوراته حول قضايا «التهدئة في غزة، ورفع الحصار، وإعادة الإعمار، وتبادل الأسرى».

وتتهم حماس تل أبيب بالتلكؤ في تنفيذ اتفاق التهدئة الذي رعته مصر، لاسيما في ما يخص ملف إعادة إعمار غزة وتحسين الأوضاع الإنسانية وتخفيف الحصار. وترى الحركة أن إسرائيل تضغط على الجانب الفلسطيني بالملاحقات المستمرة واستهداف المواطنين الفلسطينيين وتشديد الحصار على القطاع، بُغية أن تقدم الفصائل تنازلات في المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها مصر.

وفد حماس وصل القاهرة، بعد أيام قليلة من زيارة لمستشار الأمن القومي الأمريكي جايك سوليفان لمصر التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي. وكان من ضمن القضايا التي نوقشت في ذلك اللقاء الملف الفلسطيني. وترغب واشنطن في إحراز تقدم على صعيد تهدئة الأوضاع وإعادة إعمار غزة وضمان حالة من الهدوء على حدود القطاع.

السيسي اتفق مع سوليفان على استمرار التشاور والتنسيق لضمان مواصلة تثبيت وقف إطلاق النار واستمرار التهدئة الحالية في قطاع غزة، كشرط لتحسين الأوضاع الإنسانية والمعيشية للفلسطينيين.

وقبيل لقاء سوليفان بأسبوعين استقبل السيسي رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت ووفدًا أمنيًا في مدينة شرم الشيخ ضم كل من السكرتير العسكري لرئيس الوزراء آفي جيل، ورئيس هيئة الأمن القومي إيال حولاتا، ومنسق شؤون الأسرى والمفقودين يارون بلوم. وتوقع مراقبون إسرائيليون حينها أن يكون ملف تبادل الأسرى هو الملف الذي طغى على اللقاء بين الجانبين المصري والإسرائيلي، نظرًا لطبيعة الوفد المرافق لبينت.

وفي اليوم التالي للقمة المصرية الإسرائيلية قال بينيت خلال لقائه بعائلة أفيرا مانجيستو، المحتجز في قطاع غزة لدى «حماس»، إنه ملتزم شخصيًا باستعادة الجنود والمدنيين المحتجزين في قطاع غزة.

وبعد أسبوع من قمة شرم الشيخ، نقلت هيئة البث الإسرائيلية «مكان» عن مصادر وصفتها برفيعة المستوى، قولها إن القاهرة تلقت رسائل وصفتها بالمفاجئة وغير المسبوقة من إسرائيل لإعادة تحريك ملف صفقة التبادل مع «حماس» بعد جمود استمر شهور.

وأوضحت المصادر أن مسؤولين إسرائيليين أبلغوا المسؤولين المصريين هاتفيًا بإمكانية عقد جلسات خاصة للتباحث في ملف صفقة تبادل الأسرى بشكل عام والشروط التى طرحتها «حماس»، مشيرين إلى أن «الوقت قد حان فعلًا لاستعادة الجنود الإسرائيليين ورفاتهم».

مسؤول ملف الأسرى في حماس، زاهر جبارين، أكد من جهته أن اتصالات الحركة من عدة جهات حول صفقة التبادل لم تنقطع، مشيرًا إلى أن مطالبها واضحة و«إذا أرادت إسرائيل أن تكون هناك صفقة فستكون من الغد»، كاشفًا أن حركته قدمت خارطة طريق لعقد صفقة لتبادل الأسرى مع إسرائيل.

وتتضمن خارطة «حماس» لصفقة تبادل الأسرى بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية نشرت نهاية سبتمبر الماضي، خيارين، يقضي الأول بصفقة تبادل شاملة يتمّ تنفيذها على مرحلة واحدة، وتشمل الإفراج عن أسرى صفقة 2011 المُعاد اعتقالهم والنساء والأطفال والمرضى، بالإضافة إلى الصادر بشأنهم أحكام كبيرة.

ويقضى الخيار الثانى بتجزئة الصفقة إلى مرحلتين، الأولى تتضمن إطلاق سراح الأسرى المعاد اعتقالهم والأسيرات والأطفال مقابل تقديم حماس معلومات حول الجنود، وتشمل المرحلة الثانية الإفراج عن الآلاف من الأسرى ذوى المحكوميات العالية، ومَن تصفهم إسرائيل بأنهم ملطّخة أيديهم بدماء الإسرائيليين، مقابل إطلاق سراح الجنود الإسرائيليين.

المسؤولون المصريون استمعوا خلال اجتماعات الأسبوع الماضي لتصورات وفد حماس حول صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل، وطرح قادة الحركة وفق ما أشارت وسائل إعلام فلسطينية وإسرائيلية إلى تنفيذ الصفقة على ثلاث مراحل، الأولى مرحلة «إثبات حسن نوايا»، تكشف فيها الحركة عن مصير الجنود الأربعة المحتجزين لديها مع معلومات تفصيلية عن حالتهم مقابل أن تفرج إسرائيل عن النساء والأطفال والمرضى المحتجزين لديها.

وتشمل المرحلة الثانية، تسليم الجنديين الإسرائيليين إفرام مانجيستو وهشام السيد مقابل إخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين المعاد اعتقالهم وعدد آخر من الأسرى الصادر بشأنهم أحكام قضائية كبيرة. وفي المرحلة الثالثة يتم تسليم رفات الجنديين الإسرائيليين هدار جولدن وأرون شاؤول، مقابل أن تطلق تل أبيب سراح باقي القائمة التي تضم أكثر من ألف أسير فلسطيني، منهم مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح وأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية وعبد الله البرغوثي قائد كتائب عز الدين القسام في الضفة الغربية ومهندس العمليات التفجيرية في الحركة، فضلًا عن الأسرى الستة الذين نجحوا في الهروب من سجن جلبوع وأعادت إسرائيل اعتقالهم وتم إحالتهم إلى المحاكمة مع خمسة آخرين تم اتهامهم بالتستر على عملية الهروب.

تل أبيب ترفض حتى كتابة هذه السطور، إطلاق سراح المقاتلين الذين شاركوا في عمليات عسكرية ضدها استهدفت عسكريين أو مدنيين أو من تصفهم «من تلطخ أيديهم بالدماء»، بحسب ما نقلته منصات إعلامية إسرائيلية عن مصادر أمنية، فحكومة بينيت تخشى من هجوم خصومها عليها خاصة أن رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو في حالة تربص دائم لها، فضلًا عن أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تتحفظ على إطلاق سراح مقاتلين قد يشاركوا في بناء قدرات فصائل المقاومة القتالية كما حدث من قبل في صفقة «وفاء الأحرار» التي تمت قبل عشر سنوات.

مصر في تلك الأثناء تحاول تقريب وجهات النظر، فضلًا عن أن واشنطن تمارس ضغوطها على جميع الأطراف، حتى يتفق على تهدئة طويلة الأمد والبدء في عمليات إعادة الأعمار.

وحسب ما أعلنته وسائل الإعلام الفلسطينية والإسرائيلية فإن المحادثات الجارية في القاهرة سينضم إليها وفدي حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كما ستجرى مباحثات منفصلة مع وفد أمني إسرائيلي، وهو ما يعني أن المفاوضات تتحرك إلى الأمام.

وعلى مسار الخلافات الفلسطينية الفلسطينية نجح المسؤولون المصريون في إقناع وفد حماس بقبول صيغة للمصالحة على أساس بناء «قاعدة للشراكة»، وطُلب من قادة الحركة وقف الانتقادات التي توجه إلى الرئيس محمود عباس وسلطته.

حماس من جانبها أشارت في بيان صدر عنها إلى أن المدخل الصحيح لتحقيق الوحدة هو إعادة بناء منظمة التحرير وتشكيل قيادة وطنية جامعة للشعب الفلسطيني، وأكد البيان على «حرص الحركة وتمسكها باستعادة الوحدة وإنهاء الانقسام، وترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، وضرورة انعقاد الانتخابات لتوحيد الفلسطينيين».

مصر حرصت على إطلاع السلطة الفلسطينية بما دار في المشاورات مع حماس، وأبدى الرئيس الفلسطيني خلال اتصاله بالرئيس السيسي «جاهزيته للعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية يقبل جميع أطرافها بالشرعية الدولية».

واتخذت مصر خطوات مبدئية لرفع الحصار المفروض على القطاع، إذ سمحت بإدخال مواد وسلع إلى غزة، حسب ما أعلن أسامة كحيل عضو الوفد الاقتصادي الفلسطيني الموجود في القاهرة، الذي أكد على أنهم حصلوا على وعود من المسؤولين المصريين بزيادة حجم التبادل التجاري وتسهيلات تنقل وسفر التجار من غزة إلى القاهرة.

بحسابات السياسة، يبدو أن الوصول إلى اتفاق شامل بين طرفي الصراع أضحى قريبًا، فحماس تحتاج إلى هدنة طويلة الأمد، لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراتها العسكرية، والتفرغ لإدارة أزماتها الداخلية مع سلطة أبو مازن. وتحاول الحركة أيضًا أن تقنع المجتمع الدولي بأنها قادرة على التعاطي مع المستجدات السياسية.

أما الحكومة الإسرائيلية الجديدة فتسعى هي الأخرى إلى تهدئة طويلة الأمد، فرئيسها نفتالي بينيت أعلن بعد تسلمه منصبه عن استراتيجية «تقليص الصراع وتقليل الاحتكاك»، وهو التعبير الذي أبلغه وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلنكن بعد أسبوعين من تنصيب الحكومة.

وتستهدف تل أبيب الوصول إلى اتفاقيات تطبيع جديدة مع عواصم عربية أخرى، ولا يسعها القيام بذلك، فيما لا تزال جبهة القتال مفتوحة مع فصائل القطاع، فلن تُقدم دولة عربية على الدخول في مفاوضات سلام وتطبيع مع إسرائيل والصراع مشتعل في غزة.

مصر التي تقوم بدور الوساطة، تبعث بنجاحها في تلك المهمة برسائل إلى من يهمه الأمر، مفادها أنها الوحيدة القادرة على لعب دور محوري في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما يعزز من جهة من دورها أمام الإدارة الأمريكية التي تسعى القاهرة إلى تخفيف حدة التوتر معها منذ فترة، ومن جهة أخرى يثبت لعواصم التطبيع الجديدة أن مفتاح القضية الفلسطينية لا يزال في القاهرة، وأن أدوارهم تبقى هامشية مقارنة بالدور المصري.

وتضغط الإدارة الأمريكية على أطراف المعادلة للوصول إلى اتفاق تهدئة مرضي، وذلك في إطار استراتيجيتها لـ«تصفير» أو على الأقل «تبريد» الصراعات والخلافات في منطقة الشرق الأوسط قبيل انسحابها المرتقب من العراق.

كل تلك المؤشرات تدلل على أن الهدنة طويلة الأمد صارت قاب قوسين أو أدنى وأن الخلافات المتعلقة بملف تبادل الأسرى وإعادة الإعمار وتخفيف الحصار ستحسم خلال الساعات المقبلة.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).