نقد النقد الذاتي
أربعة عشر عامًا مرت منذ اندلاع انتفاضة يناير 2011، شهدت مراجعات؛ أو دعاوى لمراجعات؛ حول مسار ومصير الانتفاضة وما آلت إليه الأوضاع. غير أن قليلًا هو ما تم إنجازه على صعيد تقييم الانتفاضة تاريخيًا. لكن ذكرى هذا العام حملت مبادرة السيد حمدين صباحي أحد رموز مرحلة الانتفاضة وأحد الفاعلين في السجالات السياسية التي دارت بشأن الانتفاضة، مبادرة لـ«النقد الذاتي» يناقش فيها صباحي نصيبه من المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع. وبالرغم من نُبل المبادرة إلا أن اختلالات جوهرية قوضتها، وقدمتها كصورة من نفس الشروط التي أنتجت هزيمة الانتفاضة.
إن النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار، غير أن النقد الذاتي أيضًا هو نقد للمنهجية التي أفضت إلى الخطأ أو الأخطاء التي قادت إلى النتائج العكسية تلك. ما فعله حمدين صباحي هو أنه سرد أحداثًا وحدد الأخطاء في نقاط أربع، لكنه لم يوضح للقارئ ما هو سبب تلك الأخطاء، سواء التي ارتكبها هو؛ أو من تصدروا المشهد حينذاك من بقية أفراد ومكونات النخبة. والحقيقة أنه حينما يقول صباحي «فشلنا في تكوين مجلس رئاسي مدني»، فإنه لا يوضح هل كانت هناك إمكانية لتكوين هذا المجلس أم لا، وعلى أي أساس برنامجي كان يمكن تكوينه، ومن كانوا مرشحين للمجلس المفترض. فالمفهوم أن مجلسًا رئاسيًا كان سيعمل كصيغة جبهوية معبرة عن قوى مختلفة ذات ميول متباينة، فما هي صيغة الحد الأدنى التي كانت مطروحة آنذاك لجمع صباحي كناصري على البرادعي كليبرالي على الإخوان المسلمين كما يعرفهم الجميع؟
إن تكوين مجلس كهذا كان يقتضي في الأساس الاتفاق على تعريف للنظام، أهو مبارك كفرد، أم مبارك والعائلة والتوريث، أم فريق لجنة السياسات، أم أن النظام هو مجمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة؟ فهذا التحديد كان مهمًا لتلافي ما يصفه صباحي بخطأ مغادرة الميدان عقب رحيل مبارك يوم 11 فبراير، الخطأ الذي اشترك فيه الجميع، لكنه كان خطأً حتميًا، إذ لم يبادر أحد إلى وضع تعريف واضح للنظام يحدد المهام والآليات التي ستكفل إسقاطه. إن تعريف النظام أو الإجابة على سؤال: ما هو النظام؟ لم يكن ممكنًا من داخل النخبة ذاتها، حتى أن السيد حمدين بعد مرور كل هذا الوقت لم يقدم في نقده الذاتي تعريفًا وتحديدًا للنظام. فأغلب الظن أن صباحي طوال هذه المدة يظن أن ما حدث هو محض أخطاء فردية منه ومن الآخرين، أخطاء كأن يتخلف خالد علي عن حضور اجتماع يناقش التئام اليسار حول مرشح واحد، فيُطوى الاقتراح ويختفي، إن قراءة حمدين لأخطائه وأخطاء الانتفاضة باعتبارها مجرد حاصل جمع صدف تاريخية، أساء هذا الفرد أو ذاك التصرف خلالها، هذه القراءة إنما تتمترس وراء ما قاد لهزيمة الانتفاضة تحديدًا.
خلال ست حلقات من النقد الذاتي، لم يقدم حمدين قراءة للخريطة الاجتماعية للانتفاضة، القوى الوازنة فيها ومصالحها وأفقها، بل يتحدث عن كائن اسمه «الشعب» كجسد هلامي غير واضح الملامح، شعب يتحدث عنه صباحي بلغة صوفية معتادة منه، لغة قد تكون ملائمة في مواضع عديدة، لكنها غير ملائمة لمحاولة نقد ذاتي جادة تستلزم تحديدًا صارمًا للمفاهيم، فنجده يتحدث عن «أولياء الحلم» بينما يُفترض أن الموضوع هو انتفاضة جماهيرية ساهمت في كسرها نخبتها التي يعتبر صباحي جزءًا منها.
لماذا كان مهمًا أن يقدم حمدين نقده الذاتي على أرضية ترسيم واضح لخريطة الانتفاضة اجتماعيًا؟ لأن هذا هو السبيل الوحيد لتحميل كل طرف مسؤوليته، سواء كان هذا الطرف طبقة أو شريحة اجتماعية أو ممثليهم السياسيين؛ أفرادًا وتنظيمات. إن مثل هذا الترسيم كان سيضع أمام حمدين، وهو ينقد نفسه ذاتيًا، أن يحدد بوضوح الطبقات الاجتماعية التي مثّلها أو طمح إلى تمثيلها كفرد أو كتنظيم أفرادًا وتنظيم «حزب الكرامة» أو «التيار الشعبي»، غير أنه بدأ نقده الذاتي معكوسًا، وفوق هذا، تجاهل صباحي الأوزان النسبية للطبقات الاجتماعية والتنظيمات السياسية التي قادت إلى ما آلت إليه الأمور. تلك الأوزان النسبية لا تُقاس بحجم المشاركة ولا باتساع العضوية؛ بل بعمق الروابط التنظيمية والجماهيرية، ودراسة مثل هذه الأمور إنما ستُفضي إلى نتيجة واضحة: أن النخبة المصرية منبتة الصلة بالجماهير المصرية، وهذه النتيجة قادت إلى أن كل المبادرات والحركة الدؤوبة التي بذلها حمدين وصحبه كانت في الكواليس، فلا صدى عند الناس ولا صدى من الناس.
قد يكون حمدين صباحي صاحب عداء حقيقي للحزب الوطني وما مثّله باعتباره «ناصريًا»، لكن هذا العداء ليس بالنية، بل بموقف ينتج على الأرض أو يسعى لإنتاج تركيبة جديدة لا تعيد إنتاج سلطة الحزب الوطني وهذا كان يستلزم موقفًا معلنًا وواضحًا ومطروحًا للناس حول ما يدور في الكواليس وهدفه، وهو الهدف الذي اتضح أنه ببساطة: تغيير شكل النظام دون بنيته وتنصيب سلطة قادرة على إعادة إنتاج هذا النظام.
كانت كل المناورات؛ منذ اتضحت أبعاد هبة الجماهير المصرية؛ هي محاولة لدرء خطر وجود الجماهير في الشارع على بنية النظام وموازين القوى بداخله، وقطع الطريق على مكتسبات الناس الديمقراطية التي انتزعوها والتي كان أهمها أنهم في الشارع وقادرون على البقاء فيه إلى أن يشاءوا لا أن يشاء النظام، وطالما كانت الجماهير في الشارع فقد كانت احتمالات عدة مطروحة، تحقق كل منها مرتبط بتوافر شروط معينة، ويُفترض أن حمدين كان كجزء من «نخبة» الثورة، معنيٌ بتحقيق شروط تعميق الانتفاضة، وتعميقها كان يعني طرح الأهداف الصحيحة، لكن حين يقول حمدين أن إخلاء الميدان كان خطأ فإنه لا يخبرنا بماذا كان يجب تاليًا بعد إسقاط مبارك، لأنه إن قال بأنه كان على الجماهير السيطرة على المرافق الرأسمالية العائدة لكبار رموز نظام مبارك وإدارتها، أو الدعوة لجعل اللجان الشعبية في الشوارع جسدًا تمثيليًا، أو أي مقترح من هذا القبيل، فإنه يخرج من مظلة ذات النظام الذي يدعو لتحديده والذي يخبرنا أنه كان داعية لإسقاطه. وهي المظلة التي لم يعاديها أي من رموز نخبة يناير بل عملوا تحتها بمطالب شديدة الجزئية والابتسار، لا حديث عن أي إجراء اقتصادي مضاد لنفوذ صندوق النقد ونخبة لجنة السياسات الاقتصادية، فقط كان المطلوب نظام أكثر تعددية بعد سقوط سلطة مبارك الأب والابن. لم تكن تلك معركة عموم الناس غير المسيسين والذين خرجوا إلى الشوارع يستهدفون مبارك دون أن يستطيعون إنتاج تصور أبعد لأسباب بؤسهم؛ تصور أبعد من الفرد الذي اختزلوا فيه كل إحباطاتهم وصار هدفهم الاستراتيجي هو إسقاطه وفقط. لكن حمدين والنخبة لطالما يتجاهلون حدثًا شكًل تهديدًا مباشرًا للنظام وهو موجة الإضرابات العمالية التي انطلقت حوالي يوم السابع من فبراير في عدة مواقع عمالية، طرحت لأول مرة احتمالية خروج اللعبة عن القواعد؛ الإضرابات العمالية التي في تقديري يُعزى إليها حسم مصير مبارك بشكل مباشر وحاسم.
أضف إلى ذلك، أن الحديث عن غياب التنظيم خارج سياق تحديد المهام التي تستلزم خلق التنظيم، هو كتشييد بناء في العدم، إن التنظيم السياسي هو ممثل طبقة أو عدة طبقات اجتماعية، ودون هذا التأطير يصبح الحديث عن التنظيم كفريضة غائبة، مثل الحديث عن عربة بلا عجلات أو ركاب. غير أن الحديث عن الطبقة والطبقات قد غاب كليًا عن النقد الذاتي لحمدين صباحي كناصري، ربما احترامًا للتركيبة السياسية التي نشط صباحي في إطارها منذ الانتفاضة وحتى ما قبلها، تركيبة تتعمد إخفاء الطبقي بالحديث عن الشعب وتصارع النظام في إطاره وتخشى تنظيم الجماهير في الوقت الذي تتأسف فيه على هذا التنظيم، وتحكي عن ديمقراطية تستثني الشارع دون أن تتوقف عن استخدامه.
خرج نقد حمدين صباحي الذاتي في صورة تعداد لسلسلة إجراءات خاطئة، ولو أننا تماهينا مع هذا التعداد، فإنه بإمكاننا إضافة دزينة أخرى من الأخطاء، غير أن الأكثر أهمية هو تحديد جذور ما يمكن تسميته بهذا الفشل الإجرائي الذي قاد لمصرع انتفاضة يناير. إنه بالتحديد ما راوغه صباحي في نقده الذاتي: الموقف من الرأسمالية المصرية كطبقة مهيمنة، وأدوات ومؤسسات ممارسة تلك الهيمنة، ومراكز النفوذ في الهيكل الاقتصادي المصري وجهاز الدولة، الذي لم يعد بالإمكان الحديث عنه باعتباره مجرد أداة في أيدي الرأسمالية المصرية، فوهم حياد الدولة هو أحد المداخل المؤسسة لسطحية محاولة النقد الذاتي تلك، الوهم الذي يتساوق مع وهم وجود جناح وطني في الرأسمالية المصرية، وهو يحدد بدقة أن الشارع الثوري كان على استعداد للذهاب أبعد من نخبة إصلاحية لا ترفض علاقات الإنتاج والاستغلال والهيمنة التي كان مبارك ممثلًا لها، ويقف فوقها كقمة جبل جليد تغوص جذوره في تربة الاقتصاد المصري ومؤسسات الدولة كافة.
التحليل البسيط لموازين قوى النظام كان سيدل نخبة يناير ببساطة على مواطن خلل عميق في توزيع الناتج القومي، وعلى القمم الرأسمالية والبيروقراطية التي تستحوذ على مصادر الثروة وبالتالي تحتكر السلطة وتجهد لإعادة إنتاج أدوات هيمنتها، تلك المراكز التي لم يحاول صباحي ولا أي من عناصر النخبة المصرية توجيه انتباه الناس إليها، وكان سقوط مبارك ولجنة السياسات هو بالفعل الهدف الاستراتيجي للنخبة المصرية التي كان طموحها هو توسيع أفق النظام وإتاحة مساحة لطبقات اجتماعية أخرى في الصعود لجهاز الدولة، الذي صار أحد مفاتيح حيازة الثروة، بل وصار ثقله في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من مراكز رأس المال خارجه. ماذا كان برنامج النخبة المصرية أو خطتهم إذن للتعاطي مع تلك الشبكة المعقدة من المصالح التي تحتكر السلطة والثروة؟ وماذا كان برنامج حمدين كأحد أعلام اليسار الناصري في تلك المرحلة؟ في الحقيقة أن هذا ما لم ينقده صباحي أيضًا، ربما لأن هذا كان ولا يزال جزءًا من رؤية حمدين لإشكالات المجتمع المصري، الرؤية التي قد ترى كل شيء إلا الجوهري في الأمور والحاسم في تحديد المسار.
تبقى الميزة الأساسية لمحاولة النقد الذاتي تلك، هي أنها أكدت أن انتفاضة يناير جاءت على هذه الخلقة الشائهة لأنها كانت انعكاسًا لتشوهات النخبة المصرية وتركيبها العضوي وحقيقة أنها ابنة النظام الذي أنتجها، فنقد حمدين صباحي الذاتي يحمل كل أوجه القصور، ويجيب عن سؤال لماذا فشلت الانتفاضة ولماذا كان سلوك نخبتها على هذا الشكل، ليس لأن صباحي قدم تفسيرًا لهذا العجز الهيكلي بل لأنه لم يدرك أساسًا موطن العجز، وبالتالي لم يستطع تقديم الإجابة، بل فتح الباب لمزيد من الأسئلة.
آراء أخرى
«لا نريد أن تعرفونا أو تعترفوا بنا»: رسائل غاضبة وحالمة من Gen Z
«جيل لم يعِش الحلم السابق، لكنه يسأل عن المستقبل بعينٍ جديدة»
احتجاجات جيل زد.. انتفاضة الشباب وتحديات الواقع
«تحركات جيل زد أشعلت انتفاضات شعبية في 9 دول خلال العام الجاري»
30 يونيو و3 يوليو.. حلقة مفقودة أم محاولة للتحايل؟
«هل يمكننا الآن قراءة ما جرى في الثلاثين من يونيو مجردًا عن انفعالات الهزيمة المزلزلة؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد