30 يونيو و3 يوليو.. حلقة مفقودة أم محاولة للتحايل؟
في ذكرى 30 يونيو، يكتب أحمد دومة، الذي كان معتقلًا وقتها، متهمًا بإهانة الرئيس محمد مرسي، عن المعنى الأبعد لـ30 يونيو وفي الوقت نفسه عن حتميّة تطوّر الأحداث لما هي عليه اليوم انطلاقًا مما جرى لا انحباسًا فيه:
«أقدّر الانحباس في اللحظة المجيدة، وصولًا أو تكسّرًا، خاصةً في غياب العدالة واستمرار المظلمة في سحق الجميع بلا تمييز، أقدّره وأحاول أن أتجنّبه وأنطلق من "لحظتي" المجيدة في 2011 دون الانحشار فيها هي الأخرى بلا نافذة على الآنيّ ومنهُ للقادم».
يبدو الأيسر أداءً في لحظةٍ كتلك الاحتماء بجبلٍ يعصم، أو يبدو لأهله عاصمًا، أو معسكر يضمن شيئًا من الحماية، ولو الافتراضيّة أو المعنوية، تنقلًا مع الدائرة الجهنمية من حكم العسكريين ثم الإخوان ثم العسكريين. لكني لم أعتد ذلك في السابق، ولا يبدو أنني على وشك الفعل. لذا أحاول الآن النظر فيما جرى ويجري في هذه الذكرى المروعة التي ما زال الوطن بمن فيه جميعهم ينسحقون تحت وطأتها، ولا يبدو أن الخلاص منها قريبًا، ولو كان حتميًا.
يُسرِف الكثيرون في تقدير ذواتهم، سذاجةً أو تورطًا، فيظنّون لأنفسهم غير ما هم عليه في الحقيقة من حجم وأثر، وهو ما يجعل إعادة النظر في مواقفهم وانحيازاتهم السابقة مشوبةٌ بهذا التشوش الناجم عن سوء الإدراك.
كما تبدو صورة من الشجاعة أن تتحمل المسؤوليّة، حتى عمّا لم تكن مسؤولًا عنه، لكنّها صورة من الحماقة كذلك؛ إذ لن يفك الاشتباك شيءٌ من هذا ولن يحل الأزمة، وربّما لو أعدنا الكرة لعاد كلٌّ إلى موقعه السابق دون تغيير يذكر. إذ لا شيء تغيّر في ظني، إلا بعض تعاطفات قشيرية غالبًا من المقهورين تجاه أمثالهم، لم تتجاوز إلا نادرًا هذا الشعور الجمعي بالقهر والتهديد من ذات السلطة.
لكن طرفي الأزمة في هامش المقتلة يستعيدون في كل اختبار ذات الخطاب والأدوات التي ربّما كانت واحدًا من أسباب وصولنا لمأساتنا الممتدّة، من تخوين وتكفير وتحميل لثارات على غير تمييز. يُمسك كل واحدٍ منهم ميزان لحظته الفائتة، تلك التي يعتقد في أنها الأشرف لمجرد كونه ضحيتها والبقيّة كلّهم مجرمون تبَعًا: هذا لفعله وهذا لتواطئه وذاك لصمته وأولئك لتضامنهم الناقص، ويقف آخرون في المنتصف يحاولون تمرير المناسبة دون إشعال معارك تأتي على ما تبقّى من فُتات في الهامش، فيطلبون التركيز على «خصم اللحظة» دون أن يُحاول أحدهم أن يفتح نقاشًا جادًا وصادقًا حول ما فات، إلا قليلًا.
على هامشٍ ثانٍ، أقفُ متحايلًا كي أتجنب الانحشار في أي من المتون المدعاة، تبرُّءًا من التظاهر في الثلاثين من يونيو على جانب (كنتُ معتقلًا-قبلها بأربعة أشهر، بتهمة إهانة رئيس الجمهوريّة «مرسي» - وأراهن على هذا اليوم لأخرج من المعتقل، خاصّة بعد تصريحات ورسائل قيادات الجماعة عن «بقائي في السجن ما بقوا في السلطة»؛ وهو ما أخرجني بالفعل بعد الثلاثين من يونيو، وإن لم أشارك به على الأرض لكني انحزتُ وحشدتُ وشاركتُ في كلِّ ما سوى النزول للشارع ولو كنتُ خارج المعتقل لنزلتُ)، أو على الجانب الآخر أقوم بدور حارس الأرشيف المُكايد الذي ينبش المواقف ليردّ المكايدين من المعسكرات المختلفة على تناقضها.
شيءٌ من هذا عبثيٌّ للغاية، إذ لا يحرّك للأمام، إن لم يكن يجرُّ للوراء. أقدّر الانحباس في اللحظة المجيدة، وصولاً أو تكسرًا، خاصةً في غياب العدالة واستمرار المظلمة في سحق الجميع بلا تمييز، أقدّره وأحاول أن أتجنبه وأنطلق من «لحظتي» المجيدة في 2011 دون الانحشار فيها هي الأخرى بلا نافذة على الآني ومنه للقادم.
وأعذر المنفعلين من الضحايا على كلّ حال، لكني لا أفعل بالضرورة مع أولئك الذين كانوا في الوسط، من لم يكونوا من الضحايا، يحسبهم الضحايا مجرمون فاعلون، ويحسبهم المجرم حصرًا على معسكر الضحايا، وإن لم تتحقّق التضحية بهم على الوجه الذي تمنّاه أو أراده، وعنهم كنت أتحدث في أول النص حول سوء تقدير الذات وتوهّم الحجم والأثر على غير الحقيقة.
أتمسّك ما زلتُ بالتفرقة بين الغضب المحرك للتظاهرات ضد محمد مرسي والإخوان سواء لرفض وجودهم في الحكم أو سلوكهم وأدائهم، منذ الأيّام الأولى، وبين الثالث من يوليو باعتباره انقلابٌ على الجميع، لا الإخوان وقبلهم يناير فحسب، تخلّصًا من الكلّ كتهديد لا للمصالح وحدها، إنّما للوجود والحيز العسكري في الحياة السياسية والاقتصادية.. وغيرهما، إنما حتى كان انقلاب على إرادة قطاع عريضٍ من الذين خرجوا في الثلاثين من يونيو، والذين وقّعوا على استمارة تمرد الأولى بالمناسبة (ألم يوقّعوا على انتخابات رئاسيّة مبكرة؟، ألم تتفق الأطراف على حظر مشاركة أيّ منها في أي انتخابات قادمة لمدة خمس إلى عشر سنوات ؟). لم يكن ذلك مفاجئًا ولا خارجًا عن السياق، إنّما تحت سقف التوقّع تمامًا لطبيعة المنقلب والمناخ المتشظّي الذي جرى فيه.
ولماذا شاركتم في مساره إذًا؟ يسأل السائلون؛ استفهامًا أو استنكارًا.
لن أعيد السرد هنا، الآن على الأقل، لكنّي أحتفظ بحقي والناس في رفض السلطة، أي سلطة، لأيّ سبب، خاصة حين تمثّل مسارًا مناقضًا لما أرادوه وتمنّوه وثاروا لأجله منذ الإختبار الأوّل، وفي نفس الوقت، أعتقد أن إعادة الفترة بما كان فيها من معطيات كان سيؤدي لذات اللون من المشاركة تمامًا كما كان في الثلاثين من يونيو. بل يزيد الأمر، الآن وهنا، ما تبع هذه اللحظة من حشدٍ مروعٍ للثارات الجماعيّة، بعد المقتلة الجماعيّة، مع اختلاف المساحة والعمق عند تيّار عن البقية، والتي لن يمكن تجاوزها بغير تحقيق العدالة للضحايا وذويهم، بعد إنهائها أصلاً.
والربط اللزومي عند الغالبية فيمن أعرف من التيارات كافّة هو موطن الخلل إذ أنّه ينطلقُ ابتداءً من فرضيّات متهالكة بالضرورة في رأيي. أوّلها: أنّ 30 يونيو صناعة المخابرات/العسكر، لا ركوبتها اللاحقة؛ وقد حضرتُ لحظة ميلاد الفكرة والدعوة ومبتدأ الحشد وأعرفُ يقينًا أنها على غير هذه الصورة، بعيدًا عمّا لاحقها من تضخيم أو استغلال أو حتى إعادة توجيه واختطاف، وهو ما ينكر على الغاضبين من حكم الأخوان غضبهم، ويضع الكلّ في تصنيف «المحرَّكين» من العسكر.
وثانيها: التعامل مع كل رافض لحكم الإخوان باعتباره مؤيدًا للحكم العسكري، أو داعمًا للانقلاب. وقد ساعد في ترسيخ هذا الاعتقاد/الخطاب ضآلة تيار شباب الثورة المدني الذي كنتُ ضمنه، حجمًا وأثرًا، والذي حسم الأمر في اجتماعاته المبكّرة أمرين. أوّلهما: عدم المشاركة في أي اجتماعات أو تنسيقات أو تواصل من أي نوع مع مؤسسات الدولة، عسكريّها ومدنيّها، رفضًا قطعيًّا لوجود العسكر في السلطة، والإعلان عن ذلك الموقف بالبيان والشعارات والهتافات في تظاهرات الثلاثين من يونيو ذاتها، وهو ما تسبب في اعتداءات جماعيّة على تجمّعاتنا المحدودة داخل الحشد الضخم، أصابت وجرحت عددًا غير قليل من شبابنا وبناتنا. وثانيهما: عند الانتهاء لأنّ مشاركتنا لن تغيّر المسار على كلّ حال، ولن تسير بنا لما نريد لهذا الوطن وناسه؛ سنسجّل موقفنا الآن وسنسجله حين سيطرة العسكر على الحكم، وهو ما كان يعرفُ الجميع بيننا أنّه على وشك الحدوث، وقد كان ونتيجته، هذا الموقف، معروفةٌ للجميع كما أتوقع.
وهو ما يُفسّر ربّما التخلّص المبكر من زمرة رموز الثورة، 25 يناير، بعد ذلك بأسابيع قليلة ممتدّة حتى الآن، وقد سبق بعضنا قيادات الإخوان أنفسهم للمعتقلات على يد السلطة، إضافة لإعادة طرح خطابات التشويه والتخوين والاغتيالات المعنويّة بحقّ يناير وشبابها، فيما ما زال يتقاسم هؤلاء العقاب مع غيرهم من التيارات يمينها ويسارها داخل المعتقلات والمنافي لأكثر من عقد.
وإذا كان الأمر كذلك كما أفترض؛ فهل يمكننا الآن قراءة ما جرى في الثلاثين من يونيو مجردًا عن انفعالات الهزيمة المزلزلة، وثارات المعسكرات التي جمعتنا، (أو فرّقتنا)؟ وهل أمكن السير في غير مسارها؟ وكيف؟
وأخيرًا: هل بدأت الهزيمة أصلًا في الثلاثين من يونيو؟ أم أنّ 11 فبراير كان أوّل السقوط وما تلاه كان تجلياته المتتالية؟
لنحاول النظر معًا …
آراء أخرى
مراجعات ينايرية
«نظامنا السياسي الحالي من إفراز يناير 2011، وإن كان في جوهره محاولة لتجديد نظام يوليو 1952»
تمرد الإمام على ثنائية «الكاهن والفرعون»
«جرت العادة في بلادنا أن يضفي رجل الدين الرسمي الشرعية على قرارات وفرمانات حكام الدولة،»
لا شيء في مصر.. كل شيء في مصر
«ليس للمعارضة الديمقراطية المصرية الآن هدف وسط هذا العته سوى النجاة،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد