تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

احتجاجات جيل زد.. انتفاضة الشباب وتحديات الواقع

هشام فؤاد
11 دقيقة قراءة
احتجاجات جيل زد.. انتفاضة الشباب وتحديات الواقع
مجموعة من شباب GenZ من أمام البرلمان المغربي، المصدر: موقع لكم

على عكس الجماهير، التي خرجت قبل عقدٍ في ساحات المدن العربية، والتي كان حلمها واحدًا وإن اختلفت لغاته: إسقاط النظام، لا يبحث «جيل زد»، الذي جاء بعد الهزائم الكبرى، عن نظامٍ آخر، بل يتوق إلى مجتمع يحيا فيه بكرامة وعدل، حيث تتلخص مطالبهم في حكومات غير فاسدة وفرص عمل وخفض تكلفة السكن والمعيشة وتطوير قطاعي التعليم والصحة وتوفير الماء والكهرباء وقانون تقاعد عادل.

تحركات «شباب الجيل زد»، المولود منذ منتصف التسعينيات حتى العقد الثاني من القرن الحالي، أشعلت انتفاضات شعبية في تسع دول خلال العام الجاري، وأسفرت حتى الآن عن هروب رئيس جمهورية مدغشقر، واستقالة رئيس الحكومة في النيبال، وتراجع الرئيس عن زيادة الضرائب في كينيا، وإجبار الرئيس على الإطاحة بوزيرة المال القريبة من رجال الأعمال في إندونيسيا، وفي بنجلاديش انتهي حكم الديكتاتورة حسينة، التي حكمت البلاد بالحديد والنار لمدة 16 عامًا، وأُطيح برئيس مدغشقر، ولا تزال التحركات مستمرة في المغرب والبيرو. والأهم أن هذا النموذج نجح في استعادة مفهوم السياسة من أيدي النخب القديمة ليعيده إلى الشارع. 

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، دينا الشرنوبي، تعتبر أن «خروج الشباب إلى الشوارع أمر إيجابي، حيث تحدوا الأفكار التي تُصوّر جيلهم، وخاصةً جيل زد، أنه كسول ومُشوّش وغير قادر على إدارة شؤون حياته. في الواقع، يبدو فجأةً أنهم يعرفون بالضبط ماذا يريدون».

وتشدد على «أن حركتهم تنطلق من قضايا مهمة تُواجه الشباب والناس عمومًا، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وظروف العمل غير المستقرة».

أسباب وعمر الغضب؟

لا يمكن فهم غضب جيل الشباب، دون معرفة الظروف القاسية، التي شب فيها هذا الجيل نتيجة للإصلاحات النيوليبرالية، المدعومة من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، حيث عانى الشباب من الإفقار والتهميش، في ظل سياسات تكميم الأفواه، ما يفسر لجوئهم إلى فضاء وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة. ولا ينبغي الاستهانة كذلك بالتحول السياسي الذي أحدثته حرب غزة عالميًا، فقد جذبت حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني والمقاومة مئات الآلاف من الشباب في مختلف أنحاء العالم.

باختصار، حركة الشباب لم تولد في فراغ، بل حلقة جديدة في سلسلة نضالات ضد هذا الواقع المرير.

في المغرب، على سبيل المثال، الذي يشهد حاليًا مظاهرات واسعة يقودها شباب وطلاب جيل زد 212، اندلعت انتفاضة حراك فبراير 2011، التي طرحت بشكل أساسي مطلبًا عامًا «إسقاط النظام»، وتم احتواؤها عبر مزيج من القمع والتنازلات، لتعود الجماهير إلى الانتفاض ثانية عبر التحركات الجهوية، حراك الريف وجرادة، عامي 2016 و2017، والذي شارك فيها عشرات الآلاف، منددين بما تعاني منه المجتمعات الناطقة باللغة الأمازيغية من التهميش.

تم إخماد الاحتجاجات عبر القمع، والهجوم على حرية التعبير، فتبنت حركة النضال شكل جديد في عام 2018 تمثل في حملة ناجحة لمقاطعة عدد من مواد الاستهلاك، استهدفت شركة المحروقات التابعة لوزير الفلاحة والصيد البحري حينذاك ورئيس الحكومة الحالي، عزيز آخنوش!

وبعد الزلزال، الذي ضرب إقليم الحوز بمحافظة مراكش جنوب غرب المغرب عام 2023، مخلفًا ثلاثة آلاف قتيل ودمارًا واسعًا، تظاهر المتضررون في 40 قرية ومدينة، لكن حركتهم تعرضت بدورها للقمع.

ونظم كادحو منطقة آيت بوكماز، بجبال الأطلس الكبير، في يوليو الماضي، مسيرة كبرى من أجل مطالب تتعلق بالصحة والتعليم، تمكنت من انتزاع مكاسب.  

وعمومًا، تصدر مطلب توفير رعاية صحية مجانية مطالب الاحتجاجات الشعبية، خلال العام الجاري، بعد ما دارت عجلة خصخصة الخدمات الصحية بقوة، إلى أن تصدر جيل زد المشهد منذ سبتمبر الماضي.

ووسط كل ذلك، نشأت، في أكتوبر 2023، حركة تضامن نجحت في تنظيم مسيرات وطنية حاشدة في مدن كبرى بينها العاصمة الرباط، تنديدًا بحرب الإبادة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني. 

سمات حركات جيل زد

توجد سمات محلية لحركة الشباب والطلاب في هذا البلد أو ذاك، لكن من الممكن القول إن هناك سمات رئيسية لجيل زد: الاعتماد على الثورة الرقمية، والعداء للأحزاب والسياسة، وتجاوز الأيديولوجيا.

 يستخدم شباب هذا الجيل التكنولوجيا ووسائل التواصل كجزء أساسي من حياتهم اليومية، ويمتزج عندهم العالم الواقعي بالافتراضي، مما يجعلهم أكثر قدرة على التعبئة والتنظيم عبر الفضاء الرقمي.

ويرى الباحث السياسي هشام جعفر، في مقالات منشورة له، أن أهم سمات هذا الجيل، هي «النشأة الرقمية، وأنه عالمي الاهتمام، والعدالة كلمة مفتاحية لديه، ولديه قدرة عالية على التطور والتكيف، وعلى التعلم الذاتي، إلى جانب تشظّي المجموعات المرجعية وغياب المركز».

ونجح الشباب، عبر وسائل بسيطة، في أن يبنوا فضاءً رقميًا عامًا بديلًا وحرًا يعبّرون فيه عن رفضهم للاستبداد والفساد والظلم وتهميش حياتهم اليومية. لقد تحولت الفيديوهات القصيرة، والميمات، والنقاشات الرقمية إلى أدوات حقيقية للتعبئة السياسية والتنظيم ولإنتاج وعي جماهيري نقدي، بعيدًا عن الإعلام الرسمي.

وتشير أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية، نادين عبد الله، إلى الدور الإيجابي الذي وفرته وسائل التواصل الاجتماعي لحركة الشباب، حيث أتاحت لهم «التعبير عن الغضب الاجتماعي والمظالم القائمة، وكسر عدد من المحظورات السياسية، وتوجيه رسالة واضحة بأن هناك أزمات ومشكلات سياسية ومجتمعية ينبغي على السلطة التعامل معها، ورفع كلفة احتكار السلطة عبر ضغط اجتماعي متكرر وواضح من الشارع».

لكن هذا الاعتماد الرئيسي على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن بلا ثمن، وهو ما تمثل وفقًا لعبد الله، في «غياب الأذرع القانونية أو الانتخابية لحركة الشباب، مما يُضعف إمكانية تحويل المكاسب إلى واقع سياسي ملموس، وضعف التواصل مع المجموعات الاجتماعية المنظمة مثل النقابات، وغيرها من البؤر المجتمعية المؤثرة، إلى جانب قابلية الحركة للتشظّي مع مرور الوقت، نظرًا لعدم القدرة على تحويل الزخم إلى تنظيم اجتماعي مستدام».

ومع ذلك، تقول عبد الله: «تبقى هذه السلبيات آنية، إذ قد يتمكّن هذا الجيل الجديد من ابتكار أشكال تنظيمية جديدة تمكّنه من تحقيق أهدافه، فتمردات هذا الجيل، ما زالت في طور البلورة والتجريب والتعلّم».

العداء للأحزاب والسياسة

أحد دروس التاريخ التي لا يمكن لأحد إنكارها، هو أن الأحزاب القائمة، في الغالب تكون أحزابًا تعبِّر عن مصلحة الطبقات الحاكمة، والتي تستفيد من نضالات الشعوب. ويُسهم ذلك في ظهور النزعة اللاحزبية كحل لمنع ذلك.

تلفت الشرنوبي الانتباه إلى أنه «على مدى العقود الثلاثة الماضية، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي، انتقدت الأوساط الأكاديمية والرأي العام المنظمات السياسية لتسلسلها الهرمي وصلابتها. وأدى ذلك إلى تشكيك واسع النطاق في الأشكال التقليدية للتنظيم، مثل الأحزاب السياسية القادرة على تحقيق تغيير جذري. ونتيجةً لذلك، تم تقويض مسألة التنظيم السياسي بحد ذاتها، مع أنها تتطلب أيديولوجيةً وتعليمًا وانضباطًا وممارسةً سياسيةً متسقةً لتمكين الاستيلاء على السلطة».

وتُرجع الشرنوبي عداء الشباب للأحزاب السياسية إلى أنهم «متشككون في الوعود الديمقراطية للأحزاب السياسية، التي غالبًا ما تُعيد إنتاج النظام القديم وتفشل في تحدي النخبة السياسية الراسخة والسياسات النيوليبرالية».

يعكس هذا العداء، حسب عبد الله، «نفورًا من الزبائنية والشيخوخة الحزبية، ومن التواطؤات السابقة وطرق القيادة الهرمية». 

المهم هنا، والكلام لعبد الله، أن «جزءًا كبيرًا من تلك الحركات كان رافضًا للسياسة التقليدية للأحزاب السياسية، ولأنماط القيادة التراتبية، فاختار آليات تنسيق أفقية وقيادة لا مركزية. وهذا يعني أن هناك اتجاهًا شبابيًا عالميًا رافضًا لهذا النمط الكلاسيكي من العمل السياسي، وهو ما تؤكده احتجاجات جيل الألفية منذ أكثر من عقد، وكذلك جيل زد؛ غير أن هذا التوجّه الرافض للقديم وأدواته لا يزال عاجزًا عن ابتكار بديل تنظيمي جديد قادر على مجاراة التنظيمات التقليدية وفعالية هياكلها».

يتطلب التغلب على هذا التشكك، حسب الشرنوبي، «آليات ديمقراطية جديدة مبنية على روح الحركات الشبابية ومرتبطة بالطبقة العاملة، لأنها تمثل الطبقة الوحيدة، التي لديها المصلحة والوسائل اللازمة لتطبيق أشكال شاملة للتغيير الديمقراطي من القاعدة، كما هو الحال في الحركات الثورية».

وتلفتُ الانتباهَ إلى أنَّ الشبابَ «يكونون خلال الانتفاضاتِ السياسيةِ على استعدادٍ للانضمامِ إلى الأحزابِ والحركاتِ السياسيةِ، أملًا في المشاركةِ والمساهمةِ في عمليةِ التغيير. وقد تجلّى ذلك، على سبيل المثال، في الانتفاضةِ المصريةِ عامَ 2011، حينَ تشكَّلت عشراتُ الأحزابِ السياسيةِ وامتلأت بالشبابِ والشاباتِ».

وتضيف عبد الله أن «تجاوز هذا الموقف من الأحزاب لن يتحقق إلا من داخل الحركات نفسها: فإما أن تقتنع بأن الانخراط في أحزاب سياسية جديدة أو إصلاح الأحزاب القائمة تنظيميًا لتصبح أكثر تمثيلًا وديمقراطية، هو الطريق نحو التغيير، أو أن تظلّ هذه الحركات في نفس موقعها، متمسكة بموقفها، بانتظار أن تنجح مستقبلًا في بلورة بديل تنظيمي آخر يُعبّر عنها ويترجم طموحاتها».

تلاشى الأفق الثوري

يشير المفكر وعالم الاجتماع الإيراني الأمريكي، آصف بيات، في كتابه «ثورة بلا ثوار» عام 2022، إلى أن الشباب يعيشون حقبة ما بعد الأيديولوجيا، «فالأصوات المتمردة الحالية سواء العلمانيّة أو الإسلاميّة تقبل باقتصاد السوق وعلاقات الملكيّة والعقلانيّة النيوليبراليّة».

وقد أدّى هذا المنحى، حسب بيات، إلى «نزع الطابع السياسي عن المعارضة حول العالم، إذ ركزت هذه الأخيرة على الدفاع عن حقوق الإنسان والحقوق الفرديّة وحقوق النساء والأقليات دون استيعاب فكرة أنّ حيازة هذه الحقوق مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمسائل الاجتماعيّة والطبقية».

هذا المنحى، يفسر كذلك، تركيز المظاهرات الشبابية الراهنة في المغرب، مثلًا، على الهجوم على الفساد، هذا الكائن الهلامي، الذي يحيا على دماء وقوت الشعب، ورفع شعار «الشعب يريد القضاء على الفساد»، بدلًا من البحث في الأسباب الجوهرية، المتمثلِة في السياسة الرأسمالية، التي يحركها السعي إلى الربح.

لكن غياب الرؤية الكلية، حسب عبد الله، يُعد إحدى سمات «الحركات الاجتماعية الجديدة» التي ظهرت في الغرب خلال السبعينيات والثمانينيات، بعد تحقيق معدلات نمو اقتصادي معقولة. فقد تمحورت مطالب تلك الحركات حول توسيع هامش الحرية الفردية في اختيار أنماط الحياة الملائمة، فظهرت الحركات المدافعة عن الحقوق الجندرية والجنسية، وأخرى تسعى إلى الارتقاء بجودة الحياة مثل الحركات البيئية.

فرص أخرى ضائعة

لا يلتفت شباب جيل زد، مثل شباب الربيع العربي، إلى مسألة السلطة، «إحنا بتوع ثورة مش سياسة»، وبالتالي وعلى الرغم من امتلاك الثورات العربية المعاصرة قوة اجتماعية هائلة، إلا أنها افتقدت إلى السلطة الإدارية، فلم يحكم الثوار، وهو ما عجّل بانتصار الثورة المضادة.

تشير الشرنوبي إلى أن «الشباب غالبًا ما يعجزون عن مواصلة الحراك لفترة كافية لإحداث تغيير جذري، إلى جانب ثقتهم المفرطة في مؤسسات الدولة العميقة، وقدرتها على الإصلاح بما يخدم الشعب».

وحتى يومنا هذا، ما زالت السلطة في الدول التي تشهد انتفاضات جماهيرية تقع في أيادي من يتقدم لالتقاطها بعيدًا عن مطالب الثورة والثوار، فبعد فرار رئيس مدغشقر، أندريه راجولينا، من البلاد خلال شهر أكتوبر الجاري، إثر الانتفاضة الشعبية، أعلن الجيش سيطرته على مقاليد السلطة في البلاد!

وأعلن العقيد راندريانيارينا ميكائيل «تولي السلطة» مع وحدته العسكرية، مؤكدًا للصحافة أن «ما جرى ليس انقلابًا عسكريًا، فالانقلاب يتم عندما يدخل الجنود إلى القصر الرئاسي مسلحين، يطلقون النار، وتسيل الدماء».

مدغشقر عمومًا منذ استقلالها، كان تاريخها عبارة عن سلسلة ممتدة من المحاولات الديمقراطية، التي يتم إجهاضها بانقلابات عسكرية تتسم بسوء الإدارة على الأغلب.

وترى عبد الله أن السبب الرئيسي وراء انحراف الثورة يعود إلى «غياب التنظيم الاجتماعي القادر على تقديم بديل سياسي يحقق مطالب المحتجين أو على الأقل يحمي مكتسبات الحراك الشعبي ويتفاوض لتحقيقها، فالتنظيم الأفقي للحركات الشبابية يمنح الحراك زخمًا سريعًا، لكنه في الوقت نفسه يصعّب عملية التفاوض الرسمي وصياغة التسويات. وهنا، في لحظة 'ما بعد الشارع'، يتقدّم 'الجاهزون' لملء الفراغ السياسي والاجتماعي».

مسار آخر ممكن

لكن هناك شواهد تشير إلى أن مسارًا آخر للانتفاضات الشبابية ممكن، فقد شكل قادة الاحتجاجات الطلابية، التي أطاحت بحكم الشيخة حسينة واجد في بنجلاديش، حزبًا سياسيًا جديدًا، مما أثار قلقًا كبيرًا داخل الأحزاب التقليدية.

هذا الحزب، أطلقوا عليه اسم «حزب المواطن الوطني»، تمكن من تأسيس 400 فرع، ويستعد للانتخابات البرلمانية المقررة العام المقبل.

وفي كلمته أمام تجمع من أنصاره، قال الزعيم الطلابي ناهد إسلام، 26 عامًا، والذي يترأس الحزب، أن برنامجه «يُعلي من شأن الوحدة الوطنية على حساب الانقسام، ويدافع عن الشفافية والحكم الجيد في مواجهة الفساد، ويتبنى سياسة خارجية مستقلة، ويرى أهمية حيوية لكتابة دستور جديد للبلاد يؤسس للجمهورية الثانية».

وفي محاولة لجسر الهوة بين الشباب والأحزاب والنقابات المكافحة في المغرب، أكدت عدة تنظيمات سياسية ونقابية يسارية، من بينها فيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، في بيان، دعمها للمطالب الاجتماعية والاقتصادية التي يرفعها الشباب المحتجون.

وفي تطور لافت، أكدت الهيئات عزمها على مواصلة المشاورات لتوحيد جهودها ضمن إطار وطني مشترك، قد يتطور إلى «جبهة شعبية» تحمل رؤية سياسية واجتماعية بديلة، وفقًا لما نقلته جريدة «هسبريس» المغربية.

دور الثوار وخبرة السنين

تشدد الشرنوبي على ضرورة أن ينقل الثوريون الخبرة إلى جيل الشباب قائلة: «أعتقد أن الشباب يعانون من فجوة جيلية في نقل المعرفة حول التنظيم السياسي وإمكانية تشكيله. وقد اتسعت هذه الفجوة مع تراجع اليسار السياسي منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وخيبة أمله من فكرة الثورة الاجتماعية ذاتها، كما ادعت الأيديولوجيات الستالينية والناصرية، وفي ذات الوقت، يجد الشباب أنفسهم في ظروف قاسية شكلتها الإصلاحات النيوليبرالية، التي غيّرت طبيعة العمل نفسه، وجعلته أكثر هشاشة».

وتضيف: «صعّبت هذه الظروف على الشباب فهم تحدياتهم الاجتماعية والسياسية، باعتبارها متجذرة في وضعهم الطبقي كجزء من الطبقة العاملة. وأن نضالاتهم ليست مصادفة، بل نتيجة للإصلاحات النيوليبرالية».

وتشير الشرنوبي، إلى أن تركيز حركات جيل زد على «قضية الشباب» بدلًا من «قضية الشباب والعمال» يُضعف قدرة الحركة على فهم نوع الديمقراطية التي يحتاجونها والتي ينبغي أن يسعوا إليها، ديمقراطية تتجاوز الانتخابات البرلمانية الروتينية، وبالمقابل، تقع على عاتق الجيل الأكبر سنًا مهمة تقاسم تجاربه ودروسه التاريخية، وإثراء آفاق الشباب وإحياء الإيمان بإمكانية التغيير الجذري».

بينما تأمل عبد الله أن «يتمكّن الجيل الجديد من ابتكار أشكال تنظيمية جديدة تمكّنه من تحقيق أهدافه، فتمردات هذا الجيل ما زالت في طور البلورة والتجريب والتعلّم».

في أوائل القرن الماضي، كتب الاشتراكي الثوري الروسي، فلاديمير لينين: «في أثناء الثورة، يتعلم الملايين من الناس في أسبوع واحد أكثر مما تعلموه في عام كامل من الحياة العادية الخاملة».

والأمل أن يعي جيل زد بتجربته الخاصة وبتفاعله مع القوى النقابية واليسارية، التي يجب أن تنخرط في حركته وتنصت إليه، وتتعلم منه أيضًا، طبيعة التناقضات القائمة في عالم الرأسمالية اليوم وضرورة تجاوزه، وهو ما صاغه عالم الاجتماع البرازيلي، باولو فريري، في كتابه المهم «تعليم المقهورين»، بقوله إن «التغيير الحقيقي في مسيرة نضال الشعوب، يبدأ حين يعي البشر أنهم مضطهدون مقهورون، وحين يدركون بعدئذٍ طبيعة دورهم في مقاومة جلاديهم». 

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).