تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

نفكر مع علاء: يوتوبيا علاء 

نادر أندراوس
12 دقيقة قراءة
نفكر مع علاء: يوتوبيا علاء 

«القانون هو إسقاط مستقبل مُتخيَّل على الواقع»، روبرت كوفر، «الناموس والسرد»

«أنا أناركي يحب القانون»، روبرت كوفر. 

أقضي وقتًا طويلًا أفكر في القانون. لا أعني القوانين، ولا المبادئ المنفردة أو التشريعات، بل القانون، المفهوم ذاته. هل القانون توجيه؟ أمر؟ حكم؟ عقد؟ وعد؟ خريطة؟ أداة؟ نص؟ ليس هذا سؤالًا تافهًا، فهو يمس جوهر الكثير من العنف. 

من أين نستمد، أنا أو أنت، السلطة كي نقول: «مثل هذه القانون غير عادل، لن أطيعه»؟ لا بد أن يكون الرد: «ومن تظن نفسك؟». 

يؤمن بعضنا أن هناك «عدالة» فوق القانون. لكن من يقرِّر شأن هذه العدالة؟ يعتقد الطاغية أنه يطبق «العدالة». يعتقد أن أوامره عدالة مُقدَّرة إلهيًّا. ما هو الفرق، إذًا، بين قاضٍ، ومجرم ثوري، وطاغية؟ فثلاثتهم يؤمنون أن العدالة في صفهم. 

يقول فالتر بنيامين إن العدالة «ناسخة للقانون»، وإنها، في لحظة طوباوية استثنائية، سوف تدمر كل قانون بشري، بدون أن تكون هناك محاولة لوضع قانون جديد. لن يوجد حساب جديد حتى. يسمِّي بنيامين هذه اللحظة «العنف المقدس». لكن كيف يمكننا التفريق بين مسيح حقيقي يدمر القانون، ومسيح زائف؟ إضافة إلى أنه لا بد للرب أن يحاسِب، على الأقل، أتمنى ذلك. 

كجزء من عملي البحثي، كتبت عن والد علاء، سيف. يقدِّم سيف مثالًا جيدًا على الإشكالية التي أتحدَّث عنها. 

يعرف سيف، أكثر من أي أحد آخر، العنف الذي يتخلل كل مقولة قانونية. لقد سُجِن، وعُذِّب، ومَثُل أمام محاكم استثنائية. ورغم هذا، قرَّر حين كان في السجن أن يدرس للحصول على شهادة في القانون. في السجن. بعدها، كرَّس حياته لأن يصير محاميًّا لحقوق الإنسان؛ بينما ظل شيوعيًّا. لِمِ إذًا؟ هكذا تساءلت، يكلف نفسه عناء اعتبار أن القانون يستحق التعاطي معه؟ لماذا يعتبره خصمًا جديرًا بالاعتبار؟

أخبرتني ليلى سويف ذات مرة أن «سيف نظر إلى القانون نظرة كلية، مع وضع مبدأ العدالة نصب عينيه. لا بد أن تجعل من الصعب جدًا على أي شخص أن يختبئ وراء القانون، ولا بد أن تأخذ القانون إلى ختامه المنطقي. ربما هذا هو السبب في أننا نواجه ثورة مضادة قانونية».

أما عني، فأنا، بحماقة، أفتخر بأنني أكاديمي «نقدي». وسيكون من المحرج أن أدع مقولة من هذا النوع تستميلني. فأنا أعرف، على أي حال، أن القانون مجرد أداة للضبط الاجتماعي. أعرف أنه مجرد غطاء للسلطة الطبقية. أعرف أنه مسرح قسوة لِما هو عبثي. إنه مفرط في إصداره للأحكام، وبث الشقاق، والعنف، ولا يمكن إصلاحه أبدًا. لكنني ما زلت لا أستطيع سوى أن أُفتتن وأتحيَّر من قرار سيف بأن يأخذ القانون بجدية، وربما أن يقع في غرامه. أنا متأكد أيضًا أن لديه معرفة بقدرة القانون على الإغواء تفوق مكتبة كاملة من دراسات فوكو. 

استولى عليَّ السؤال نفسه بينما أقرأ كتاب علاء «لم تُهزموا بعد» (2021). فعلاء يفكر في القانون هو الآخر، ويبدو أنه ورث ذلك عن أبيه. هكذا فإنه حتى في لحظات التحايل القانوني الغريب، يستمر علاء -وعائلته- على نحو يائس، في استخدام لغة القانون، والمطالبة بصحة الإجراءات، والتفكير في الدساتير، وتخيُّل صياغات بديلة للقانون. على سبيل المثال، يقترح في مكان ما أن الدستور يجب ألَّا يقنِّن الحقوق بصيغة «تضمن الدولة ...»، بل بصيغة «لكل مواطن الحق في ...». أُدرك أنه يعني أن المواطنة ليست هبة تمنحها سلطة ذات سيادة؛ بل هي علاقة تنتج عن اعتراف متبادل، ويمكن تفعيلها فقط بمجرد أن يعيد هؤلاء المواطنون، على نحو متواصل، تأكيد الحالة التي أضفاها أحدهم على الآخر. هذا ممكن فقط في عالم مشترك بمقدورنا أن نسكنه. 

كما يُظهر القانون في أماكن غريبة. على سبيل المثال، في فصل جميل عنوانه «توحُّد»، يوضِّح علاء كيف يعوق التوحد الأفراد عن التعامل مع، وفك شفرة، ما يُدعى «المنهج الضمني»، أي تلك الأعراف والسلوكيات غير المعلنة التي تكوِّن مادة الحياة اليومية. يستجيب الأفراد لعدم القدرة هذه عبر الغضب والعدوان: «السلوك العدواني محاولة للتواصل للتعبير عما يعجز التعبير عنه».

ما الذي يعجز التعبير عنه هنا؟ إنها السلوكيات والقواعد غير المعلنة التي تُلزمنا. يقارن علاء بين «المنهج الضمني» و«الدستور المكتوب». «المنهج الضمني» في هذه الحالة هو منظومة الأعراف الاجتماعية القاسية التي تنظِّم التعذيب المنهجي. أما «الدستور المكتوب» فهو ما تعلنه الدولة كمقصد لها، وما عليه أن يكون ملزمًا لها. إننا قانطون لأن الدستور المكتوب غير ذي صلة، ولا يكترث بنا، بينما يقطِّر المنهج الضمني بالمزيد حتى من الدماء، وكلاهما غير عادل بشكل عام. 

بنهاية الفصل، يصير «المنهج الضمني» هو «الدستور الضمني» لهذا، ربما من الممكن أن ندعوه القانون.

ما الأسهل؟! أن تدرب الأقلية العاجزة عن الامتثال للدستور الضمني على تجاهل الظلم الواقع على الأغيار وتفادي تحدي السلطة وافتراض حسن نيتها، أم إقناع المجتمع بلا معقولية أن نتعايش مع سلطة تحلل لنفسها القتل والتعذيب والاعتقال طالما التزمت بقواعد ضمنية؟ تحذرنا الكتب.. لا تدريب على الانصياع، واجبنا تعليم المنهج لتمكين المعاق من أن يدرك ويرصد ما يتوقعه المجتمع ثم يقرر بإرادته الحرة كيفية التعامل، قد يختار الانصياع وقد يتمرد [1].

يروق لي مجاز «الدستور الضمني»، لكن ربما يفسره علاء على نحو أضيق مما يجب. يشتكي علاء من أننا نعيش تحت «دستور ضمني» يضفي شرعية على التعذيب، ويجعل الأفراد متواطئين مع هذا السر المعلن. غير أن علاء يقلل هنا من حقيقة أن التعذيب يُخرّب «الدستور الضمني» أيضًا، ويدمر روابط الثقة والتضامن التي يمكن أن يلجأ إليها الناس، والتي تمكِّنهم من التعاون والتواصل. ماذا إذًا إن لم نكن نحن فقط، الثوريين، «المتوحدين»، بل كذلك كان القتلة والجلادون؟ إذ ليس بإمكانهم، هم أيضًا، استيعاب عالم الأعراف المعقد هذا، خارج الزنزانة أو قسم الشرطة، ويبدو التعذيب بالفعل محاولة غريبة لإقصاء عالم الأعراف الخارجية وتكثيفه في محاكاة مشوهة. لدى علاء المزيد ليقوله عن عالم الأعراف الخارجية هذا، وعن فروقه الطفيفة. إنه مهتم بتلك الأشياء اليومية الموجودة في الخلفية: الطقوس، الأطفال، الزواج، القصص، الحيوانات، إلخ. لِمَ لا يمكن لكل هذه الأشياء أن تنتمي كذلك إلى الدستور الضمني، الذي ينكره الجلاد أيضًا؟ 

سبب آخر لإعجابي بمجاز «التوحُّد»، سواء كان مجازًا لنا أو للجلاد- هو أنه يقدم لنا نموذجًا، مثيرًا للاهتمام، عن كيف يحدث لأفراد أن يخالفوا القانون. يدعو علاء مثل هذه المخالفة فعل «ضمير»، لكنني أشعر أن أفكار من قبيل «الضمير» مفرطة الفردانية. ليس الضمير هو ما يأتي أولًا، بل عدم القدرة على استيعاب القاعدة، أو إدراكها. لنقل إنك تصادف توجيهًا ما، وأنك لا تستطيع أن تفهم سبب وجوده، من أين يأتي أو كيف يُطبَّق. سيكون الرد الطبيعي هو التشتت. لديك خياران: بمواصلة ذلك الرفض الأخرق، والمساءلة أو طرح الأسئلة، باختبار القواعد مرة أخرى، بدراسة تشريعها، بمقارنة إحداها بالأخرى، تتعلم تدريجيًّا أن تثق في أن طرحك للأسئلة وفضولك هما فعلان ضروريان من أفعال العدالة، ذلك لأنه فقط حينما يكون العرف مُبرَّرًا يصير داعمًا لحريتك. الخيار الثاني هو أن تصبح طاغية وجلادًا يرفض هذا التشتت، ويعلقه بقرار واحد. هذا هو الفرق بيننا «نحن» و«هم»، ليس أننا متمردون وهم يمتثلون، بل أننا نحن الأكثر ترحيبًا بالتشتت الناجم عن عدم معرفة كيفية التعامل مع الدستور الضمني [2]. 

على امتداد سردية علاء، يشعر المرء بإحباط متزايد من جانبه بسبب تنصُّل الدولة الصارخ من أي تظاهر بالالتزام بالقانون. إن «الدستور المكتوب» غير ملزم على الإطلاق، وغير قابل للتنفيذ. إنه زيف تام. تكمن الصعوبة هنا في أن «القانون»، بطبيعة الحال، هو دائمًا زيف يستخدمه الأقوياء ضد الضعفاء. لهذا فقد فتنتني دائمًا ظاهرة قيام الضعفاء باستخدام وسائل قانونية كي تُسمع أصواتهم، وكي يسجلوا الظلم الواقع عليهم. تفتنني دائمًا «الذات الميالة إلى التقاضي»، كما تدعوها الدراسات. يقول دريدا إن العدالة هي ضد القانون. يتعامل القانون مع القضايا المتشابهة بالطريقة ذاتها؛ تتعامل العدالة مع القضايا المتشابهة بطرق مختلفة. لكنني أتساءل إن كان مفهوم القانون ما زال -ربما- لديه بعض الشبه العائلي بالعدالة. بخلاف ذلك، لم نكن لنغضب بهذه الدرجة من الاتقاد حينما يكون القانون ظالمًا على نحو صارخ. 

يغرد علاء

«أنا عايز أوضح بس ان لو طهروا الداخلية وعملولنا اجدع دستور وجابوا حكم ثوري منتخب حبوب وكتبوا احسن قانون تظاهر في الدنيا برضه مش هلتزم بيه». (28 نوفمبر 2013) 

لقد حاول علاء (وسيف) حل مشكلة القانون بسكن عالم قانوني من صنعهما بأكمله. في هذا العالم المقلوب، يوجد قانون، ويمكنك أن تواصل الإصرار عليه، ويمكنك أن تستمر في تصوُّره، وربما يمكنك أن تشير إلى اللحظات التي يُثار فيها في كل لحظة يتجمَّع فيها الناس، «لمتنا» كما يدعوها علاء. ورغم هذا، ما أن يحوز سلطة، ما أن يدخل حيز التنفيذ، سوف تعصيه. يمكنك حتى أن تناشده وأن تعصيه في الوقت نفسه. يمكنك أن تتراوح بين الحدين الأقصى في الوقت نفسه. 

ما يرسخ هذا الخيال هو مبدأ تأسيسي: «لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب». هذا، في سياق مصر، يوتوبيا بالتأكيد. لكنه يبدو معتدلًا بالنسبة لأماكن أخرى ولجماهير آخرين. 

غير أن علاء يتعامل معه بجدية شديدة، ويتمسك به على نحو لا هوادة فيه، إلى درجة أن المرء يبدأ في التساؤل عن التبعات المحتملة لموقف كهذا. فبمجرد أن تجعل المبدأ التأسيسي للقانون هو «لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب»، قد يستلزم ذلك مراجعة نظرة معتادة إلى القانون كـ«أمر» و كـ«أداة». لتتخيَّل سيناريو حقيقيًا جدًا يجيز فيه شعبٌ (حكومة شعبية حتى) تعذيب جماعة من الناس. قد يكون هذا القانون صحيحًا من الناحية الإجرائية. ربما يجسِّد إرادة الشعب أيضًا. في أغلب الأحوال، ذلك تحديدًا هو ما يدعم صحة القانون- إمكانية بيان أنه، إجرائيًّا، يعكس إرادة الشعب أو جهة أخرى مخوَّلة. لكن إن تمسكت بأنه «لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب»، فإنك تُسائل، على نحو جوهري، فكرة أن القانون هو ببساطة ما يقرره أي أحد (شعب حتى). ودائمًا ما يشتمل كل قانون على عنصر اجتهاد، واعتباطية، وقوة.. من طرف الشرطة، ومن طرف القضاة، ومن طرف المشرعين. وكل منظومة قضائية تترك إمكانية العنف الاعتباطي هذه مفتوحة -وكثيرًا ما يكون ذلك هو الحال- يتعين مُسبقًا الارتياب في أنها كذلك. 

الرد المعتاد الذي واجهته كلما حاولت التعبير عن مثل هذه الحجة هو أنها ليست طموحة بما يكفي. إذ لِمَ لا نتمسك، بدلًا عن هذا، بالمبدأ الإلغائي، وننادي بنهاية كل عقاب و/أو السجون؟ وألا يمثل هذا الإصرار على مطلب الحد الأدنى، المتمثل في «لا يجوز التعذيب»، تواطؤًا مع منطق الحبس؟

ربما، لكن يمكنني أن أتخيَّل هنا كذلك صلة بين يوتوبيات الحد الأدنى والحد الأقصى. في كلتا الحالتين، تُعطَى الأولوية للمجرم. هذا مُتخيَّل قانوني يقف دائمًا في جانب المجرم والضعيف. هو عادة الضعيف الذي من المحتمل دائمًا أن يُجرَّم. وهو عادة الضعيف من يتعرض للتعذيب. وهو عادة الضعيف من يعرف العنف الذي يتخلل القانون معرفة حميمة. إنه يجبرك على منازعة «الدستور الضمني» للامساواة.. المنظومة التي تعامل الناس كأشياء يسهل التخلُّص منها. 

يلاحظ علاء هذه المعضلة. في فقرة مؤثرة إلى سيف في أعقاب وفاة الأخير، يكتب علاء:

«كنا زمان نحكي عن قيمة الحقيقة. أتذكر كلامك فأتخيل محاكم تنتصر لها، في عالم مثالي بعيد لكن ممكن، محاكم تكشف وتشرح لنا الخلل، كيف فعلها الجاني؟ لماذا تركناه يفعلها؟ 

لكن عقلي عاجز عن تخيل كيف تساعدنا السجون في منع تكرارها. 

طيب من غيرك هيشرح للناس ازاي ان ينفع نحلم بعالم من غير سجون أصلا؟» (15 سبتمبر 2014)

سؤالي هو: ولِمَ ستكون هناك محاكم في هذا العالم؟ 

ولِمَ سيكون لنا «نحن» أي دور نلعبه في مثل هذه المحاكم؟ كما أن ما يصفه علاء هنا ليس الرؤية المعتادة للقانون كأمر تدعمه عقوبة. بل القانون كتعليمات، كتعليم، كنصيحة. لاحظوا، كذلك، أن الجرم ما زال موجودًا في ذلك العالم. لكن، بجوار المجرم، يُوضع المجتمع ككل موضع محاكمة، وذلك كي يواجه مسؤوليته في «تركه» يفعلها. إنه، مرة أخرى، عالم قانوني مقلوب، لأن مثل هذا القانون غير موجود. 

المفارقة أن علاء مسجون بسبب «إهانة القضاة». لا بد أن يكون هذا هو أعظم إطراء لهم، أنه فكر في أن يشملهم في يوتوبيته. 

«اللي يقولك الحل في تطبيق القانون بيستهبل عليك»

الحل في تطبيق القانون على القوي قبل الضعيف، على الغني قبل الفقير، على السيسي قبل الغفير». (13 أكتوبر 2014)

هذا عالم مقلوب، لأن مثل هذا القانون غير موجود، ولم يوجد قط. 

جزء من سبب الوصف المحتمل لعلاء بـ«قانوني أناركي» هو تأثير تجربة جنوب إفريقيا عليه، والتي يمكن رؤيتها من الفصل الأول من الكتاب: «من يكتب الدستور؟» وهذا، بالتأكيد، سؤال مثير للانتباه. تتناثر في كتاباته كلمة «نحن».. «نحن» المنتمون إلى هذا الميدان، «نحن» الموجودون بين الأمل واليأس، «نحن» من نحب، ونغفر، ويُثار غضبنا، ونعصي. لكن من «نحن» هذه؟ وما هو «الشعب»؟ ومن هؤلاء الذين «لن يهزموا»؟ إذ لا بد أن علاء يعرف -كما توحي تأملاته عن جنوب إفريقيا- أن «نحن» هذه سؤال، وليست معطى. إنها لحظيّة، مصنوعة، محل تنازع، ومساءلة، لكن لا يمكن افتراضها مسبقًا. والمأساة هي أننا «نحن» نواصل استدعاء «نحن» ما، وما زلنا نريد تأجيل الرد على السؤال: من؟ 

ثمة توتر هنا كذلك. فماذا إن قرَّرت الـ«نحن»، التي تضع القانون، أن تعذِّب شخصًا أيضًا؟ هذا هو تناقض كل قانون. إنه ينطوي دائمًا على عنصر قوة، على سلطة غير شرعية، على إصدار أمر. هذا هو السبب في أن علاء قرَّر أن يعصيه مُقدَّمًا، ورغم ذلك يصر على أنه «يُلزم» الناس. ذلك موقف من المستحيل، من الهستيري الالتزام به.

هل جرى تجنيدنا في خيال مستحيل عن قانون دون أوامر؟ عن قانون واضعه هو «نحن» مجهولة؟ قانون يظل واضعه والمتوجَّه إليه سؤالين؟ فهو يبدو، من جهة، كليبرالية جديدة مفرطة. ويبدو، من جهة أخرى، كشيوعيّة. كذلك يظهر هذا الالتباس، كأوضح ما يكون، في تأملات علاء عن الإنترنت. لقد تخيَّل علاء -كان ذلك عام 2011- أن الإنترنت أقرب إلى حشد يتجاوز القوى الحاكمة للدولة، أن الإنترنت هو ربما قانون في ذاته، ما يسميه «بنية تحتية». غير أن الإنترنت ليس مجرد بنية تحتية ديمقراطية، إنه، كذلك، اقتصاد سياسي، واحتكار، وسوق للعلامات. لهذا، قد يبدو كقانون أعلى بدون أوامر -قانون الحشد والشبكة- لكن يتضح أن ذلك خيال أيضًا. وأنه يحمل معه الكثير من العنف المركزي واللامركزي. 

لكن ربما من الممكن أن يتقبَّل المرء إمكانية أنه يُجنَّد دائمًا على أي حال، وأن هذه المخاطرة لا يمكن استبعادها، سوى، كذلك، أن المرء يظل مستعدًا للاعتذار. ليس لديّ شك في أن لحظة أخرى ستأتي سيكون فيها سؤال من «نحن» سؤالًا في محله. وأن سؤال القانون سيستمر في إثارة الاهتمام والغضب. لهذا، من أجل الاستعداد لمثل هذه اللحظة، ثمة أسئلة ثلاثة يتعين أخذها بعين الاعتبار. 

أولًا، عن أي شيء عليك أن تعتذر؟ [3]

ثانيًا، من يكون «نحن»؟

ثالثًا، ما هو «الدستور الضمني»؟ وكيف نقرِّر أن نمتثل أو نتمرد؟ 

أقترح عليكم أنتم، من لم تُهزموا، الابتعاد عن حسرة القلب، والبدء في الاحتفاء بالهيستريا والنشوة. هذا هو الموقف الهستيري الذي يجسده علاء. أن تكتبوا دساتير مُتخيَّلة. أن تصيغوا برامج سياسية لا جدوى لها. أن تتقمصوا في آن واحد دور المجرم، والمحامي، والقاضي، والمدعي عليه، والشاهد، والحاجب، وهيئة المحكمة، والمحلفين (وجميعهم يجسدهم علاء في آن واحد). لنر ما هو ذلك العالم القانوني المقلوب.

هوامش:

1- لكل «نيرد» nerd يقرأ هذا: ثمة لازمة فلسفية لمثل هذه الطريقة للنظر إلى العالم، وهي «مفارقة اتباع القاعدة» لدى فيتجنشتاين. كم أود أن أخبر علاء بذلك.

2- هذه الحجة مستوحاة من كتاب رائع آخر كنت أقرأه بالتوازي مع كتاب علاء. كتاب مارتن هاجلاند: This Life: Secular Faith and Spiritual Freedom. أوصي بقراءتهما معًا.

3- كتب علاء إلى الراحلة أسماء البلتاجي، التي كانت ضحية للقتل على يد الدولة:

caption
عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
هشام فؤاد

ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»

« تاريخ نقابة الصحفيين مع تغوّل السلطة التنفيذية ليس وليد حملة التضامن مع ليلى سويف و«جزرة» البدل»

اقرأ →
رأي
أحمد حرارة

الساموراي الأخير

«حياة حافلة ومسيرة عامرة وطريق صعب، لا يمكننا اختزاله في قرار ليلى سويف بالإضراب عن الطعام»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).