تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»

هشام فؤاد
14 دقيقة قراءة
ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»
وقفة على سلالم نقابة الصحفيين- أرشيفية

بعد أقل من شهر من هزيمة عبد المحسن سلامة، مرشح السلطة لموقع نقيب الصحفيين، في الانتخابات التي شهدت تدخلات إدارية وأمنية فجة، تعرض نقيب الصحفيين المستقل، خالد البلشي، لهجوم واسع من صحفيين قريبين من الدولة ولجان إلكترونية، بعد مطالبته بالإفراج عن الناشط السياسي والكاتب، علاء عبد الفتاح، مع الصحفيين المحبوسين.    

واجه النقيب وأعضاء المجلس، المحسوبين على المعارضة، حملات ممنهجة من التشهير والسب والقذف عبر صفحة على موقع فيسبوك بعنوان «ويكليكس الصحفيين».

 ورغم تقديم ثلاثة بلاغات إلى الجهات المختصة، لم تتخذ أي جهة مسؤولة خطوة واضحة تجاه هذه الانتهاكات حتى الآن، وكأن الأمر لا يعني شيئًا، أو أنه مطلوبًا ومخططًا من جهة ما.

هذه الضغوط المتنامية، من جهات بالدولة، والتي تضمنت تلميحات بوقف أو تعطيل مزايا مهمة للصحفيين، دفعت البلشي إلى رفض استقبال سلم النقابة الوقفة النسائية التضامنية، مع الدكتورة ليلى سويف، المضربة عن الطعام منذ 30 سبتمبر الماضي، في مشهد دالٍ على حجم التدخلات السلطوية المتزايدة خلال الفترة الماضية في النقابات المهنية.

ويكفي أن نشير هنا في عجالة إلى إحالة الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، خالد أمين، إلى التحقيق في النيابة العامة إثر شكوى مقدمة من وزارة الصحة الشهر الماضي، على خلفية تصريحاته النقابية، والتجاهل التام لمطالب المحامين المنتفضين منذ شهر تقريبًا ضد تسليع التقاضي.

في السطور التالية، نسعى لإلقاء الضوء عما يجري في نقابة الرأي ودلالته وأسبابه وكيفية التعاطي معه، بعيدًا عن الشخصنة، في الفترة المقبلة.

تيارات متصارعة

بعد واقعة اختراق البلشي للخطوط الحمراء، ومطالبته علنًا، في بيان، بالإفراج عن علاء عبد الفتاح، الذي تعتبره دوائر في الحكم بمثابة خصمها اللدود، تحولت جروبات الصحفيين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب حقيقية. وانقسم الصحفيون إلى تيارات متعارضة، تسعى كل منها إلى تسييد موقفها.

 تيار يضم موظفي أقسام الأمن بالمؤسسات الذين أصبحوا أعضاءً في النقابة، بالإضافة إلى قسم من الصحفيين المحافظين، يهاجم بعنف البلشي، ويطالب بعدم الزج بالنقابة في أي صدام مع الدولة، ويرفض أي تضامن مع عبد الفتاح، حتى ولو كان أمضى فترة حبسه، وشارفت والدته عالمة الرياضيات على الموت، لعدم إغضاب الحكومة التي تغطي 90% من العجز في ميزانية النقابة، وتمنح الصحفيين بدلًا ماليًا شهريًا. 

ودومًا يستدعي الصحفيون من الذاكرة أزمة الاقتحام، غير المسبوق، لقوات الأمن لمقر نقابة الصحفيين عام 2016، للقبض على الصحفيين، عمرو بدر ومحمود السقا، لاشتراكهما في مظاهرات ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

وعلى أثر ذلك تمت إحالة النقيب الأسبق، يحيى قلاش، واثنين من أعضاء مجلس النقابة، هما خالد البلشي وجمال عبد الرحيم، إلى المحاكمة بتهمة «إيواء صحفي ومتدرب بمقر النقابة مع علمهما بأنهما مطلوبين للتحقيق»، وتم الحكم عليهم بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات.

ومما يزيد من حجم التوتر والسخط على النقيب، أن الحكومة، حتى كتابة هذه السطور، ترفض الإعلان عن قيمة الزيادة في بدل التدريب، والمقرر أن يتم صرفها الشهر المقبل، لمواجهة الغلاء الفاحش. 

بدأت رحلة البدل مع بداية الثمانينيات، وكانت القيمة المرصودة آنذاك عشرة جنيهات تحت بند «بدل المراجع»، ويهدف إلى «صقل مهارات الصحفيين».

لكن البدل كان وسيلة «لاحتواء» الصحفيين ونقابتهم صاحبة الصوت العالي والمزاج المعارض، وربطت الحكومة زيادته الدورية بموعد الانتخابات النقابية التي تجري كل عامين، لتعويم مرشحها على منصب النقيب، ما وصمه -البدل- بالرشوة. 

وتزامنًا مع اعتبار سلطة الثورة المضادة، في صيف 2013، الصحافة خصم لا بد من الإجهاز عليه، بات البدل تدريجيًا هو المصدر الرئيسي لدخل قطاع كبير من الصحفيين، وتغير مسماه ليصبح «بدل التدريب والتكنولوجيا»، وزادت قيمته تدريجيًا، لتصل إلى 3900 جنيه شهريًا، ويتحول إلى أداة تهديد فعالة في يد الحكومة، تلوّح به وقتما تشاء.

 وحسب استبيان أجرته النقابة، ديسمبر الماضي، فإن 48.6% من الصحفيين يعتمدون على البدل كوسيلة للإعاشة، ويستخدمه 34.2% من الصحفيين إلى حد ما بين متطلبات المعيشة والعمل، بينما تستخدمه النسبة الأقل 17.2% في الغرض المخصص له وهو التدريب والتكنولوجيا.

ولم يقف تأثير التعاطي الحكومي مع بدل التدريب، عند ذلك الحد، بل شوّه علاقات العمل، حيث حول النقابة إلى ما يشبه «الشركة» التي تمنح «موظفيها» راتبًا شهريًا.

ويكفي أن نعرف أن هناك صحفيين قبلوا العمل دون أجر، فقط ليتمكنوا من الالتحاق بالنقابة (الشركة)، بينما يرفض قطاع آخر من الجمعية العمومية للنقابة، باستماته، ضم أي صحفيين جدد. 

معسكر «الحريات أولًا»    

في الأزمة الأخيرة الممتدة، رفع تيار ثانٍ شعار «الحريات أولًا» وسلم النقابة «خط أحمر»

هاجم هذا التيار إلغاء الوقفة التضامنية مع الدكتورة ليلي سويف، مشيرًا بغضب، إلى أن التضامن جاء من نقابة الصحفيين التونسية والاتحاد الدولي للصحفيين، الذي طالب، في بيان، بالإفراج عن 22 صحفيًا، مشيرًا، في مقدمة البيان، إلى أزمة الكاتب علاء عبد الفتاح، الحائز على جوائز دولية في الكتابة.

وينطلق هذا التيار من أن سلم النقابة له «رمزية» وينبغي أن يكون متاحًا لكل المصريين في أي وقت، وتحت أي ظرف، مثلما كان قبل ثورة 25 يناير 2011، حيث استضاف وقفات لكل مظاليم المجتمع من صيادين وعمال ومهنيين وطلاب وسياسيين.

قسم من هذا المعسكر يتعالى على أوجاع الصحفيين المادية، ولا يتردد في اتهام زملائه الساعين إلى زيادة قيمة البدل بأنهم بـ«يناضلوا عشان ثمن ساندويتش شاورما، وعبيد البدل، وصحفيون كسالى».

بينما يقدم قسم آخر انتقادات أكثر وجاهة، معتبرًا أن البدل بات بديلًا عن أدوار وواجبات النقابة، في الدفاع عن حقوق الصحفيين الاقتصادية والاجتماعية والمهنية، والعمل من أجل الأجر العادل الكريم اللائق، والدفاع عن الحريات وحق المجتمع في المعلومة ومعرفة الحقائق وتعدد الآراء، بل وكبديل عن الصحافة ذاتها.

الخبز والحرية

بعيدًا عن الاستقطاب بين معسكري الأجور والحريات، برز تيار ثالث يدافع عن البدل والتضامن مع كل قضايا المضطهدين.

ويدافع هذا التيار عن رؤية مضمونها أن حرية الصحافة تساوي «أكل عيش»، ما يربط بوضوح بين الحرية وتحسين مستوى المعيشة، فالاثنان يؤثران في بعضهما البعض، وبالتالي فلا يوجد أي معنى، لافتعال أي تناقض بينهما.

وينطلق من أن الصحفي لكي يمارس دوره يجب أن تتوفر له فرص عمل لائق، وكذلك مناخ وقوانين تصون حرية الصحافة وتحمي حرية الرأي والتعبير وتشجع على الاختلاف.

أيّد هذا التيار بيان البلشي التضامني مع الصحفيين المحبوسين وعلاء عبد الفتاح. ورغم أنه انتقد إلغاء الوقفة، واعتبره تراجعًا أمام سلطة غاشمة، ينبغي وضعه في سياقه وفهم أسبابه ومدلولاته.

السلطة وميلاد البيروقراطية النقابية

 تاريخ نقابة الصحفيين مع تغوّل السلطة التنفيذية طويل، ليس وليد حملة التضامن مع ليلى سويف و«جزرة» بدل التدريب، بل بدأ منذ تأسيسها.

وتميزت النقابة، منذ إنشائها عام 1941، باهتمامها بقضايا الديمقراطية في المجتمع المصري. في عام 1954، طالبت النقابة الجيش أن يتنازل عن الحكم، وأن يلغي الأحكام العرفية، فصدر قرار بحل مجلس النقابة، في 15 أبريل 1954. وقد تسبب هذا في تأجيل انعقاد الجمعية العمومية حتى عام 1962. وفي العام التالي 1963، لم تعترف الحكومة بقرارات الجمعية العمومية التي انعقدت في نفس العام.

ومن الملاحظ أنه على الرغم من المحاولات المتكررة من النقابة لإنقاذ حرية الصحافة، إلا أن التطورات الفعلية أدت الى دمج الصحافة المحلية داخل الدولة، وهو الأمر الذي كان انعكاسًا وجزءًا من السياسة الإدماجية للدولة الناصرية، التي ابتلعت المؤسسات السياسية والنقابية في المجتمع.

كما حرصت الدولة على تحجيم دور الجمعيات العمومية للنقابات المهنية، فرهنت ميلاد النقابات المهنية وتعديل قوانينها بإرادة البرلمان.

وحوّلت قوانين النقابات المهنية مجالسها إلى جهة لإصدار تراخيص للراغبين في مزاولة المهنة، لتتحول إلى سلطة إدارية للسيطرة، وامتدادًا لجهاز الدولة، بدلًا من أن تسعى إلى تشجيع كل العاملين بالمهنة للانضمام إليها لتوحيد نضالهم الجماعي دفاعًا عن حقوقهم.

هكذا، بات الانضمام للنقابات المهنية، إجباريًا وليس اختياريًا، كما يجب أن يكون، ولكي يكتمل الحصار، حظر الدستور التعددية في النقابات المهنية .

وتفتقد النقابات المهنية للتجانس في عضويتها، حيث تضم نقابة الصحفيين، إلى جانب الصحفيين الذين يعملون بأجر في المؤسسات المختلفة، ممثلين لملاك الكثير من هذه المؤسسات، مما يجعلها أقرب إلى الطائفة الحِرَفية منها إلى النقابة الحديثة. 

ولا تقوم النقابات المهنية على أساس وجود لجان قاعدية لها في مؤسسات العمل المختلفة (الشركات، والمصانع، والصحف، إلخ)؛ مما يضعف من تأثير دورها النقابي.

وفي ظل هذه الأجواء، غالبًا ما كان النصر حليف التيار التوفيقي من المعارضة، خصوصًا أن النقابة تستبعد من عضويتها الفاعلة جزءًا كبيرًا من شباب الصحفيين ممن ليس لهم عقود عمل، أو يعملون في مواقع إلكترونية، وفي نفس الوقت، تحافظ على عضوية رؤساء التحرير ومجالس الإدارات، أي من يمتلكون سلطة الجزاء، بل وتشترط موافقتهم على انضمام الصحفيين للنقابة.

يؤدي هذا الوضع المشوّه إلى هيمنة بيروقراطية نقابية على مجريات عملها، وتتشكل لها سريعًا مصالح مع أصحاب الأعمال والدولة، وتبتعد عن هموم الأُجَراء.

في هذا السياق، لم تكن مفاجأة أن يتم «سلق» الاجتماع الأخير للجمعية العمومية للصحفيين، والتي من المفترض أن تحاسب النقيب ومجلس النقابة، بل وأن تتلاعب اللجنة المشرفة على الانتخابات برئاسة السكرتير العام، جمال عبد الرحيم، في الاقتراحات المقدمة من الصحفيين إلى الجمعية العمومية للتصويت عليها بالحجب أو الاختصار، وذلك بدلًا من ابتداع آليات لتعميق النقاش الديمقراطي داخل النقابة. 

البلشي في المصيدة للمرة الثانية.. ولكن

انحازت غالبية الصحفيين، خصوصًا من الشباب، الذين يعملون في ظروف عمل قاسية، لاختيار البلشي نقيبًا لدورة ثانية، بما يمثله من رمزية كنقيب مستقل له تاريخ في مجال الحريات، كما حظى بتأييد قطاعات «محافظة» تعبيرًا عن رضائهم عن أدائه «المتوازن»، بجانب الأداء الباهت لمرشح السلطة عبد المحسن سلامة، عندما كان نقيبًا للصحفيين عام 2017.

لكن فوز البلشي لم يكن مفروشًا بالورود، فلم يتمكن من الفوز بعضوية مجلس النقابة سوى اثنين من المحسوبين على تيار «الاستقلال»، إحداهما إيمان عوف، اليسارية، والتي تدخل المجلس لأول ومرة، والثاني الناصري، محمد سعد عبد الحفيظ، وهو ما وفّر للبلشي في نهاية المطاف أغلبية «هشة»، فيما نجحت الدولة في تعويم واحد من أهم رجالها، وهو السكرتير العام السابق للنقابة والعضو الحالي بمجلس الشيوخ، محمد شبانة، ليكتسح الانتخابات.

نجاح شبانة، الذي يتم إعداده ليكون النقيب المقبل، يعبر بوضوح عن مدى هشاشة الوضع الاقتصادي للصحفيين، فقد كانت الخدمات المباشرة وغير المباشرة، ودعمه الصريح من وزراء ورجال أعمال هي جواز مروره.

ويشير كذلك إلى أن الجمعية مهيأة بتركيبتها الحالية، في حال عدم تغيير نهج العامين الماضيين، إلى العودة مرة أخرى الى خيار النقيب الحكومي. 

شبانة، ليس مرشحًا حكوميًا عاديًا، بل هو أحد رموز جبهة «تصحيح المسار» التي خرّبت عمدًا قرارات مجلس النقابة التصعيدية في مواجهة كارثة اقتحام الأمن للنقابة. كما أنه رئيس مجلس إدارة نادي الصحفيين، والذي يرفض بشكل صريح نقل تبعيته للنقابة، وبالتالي يمكن استخدام النادي، في أي لحظة، لتفتيت أي موقف نقابي لا ترض عنه السلطة.

البلشي، نجح خلال دورته الأولى في إعادة النقابة للصحفيين بعد سنوات التكفين الطويلة، وأعاد سلم النقابة، ولو بشكل جزئي، للمجتمع، وخاض معارك دفاعًا عن الصحفيين المحبوسين، وكرّم من أطلق سراحهم، ولأول مرة تنخرط النقابة إضرابات للمطالبة بزيادة الرواتب، كما حدث مع إضراب صحفيي مكتب «بي بي سي» بالقاهرة، في أغسطس 2023، كما أطلقت حملة غير مسبوقة لتعيين الصحفيين المؤقتين في المؤسسات القومية، وتسعى لإلغاء الحبس في قضايا النشر، فضلًا عن المشاركة في تدشين تحالف نقابي ثلاثي مع نقابتي المحامين والمهندسين لمواجهة الاحتكارات في مجال الصحة. 

لكن البلشي تبنى النهج التوافقي، فلم يتحدَ اعتماد النقابة المفرط على الدولة لتمويل عجز ميزانيتها ببرنامج جاد، حتى لو كان متدرجًا. ورفض الانضمام إلى دعوى أقامها الكاتب الصحفي كارم يحيى، أمام مجلس الدولة، العام الماضي، لمنع تغوّل السلطة التنفيذية على مقدرات النقابة، وطالب فيها بعدم الجمع بين منصب النقيب أو عضوية المجلس والوظائف الحكومية، تطبيقًا لقرار سابق للجمعية العمومية رقم 13 لسنة 2019، وهو القرار الذي تم التأكيد عليه في الجمعية العمومية الأخيرة.

 كما تراجع، عن ضم الصحفيين الإلكترونيين، المحرومين من الانضمام للنقابة بحكم قانونها الذي تخطاه الزمن، حتى إلى جدول المنتسبين. واستدعى «قيادات صحفية» لها حظ وافر من الإساءة للصحفيين في مقدمة مشاهد نقابية مهمة، ولم يتحرك لمحاسبة من أساءوا لزملائهم الصحفيين وشهّروا بهم.

أمام البلشي فرصة أخرى، وإن كانت أكثر صعوبة، للقطع مع هذا النهج التوفيقي، بعد أن جدد الصحفيون ثقتهم فيه، والعمل بشكل منفتح «مع» شباب الصحفيين من داخل وخارج النقابة، وعبر المؤسسات، لتنفيذ قرارات المؤتمر العام السادس، الذي عُقد في ديسمبر الماضي. وهي القرارات التي تستهدف انتشال الصحفيين من هوة الفقر، وسطوة رؤساء التحرير ومجالس الإدارات، وتمكينهم من ممارسة عملهم واستعادة المهنة التي غابت بفعل تآمر السلطة عليها وتقييدها بقيود القوانين سيئة السمعة والنية، فهل يفعلها البلشي ويأخذ خطوات جادة على طريق خلق نقابة قادرة على مواجهة التحديات، في ضوء دروس العامين الماضيين؟

وضع الصحافة اليوم 

يمكن أن نلاحظ بسهولة تراجع النظام، في الفترة الأخيرة بالذات، عن الوعود التي أطلقها إبان مرحلة «الحوار الوطني» بتلطيف الأجواء السياسية والفتح التدريجي للمجال العام، مرعوبًا من تداعيات الأزمة الاقتصادية العنيفة، ومستفيدًا من حرب الإبادة الصهيونية في غزة، ليطلق صيحته الجديدة: الاصطفاف.

وتحت غطاء «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، تراجعت مصر أربعة مراكز على مؤشر التصنيف العالمي لحرية الصحافة ،خلال عام 2024، لتحتل المركز 170 من أصل 180 دولة شملها التصنيف، مقارنة بالمركز 166 خلال عام 2023، حسب منظمة مراسلون بلا حدود.

وقالت لجنة الحريات بالنقابة إن نقيب الصحفيين تقدم، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، بطلبٍ للنائب العام والجهات المختصة للإفراج والعفو عن 20 صحفيًّا محبوسًا احتياطيًّا، واثنين من الصحفيين صدر بحقهما حكمين بالحبس.  

ومن المتوقع أن تتواصل إجراءات إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية الحكومية تمهيدًا لخصخصتها أو تصفيتها تدريجيًا، في ظل الأزمة الاقتصادية وانخفاض سقف الحرية، ما يعني أن ظروف الصحفيين تتجه الى الأسوأ، في ظل غياب الشفافية وتقليص تمثيل العاملين في مجالس الإدارات.

وأوضح استبيان أجرته نقابة الصحفيين، في ديسمبر الماضي، إلى أن أكثر من نصف المؤسسات الصحفية (51.8%) لا تمتلك لائحة أجور واضحة، كما أن النسبة الأكبر منها (50.5%) لا تطبق الحد الأدنى للأجور، ونسبة قليلة جدًا (29.9%) تطبق الحد الأدنى للأجور بشكل كامل، أيضًا عبرت الغالبية العظمى من الصحفيين (88.4%) عن حالة من عدم الرضا الواضح عن آلية اختيار القيادات الصحفية.

ما العمل؟

تحتاج نقابة الصحفيين اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ميلاد تيار نقابي ديمقراطي، يتقاطع مع المجلس والنقيب أحيانًا، ويسعى لخلق نقابة قوية تضمن الانتقال والتقدم إلى الديمقراطية والمهنية، وعبور الفجوة بين مجرد الكلام عن نقابة تنادي بالحرية وحرية التعبير، والعيوب الهيكلية في وضعها الراهن.

تيار يكون في مقدمة الصفوف للدفاع عن المصالح الاقتصادية للصحفيين، وعلى رأسها وضع لائحة جديدة للأجور، خصوصًا أن غالبية الصحفيين يتقاضون أجورًا أقل من الحد الأدنى للأجور.

تيار يضغط لتشكيل لجنة لإعداد لائحة للأجور، تتضمن حدًا أدنى لائق، وحدًا أعلى معقول غير فاحش، للتفاوض عليها مع جميع الجهات المعنية، فمن لا يملك قوت يومه لا يملك قلمه.

كان الصحفيون قد خاضوا، عام 1976، معركة ضارية مع السلطة عبر عقد عدة جمعيات عمومية أدت إلى إقرار آخر لائحة أجور، ويومها كانت أجور الصحفيين في مرتبة متقدمة في سلم المرتبات في الدولة.

ويسعى هذا التيار كذلك إلى خوض تفاوض جاد لـ«تقنين» بدل التدريب والتكنولوجيا، وأن ترتفع قيمته سنويًا وفقًا لارتفاع معدلات التضخم، بعيدًا عن مواسم الانتخابات، لوقف تبعية الصحفيين وقادة النقابة للحكومة، استنادًا لأنه بات جزءًا من الأجر الشامل للصحفيين، وذلك وفقا لتعريف الأجر في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، وهو ما شدد عليه أيضًا الحكم التاريخي لمحكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، عام 2021.

قالت المحكمة، في حكمها البات والنهائي، إن «تكرار صرف ذلك البدل سنوات طويلة ومداومة تطبيقه على نحو اكتسب معه بمضي الزمن منزلة ملزمة (..) فإنه بذلك يرتفع إلى قيمة القواعد القانونية، بما يستوجب الالتزام بها كقاعدة قانونية إدارية وعرفًا إداريًا من القواعد الراسخة للقانون الإداري». وناشدت المحكمة المشرع بـ«تقنين بدل التكنولوجيا للصحفيين»، مشيرة إلى أن «بدل التكنولوجيا حق لصيق للحياة المهنية للصحفي، وبدونه لا تستطيع الصحافة وضع الحقائق أمام أعين الشعب».

تيار يدافع عن الديمقراطية في النقابة عبر اعتماد الشفافية في إتاحة المعلومات، والرد كتابة على المذكرات بالحقوق والشكاوى، التي تُقدَم إلى النقيب والمجلس، وتفعيل مشاركة الصحفيين في اللجان المختلفة، واعتماد آليات لعقد اجتماعات دورية مع النقيب والمجلس، للاستماع إلى آراء الزملاء ومناقشة خطة العمل.. الخ.  

تيار منفتح على قضايا المجتمع، ففي كل المجتمعات الديمقراطية تمارس النقابات العمل السياسي، وتشتبك مع كل القضايا العامة، وتشارك في صنع السياسة العامة بصفتها جزء من المجتمع المدني.

تيار يسعى إلى تعزيز التحالف مع النقابات الأخرى، حول مطالب موحدة. 

تيار يناضل من أجل رفع الرقابة على الصحف والفضائيات، وإلغاء القيود على حرية الصحافة، وإلغاء الحبس في قضايا النشر.

وفيما يتعلق بهيكل النقابة، نرى أن الأصل في العمل النقابي هو التواجد داخل مواقع العمل عبر إنشاء لجان نقابية في كل مؤسسة، يكون انتخابها بالطريق الديمقراطي، وتكون هي جوهر العمل النقابي.  

أما فيما يتعلق بالمبادئ، فالشيء الجوهري هو تخلص النقابة من نخبويتها، بحيث يُنَص في قانونها على ضرورة ضم كل من يعمل بمهنة الصحافة كمهنة رئيسية، سواء في صحف مطبوعة أو مواقع إلكترونية، دون اشتراط التعيين.

وبالتوازي مع ذلك، تنقية جدول القيد من السكرتارية وموظفي الأمن، ومن تركوا المهنة، ونقل من يتولون وظائف عامة إلى جدول غير المشتغلين، من أجل خلق نقابة متجانسة وقادرة على مواجهة السلطة وغيرها، دفاعًا عن حرية الصحافة وعن حقوق الصحفيين.

وأيضًا، على النقابة ألا تسمح بتواجد ممثلي ملاك الصحف والمؤسسات في صفوفها، لأن هذا يعني فقدانها لواحد من أهم مبررات وجودها: الدفاع عن مصالح الأعضاء في مواجهة أصحاب عملهم.

وأخيرًا، وضع خطة عملية وملموسة لتحقيق الاستقلال المالي عن الحكومة، فدونه لا تصبح النقابة نقابة، إذ أنها في هذه الحالة تمثل مصالح من يمولها.

باختصار، النقابة التي نريدها هي التي تضم كل ممارسي المهنة، وتتصدى للتراجع الرهيب في مستوى معيشة الصحفيين وللعدوان على حرية الصحافة والصحفيين، وتدافع عن الحريات، وتنفتح على قضايا المجتمع، كخطوة على طريق كسر الاستبداد واستعادة الديمقراطية للمجتمع كله.

لتحقيق ذلك، ينبغي فتح أوسع نقاش ممكن بين الصحفيين من داخل وخارج النقابة، وتبني العمل التراكمي طويل النفس، وسط المؤسسات الصحفية، والابتعاد عن التكتيكات المغامرة، فالأقلية نافدة الصبر، قد تنعزل بل ومن الممكن أن تدخل في صدام عدائي مع جمهورها.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
أكرم إسماعيل

بين 2013 و2016.. هل حقًا تتمكن السلطوية بلا مقاومة؟

«أدهشني كثيرًا ما كتبه السياسي المتميز والباحث الجاد عمرو حمزاوي في مقاله المنشور في جريدة الشروق تحت عنوان "بين 2013 و2016.. تفسير تراجع الليبرالية واليسار في…»

اقرأ →
رأي
عبد الرحمن مصطفى

الصحفيون والداخلية: مَن يقصف جبهة اﻵخر؟

«تحركتُ يوم الأربعاء الماضي من أمام مبنى نقابة الصحفيين في وسط القاهرة، تاركًا خلفي طاقة إيجابية ملأت محيط النقابة، رغم الحصار المحكم لآلاف الصحفيين من رجال…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).