تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

نفكر مع علاء: عن أمل جيل

حسين عمر
11 دقيقة قراءة
نفكر مع علاء: عن أمل جيل

نشرت نسخة أصلية من هذا النص في 7 يونيو 2022 على موقع «ذا نيشن».

لم يتجاوز عمر علاء 40 عامًا، وقد أمضى معظم العقد الماضي في السجن، لكونه أكثر سجناء الرأي حضورًا في مصر، بعد أن سجنه حاكم بعد آخر من حكام بلاده. 

في 2006، اٌعتقل لأول مرة على خلفية احتجاجات لدعم القضاة في مطالبهم باستقلال القضاء، وأُطلق سراحه بعد 45 يومًا، ثم سُجن مجددًا في 2011 و2013 لفترات وجيزة نسبيًا. لكن في عام 2015، حُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات متهمًا بتنظيم مظاهرة دون تصريح. وبعد أشهر فقط من إطلاق سراحه في 2019، قٌبض عليه مرة أخرى لارتكابه جريمة تتمثل في نشر رأيه على فيسبوك. 

أمضى علاء أشهر قليلة من الحرية النسبية، مُجبرًا على النوم في قسم شرطة الدقي كل ليلة، استكمالًا لعقوبته. وعند عودته إلى السجن، تعرض للتعذيب. يكتب علاء: «أتحول إلى مادة فقط للإزاحة أو اﻹبادة أو الحجب أو النفي أو اﻹقصاء، أتحول إلى رمز أو فزاعة بلا وجود جسدي مادي».

نحن محظوظون بكتاب «لم تهزموا بعد»، لأن لدينا كتابات علاء الرائعة والمُجمعة الآن في شكل مادي، حيث نتتبع في الكتاب مسار علاء وتطور تفكيره السياسي، ونسمعه يسأل: «أعمل إيه بذات سياسية منزوعة السياق الجسمانية والإنساني العادي؟ اعيش إزاي كرمز مهما على شأنه؟» إذا كان ما يجعل علاء، أو أي شخص، «سياسيًا» هو قدرته على التحدث عن تطلعات الآخرين وتمثيلها، فهل يمكن للمرء أن يظل على من هو حقًا؟ يشرح علاء: «اتحرك في زمانكم لكني معلق في زمن ماض.» لم يكن السجن يهدف فقط إلى تهميشه عن التاريخ، بل سعى لحرمانه من الطقوس التي تجعله يشعر بمرور الوقت: لم يُسمح له بالتواجد إلى جوار والده المُحتضر ولا أن يشهد ولادة ابنه. ومع ذلك، بينما يتأمل في تحوله إلى رمز طيفي زماني، لا يسعه إلا أن يتساءل: «أنا طالع حاسس أن إحنا رجعنا للعصور الحجرية. الناس بـ تتكلم برسومات وأصوات… هُو هُو هَا هَا.. مش بالنص».    

مثل كثيرين آخرين، لقد سمعت لأول مرة اسم علاء عام 2006 تقريبًا، بعد وقت قصير من إعدام صدام حسين. مع تصاعد الإضرابات العمالية والسعي إلى استقلال القضاء، سمح حسني مبارك بالتعامل بهدوء مع انتقادات الطبقة الوسطى العلنية لنظامه. كان علاء واحدًا من النشطاء الذين وصلوا بسرعة نسبية إلى الإنترنت في تلك السنوات، وما صحب ذلك من تفاؤل لم يدم طويلًا، فقد كان علاء من بين العديد من المدونين الذين انتهى بهم المطاف في السجن. لكنني لم أتعرف على أفكاره إلا بعد عودتي إلى مصر في يناير 2011 للمشاركة في المظاهرات التي ستتحول إلى ثورة. كان ذلك بعد وقت قصير من تلك الليلة من شهر فبراير، والتي عرفت في أسطورة ميدان التحرير بـ«موقعة الجمل». مثل أحد الشعانين، وأربعاء الرماد، كان لجميع أيام الثورة السبعة عشر ألقابها المقدسة: «جمعة الغضب»، و«جمعة الرحيل»  و«أحد الشهداء». وفي تلك الأيام، اكتشفت تأملات علاء بخصوص ما يجب أن يكون عليه الدستور. كنت أعرف اسم علاء بشكل عابر دون ربطه بنوع الأفكار السياسية المعقدة التي تعرض في هذه المقالات المُجمعة.

في الوقت الذي تعرفت فيه على تفكيره لأول مرة، كان هناك الكثير من الحديث عن الدساتير، وكان الجميع يعلم أنه من الضروري التخلص من دستور مبارك، على الرغم من خضوعه لبعض الإصلاحات السطحية عام 2006، ولكن ما هو نموذج الدستور المصري الجديد؟ هل يكون على غرار «النموذج التركي» أم «النموذج الأمريكي»؟ 

في خضم هذه النقاشات، برز في ذاكرتي أن علاء كان وحده يسأل: لماذا نحتاج إلى نموذج آخر من الأصل؟ لماذا لا يمكن أن نتخيل دستورنا بشكل جماعي؟ أتذكر أن علاء قال هذا أمام حشد من الناس في الميدان. سرعان ما تطورت الأفكار إلى مقال نُشر في يوليو 2011. في نفس الشهر، تم إطلاق حلم علاء بدستور جماعي، باسم حركة «يلا نكتب دستورنا». 

في مقال «من سيكتب الدستور؟»، استوحى علاء الإلهام من «ميثاق الحرية» في جنوب إفريقيا، والذي اعتبره راديكاليًا، ليس بسبب محتواه، بل بسبب العملية التي تمخضت عن كتابته. لم يفترض نيلسون مانديلا ورفاقه أن دورهم هو «تثقيف الجمهور، بل تلقي التعليمات منهم، وتعطيل الاستعارات النخبوية لكيفية انتقال الأفكار». كتب علاء: «مانديلا ورفاقه احتاجوا دروس الجماهير لتوعيتهم سياسيًا. لماذا نفترض أننا أفضل منهم؟ لماذا، ما دام اتفقنا أن الدستور أحد أهم أهداف ثورتنا المستمرة، لا نشرك جماهير الثورة في صياغته؟» وهنا يتنبأ علاء بأن غياب التواضع سيؤدي إلى هزيمتنا. كتب علاء: «في كيب تاون، بالقرب من جوهانسبرج: تجمع الآلاف في ساحة أشبه بميادين تحريرنا، طوال يومين عاشت كيب تاون أهم تجربة ديمقراطية في التاريخ». 

مع ذلك، حذّر علاء من أن التجارب الديمقراطية سريعة الزوال ومأساوية بالضرورة: مثل الأحلام القاسية التي يمكن الشعور بها ورؤيتها فقط، لكنها تختفي في اللحظة التي نحاول فيها مأسستها أو حتى ترجمتها إلى كلمات. تزدهر الديمقراطية في الفجوات، في المساحات البينية، وحيث تلتقي السياسة بالشعر. عندما نحاول أن نجعلها أبدية، فإنها تموت.

خلال الـ17 يومًا، شكّل ميدان التحرير تفنيدًا حيًا للتصريح سيء السمعة، الذي أدلى به عمر سليمان لمذيع «سي إن إن»، بأن المصريين ليسوا مستعدين للديمقراطية. كانت المدينة المعتصمة قد شهدت حالة من التلاحم لأكثر من أسبوعين -تسامح ديني، مستشفيات ميدانية مُدارة بدقة، مجموعات تعمل بكفاءة لجمع القمامة والتخلص منها. كان النظام والعديد من الأفراد يعتقدون منذ فترة طويلة أن هذه الحالة مستحيلة. ولكن من خلال هذه الأفعال من المواطنة المنظمة ومشهدية الطابع، دحض الثوار الادعاء السياسي طويل الأمد، والذي مفاده أن التهديد بالتعذيب والاختفاء القسري والإذلال العلني هو وحده الذي يضمن عدم انجراف المصريين لممارسة العنف الطائفي والمتطرف. أتذكر أنني رأيت المتظاهرين يرفعون لافتة مكتوب فيها «المدينة الفاضلة»، في إشارة إلى أطروحة الفيلسوف الفارابي في القرن التاسع، والمؤمن بأفكار أفلاطون، والذي تخيل نظام حكم «يوتوبي»، لا يديره ملك أو قاضٍ، بل يُدار عن طريق السلوك الذاتي الفاضل لسكانه. من الصعب أن أكتب عن تلك اللحظة دون أن أشعر بالحنين إلى الماضي. لكن علاء يذكرنا، مرارًا وتكرارًا، بأن مثل هذا الحنين ليس مجرد فقر في الخيال، ولكنه خطير إلى حد بعيد من الناحية السياسية، ويصر على أن «خطيئتنا كانت الكبر لا الخيانة». 

ربما يكون الاعتصام الذي استمر 17 يومًا قد أطاح بمبارك، وكان إيذانًا بلحظة من التآخي، لكنه ترك الثوار بلا رباط على الرغم من تفاخرهم بأن ثورتهم، مقارنة بثورات آبائهم وأجدادهم، كانت بلا قيادة. يتذكر علاء في مقال نشر عام 2014: استبدل نشطاء الثورة عبادة الزعماء بعبادة ميدان التحرير نفسه. سرعان ما أصبح الميدان وما يمثله هدفًا في حد ذاته، وليس وسيلة للثورة. في واحد من أقوى المقالات في الكتاب، «جرافيتي لشخصين»، بالتعاون مع رفيقه السجين، أحمد دومة، والذي كُتب بعد حوار بصوت مرتفع عبر الزنازين، كان السجينان السياسيان يتأملان في الانسلاخ عن الماضي في الذكرى الثالثة للثورة: «نحن مثلهم في ضعفهم و قوتهم، وعلينا تحرير أحلامنا كما حرروا أحلامهم. الميدان مجرد استعراض للتعبير عن هذه الأحلام، تفيض به قلوبنا من محبة ما برز منه من أحلامنا. صنعنا منه أسطورة حبستنا وطمست تجربتنا وأذابت ذواتنا. تهنا داخله وظنناه غاية الحلم وجوهر الثورة. واجب علينا ذبح أسطورتنا بأيدينا كما ذبحوا أسطورتهم. حان وقت هدم الميدان لنتحرر ونعود لأنفسنا وثورتنا».

عند تحرير أنفسهم من مبارك، اعتقد الثوار أيضًا أنهم يحررون أنفسهم من استبداد الأجيال الماضية، لكنهم خلقوا عوائق جديدة في نضالهم من أجل الحرية. كيف نحرر أنفسنا من نفس الهياكل التي جعلتنا على ما نحن عليه؟ يحذر علاء من أن عملية التحرير قد تكون أيضًا شكلًا من أشكال الانتحار.

العديد من مقولات علاء في هذه المقالات تبدو وكأنها نبوءات أو استبصارات. ومع ذلك، فهو يرفض أي مدح: «لكل كاساندرا، مفيش جوائز للأسبقية في التنبؤ ولا فيه فائدة من قولة مش قلتلكم. مأساة كاساندرا مش في عدم قدرتها على إقناع غيرها، ككل الدراما الإغريقية٬ مآساتها كانت في عدم قدرتها على تقبل عجزها».

وفي حالتنا، المأساة هي رفضنا الجماعي لتقبل محدوديتنا. لقد كان علاء يُصرّ على هزيمة «الربيع العربي»، وأوضح لنا أن الهزيمة لا يمكن أن تقع في أفعال الآخرين ولكن في أوهامنا، الضرورية أحيانًا. لهذا السبب، تقاوم مقالاته تضخيم فكرة الاتكاء على عنف الدولة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى إصراره على أن التركيز على خطوات العدو ليس إلا لصرف الانتباه عن التناقضات، والغفلة، والانقسامات داخل كل واحد منا. إذا وُلد السياسي في اللحظة التي نميز فيها بين الصديق والعدو، فإن الإصرار على أن العدو خارجي عنا قد يكون خيالًا مريحًا، حتى وإن كان خطيرًا أيضًا. تنجح الثورات عندما يكون الثوريون مستعدين لمواجهة تناقضاتهم الخاصة والقوى المتصارعة داخل ذواتهم. الشعارات الثورية مثل اليأس خيانة تزعجني، يكتب علاء: «يخيفني إنكار إحساس طبيعي».

في الأشهر التي سبقت ظهور الكتاب، ظللت أخطئ في تذكر العنوان. في كل مرة اقول «إننا لم نهزم بعد»، ثم أشعر بخطأ ما. الاستبدال الذي يبدو بريئًا للضمائر -«نحن» مقابل «أنت»- ربما يكون أكثر قدرة على الإيحاء بما تجاهلت الاعتراف به. أصر العديد من زملائي المؤرخين، عن غير قصد، على سخرية «زهو إنلاي» المفترضة عن الثورة الفرنسية بأنه «من السابق لأوانه معرفة ذلك»، وأصروا على أننا لم نتمكن بعد من إعلان موت انتفاضات 2011 لأنه «من السابق لأوانه التكهن بمصيرها». عندما اجتاحت ثورة السودان ولبنان والجزائر بعد فترة طويلة من انطفاء جمرة الثورة في مصر، بدا للحظة وكأنهم ربما كانوا على حق.

لكن تقييم علاء، كما يتجسد في عنوان كتابه، كان رفضًا مباشرًا للانخراط في نوع من الوهم الذي روجته أنا والعديد من الآخرين أحيانًا: أنه من السابق لأوانه معرفة ذلك. لقد كان حُكم علاء على إنجازات الثورة وفشلها أكثر رصانة، لكن يمكن القول أيضًا إنه أكثر راديكالية. لقد كان ضد «نحن» التي تخيلتها في العنوان، والتي تشير إلى جمهور ثوري محلي وإقليمي، فيما «أنت» التي كتبها علاء تشير إلى جمهور ثوري دولي، وليس إلى المصريين أو العرب فقط. إنه يشير إلى أن نضالنا ضد الاستبداد في العالم العربي لم يكن خاصًا أو غريبًا، بل كان نذيرًا لأشياء ستحدث في جميع أنحاء العالم.

كانت فلسطين دائمًا في ذهن علاء، إذ يُذكّرنا كثيرًا في الكتاب بأن نضالها ليس انعكاسًا لديناميكيات الماضي، ولكنه يمثل من نواحٍ عديدة النضال ضد مستقبل وشيك، مستقبل يتم الاستثمار فيه وعزله، وإخضاعه للمراقبة. بالنسبة لعلاء، فإن فلسطين هي أكثر من مجرد استعارة: لم يكن العمل على دعم «الانتفاضة الثانية» مجرد بوتقة فقط لشبكات النشطاء الذين سينشطون على نطاق أوسع مع انتفاضات عام 2011، بل إن الكفاح من أجل تحرير فلسطين يعتبر جزءًا لا يتجزأ من مقاومة أوسع ضد الاستبداد على مستوى العالم. يعمل النظام في مصر، المدعوم أمريكيًا، على تنفيذ ترتيبات أمنية تجعل التحرر الفلسطيني مستحيلًا. لهذا السبب، حث علاء بسخرية جمهوره الأمريكي، بقوله: «أصلِح ديمقراطيتك: كانت هذه دائمًا إجابتي على السؤال: كيف يمكننا المساعدة؟» 

غالبًا ما يُنظر إلى الحركات السياسية في العالم العربي على أنها أصداء، متأخرة وغالبًا ما تكون مُجمَّعة، لنسخ أكثر تعقيدًا حدثت في أوروبا: يُصوَّر «الربيع العربي» على أنه إعادة لـ«ربيع الثورات الأوروبية» عام 1848 أو لـ «ثورة الياسمين» أو «الثورات الملونة». لكن علاء امتلك جسارة التساؤل عما إذا «ما لا يمكن تصوره لم يحدث». هل تنبأت انتفاضات 2011 بنوع جديد من النضال العالمي ضد نوع جديد من الاستبداد العالمي؟ هل كان في هزيمة 2013 على يد السيسي تبشيرًا بظهور القيادات القوية الجديدة التي ستظهر في جميع أنحاء العالم، من دوتيرتي إلى أردوغان إلى نتنياهو، ومن مودي إلى بولسونارو، ومن جونسون إلى بوتين، ومن أوربان إلى ترامب؟ في تأملاته حول رحلته إلى غزة عام 2012، كتب علاء أن الوضع هناك: «خارج السياق، وكأنه مرسل عبر الزمن من مستقبل مظلم لم نصل إليه بعد. لا نتفلسف ولا ننظر، نتهرب من الأمر».

لطالما سعى علماء السياسة ومراكز الفكر في أمريكا وأوروبا إلى العثور على «المثقف العربي»، الذي يمكنه شرح «المنطقة» للغرب. لا يعكس بحثهم هذا المركزية الأوروبية للكثير من المشاريع الأكاديمية فقط، ولكن أيضًا يحمل في داخله خيالًا نرجسيًا مفاده أن المثقفين المحترفين مهمون من الناحية السياسية. لكن عصر الجامعة ومثقفيها المحترفين الذين عملوا كمحركين للتغيير السياسي قد ولى منذ زمن طويل، وهؤلاء الذين يفكرون بشكل مُبالغ فيه بتفكيك «السلطة» غير قادرين على تحقيق ذلك بشكل ذو معنى.

تشير كتابات علاء إلى أن بعض الأفكار الجذرية في عصرنا يتم إنتاجها خارج الجامعات وأن بعض أهم المفكرين في عصرنا ليسوا أكاديميين. السؤال الذي يدور في كتابات علاء هو عن كيفية التوفيق بين السياسة الجماهيرية والتمثيل السياسي في منعطف فشلت فيه تكهنات المنظرين السياسيين والمثقفين المُستقلين. كتب علاء: «نفس الكلام يقوله الجميع، نفس الإحباط، نفس العجز، نفس الغضب. لا شيء يحدث، لا شيء له معنى. نتفلسف وننظر: تحتاجون لثورة».

رصانة علاء، بالإضافة إلى فترة سجنه الطويلة، جعلت البعض يقارنه بـ«جرامشي»؛ ذلك المُفكر الذي يستحضره علاء نفسه. في الذكرى الثانية للانتفاضات 2013، وكأنه يتنبأ بالانقلاب المقبل ومذبحة رابعة، غرد علاء: «تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة». حرصت الصحافة الإيطالية، من بين جهات أخرى، على وضع تسمية «جرامشي العرب» في الترجمة الإيطالية للكتاب. 

وبينما تبيع مثل هذه المقارنات الكتب وتجعل ما هو غير مألوف مستساغًا للجمهور الأجنبي، فإنها تقيد أيضًا خيالنا بطرق تتعارض، بشكل أساسي، مع روح تفكير علاء. يصر على أنه حتى عندما نظل مهزومين تمامًا، يمكننا أن نبدأ في تخيل ذلك الشيء المراوغ الذي يسمى الحرية. علاء بلا شك صنع التاريخ. إنه مثلنا جميعًا، لم يستطع أن يفعل ما يشاء، إلا أنه أوضح لنا لماذا يجب علينا رفض اللغة المُستعارة التي جعلتنا لفترة طويلة أسرى للخيال، وبالتالي أحبطت آمالنا.

ودع علاء والدته وأخواته، متوقعًا وفاته قبل موعد زيارتهن أثناء إضرابه عن الطعام. لو مات فإنه كان سيموت ولم ينل ميراثه كاملًا كما يخبرنا: «أورثتني أمي كعكة حجرية [في إشارة إلى ميدان التحرير] وحُبًا يخترق جدران السجن. وأورثني أبي زنزانة وحلم لا تقيده أسوار سجن ولا تحيطه أطراف ميدان ولا تحده حدود وطن. لم أتسلم ميراثي منهما بعد كاملًا؛ فمازلت أنتظر أن أتعلم منهما كيف أقضي عمري في الميدان بدون أن يأسر روحي و يستنزف حلمي، كيف أظل بداخله وأنا قادر على مواجهة الكوابيس بداخلي».  

ولكن ماذا نرث من علاء؟ ربما نرث أفضل دليل لمواجهة الكوابيس داخلنا وخارجنا.  قد يكون علاء رمزًا، لكن كتاباته تترك لنا مفتاحًا لفهم معناها، ولفهم المغزى المرعب والمروع لعصرنا.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
هشام فؤاد

ليلى والبَدل وسلم «الصحفيين»

« تاريخ نقابة الصحفيين مع تغوّل السلطة التنفيذية ليس وليد حملة التضامن مع ليلى سويف و«جزرة» البدل»

اقرأ →
رأي
أحمد حرارة

الساموراي الأخير

«حياة حافلة ومسيرة عامرة وطريق صعب، لا يمكننا اختزاله في قرار ليلى سويف بالإضراب عن الطعام»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).