حطام التاريخ ومعنى أن نقاوم
في مايو الماضي، استوقفتني صورة لفتاة صغيرة من غزة، لا يتجاوز عمرها ثلاث أو أربع سنوات. كانت تسير حافية وسط الأنقاض، تحمل حاويتين فارغتين بحجمها تقريبًا، في طريقها للبحث عن الماء. قد تبدو هذه الصورة أقل وطأة مقارنة بصور الأجساد المسحوقة والأطفال مقطوعي الرؤوس، لكنها تطاردني منذ رأيتها في صحوي ومنامي.
رغم كل الفظاعات المحيطة بها، رغم بؤسها الواضح ونظرتها المتجهمة التي لا تناسب عمرها، رغم ثيابها المتسخة، رغم أنها كانت تبدو ضئيلة جدًا ووحيدة وسط أكوام شاسعة من الخرائب، كان شعرها مرتبًا، وكأنه مُشط للتو. تخيّلتُ أحد ذويها يسرّح لها شعرها ذلك الصباح، في خيمة مهترئة أو في زاوية مركز للإيواء. تلك اليد التي امتدت إلى المشط، كيف تبدو؟ هل كانت تعي أن في ذلك الفعل البسيط مقاومة لا يقدر عليها العُتاة؟
هل لا تزال الفتاة تدق بقدميها الصغيرتين أرض هذا العالم؟ وأي مستقبل ينتظرها؟ وتلك اليد الطيبة، هل يتخللها الآن الهواء، أم التراب؟
تذكرني الفتاة بفتى المخيم، حنظلة. اغتيل مبدعه ناجي العلي عام 1987، وظل حنظلة شوكة في الضمير. لم يكن كاريكاتير العلي ضد الاحتلال فقط، بل كان موجهًا إلى الأنظمة العربية، والقيادات الفلسطينية، ضد كل ما يشبه السلطة، منحازًا بلا تردد إلى الفقراء. في رسوماته تنهار الشعارات، وتتحول المؤتمرات إلى فواصل فكاهية، ويظهر القادة بلا ملامح، منعزلون عن الذين يدّعون تمثيلهم. رَسم حنظلة بيدين معقودتين خلف ظهره، يراقب الأوضاع بالمرارة التي ينضح بها اسمه.
لكنه أيضًا لم يكن ساكنًا طوال الوقت. كان أحيانًا يلتقط الحجارة ليقذفها نحو جنود الاحتلال، أو يبسط يديه بحماس ليأخذ من أمه حفنة تراب من أرض فلسطين، أو يعطي وردة لبيروت، أو يكتب على الجدران: فلسطين الوطن.
مشهد أخير يلح عليّ: مَلاك التاريخ كما تَصوره فالتر بنيامين. رآه بنيامين متجسدًا في لوحة بول كلي الشهيرة، تدفعه عاصفة الماضي إلى الأمام، لكنه لا ينظر إلى المستقبل، فعيناه على حطام التاريخ خلفه. منذ بدأت الحرب على غزة يسهل تخيله في لوحته يحلق بعلو منخفض يكاد يلامس الأرض، يَنظر إلى حطام المباني والجثث والأشلاء في كوم يتعاظم حتى يكاد يصل للسماء.

1
الحروب تصنع سردياتها، لكنها لا تذكر أسماء الجميع. المهمشون هم الضحايا المنسيون، سواء أكانوا مدنيين أم مقاتلين صغيري الرتبة، يظلون خارج السرديات، بلا أسماء، لا يُعترف بهم إلا كأرقام أو مصطلحات سياسية وقانونية، يُختصرون في أجسادهم، كمخلفات للانتصار أو الهزيمة.هم موجودون كي يُدفع بالتاريخ إلى الأمام، كي يتحقق النصر، كي تتحرر الأوطان.
تحدث جرامشي عمن أسماهم بالـ«تابعين»، وهو مصطلح عسكري قديم، رتبة منخفضة في الجيش البريطاني، لكنه استخدمه ليشير إلى أولئك البعيدين عن السلطة، من لا يكتبون سردياتهم؛ بل يُكتب عنهم. أصبح المصطلح لاحقًا حجر زاوية لمنهجية في دراسات ما بعد الكولونيالية، تروي التاريخ من منظور من هم خارج الضوء، من لا يملكون أدوات إنتاج المعرفة. لكن من قلب تلك المدرسة طرحت جياتري سبيفاك السؤال الذي لم يرد أحد سماعه: «هل يمكن للتابع أن يتكلم؟»، وانتهت إلى أن الإجابة ببساطة؛ لا.
«تابِع»، كلمة تُوحي بشيء خاضع، منزوع الإرادة، ولهذا لا أستخدمها، لكن تعريف جرامشي يقترب من المعنى المقصود.
أفكر في الفتاة الصغيرة التي كانت سببًا في كتابة هذا النص، وأتذكر ما قالته سوزان سونتاج: الأشخاص في صور الحروب يظلون أسرى داخل أُطرها، بلا صوت، مطروحين للتأويل. ولا أنسى تحذير سبيفاك: قد تمحو بدورك هؤلاء من تريد أن ترفع عنهم المحو.
2
هناك استباحة قاتمة في الخطابات السائدة عن الفلسطينيين. لا أحد يكترث حقًا للفتاة الصغيرة وذويها، لا كذوات سياسية، ولا حتى كحياة تستحق الإنقاذ. هم مستثنون من القانون، مهمشون من الخطاب، وغير قابلين للرثاء.
هذا جوهر «الحياة العارية» عند جورجيو أجامبين: القانون لا ينظم الحياة فقط، بل ينتج حيوات يمكن استثناؤها وإبادتها. أما عند فوكو، فالسلطة لا تكتفي بإدارة الحياة، بل تشكلها عبر المؤسسات والخطاب، فتحدد من يُسمع صوته ومن يُمحى. تشاركهما جوديث بتلر بما أسمته بـ«الأرواح غير القابلة للرثاء»: من يُستثنى من الحزن لأنه لم يُعتبر يوما «صالحًا للحياة».
ليس صدفة أن يقول قادة الاحتلال «حيوانات بشرية»، فهي ليست مجرد إهانة، بل قاعدة للاستباحة.
ويتحدث القادة الفلسطينيون عن استمرار القتال «ولو سقط مليون شهيد»، ويختمون خطاباتهم الملحمية بجملة مقتضبة: «نقدّر تضحياتكم».
في الخطاب العالمي، الفلسطيني إما ضحية أو إرهابي. وفي الخطاب العربي، إما صامد أو خائن. التصنيفات تحدد من يُجرَّم، من تُبرَّرأفعاله، من يُسمع، ومن يُمحى. تعيد إنتاج السلطة.
لطالما عنت القضية الفلسطينية التحرر والعودة وإنهاء الاستيطان. لكن لسنوات، اختُزلت في ثنائيات عقيمة: مفاوضات أم كفاح مسلح؟ دولة أم دولتان؟ «فتح» أم «حماس»؟ لم يعد الفلسطينيون هم من يعرّفون قضيتهم، بل يجري تعريفها بالنيابة عنهم. المطلوب منهم فقط: الصمود.
لكن الصمود هنا أقرب للتضحية منه للمقاومة. لم يعد فعلًا بل امتثالًا. الفلسطينيون مرئيون بما يكفي ليُتحدث باسمهم، وغير مرئيين بما يكفي لئلا يُسمع صوتهم. القضية لم تعد عن البشر، بل عن الخرائط والحدود، عن الأمن القومي، لا الإرادة الشعبية. تتصارع النخب، تتفاوض لحماية بقائها، بينما يُغيَّب الفلسطيني قسرًا عن معادلة السياسة.
كانت جوديث بتلر، فيلسوفة الأمل، أقل سوداوية من أجامبين، انتقدت فكرة «الحياة العارية» لأنها تنزع الوكالة عن الناس، وتعطي السلطة وحدها حق منح الحقوق. وحذّرت من «سياسات الإنقاذ» والطرق الرعائية التي تعيد إنتاج قمعهم باسم التمكين.
3
«الناس هم من يصنعون المدينة».
تقتبس كارما نابلسي هذه العبارة من «تاريخ الحرب البيلوبونيسية» لثيوسيديدس، وهو كتاب مُؤسِس في علم السياسة كُتب في القرن الخامس قبل الميلاد. قالها القائد الأثيني نيكياس وهو يحاول رفع معنويات جنوده أمام هزيمة محدقة، ليذكّرهم بأن أثينا ليست مجرد مكان مادي، بل شعب يجسد روحها وقيمها. رغم هزيمة الأثينيين وإعدام نيكياس، يظل المعنى قائمًا، وربما لهذا استعانت نابلسي بالاقتباس.
تكتب نابلسي من منطلق خبرتها الشخصية كفلسطينية في الشتات، ودبلوماسية سابقة مثلت منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة حتى 1990. رأت كيف تلاشى الفعل السياسي الفلسطيني بعد اتفاقية أوسلو، فضاعت المدينة وتشتت الناس.
في مقال «أن تكون فلسطينيًا»، تطرح نابلسي سؤالًا جريئًا: هل الهوية الفلسطينية كيان ثابت؟ بالنسبة لها، لا وجود لتعريف مطلق لما يعنيه أن تكون فلسطينيًا. فالهوية ليست جوهرًا ثابتًا مبهمًا يعتمد على ثقافة فطرية، بل فعل سياسي مستمر. هنا يتردد صدى حنا آرندت: نحن «نكون» من خلال الفعل. الهوية ليست بطاقة تُمنح، بل شيء يُمارَس، ويُعاد تعريفه باستمرار. أن تكون فلسطينيًا عند نابلسي يعني أن تكون جزءًا من إرادة عامة، فعلًا سياسيًا مستمرًا، ومقاومة ضد الجمود واحتكار السلطة.
ترى نابلسي أن الخطر في فلسطين لا يقتصر على احتكار النخبة للقرار، بل يمتد إلى محو معنى أن تكون فلسطينيًا. تفرد في مقالاتها مساحات كاملة لمقابلات مع لاجئين من مختلف الخلفيات الاجتماعية يتحدثون عن مطالبهم. فوجئتُ بآراء تضع العودة قبل حلم الدولة، وتحن إلى الحياة قبل التهجير أكثر مما تهتم بالكيان السياسي. لطالما صُورت تلك الأفكار كمقترحات نخبوية منفصلة عن واقع الناس. لعل هناك مطالب وحلول فلسطينية أخرى لا نعلم عنها شيئًا، لأنها ببساطة لا تجد طريقها إلى السرديات السائدة.
في مقال «العدالة كطريق للمضي قدمًا»، تحلل نابلسي كيف يساهم من يتحدثون باسم الشعب في محوه، عبر خلق سردية وطنية واحدة. تشير إلى تعدد فئات الفلسطينيين، سكان الضفة وغزة، اللاجئون في لبنان وسوريا والأردن، فلسطينيّو الداخل، والشتات، وتفاوت مواردهم وفرص حياتهم.
تختم نابلسي مقالها بعبارات قوية:
«هناك دور مهم وفعّال للدفاع عن القضية من قبل الأفراد الفلسطينيين، والنشطاء، والأكاديميين، والمثقفين الذين يتحدثون باسم شعب، خاصة عندما يكون هذا الشعب مهمشًا ومحرومًا من حقوقه. ولكن لا يمكن لهذا الدور أن يحل محل الحق الأساسي للشعب في التحدث عن نفسه. وعندما لا يستطيع ملايين الأشخاص ممارسة هذا الحق، يتحول هذا الدفاع إلى مشروع نخبوي بدلًا من أن يكون شعبيًا، ويفتقر إلى الشرعية الجماهيرية. إن الطريق نحو إعادة البناء الوطني، وتحقيق الهدفين التوأمين، وهما تقرير المصير وحق العودة، يشكلان الأساس الضروري الذي يمكن أن يضفي الشرعية على حل الدولة الواحدة أو الدولتين».
4
سخر بنيامين ممن يروون التاريخ كسردية المنتصرين. في لحظات الأزمات، يصبح استعادة الماضي فعلًا ثوريًا، لأن الحاضر يكشف الإمكانيات الضائعة. ولعل استرجاع تاريخ النضال الشعبي الفلسطيني اليوم، وكذلك نشأة منظمة التحرير الفلسطينية، يكشف لنا متى وكيف انحرفت الأمور. قد يكشف أيضًا لماذا، حين تعالت مطالب الإصلاح عام 2011، كان أولها إصلاح واستعادة المنظمة بصفتها ممثلًا لكل الفلسطينيين.
نص ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية على قيام المنظمة «كقيادة مُعبِئة للشعب». تعبير لا يخلو من ثقل. فالشعب الفلسطيني هو الضامن، هو الأصل.
عند تأسيسها عام 1964، كانت المنظمة مجرد إطار شكلي برعاية الأنظمة العربية. لكن بعد هزيمة 1967، التف حولها الفلسطينيون، وتحولت إلى حركة تحرر، سلاحها في يدها، وأوراقها على طاولات الدبلوماسية. رغم الخلافات الداخلية، صارت المنظمة في السبعينات أشبه بجسد ينبض، مجلسها الوطني يضم ممثلين عن اتحادات العمال والطلاب والنقابات، مما منحها شرعية شعبية واسعة. وفي انتخابات عام 1976، اكتسحت المنظمة المجالس البلدية في الضفة. كانت ممارَسة ديمقراطية فريدة في المحيط العربي، كما وصفها إدوارد سعيد.
لكن سعيد نفسه كان يرى التصدعات مبكرًا. في «مسألة فلسطين» (1979) حذّر من الهوة الطبقية بين الداخل والمنفى، ومن تركّز السلطة في شخص الزعيم. ظل في المجلس الوطني حتى استقال عام 1991، حين كان مسار «أوسلو» يَرسم مستقبلًا رآه مظلمًا. أسس «المبادرة الوطنية الفلسطينية»، كمسار ثالث بين «فتح» و«حماس»، مطالبًا بتمثيل يشمل كل الفلسطينيين. كتب لاحقًا عن الخديعة، عن «سلام بلا أرض».
كانت نهاية السبعينات وبداية الثمانينات فترة فارقة في تاريخ العمل الوطني الفلسطيني، فقد دشنت لمرحلة مركزية الجماهير في التنظيم، وكانت تلك هي الجذور الحقيقية للانتفاضة الأولى (1987-1993).
تزامن ذلك مع خروج منظمة التحرير من لبنان إلى تونس عام 1982، وتراجع علاقتها بقاعدتها الشعبية.
تحولت المجالس البلدية إلى ساحات للنضال، فحلها الاحتلال، تاركًا فراغًا ملأته الحركة الطلابية. لم يقتصر الأمر على جامعة بيرزيت وجامعات الأردن والجامعة الإسلامية في غزة. كان الفلسطينيون يعيدون اكتشاف القوة في التنظيم الشعبي، في اللجان، في العمل الجماهيري. يرصد يحيى السنوار، في روايته «الشوك والقرنفل» كيف تغيّر المشهد: تراجع العمل الفدائي وتقدم العمل النقابي والجماهيري. واستعاد المجتمع نفسه من الداخل.
ثم جاءت الانتفاضة الأولى. رد الاحتلال كان وحشيًا: اعتقالات جماعية، إعدامات، تكسير أطراف الأطفال. سقط أكثر من ألف شهيد وآلاف الجرحى. لكن النهاية لم تكن فقط بفعل القمع الإسرائيلي. في شهادته، يروي خالد فراج كيف تحوّلت الانتفاضة من فعل جماهيري إلى صراعات داخلية، كيف أغدقت الفصائل الأموال، كيف انتهى الأمر إلى اقتتال وعمليات تصفية، حتى صارت الانتفاضة ورقة تفاوض، وخفت أصوات الجماهير.
بعد عامين من «أوسلو»، وثّقت الباحثة سارة رُوي في «تقرير من غزة» (1995) كيف تحوّلت منظمة التحرير من حركة تحرر وطني إلى سلطة لا يلتف حولها الشعب، يسمونها «جماعة تونس». في مقابلاتها، قال أحدهم: «لقد متنا من أجلهم، ومعاناتنا هي التي أتاحت لهم المجيء». رصدت الشكوى من الفساد والعسكرة والتحكم بالموارد، ومن أن النظام الجديد بات يشبه ما قاومه الفلسطينيون لعقود. تنبأت أن ما رأته هو غضب قد ينفجر في ثورة، أو لا مبالاة تخنق أي إمكانية للفعل.
بعد ثلاثة عقود من دراسة رُوي، لم يتغير الكثير: فقط انقسمت السلطة بين «فتح» و«حماس».
فلسطين اليوم تبدو كطبقات بينها فجوات هائلة من الامتيازات والحرمان. في «تحرير صوت غزة» (2021)، ترصد رُوي هذا التفاوت، خمسون ألفًا يملكون كل شيء، ومليون وتسعمئة ألف يتلقون إعانات منظمة أونروا.
أشار سعيد -عرَضًا، قبل رُوي بعقود- إلى احتمالية الثورة في فلسطين حين تتسع الفجوة الطبقية بما يكفي، وأضاف أنها ما قد يؤدي إلى التحرير في النهاية.
لكن لن تتجسد بوادر ذلك التمرد الشعبي -على سلطة «فتح» و«حماس»- إلّا بعدها بعقود كما سنرى، وربما غضب أكبر سوف يجيء. اليوم هناك شيء يغلي تحت السطح.
5
بعد «أوسلو»، تبدّل ميزان القوة. وبشكل تدريجي، لم تعد الجماهير مركز الفعل، بل انتقلت السلطة إلى قبضة النخب، تحت سطوة الاحتلال ونظام فصله العنصري.
خلال التسعينات، استمر العمل الطلابي، وكانت انتخابات الجامعات مؤشرًا على شعبية الفصائل. لكن مع اندلاع الانتفاضة الثانية (2000-2005)، التي قامت على أنقاض أوسلو، تسلمت الفصائل المسلحة المشهد.
تراجع الحراك الشعبي أمام وحشية الاحتلال والجدار العازل. ثم حدث الاقتتال بين «فتح» و«حماس»، وانقسما في النهاية (2007)، وكان لذلك أبلغ الأثر على تواصل الفلسطينيين كمجتمع مترابط.
إلى جانب عوار «أوسلو» واقصائها فئات فلسطينية من المعادلة، عمّق الانقسام السياسي والجغرافي التشتت، وباتت القضية مهددة بالمحو من الداخل كما هي مهددة بمحو الاحتلال والعالم لها.
لكن عوّض الإنترنت جزئيًا ما مزقته الجغرافيا. في 15 مارس 2011، خرج آلاف الفلسطينيين في غزة والضفة مستلهمين زخم ثورات الربيع العربي. لم يكن حراكًا ضد الاحتلال هذه المرة، بل ضد السلطة. طالبوا بإعادة بناء المشروع الوطني من جذوره، بتحرير جميع المعتقلين السياسيين في سجون حماس وفتح، وانتخاب مجلس وطني جديد على أسس تضمن تمثيل كل الفلسطينيين: في الداخل، واللاجئين، والشتات، والضفة، وغزة، وتشكيل حكومة مستقلة وليس وفق محاصصة تعيد الأزمة.
تجاهلوا سلطة «أوسلو»، ورفضوا استمرار التفاوض مع الاحتلال قبل إعادة تشكيل منظمة التحرير ومجلسها الوطني، ودعوا إلى إنهاء الفساد والتنسيق الأمني.
رأوا أن إنهاء الانقسام السياسي لا يكون بصفقة بين «فتح» و«حماس» تُفرض على الفلسطينيين، بل بإعادة بناء المشروع الوطني وفق أسس واضحة.
لكنها كانت أضغاث أحلام.
بعد عقد كامل، في يونيو 2021، اغتالت السلطة الفلسطينية نزار بنات، الناشط السياسي المستقل، والذي ترشح ضمن قائمة «الحرية والكرامة» المستقلة، وكانت تنوي المنافسة في أول انتخابات تشريعية بعد الانقسام، قبل أن تُلغى بقرار رئاسي.
ولم تكن غزة أفضل حالًا. فخلال الذكرى الثامنة لحراك مارس، خرجت احتجاجات «بدنا نعيش» (2019) اعتراضًا على سوء الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الضرائب وانقطاع الكهرباء، فردّت حماس بالاعتقالات والقمع والتعتيم الإعلامي.
تبدو اليوم مطالب حراك مارس 2011 أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. كيف يتوقع البعض الخروج من هذا النفق، ومواجهة ماكينة الاحتلال وداعميه الجبارة في ظل الانقسام والانفراد بالقرار وتحييد الشعب؟ كابلات الإنترنت والمنصات توثق معاناة الناس ونضالاتهم وسردياتهم بمواجهة السلطة. لو تمتلك الجماهير نصف الآلات الإعلامية والموارد لدى «فتح» و«حماس»، وحرية التنظيم بلا قمع، لربما اختلف كل شيء.
ورغم محاولات احتكار المقاومة، نُظمت خلال العقد الماضي حركات للمقاومة الشعبية موجهة ضد الاحتلال، لا دخل للفصائل بها. مسيرات العودة الكبرى (2018-2019) أعادت اللاجئين إلى مركز السردية. ثم برهن إضراب الكرامة، في 18 مايو 2021، على قدرة الفلسطينيين لأول مرة منذ وقت طويل على تنظيم عمل جماهيري عابر للحدود بين المجتمعات الفلسطينية من الضفة إلى غزة والقدس وأراضي 48. كان الإضراب مصاحبًا لانتفاضة الشيخ جراح احتجاجًا على تهجير أهلها. ربما لم تكن هناك مكاسب فورية، لكن الإضراب أكد قوة العصيان المدني والمقاومة الاقتصادية كأدوات ضغط. ولهذا ضيق الاحتلال الخناق لاحقًا على النقابات والاتحادات بالقمع والمراقبة. ولم يكن وحده مع الأسف. واجه الفلسطينيون تنسيقًا أمنيًا من السلطة الفلسطينية ضدهم.
تعلمنا المقاومة الشعبية أنها لا تُهزم بل يتم احتواؤها. وهي أقوى عندما تكون لامركزية، متشظية، ومتعددة، حين لا تكون الفصائل مركزها، بل الناس أنفسهم.
حركة المقاطعة BDS مثال قوي. تأسست عام 2006 بدعوة من 160 منظمة نقابية ومجتمع مدني فلسطينية، تطالب بإنهاء الاحتلال، وتفكيك الجدار، وحق العودة، والمساواة داخل إسرائيل. ابتعدت الحركة عن مسار أوسلو والقرار 242، وتعتمد على مقاومة عالمية، لا مركزية، عصيّة على الاحتواء، ولهذا، لا يمكن القضاء عليها حتى مع ملاحقة ناشطيها.
الأنظمة القمعية المركبة لا تنهار فجأة -وإن بدا غير ذلك- بل تتآكل على مهل، تُستنزف اقتصاديًا وتُعزل سياسيًا، حتى ينقلب عليها الداخل والخارج.
6
كان العام الأول للإبادة مرتَعًا لدعاة الحروب، رغم اختلال ميزان القوة العسكرية الصارخ، والفظائع التي تتحدث عن نفسها. شظايا الماضي تخبرنا أنه لم يكن هناك أمل أبدًا في الانتصار بالقوة العسكرية وحدها. بدأت تلك الأصوات في الخفوت، لكن متأخرًا جدًا.
في السبعينات، أقرت الأمم المتحدة حق حركات التحرر في الكفاح المسلح، مما منح غطاءً قانونيًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وANC في جنوب أفريقيا، وSWAPO في ناميبيا. كما أن هناك «المسؤولية عن الحماية» (R2P)، التي تنص على واجب الدول في منع الفظائع ضد الشعوب. مثل غيرها من مبادئ القانون الدولي، تستخدم فقط حين تناسب القوى العظمى.
ليس السؤال إذن عن حق الفلسطينيين في المقاومة العسكرية أو شرعية التدخل لحمايتهم، بل هو تفكير في الرؤية الأوسع لمفهوم المقاومة في عالم حرب الإبادة، وغزة في مركزه.
7
لم ينهر نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية بعد، لكن بنيته المتداعية يقتات عليها تحالف سلطوي هجين. تداخلت الرأسمالية العالمية مع العسكرة واليمين الشعبوي، لتنتج وحشًا متعدد الرؤوس بشبكات تحالفات معقدة عابرة للحدود.
ولكن كلما تغوّلت السلطة، خُلقت معها إمكانات لمقاومتها لا حصر لها. الفارق الوحيد هو أن بعض أنواع المقاومة تعيد تشكيل الواقع وتستهدف عمق الهيمنة وأساسها بشكل جذري، بينما تظل أخرى مجرد اضطرابات تضاف لأرشيف من القصص التاريخية، تلك التي يعبر فوقها مَلاك التاريخ.
المقاومة ليست مجرد رد فعل، بل صراع جذري ضد مشروع استعماري يهدف إلى محو الوجود الفلسطيني، مدعومًا برأسمالية عابرة للحدود. وحروب اليوم هي في أساسها صراع على الموارد، ولا بد من قراءتها بوصفها مظهرًا من مظاهر العنف المرتبط بالرأسمالية. لذلك لم يكن عرض ترامب «شراء» غزة عبثيًا، ولا كان نتنياهو بعيدًا عن منطقه حين رأى أن حل الصراع هو تجاوزه، وإعادة تشكيل المنطقة كمشروع اقتصادي. جاءت اتفاقات أبراهام، وظهر «ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا» كامتداد لهذا التصور. الحروب لم تعد وسيلة لإنهاء الصراعات، بل أداة لإعادة تعريف السلام كاستثمار يخدم رأس المال.
وفي قلب هذه الديناميكية، يقع المجمع الصناعي العسكري، حيث أصبحت الدول والشركات شبكات توزيع وإنتاج للسلاح، وأصبح البشر حقول تجارب. لا يحيا هذا المركّب بالسلام، بل بالحروب المستمرة. إسرائيل نموذج صارخ، فاقتصادها قائم على تكنولوجيا السلاح، تعزز الحروب اقتصادها بدلاً من استنزافه.
أما دول الجنوب، التي رفعت يومًا شعارات التحرر من الاستعمار، فقد أصبحت زبائن أوفياء له. لم تعد تشتري السلاح لمعارك التحرير، بل توجه البنادق إلى الداخل للسيطرة وإخماد الأصوات. ولا مانع من تحويل التجنيد الإجباري من مشروع «وطني» مزعوم إلى عمالة رخيصة تخدم منظومة رأس المال.
لكن الجيوش النظامية ليست وحدها تروس هذه الآلة. التنظيمات المسلحة، نظامية كانت أو غير نظامية، هي جزء من النسق السياسي والاقتصادي القائم، وتندمج في الرأسمالية المعسكرة بطبيعتها. تأتي الأسلحة دومًا بشروط يُعاد توزيع السلطة داخلها بالطريقة ذاتها: نخب طُفيلية تتضخم، موارد تتكدس، ولاء يُشترى ويُباع.
وبهذا يصبح التناقض واضحًا: فبينما تُطرح الحروب باعتبارها وسيلة لحماية وتحرير الشعوب، فإنها في الواقع تعزز وتعيد إنتاج بنى السلطة. الحروب لا تستهلك فقط من يخوضونها، بل تخلقهم، وتبتلعهم في دورتها التي لا تنتهي. لا أحد يربح إلا من يصنع السلاح.
ومن هنا، تصبح مقاومة الاحتلال هي في جوهرها نضال ضد العسكرة بكل صورها، وهي في نهاية الأمر أيضًا نضال ضد الدول القومية التي تتحالف مع الرأسمالية العابرة للحدود، كما تحالفت يومًا مع البرجوازية الوطنية لمص دماء الشعوب. المقاومة ليست حكرًا على أحد، والتحرير لا يتحقق إلا بمشاركة جماهير تؤمن به كهدف وطني. لكن، في الخطاب المهيمن، باتت المقاومة مرادفة فقط للمقاومة المسلحة. هذا الاختزال يحدّ من قدرتنا على تخيّل أشكال أخرى للمقاومة يمكننا -غير المسلحين- من المشاركة فيها. فكما يمحو الخطاب المهيمن من ينحرف عنه، فهو ينتقص من قدرتنا على تقديم سرديات بديلة.
8
أعدتُ قراءة الإلياذة والأوديسة في العام الأول من الإبادة. بدت تلك الملاحم الأسطورية أقل وطأة من العالم.
لطالما أحببتُ الأوديسة. أتذكر مشاهدها جيدًا، بعكس الإلياذة. الآن أعرف السبب.
الإلياذة كابوس. كل شيء ثقيل، كل شيء محسوم مسبقًا. البشر مجرد أدوات، وقود لحروب لا يفهمونها، متورطون في نزوات الآلهة وصراعاتهم الصغيرة وانحيازاتهم التافهة. سبب حرب طروادة؟ تفاحة. الآلهة تعبت من الخلود، فقررت أن تلعب، والبشر يدفعون الثمن.
تدخلات ومؤامرات لا تنتهي. أثينا تخدع هيكتور ليقتله أخيل. أفروديت تسرق باريس من الموت. زيوس، كبير الآلهة، أراد إنقاذ ابنه، لكنه تراجع خوفًا من تمرد باقي الآلهة، وهكذا.
الإلياذة هي مستوى فريد من التعاسة، حيث يرقص البشر مع الآلهة رقصة الدماء والعدمية واللامعنى.
أما الأوديسة فتعيد البشر إلى مركز الحياة.
لا أعرف ما الذي حدث لهوميروس بين الكتابين (افتراضًا أنه من كتبهما حقًا). في الأوديسة، يظهر المعنى على استحياء.
أوديسيوس يفكر، يناور، يخطئ، يعيد المحاولة. هناك نبوءة بعودته، لكنها لا تخبره كيف ولا متى. أثينا تتدخل، لكن ليس كما في الإلياذة. لا تفرض عليه الطريق، ولا تهزم أعداءه. تراقب، تسخر، تضع الاختبار أمامه. القرار في معظم الأحوال له.
9
في 21 مارس 1960، احتشد آلاف المتظاهرين أمام مركز شرطة شاربفيل بجنوب إفريقيا، يهتفون ضد قوانين المرور العنصرية. اخترق الرصاص الجموع، وخلال دقائق سقط 69 قتيلًا وعشرات الجرحى. تلا المجزرة حظر أحزاب المقاومة السوداء، لكن الأفكار لا تموت بالرصاص ولا بالمراسيم الرسمية. الأفكار تتسرب بين الشقوق، والمقاومة تعيد تشكيل نفسها في المنافي والزنازين، وفي أركان الأوطان المقموعة.
جاء التحوّل الأول مع ولادة المقاومة المسلحة في الخارج. لم يكن الشتات منفى، بل منصة لإعادة التنظيم. تحوّل المؤتمر الإفريقي من حزب إلى حركة مقاومة عابرة للحدود، حصلت على اعتراف دولي، وأثبتت أن الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية. أما التحول الثاني فجاء من الداخل، مع تيار الوعي الأسود، حيث أصبحت المقاومة إعادة تعريف الذات وبناء الهوية، أدواتها اللغة والتنظيم.
في يونيو 1976، على بعد 50 كيلومترًا فقط من شاربفيل، كان هناك موعد مع لحظة فارقة أخرى. انتفاضة سويتو: آلاف الطلاب يتظاهرون ضد فرض اللغة الأفريكانية. يخترق الرصاص الأجساد، ويسقط الطفل هيكتور بيترسون محمولًا بين ذراعين. يُقتل المئات، ويعتقل ستيف بيكو -من قادة تيار الوعي- بعد عام، ويُقتل تحت التعذيب في زنزانته.
لكن في لحظة ما، يصبح القمع مكلفًا حتى على من يمارسونه.
مجزرة سويتو ومقتل بيكو فجّرا زخمًا دوليًا بُني على عقود من العمل الجاد. تصاعدت المقاطعة، تقلصت دبلوماسية بيانات التنديد، فُرضت العقوبات، وسحبت الشركات استثماراتها. وفي الداخل، لم تعد المقاومة مجرد انفجارات غاضبة وردود فعل، بل استراتيجية لشلّ البلاد. تأسست الجبهة الديمقراطية المتحدة (UDF) عام 1983، وتلاها اتحاد نقابات العمال (COSATU) عام 1985، لتمتد المقاومة أفقيًا عبر شبكات قاعدية جعلت العصيان سلاحًا يوميًا.
مقاومة نظام الفصل العنصري لم تكن أسطورة الكفاح المسلح، بل هندسة الصراع: التكيف، إعادة التشكيل، بناء التحالفات، شلّ البلاد اقتصاديًا، وفي النهاية التفاوض. كانت حرب أفكار في المقام الأول قوامها مشاركة الجماهير، والسلاح هو فقط أحد تكتيكاتها. ليس هناك أسلوب واحد للمقاومة، بل قابلية لا نهائية لإعادة ابتكار الذات.
10
قرأتُ مؤخرًا مقالًا لكاتب عربي في المهجر شبّه شعبه، في صمته المزعوم تجاه القمع وإبادة الفلسطينيين، بالمرأة المعنَّفة مسلوبة الإرادة. ثم اعتذرَ لا للنساء عن تشبيهه، بل للرجال الذين قد تُهينهم المقارنة، مستنهضا فيهم «النخوة»، وكأنه يكتب لجمهور من الرجال حصريًا. أعاد الكاتب إنتاج خطاب يلقي بالمسؤولية على الضحايا، ويختزل النجاة في قرار فردي كما توهمنا النيوليبرالية، متجاهلًا تعقيدات البنى التي تنتج العنف وتحدد إمكانيات مقاومته.
لكن حتى لو تجاوزنا هذا التشبيه، فجوهر المقال إشكالي: يُحمّل الصامتين المسؤولية عن قمعهم، متجاهلًا أنهم يرزحون تحت نُظم تحكم بالتهديد بالسجن، والتجويع. الصمت ليس خيارًا، بل نتاج اقتصاد النهب وسياسة الترهيب. والقمع لا يفرض الصمت فحسب، بل يعيد تشكيل من يحق له أن يتكلم، والخطاب المهيمن. ومع ذلك، يصر البعض على الدعوة إلى ثورة لا يعرفون كيف تبدأ، ثورة يجب أن تتولد من العدم، بلا بنية، بلا تنظيم، بلا سياق. مخطيء من ينتظر غضب الجماهير بدلًا من أن يُشمّر عن ساعديه وينخرط في تلك البيئة التي ينتظرها أن تثور لتنفذ رؤيته النضالية.
ليست هذه نبرة كاتب واحد، بل نزعة يمكن تتبعها. لا يزال مفهوم النضال عند بعض رفاق ثورات الربيع العربي يُختزل في احتلال الميادين والصراخ الغاضب في الشوارع دون خطة تنقل الغضب الجماهيري من خانة رد الفعل إلى استراتيجية مقاومة. هذا النوع من الخطاب لا يحرر، بل يعيد إنتاج علاقات القوة ذاتها التي يُفترض أنه يقاومها، حيث تُختزل المقاومة في صراخ غاضب يتضرع إلى السلطة أو إلى السماء، لا مشروع سياسي.
رأت جوديث بتلر بعد الحركات الاحتجاجية في 2011 أن التجمع الجسدي فعل سياسي في ذاته، لكننا نعلم من التجربة أن احتلال الساحات يتحول إلى طقس فارغ إن لم تكن هناك هياكل تنظيمية تسنده. ربما نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم التظاهر كتجسيد للمقاومة، فما معنى التجمهر في غياب شبكات نقابية، وإضرابات، وأدوات ضغط جماهيري؟ في السياقات القمعية، لا توجد وقفات احتجاجية تستقطب الجماهير، بل أعداد متواضعة ووجوه تتكرر، يُطارَدون ويلقى بهم في السجون، لتنطلق حملات إطلاق سراحهم، بينما يتوارى هدف الإحتجاج الأصلي. وهكذا نَحمل صخورنا ونتبع سيزيف.
وإن وُجدت الحشود وسُمح بها، فما معناها؟ هي مهرجانات أدائية تمنح النظم السلطوية شرعية زائفة، أو تمثل مشهدية تعاطفية بلا أفق للتغير.
هل «الصمت» هو ما يضايق الكتاب؟ أم غياب الصورة التي يريدونها للمقاومة؟ وما هي تلك الصورة المثلى؟ لعلهم فعلا لا يعرفون.
هؤلاء الموصومون بالصمت منهم من أطلق حملات لتوفير شرائح اتصال لغزة، أو كوّن تعاونيات إعلامية للرصد والتوثيق، أو انخرط في حملات المقاطعة التي وجدت استجابة عربية غير مسبوقة. في لحظة إدراك هائلة، أدركت الجماهير أن القوة الشرائية الجماعية أداة ضغط اقتصادية لا تُنتزع منها.
ولا تزال هناك فرص للتنظيم والمقاومة، لكنها لا تجد من يدعو إليها، لأنها ليست براقة كمنشورات الغضب، ولا شاعرية مثل لطميات الثورات المفقودة، ولا ملحمية كدعوات الحرب. في مصر وحدها، هناك أكثر من مئة ألف ناجٍ من غزة بلا مأوى ولا موارد. نشأت شبكات دعم عفوية من الأهالي، لكن مبادرات أكثر استدامة مطلوبة، وليس فقط كواجب تضامني.
ما يجمع ما سبق هو أنها تبدو وكأنها محاولات باهتة للتنظيم. تأتي المقاومة من حيث لا تتوقعها، في شبكات التضامن، في المجتمعات التي تعيد بناء نفسها من الداخل. تلك تخبرني أننا لم نمت بعد. نحاول ونفكر سويًا قدر الاستطاعة. حتمًا هي أكثر تأثيرًا من أفكار ملوثة مهزومة، لا تحلل الواقع، تعيد إنتاج السلطة، توصم الجماهير ولا تلهمها بالانخراط في حركات تحررية قاعدية، هي أساس فكرة المقاومة وأدبياتها.
11
الزمن عند بنيامين هو الزمن الحاضر، فالماضي قد يُستدعى إلى الحاضر، أما المستقبل فهو غير حتمي. هناك إحساس بالضرورة الملحة للتدخل، لانتهاز اللحظة المناسبة ومقاطعة التاريخ.
أما جرامشي، فيخبرنا عن أهمية حرب المواقع طويلة الأمد -التي تتغلغل في بنية المجتمع والقوى المهيمنة- كمقابل لحرب المعركة، أي المواجهة المباشرة.
والقراءات الجديدة للماركسية تخبرنا أن الثورة لم تعد حدثًا منفردًا ولحظة انفجار حتمي قادمة، بل هي محاولات مستمرة لتفكيك البُنى القمعية.
كل هؤلاء في النهاية يعزفون نفس اللحن: أهمية العمل الشعبي، محورية المهمشين، ضرورة تفكيك وتغيير السرديات المهيمنة.
ربما نتأمل في تلك الفتاة الصغيرة من غزة، ونتساءل عن معنى الصمود والمقاومة في عالم هي في قلبه.
يمكن أن تكون حرب الإبادة هي لحظة لإعادة صياغة الواقع كما نراه برؤية جذرية تتجاوز الخيارات التي تفرضها الخطابات المهيمنة، وتصادر قدرتنا على فهم محيطنا وذواتنا بتعقيداتها.
ربما نتفكر في موقعنا من السلطة، أي سلطة، هل نقف على يسارها، مع الناس وفي صفهم؟ ربما هذه هي اللحظة المناسبة لاستعادة سردية المقاومة.
ربما تكون هذه هي لحظة الخلاص التي أشار إليها بنيامين.
* كل الاقتباسات بين قوسين ترجمتها الكاتبة من الإنجليزية.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
خريف حزب الله
«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد