تفاهة التطبيع (1-3)
طُرحت مسألة التطبيع مع إسرائيل من جانب الأنظمة العربية والنخب الليبرالية باعتبارها الخطوة التي تلي الحرب: المنطق الذي يُقدم لنا هو أنه إذا كنا قد حاربنا وقاطعنا سابقًا، فإن علينا تجربة استراتيجية جديدة تجلب الأمن للشعوب وتضع حدًا لمعاناة الفلسطينيين، خصوصًا في ظل وجود الولايات المتحدة ضامنًا. غير أن الجماهير المُخاطبة بهذا التوجه لم تكن طرفًا في تلك الاتفاقيات المُهندسة، ولا تزال إسرائيل تدوس السيادة العربية وتواصل استعمارها في الأراضي المحتلة وتهدر الحق الفلسطيني.
في هذا المقال الطويل الذي ينشر «مدى مصر» ترجمته على حلقات، تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة».
نُشر النص الأصلي في The International Spectator، وتُنشَر هذه الترجمة بموافقة الكاتبة بموجب رخصة المشاع الإبداعي.
مقدمة
يمثّل إدماج إسرائيل دبلوماسيًا في المنطقة العربية، برعاية وإدارة أمريكيتين، رغم التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وانتهاك السيادتين الفلسطينية والعربية، مثالًا نموذجيًا على كيفية عمل سياسات «التطبيع» (Normalisation) بوصفها أداة لإعادة تشكيل الحيّز المكانيّ. يهدف هذا التحليل إلى مساءلة التفسيرات الواقعية والليبرالية السائدة لهذه العملية، والتي تركّز إمّا على منطق المَصلحة في السياسة الخارجية، أو على التعاون الإقليمي باعتباره طريقًا إلى السلام، وذلك من خلال طرح مفهوم «التطبيع الأمني بلا وساطة اجتماعية» (Desecuritisation without an audience)، أي إلغاء دور الجمهور وفاعليّته في عمليّة صنع السياسات الأمنيّة، بوصفه مدخلًا تحليليًا بديلًا.
اعتمادًا على الاستخدامات النقدية لنظرية الأمننة (Securitisation Theory)، أجادل أنّ «التطبيع» لا يقوم على إقناع الشعوب، بل يستند إلى نزعة معاملاتية-نخبويّة تعمل على تجاوزهم. ويعكس هذا المسار تآكلًا أوسع لمفهوم السيادة بوصفها «مسؤولية»، حيث باتت سياسات الدولة تخدم منطق رأس المال بصورة علنية، من دون حتى التظاهر بالسعي إلى اكتساب شرعية شعبية.
ويظهر الفحص التاريخي لمسارات إضفاء الطابع الأمني على العلاقة مع إسرائيل وتطبيعها أمنيًا من قبل الأنظمة العربية الحاكمة، انتقالًا بنيويًا من الاصطفاف مع القومية العربية والتضامن المناهض للاستعمار إلى منطق المعاملات النخبوية. عمّق هذا التحوّل من اغتراب الشعوب العربية وأسهم في توليد دورات متكرّرة من المقاومة في مواجهة محاولات المحور المستمرّ لفلسطين. ومن خلال مقاربة «التطبيع» ضمن منطق الرأسمالية العرقية، يكشف التحليل كيف يُستخدم التطبيع الأمني بلا وساطة اجتماعية لتسهيل التوسع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، وقمع الطموحات السياسية للشعوب الأصلية، بما يقوّض في نهاية المطاف الاستقرار الإقليمي بدلاً من تأمينه.
«لا أحد سيُلاحظكم، لا أحد سيهتم بمصيركم، ستُتركون وحيدين لتواجهوا مصيركم المحتوم»، هذا ما ورد في منشور ألقاه جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في 20 مارس 2025، في ذروة حرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، وأضاف المنشور: «لا الولايات المتحدة ولا أوروبا تكترثان بغزة. حتى دولكم العربية لا يهمّها أمركم؛ فهم الآن حلفاؤنا، يزوّدوننا بالمال والسلاح والنفط، ولا يرسلون إليكم شيئًا عدا الأكفان» (The New Arab 2025). تُبرز هذه الكلمات حصانة إسرائيل من أيّ عقاب على محوها لفلسطين، كما تُرسِّخها في إطار ما يُسمّى «التطبيع» الذي عَمِلت الولايات المتحدة من خلاله على إضفاء الطابع الرسمي على التعاون ما بين إسرائيل والدول العربية. والغاية من هذه المقالة التنظير للآلية الكامنة وراء هذه العملية، وتقييم نتائجها الجوهرية والعارِضة على فلسطين والمنطقة وما يتجاوزهما.
يتعامل الخطاب السائد في الدوائر الأكاديمية ودوائر صنع السياسات مع «التطبيع» بوصفه تقاربًا دبلوماسيًا بين خصوم سابقين. ومع ذلك، تبقى شروط هذا التقارب، وتكاليفه، وآثاره في تحويل الأعداء إلى أصدقاء، غامضة وخبيثة في آنٍ واحد (Lemay-Hebert & Visoka 2022). ولمعالجة هذا الشذوذ، أُخضع الطابع الاعتيادي الذي يُستحضَر به مفهوم «التطبيع» في الخطاب والممارسة على حدٍّ سواء للمساءلة، بهدف الكشف عن السياسة الكامنة خلفه، أو -كما سنرى- تعطيل الفعل السياسي الذي ينطوي عليه. يركّز التحليل التجريبي على «تطبيع» الولايات المتحدة لإسرائيل في المنطقة العربية، من خلال فحص أسباب اختيار الدول العربية إضفاء الطابع الرسمي على علاقاتها مع دولة توسّعية تواصل ترسيخ استعمارها لفلسطين وغيرها من الأراضي العربية. وتقدّم المقاربتان الواقعية والليبرالية التفسيرين الأكثر معقولية لهذه العملية، إلا أنّهما تعجزان عن تفسير مصادرها ونتائجها. فبينما تؤكد القراءات الواقعية الطابع المصلحي للسياسات الخارجية العربية (Fakhro 2024؛ Madani 2024؛ Schuetze 2024)، إذ يجادل الواقعيون بأنّ الدول العربية تُقايض الاعتراف السياسي بإسرائيل مقابل الحصول على الأمن.
لكنّ إسرائيل كشفت مرارًا هشاشة أمن وسيادة الدول العربية، بغض النظر عن تموضعها التعاونيّ. احتلّت وقصفت دولًا مثل سوريا وقطر، رغم أنهما لم تشكّلا تهديدًا لإسرائيل، بل في الواقع كانتا ترغبان في إقامة علاقات رسميّة أو التعاون معها. وعلى النقيض، يُسارع الليبراليون إلى الاحتفاء بتعاون الدول العربية وإسرائيل باعتباره مسارًا نحو الازدهار الاقتصادي والسلام (Press-Barnathan 2006؛ Dannreuther 2011؛ Ross 2022)، حتى وإن كان هذا «السلام» يأتي على حساب الحقوق الأساسية التي يزعمون الدفاع عنها، الحقوق التي يُفترض أنّها تميّزهم جوهريًا عن الواقعيين. ومع ذلك، لا يأخذ أيّ من المنهجين التجربة التاريخية التي تُظهر أنّ المصالحة الدبلوماسية من دون عدالة لا تنتج استقرارًا مستدامًا، فضلًا عن أن تُنتج «سلامًا» (Levine 2009). كما أنّهما يفشلان في تفسير السبب وراء انتظار معظم الدول العربية حتى عام 2020 لرسمَنَة تعاونها غير الرسمي مع إسرائيل، وعليه، فإنّ مسار «التطبيع» ما يزال أكثر إشكالية مما يُعترف به.
لتفسير هذا التحول، أعتقد أنّ ثمّة ضرورة لمراجعة نظرية الأمننة (ST) الخاصة بمدرسة كوبنهاجن، وذلك من خلال تقديم مفهوم «نزع الطابع الأمني دون جمهور»، والذي يُحيل إلى تحييد دور الجمهور في تشكيل سياسات الدولة بشأن المسائل الوجودية، واستبداله بحكم نخبوّي معاملاتي اعتباطي. يعكس المفهوم مفاعيل «النزعة المعاملاتية» (Transactionalism)؛ أي منطقُ «منطق المقايضة النفعية» النخبوي في السلوك السياسيّ، والذي يُفضِّلُ المصالح الرأسمالية الخاصة على السياسة، بوصفها وساطة في الصراع بين مختلف الفاعلين والمصالح، وعليه، فإنّني أدّعي أنّ النزعة المعاملاتية باتت تدريجيًا مبدأ ناظم للإمبراطورية الأمريكية ولعلاقاتها بحلفائها أو «تابعيها»، من خلال فرض رؤيتها للأمن مقابل فوائد نفعية قصيرة المدى لصالح النخب.
يُشير مفهوم «التطبيع الأمني بلا وساطة اجتماعية»، وفق الأدبيات التقليدية، إلى إزالة تهديد من مجال الأمن ونقله إلى «المجال العام السياسيّ» (Buzan وآخرون 1998، 29). لكن، ولكي يعمل مسار التطبيع الأمني، يجب على النخب أولًا إقناع المواطنين «الجمهور» بصحّة تقييماتها الأمنية. ومن خلال الانخراط الجدليّ مع مفهوم «الجمهور»، أعرّف «التطبيع الأمني بلا وساطة اجتماعية» بوصفه تفكيك التهديد دون معالجة مسبباته الأصلية، مع إعادة معايرته استعراضيًا وفقًا لتفضيلات نخبوية اعتباطية. في هذا الإطار، تُقَدّم سياسات الأمن بوصفها أمرًا واقعًا لا تربطها أيّ علاقة ذات معنى بالسيادة الشعبية، وتُفرَضُ من الأعلى للحفاظ على الهرمية والهيمنة، خصوصًا، وليس حصرًا، في الجنوب العالميّ. المؤكّد أنّ تأطير الأمن لطالما جرى في سياق البُنى الهرمية العالمية والتدخّلات الإمبريالية (Huysmans 1998). وعلى الرغم من ذلك، فإنّ ما أظهِرُه هنا هو تحوّل معرفيّ في إنتاج الأمن وتداوله اجتماعيًا، وذلك نتيجة التنكّر الأمريكيّ الصريح للنظام العالمي ما بعد عام 1945. يكشف هذا التحول عن الطبيعة الإتاوية للإمبراطورية الأمريكية، بوصفها نظامًا قائمًا على ابتزاز الدول التابعة عبر منطق الحماية مقابل الطاعة. في هذا السياق، تُزيح سياسات الأمن القيم والرؤى السياسية وحتى البشر أنفسهم، في خدمة هدف أساسيّ هو قمع ما تبقّى من أشكال المقاومة للإمبريالية الأمريكية. السياسات التي تجعل من الحيوات البيولوجية والسياسية والاجتماعية للناس العاديين أكثر هشاشة ممّا هي عليه. من هذه الزاوية، تخدم استراتيجية الولايات المتحدة في «تطبيع» العلاقات العربية-الإسرائيلية هدف محو الجغرافيات القائمة واستبدالها بـ«شرق أوسط» مُتخيّل. إعادة التشكيل هذه للسياسات الإقليمية تقتضي القضاء على العوائق الأصلية -السكّان الأصليين- أمام التوسع الاستعماري الاستيطاني لإسرائيل في فلسطين وما بعدها، لتخضع المنطقة بأكملها وتتحوّل إلى إقليم إمبراطوريّ أمريكيّ-إسرائيليّ، إقليم متخيّل بوصفه سوقًا جديدًا يتمحور حول البنى التحتية للتقنية المتقدّمة (High-tech)، وتقنيّات المراقبة والعسكرة.
يتكشَّف هذا الطرح في ثلاثة أجزاء. أبدأ بمراجعة مفهوم الجمهور في نظرية الأمننة (ST)، لإبراز إهماله المتزايد في عالم يصبحُ بشكل متسارعٍ قائم على النزعة المعاملاتيّة. ثمّ أُموضع «التطبيع» في إطار صعود الدبلوماسية الإتاوية الأمريكية، وأنظّر له بوصفه محاولة لـ«التطبيع الأمني بلا وساطة اجتماعية». وأخيرًا، أوضّح التحولات الأيديولوجيّة في ثلاث مراحل في مسار «التطبيع»، وأنظّمها زمنيًا من اتفاق «السلام» الإسرائيلي-المصري عام 1978 وحتى يومنا هذا. وهذه المراحل تتوازى مع: إمّا مخالفة القانون الدولي، أو التوافق معه، أو إزاحته من خلال النزعة المعاملاتية.
الأمننة ومشكلة الجمهور
ترتكز نظرية الأمننة على الدور المحوري لـ«الجمهور»، إذ تنتج النخب أفعالًا خطابية تحوّل من خلالها ظواهر عادية إلى تهديدات أمنية، وتعمل في الوقت نفسه على تصنيع القبول بالتدابير الاستثنائية لمواجهتها. ولكي يُنشأ تهديد ما أو يُلغى، يتعيّن على الجماعة السياسية، أي «الجمهور»، أن تقبل به أولًا (Buzan et al. 1998، ص 25). غير أنّ اشتغال هذه الآلية ليس بديهيًا، كما يُظهر باحثو الجيل الثاني في نظرية الأمننة. فمثلًا، تؤكّد ليني هانسن (2000) على تعددية الجماهير، كما تتعدّد آليات مشاركة هذه الجماهير في عملية الأمننة (Balzacq et al. 2016)، وكذلك ردودها المختلفة على الفعل الخطابي ذاته (Aradau 2018). والأهم من ذلك، أنّ بعض الجماهير تعارض خطابات الأمننة أو التطبيع الأمني، حتى عندما تكون عملية التطبيع الأمني ناجحة (Febrica 2017؛ Côté 2016؛ Guild et al. 2011).
وعلى الرغم من إخضاع دور الجمهور للفحص من زوايا متعددة، فإنّ القليل فقط أُنجز لمعالجة هذا الإشكال، ولا سيّما في ما يتعلّق بمعاييره. وليس هذا خللًا ثانويًا، إذ إنّ أخذ التحفّظات على دور الجمهور على محمل الجدّ يقتضي أن تعيد مدرسة كوبنهاجن النظر إمّا في آثار أدائية الفعل الخطابي، أو في الافتراض القائل بأنّ الأمن نتاج قبول اجتماعي نخبوي مشترك (McDonald 2008، ص 573).
والسؤال هنا، هو ما إذا كانت نظرية الأمننة (ST) قادرة على الاستمرار بعد تقليص دور «الجمهور» -وهو الدور الذي يمنح هذه النظرية كثيرًا من أناقتها وقوّتها التفسيرية، بوصفه التعبير عن فرضيتها الديمقراطية في مقاربة السياسات الأمنية. غير أنّ هذه الفرضيّة تفضي إلى إشكاليّة أنطولوجيّة: إذ تكشف دراسات الأمننة، ولو ضمنيًا، أن النخب هي التي تحدد في نهاية المطاف ما الذي يُعدّ «أمنًا». أمّا الجمهور، فلا يتجاوز دوره -في أفضل الأحوال- أكثر من مجرّد إضفاء الشرعية على هذا التعريف أو الاعتراض عليه، دون أن يمتلك قدرة فعلية على التأثير فيه.
ويبدو أنّ هذه الإشكاليّة هي التي تمثّل الجذر الأساسيّ لما يصفه باحثون آخرون بالطبيعة الخلافية التي لا يمكن تجاوزها لمفهوم الأمن (Hyusmans 1998)، أو ما يُسمّى بـ«منطقه الإقصائي» (Aradau 2004، 371). ويتجاوز هذا الإشكال مسألة قابلية تطبيق نظرية الأمننة خارج الديمقراطيات الليبرالية (Kapur and Mabon 2018؛ Wilkinson 2007؛ Bilgin 2011؛ Pratt and Rezk 2019). فالمسألة لا تتعلّق بتنوع الأساليب التي تعتمدها الأنظمة المختلفة في تأطير الأمن داخل المجال العام فحسب، بل تتعلّق، على نحو أعمق، بالمعالجة غير النقدية لدى منظّري الأمننة للطريقة التي تستدعي بها الأنظمة الديمقراطية مفاهيم «الاعتياد» و«الاستثناء»، أو تعبّئ الدعاية والأكاذيب[1]، من أجل تطبيع ممارسات عنصرية ولا إنسانية في الداخل، وعلى نحو أشدّ في الخارج (Williams 2015؛ Howell and Richter-Montpetit 2020).
وفي المقابل، من المضلل الافتراض أنّ القادة السلطويين لا يحتاجون إلى شرعية شعبية لتبرير سياساتهم الأمنة، إذ تعتمد هذه السياسات على الإقناع والدعاية، بالتوازي مع الممارسات القسريّة (Boussalis et al. 2023؛ Tripp 2019؛ Ayubi 1996).
لا تكمن هشاشة مفهوم «الجمهور» في تحديد مكوّناته بقدر ما تتمثّل في الهيمنة غير المتنازع عليها للنخب على تشكيل وتهدئة الرأي العام، من خلال قلب معايير الطبيعي والاستثنائي في حقل الأمن وما بعده. ومن ثمّ، فإنّ وجود جماهير تؤيّد تشديد الإجراءات الأمنية أو تخفيفها لا يثبت كون الأمن نتاجًا لقبول اجتماعي نخبوي مشترك (Intersubjective)، طالما تُقصى الرؤى البديلة، وتُسفَّه، وتُستبعد من المجال العام. ولا أقصد بذلك نفي الطابع الخطابي للسياسات الأمنية، بل مساءلة العلاقة بين الخطاب والأمن في شروطها التاريخية والسياسية.
التجذّر التاريخي لنظرية الأمننة: هل ما يزال «الجمهور» ذا صلة في عالم تحكمه المعاملات؟
إنّ انشغالي بنظرية الأمننة (ST) لا يعود لقيمتها التفسيرية الجوهرية في ذاتها، بل بوصفها نتاجًا متجذرًا في سياق اجتماعي محدد: أي النظام الذي تبلور بعد عام 1945، والذي جعل من حقوق الإنسان مبدأ تأسيسيًا في البنية القانونية والسياسية الدولية، وأعاد تأطير السيادة بوصفها «مسؤولية» (Peters 2009، ص 514). وقد انسجمت هذه الصياغة للسيادة مع المطالب التاريخية لنضالات الشعوب من أجل الحقوق (Glanville 2011؛ Getachew 2016؛ Pison Hindawi 2022)، غير أنّ تجلّياتها المعاصرة جعلت العنف باسم الأمن أكثر تكلفة على صورة ومكانة الفاعلين الأمنيين.
ومع تصاعد الرقابة العامّة، ومطالب الشفافية والمساءلة، خضعت ممارسة السلطة السيادية -داخليًا وخارجيًا- لضغط متزايد، الأمر الذي أجبر الدول على تبرير مجمل أفعالها العمومية (Hesford 2011). وبشكل متزايد، جرى تأطير الأمن بوصفه النظير المفهومي للعدالة (White 1985)- وهو تحول يمكن تتبعه لا في ميثاق الأمم المتحدة وأجهزتها ومعاهداتها فحسب، بل أيضاً في المعاهدات الإقليمية[2]، والمؤسسات الوطنية مثل وزارات «الأمن والعدالة»[3]. وقد مهّد هذا التحوّل المعياري الطريق أمام إعادة التفكير في كيفية تشكّل الأمن، وفي علاقته بالسعي إلى العدالة.
وفي هذا السياق المعياري تحديدًا -أي لحظة انتصار المبادئ والمؤسسات الليبرالية بعد الحرب الباردة- برزت نظرية الأمننة. ويحتلّ «الجمهور» موقعًا مركزيًا في هذا الإطار؛ انطلاقًا من الاعتراف بالدعاية بوصفها أداة لتنظيم العلاقات داخل المجتمع العالمي، من خلال إقرار السلوك المقبول ومعاقبة السلوك المنحرف. وقد أدّى هذا التصاعد في أهمّيّة الدعاية إلى ترسيخ الاتساق مع المعايير المشتركة بوصفه معيارًا أساسيًا لشرعية أفعال الدولة؛ إن لم يكن معيارًا لتعريف الدولة ذاتها (Macaj 2020).
أجادل هنا بأنّ تفكك النظام الذي تبلور بعد عام 1945 -النظام الذي وُلِدَت في إطاره نظرية الأمننة- قد أضعف على نحو جوهري قدرتها التفسيرية؛ فالعدوان العلني الذي تمارسه الولايات المتحدة على المعايير الوطنية والدولية، مقرونًا بإعادة ترتيب تحالفاتها، يقوّض الركائز الداخلية للنظام المعياري القائم، ويفتح الباب واسعًا أمام التحدّيات الخارجية. ويتجلّى ذلك في الهجمات الصريحة على التمظهرات المؤسسية للمعايير الدولية؛ مثل المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، أو المقرّرين الخاصين للأمم المتحدة، في مقدّمتهم فرانشيسكا ألبانيزي، التي كشفت الانتهاكات الكارثية للمعايير «الليبرالية» المزعومة التي ترتكبها إسرائيل بدعم أمريكي، بما في ذلك الفصل العنصري والإبادة والتطهير الجماعي. ويشكّل هذا كلّه مثالًا دراماتيكيًا على نهاية حقبة معيارية كاملة (United Nations 2025).
لم تعد الولايات المتحدة تتظاهر بأداء دور«القوة المهيمنة الخيّرة». فما ينكشف اليوم، بأوضح صوره، هو طبيعة النزعة المعاملاتية الإتاوية للإمبريالية الأمريكية. نحن أمام نظام هرمي «غير رسمي» تُقدّم فيه الولايات المتحدة لشركائها - أو «تابعيها»- «حماية عسكرية وإتاحة الوصول الاقتصادي إلى أسواقها»، مقابل الاعتراف بـ«هيمنتها» ومحاكاة «أفكارها وأشكالها السياسية» (Khong 2013، ص 1–2). وقد سعى باحثون وسياسيون ليبراليون، على مدى عقود، إلى التستّر على الطبيعة الإتاوية للهيمنة الأمريكية عبر ترويج خطاب مُضلِّل عن «النظام الدولي القائم على القواعد»، أي النظام الذي يعمل بالتوازي مع القانون والمؤسسات الدولية، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على واجهة ليبرالية (Dugard 2023). غير أنّ استدامة مثل هذا النظام لا تتحقّق إلّا عبر تحييد وتفكيك جميع المعايير والمؤسسات التي قد تُقيِّدُ من اعتباطيّة السُلطة المهيمنة؛ بحيث يصبح كشف التناقض مع المعايير المشتركة بلا جدوى، بل شبه مستحيل، بوصفه أداة بيد الضعفاء لمقاومة هيمنة الأقوياء (Macaj 2020).
ويرى يوين خونج (2013, 15)، أنّ النظام الإتاوي الأمريكي يتغذّى من استثنائية الولايات المتحدة، حيث يُعاد إنتاجه عبر اعتراف التابعين بـ«عظمتها» ومحاكاتها. وما ألاحظه بدوري هو أنّ هذا النظام الإتاوي، في عصرنا هذا، عصر «الرأسمالية ما بعد المتأخرة» -أي الرأسمالية وقد دخلت في طور بلغت فيه حدّ الاستنفاد التاريخي والتشبّع الكلّي لمنطقها السلعي، بما يجعل أزماتها البنيوية والأخلاقية والبيئية تفوق قدرتها على إنتاج، وتحقيق، وعود مستقبلية مقنعة*- لم يعد بحاجة حتّى إلى ادّعاءات أخلاقية، إذ باتت النزعة المعاملاتية وحدها كافية لإدامته، فالكذب يكفي «لإنجاز الأمور» (Bear 2024)، ما يجعل النظام اعتباطيًا، وإكراهيًا، وفي نهاية المطاف، غير مستقرّ. وهنا، تحديدًا، تكمن تفاهته؛ فاعتراف التابعين بتفوّق الولايات المتحدة اعتراف شكليّ، يشبه المدح المنافق لإمبراطور قَلِق أكثر ممّا يشبه الالتزام برؤية كونية متماسكة للقوّة.
ويقدّم مثال رسالة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، إلى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عام 2025، والتي امتدحه فيها على «شجاعته» في قصف إيران بصورة غير قانونية، وإجبار الدول الأوروبية على زيادة مساهمتها العسكرية في الحلف، مثالًا دالًا على ذلك. فلم تكن الرسالة مكتوبة بلغة الخضوع الأدائيّ فحسب، ولم تُستقبل جماهيريًا بوصفها إلّا مشهدًا تراجيديًا هزليًا، بل إن ترامب نفسه نشر الرسالة التي يفترض بها أن تكون سرّية، مستعرضًا ازدرائه للسرّية ومعيدًا تعريف أبسط الأعراف الدبلوماسية حتّى في علاقته بأقدم «الحلفاء» المفترضين للولايات المتحدة (Calculli and Macaj 2025).
أدّى التحوّل الجاري داخل الإمبريالية الأمريكية إلى ترقية النزعة المعاملاتية لتغدو مبدأ ناظمًا للسياسات الأمريكية (Bashirov and Yilmaz 2020؛ Spatz et al. 2021؛ Coates Ulrichsen 2025). ويمكن ملاحظة انتشار هذا المنطق في الانتقائية المنهجية المتزايدة للديمقراطيات الليبرالية (Huber et al. 2025). بل إنّ مؤسسات ودول الاتحاد الأوربّي، التي يشكّل الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان ركيزة مركزية في تعريفها الذاتي، تبنّت علناً ما وُصف بـ«النزعة المعاملاتية الفجّة» (Macaj 2025، ص 208)، في تحول نحو ما سمّي «مجتمعًا دوليًا رجعيًا» (Michelsen et al. 2025، ص 3).
يعكس هذا التحول عاملًا معاملاتيًا تُتاح فيه للفاعلين الرأسماليّين غير الحكوميّين المدافعين عن مصالح الشركات قدرة شبه مطلقة على تشكيل السياسات العامّة بما يخدم أجنداتهم، من دون أن يواجهوا قيودًا ذات معنى من المؤسسات التي يُفترض أنّها تمثّل السيادة الشعبية. وتقوم النزعة المعاملاتية على منطق «إلغاء الوساطة» (Disintermediation)، أي إزالة جميع المؤسسات والمعايير الوسيطة، بهدف تحقيق نتائج فورية ومباشرة (Kornbluh 2024). وهو ما يمثّل نظامًا معياريًا آخذًا في الانهيار، وعدائيًا بطبيعته للدور الذي يسمّيه باحثو الأمننة بـ«الجمهور» بوصف الجمهور فاعلًا تاريخيًا، ومفهومًا تحليليًا داخل نظرية الأمننة.
الدبلوماسية الإتاوية الأمريكية والتطبيع: «التطبيع الأمني بلا وساطة اجتماعية» في ثلاثة فصول
تشوّه النزعة المعاملاتية أبسط أشكال الوساطة السياسية الأساسية، وفي مقدّمتها الدبلوماسية -ذلك التقليد المؤسسي العريق القائم تاريخيًا على مبدأ احترام الكلمة حتى بين الأعداء (Sartori 2002، ص 125). إذ تختزل النزعة المعاملاتية الدبلوماسية وتحوّلها إلى فنّ «إنجاز الأمور» بلا قيد أو شرط، حيث تغدو الفعالية غطاءً للازدواجية أو الخداع، ولا يميّز هذا المنطق بين الحلفاء أو الخصوم: سواء من خلال منح الولايات المتحدة الضوء الأخضر لشنّ غارات جوّيّة على إيران في خضمّ التفاوض معها لانتزاع المزيد من التنازلات، أو الضغط على أعضاء «الناتو» إلى رفع إنفاقهم العسكري تحت التهديد بالعقاب، أو إكراه الدول العربية على توقيع اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل؛ الجميع يُعاملون بوصفهم «رعايا تابعين».
وحدها المقاومة تُحدِث فرقًا. إنّ سعي الولايات المتحدة إلى تحقيق «التطبيع» العربي–الإسرائيلي يجسّد هذا المنطق بأوضح صوره؛ فهدفه انتزاع الاعتراف الرسمي العربي بإسرائيل، وطمس المظالم التي حالت دون تحقّقه حتّى الآن، فضلًا عن طمس حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ومن خلال فرض اتفاقيات ثنائية، حيّدت الولايات المتحدة عمدًا الإطار القانوني للأمم المتحدة لإعادة إسرائيل في لحظة بلغت فيها انتهاكات لأبسط المعايير الإنسانية ذروتها منذ عام 1948. وما يسوّقه بوصفه «تطبيعًا» ليس سوى عملية جعل الشاذّ طبيعيًا، وتحويل مقاومته إلى فعل غير طبيعي: جهد منظّم لإزالة كلّ العقبات أمام التوسع الصهيوني تحت مظلة الإمبراطورية الأمريكية، مغلّف بخطاب «أمن الشرق الأوسط». إنّه إخضاع فوريّ (hic et nunc)، بلا وعد بمكافأة مستقبلية، ولا حتى بالتمويه الليبرالي القائم على «كسب العقول والقلوب» لتبرير الاستعمار وإضفاء الشرعية عليه (Owens 2015). وتكمن تفاهة النزعة المعاملاتية في أنّها تستغني عن الشعوب وسيادتها، وتزرع حالة من اللا شرعية المتجذّرة في العقد الاجتماعيّ. وهذا ما يمثّل نموذجًا مثاليًا لما يبدو عليه «التطبيع الأمني بلا وساطة اجتماعية»، أي دون أيّ دورٍ للجمهور.
تُظهر الاتفاقيات الثنائية التي توسّطت فيها الولايات المتحدة بين إسرائيل والدول العربية الارتقاء التدريجي للنزعة المعاملاتية لتصبح الأداة المفضّلة لجعل العالم آمنًا للإمبريالية الأمريكية والتوسع الإسرائيلي. فهي تكشف كيف تُقدَّم سياسات المحو بوصفها أفقًا للخلاص، بحيث تستبدل المعايير، والرؤى السياسية، وفي النهاية البشر أنفسهم، عبر تهجير أو إبادة أولئك الذين يقاومون ما يُسمّى بـ«التطبيع» ويُدافعون عن أرضهم وتراثهم. وتتجلّى هذه العملية في ثلاثة محطّات حاسمة من «التطبيع»، ترسم مسار تلاشي القانون الدولي أمام الإملاء المعاملاتي:
أولًا: مخالفة القانون الدولي (1978–1991)، كما تجلّى في «اتفاق السلام» الإسرائيلي–المصري برعاية الولايات المتحدة عام 1978.
ثانيًا: مزاحمة القانون الدولي (1991–2000)، منذ انطلاق «عملية أوسلو» حتى فشل قمة كامب ديفيد عام 2000.
ثالثًا: إزاحة القانون الدولي (2001–حتى اليوم)، منذ بدء «الحرب الأمريكية على الإرهاب» وصولًا إلى «اتفاقيات أبراهام»، بالتوازي مع تسارع الإبادة الجماعية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني منذ أكتوبر 2023.
تكشف هذه الفترات الثلاث، عند النظر إليها بوصفها مسارًا واحدًا، عن التحول التدريجي في النزعة المعاملاتية من كونها ممارسة ضمنية إلى مبدأ مؤسِّس، ومن نمط اشتغال كان يعمل إلى جانب النظام المعياري لما بعد عام 1945، إلى الأسلوب المهيمن للحكم الإمبراطوري اليوم.
الهوامش:
* يُستخدم مفهوم «الرأسمالية ما بعد المتأخّرة» هنا بوصفه توصيفًا نقديًا لطور معاصر ومتطرّف من الرأسمالية، تتجلّى فيه تناقضاتها البنيوية بأقصى درجات الوضوح، حيث تبلغ الرأسمالية حدّ التشبّع الكامل لمنطقها السلعي داخل جميع مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والبيئية. ويتميّز هذا الطور بالتسليع الشامل، والتشبّع الرقمي، والاستهلاك القهري، والتفاوت الطبقي الحاد، والإشباع الفوري، بما يجعل الآثار التدميرية للرأسمالية -من الاستغلال والاغتراب إلى التدهور البيئي- أكثر حضورًا من قدرتها على إنتاج وعود مستقبلية مقنعة. وينتمي المفهوم إلى تقليد ماركسي نقدي انطلق من «الرأسمالية المتأخّرة» كما صاغها إرنست ماندل، وتطوّر مع فريدريك جيمسون في تحليله للثقافة ما بعد الحداثية وتسليع أنماط العيش، قبل أن يكتسب استعمالًا معاصرًا في النقد الثقافي والسياسي لوصف حالة شعورية جمعيّة من الاحتراق الذاتي، والقلق، والإحساس بالانحباس داخل نظام شامل مأزوم يهيمن على كل شيء، ويبدو في الوقت ذاته فاقدًا أفقه التاريخي [المترجم].
[1] لقد جرى لاحقًا تفنيد الادعاء بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، وهو الادعاء الذي استخدمته الولايات المتحدة لتبرير غزوها للبلاد عام 2003 واحتلالها اللاحق لها.
[2] انظر مثلًا، المادة الثالثة من معاهدة الاتحاد الأوروبي: https://eur-lex.europa.eu/resource.html?uri=cellar:2bf140bf-a3f8-4ab2-b506-fd71826e6da6.0023.02/DOC_1&format=PDF.
[3] على سبيل المثال، في هولندا وجامايكا.
آراء أخرى
تفاهة التطبيع (3-3)
«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»
تفاهة التطبيع (2-3)
«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»
اتفاقيات التطبيع.. من الربيع العربي إلى نهاية الأساطير
«ليس مصادفةً أن من يقود التطبيع اليوم مع الكيان الصهيوني هي الدول التي قادت الثورة المضادة من قبل»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد