تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

مهنّد أبو غوش ورسائله من خلف السياج والحدود

محمد المجدلاوي
4 دقيقة قراءة
مهنّد أبو غوش ورسائله من خلف السياج والحدود

هذا المقال ضمن ملف «عزيزي مهنّد أبو غوش»، لقراءة الملف كاملًا يمكن الضغط هُنا.

قبل 15 عامًا، كانت غزة تكمل العام السادس من عزلتها التامة عن العالم منذ انتفاضة أكتوبر 2000، لا تقطعها سوى حركة بعض الأجانب العاملين في المنظمات الدولية وإشارات بث الفضائيات الإخبارية التي تنقل للعالم صور يوميات الغزيين الدموية. حتى شبكة الإنترنت، لم يكن نفاذ الأفراد إليها يسيرًا ولا استخدامها شائعًا ومُتاحًا بسهولة.

كانت تلك سنتي الأخيرة كطالب في الجامعة، وكنت اضطلع بمسؤوليات ومهام تنظيمية في الاتحادات الطلابية، التي كانت تعاني من الضحالة الخطابية والخواء التعبوي اللذين كانا يهيمنان على أنشطتها والمناخ الثقافي العام الذي يحيط بها، جراء تلك العزلة.

في ذلك الوقت، تسربت عبر مَن يصغرني سنًا من رفاقي مواد ورسومات إلى الجداريات والمنشورات التي نصدرها تتجاوز في الشكل والمضمون وبفارق ملحوظ مستوى الإصدارات المُعتاد، وحين استفسرتُ منهم عن مصدر تلك المواد، كان جوابهم لي هو المرة الأولى التي أسمع فيها اسم «مهنّد أبو غوش».

في تلك الأيام، بدت لنا، نحن المعزولون القابعون في غزة، نصوص ورسومات مهنّد من حيفا رسائل تأتينا من عالم آخر. فحيفا كانت -ولا زالت- بالنسبة لنا نحن الغزيون، النقطة الجغرافية الأبعد على سطح الكوكب، فأي مكان آخر في العالم يحتفظ لنا ولو نظريًا باحتمالية الوصول إليه، ولكن حيفا، أو تلك «الفلسطين» التي وراء السياج، فلا.

كما هو الحال مع غزة، نصوص ورسومات مهنّد تسربت عبر نشطاء آخرين لمخيمات اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان، وصار مهنّد جسرًا للتواصل بين حيفا وفلسطينيين وعرب آخرين من كل مكان، مسخّرًا لهذه الغاية مواهبه الاستثنائية ككاتب وفنان ومؤسس لحركة التدوين في فلسطين من خلال مدونته التي تحوّلت لمنصة تعارف لعشرات الفلسطينيين والعرب من كل الأصقاع، وكان مجرد ذكر اسمه كصديق مشترك في أي لقاء تعارف بين النشطاء في أي مدينة عربية أو أوروبية كفيل بإشاعة جو الألفة والود بينهم وتذكرة مرور لقلوب بعضهم إلى بعض.

حين زادت معرفتي بمهنّد، تكشفت لي ظلال أخرى له غير ذاك الظل الذي كان يحجب صورة وجهه في شعار مدونته، فالمعلق السياسي الساخر على وسائل التواصل الإلكتروني، والخطّاط والمصمم وصاحب النصوص البديعة، لم يكن سوى الجانب الظاهر من سيرته التي تحوي فصولًا مجيدة كان يبقيها دومًا مخفية في الظل، لم تبدأ حين دخل السجون الإسرائيلية طفلًا قبل زمن بعيد لستة أشهر اختبر فيها جسده صنوف الضرب والتعذيب، ثم عاد وهو طالب جامعي ليختبر ما هو أشد منها مجددًا في زنازين أجهزة أمن السلطة على خلفية «واقعة الاعتداء» على وزير الخارجية الفرنسي «ليونيل جوسبان» احتجاجًا على تطاول الأخير على لبنان ومقاومة شعبه الباسلة ووصفه لها بالإرهاب.

منذ نهاية التسعينيات وحتى لحظة اعتقاله قبل أيام، طورد مهنّد، ضُرب، أُصيب في المواجهات، صار الاعتقال والتوقيف بالنسبة له عادة كالتدخين، وترك سقوط رفاقه شهداء من حوله جروحًا غائرة في روحه كان يمكن بسهولة اقتفاء آثار ندوبها في النصوص والرسومات التي خطتها ريشته. ومن ماضٍ خضبه الدم وجُبل بتجارب الاعتقال والمواجهات ودخان الإطارات المشتعلة وقنابل الغاز، يأتي مهنّد كفلسطيني صاف ونقي من أي شائبة رضوخ لمنظومة القطع والوصل التي يفرضها مستوطنو المستعمرة، لا تتسع لاحتواء فلسطينيته إلا فلسطين واحدة كاملة متصلة في امتداد جغرافي وديموجرافي ووجداني واحد لا يأبه للتقسيمات الاستعمارية سواء لمَن هم داخل الحيز المكاني لهذا الامتداد أو خارجه، أو تلك المصممة على أساس الكود الافتتاحي لأرقام وألوان بطاقات التعريف بمختلف فئاتها التي يُلزَم الفلسطيني بإشهارها على حواجز التفتيش ليتسنى لإسرائيل تحديد أي إطار تنكيل مخصص لفئته.

لجذر كلمة «التواصل» وهو اسم التهمة التي تَعتقل بجريرتها إسرائيل مهنّد، معنىً يطابق ذاك الذي في جذر «اشتباك» وهو الفعل الذي قتلت إسرائيل من أجله باسل الأعرج، الصديق الأقرب لمهنّد. هذا المعنى ربما هو أكثر ما يفزع إسرائيل لأنه وهو يرتق مِزَق الجسد الفلسطيني ويوصلها ببعضها البعض، يمحي الحدود والحواجز العسكرية والأسلاك الشائكة ومكاتب دائرة الشؤون المدنية والمعابر وأي وسائل استعمارية أخرى تقطّع إسرائيل بها أوصال وحدة الشعب الفلسطيني وأراضيه، وهي عندما تُمحى لا يبقى من إسرائيل شيء، ولا يظل على الخريطة متسع إلا لفلسطين.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

خريف حزب الله

«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).